|
|||||
|
تتحقق
أطروحة جبرا
ابراهيم
جبرا
القائلة ان «كل
رواية عظيمة
يجب ان تعمل
على مستويين:
واقعي
واسطوري, وان
مدى نجاح
الكاتب يمكن
قياسه بمدى
قدرته على
دمج
المستويين
معا بصورة
مقنعة» في
مجمل ابداعه
الروائي
الذي يتسم
بعمله على
هذين
المستويين,
معا, وبقدرة
جبرا نفسه
على دمجهما
معا في عالم
تخييلي
تتداخل فيه
الحدود,
وتكاد تمحي
أحيانا, بين
ما هو واقعي
وما هو
أسطوري. وتعد
شخصية بطل
روايته «البحث
عن وليد
مسعود»(1) اكثر
تجليات هذا
التداخل بين
المستويين
في تجربته
الروائية
بعامة, إذ ما
أن تجد هذه
الشخصية
نفسها
مغلولة الى
عالمي
الواقع, حتى
تبدي
انزياحا عنه,
يحاول
الروائي,
عبره ومن
خلاله, صياغة
عالم أسطوري
يتناسل داخل
الرواية
بوصفه
معارضة
للعالم
الاول وليس
الغاء له,
يجد المتلقي
نفسه في
مواجهة
شخصية
روائية
فائرة بشبكة
تكاد تكون لا
متناهية من
المجازات
والرموز
والدلالات. وعلى
الرغم من ان
جبرا يحيل,
في الفصل
المعنون من
الرواية بـ«ابراهيم
الحاج نوفل
ينبش
الكوامن حتى
الفجر»,
السمة
الاسطورية
في هذه
الشخصية الى
الاسكندر
وجلجامش,
بمعنى انه
يحدد
مرجعيتها
ويجهر بها,
فان ما هو
أسطوري
يتجاوز
علاقة
المشابهة
بين «وليد
مسعود»
وهاتين
الشخصيتين
الى ما يبدو
حزمة من
الدلالات
الاسطورية
التي تتدافع
في الرواية
حتى لتكاد
تطغى على ما
هو واقعي, بل
تكاد تنفيه
أحيانا.
وتتجلى هذه
الدلالات من
خلال وحدتين
سرديتين
أساسيتين
تتفرع عن كل
منهما وحدات
سردية جزئية:
أولى تتصل
بما يعبر عن
امتلاك «وليد
مسعود» لقوى
وامكانات
مفارقة
للمألوف من
قوى البشر
وامكاناتهم,
وبما يعبر عن
معنى
اختفائه, ثم
دلالات هذا
الاختفاء في
فضاء جغرافي
له وجوده
السحري
والاسطوري,
هو الصحراء
وتتجلى
الوحدة
السردية
الثانية من
خلال
علاقاته
المميزة
بالمرأة
والأرض معا. فعلى
عادة
الابطال
الاسطوريين
يبدو «وليد
مسعود»
بتعبير «عيسى
ناصر», احدى
شخصيات
الرواية,
الذي يروي
جزءا من سيرة
طفولته, «كأنه
روح من عالم
آخر»(ص106), «تمكن
من سيطرة
مدهشة على كل
شيء»(ص66), و؛كان
قادرا على
بذل الجهد,
والتركيز,
والحزم,
والضحك
والحب, كلها
معا»(ص313), أي
على جمع
المتضادات
كآلهة
الاساطير.
كانت «علاقاته
تحتدم وتبرد
بتلقائية»(ص12)
فيبدو ساذجا,
وماجنا,
وخليعا,
تفترسه
لواعج الشبق,
أحيانا,
وقادرا على
ان يحول
التراب الى
ذهب بين يديه,
وذكيا وصاحب
بصيرة نفاذة
ومتزنا, ويفك
للآخرين,
لعامر ناجي
عبدالحميد «عقدته
اللفظية,
ويطلق لسانه
كالحصان
الجامح بين
أفكار
كالغابات
الكثيفة» (ص199)
أحيانا
ثانية. ولئن
كان ما يجمع
ذلك كله وصف «كاظم
جواد» لعودة «ابراهيم
الحاج نوفل»
من منزل وليد
مسعود «كأنه
عائد من
زيارة.. بطل
أسطوري»(ص69),
فان ما يعبر
عن «أسطرة»
جبرا لهذه
الشخصية
يتجاوز هذا
الوصف ليمتد
الى مناجاة
ابراهيم
نفسه الوليد
التي تشبه
طقسا تعبديا
تتتابع فيه
صفات الثاني
على نحو يذكر
بالأسلوب
القرآني في
وصف الذات
الالهية: «الرافض,
الرائد,
الباني,
الموحد..
العالم,
المهندس,
التكنولوجي,
المحرك
للضمير..»(ص322),
ثم الى
تشبيهه
بالاسكندر
وجلجامش
أيضا: «وليد ,
على نحو ما,
يذكرني
بالاسكندر
يوم حزم أمره
للحصول على
سر الخلود..
جلجامش فعل
ذلك.. فعل ما
فعل بأهل
اوروك, ثم
كبر وعقل
وحزم أمره
للحصول على
سر الخلود,
ولما حصل على
النبتة التي
ستهبه إياه
بعد الجهد
والآلام,
أكلتها
الحية, وخلدت
دونه»(ص308). ومع
ان هذا
التشبيه
يحدد السمة
الاسطورية
في شخصية «وليد
مسعود»
بمرجعية
بعينها,
وبدلالة
بعينها أيضا,
إلا انه لا
يستجمع
لنفسه ما
يعبر عن
محفزات هذه
السمة كلها,
وعما يعني
الوحدة
السردية
الاساسية
الاولى التي
ينطوي تحتها
معنى اختفاء
وليد
ودلالات هذا
الاختفاء في
الصحراء
أيضا. ويمكن
القول ان تلك
السمة تتجلى
بوضوح أشد في
هاتين
الجزئيتين,
فاختفاء
وليد يبدو «صورة
من صور
الانبعاث
التموزي
الذي يعني
قيامة
الحياة من
الموت».(2), وهو
ما يجد صداه
الامثل في
اختيار جبرا
الصحراء
فضاء
جغرافيا
لهذا
الاختفاء اذ
يعني هذا
الفضاء, فيما
يعنيه,
الأبدية
واللانهاية.(3) وتمثل
علاقة وليد
مسعود
بالمرأة
ابرز تجليات
تلك السمة
الاسطورية
في شخصيته,
المرأة التي
«هرب منها
واصطدم بها
في كل طريق
سلكه» (ص36), بدءا
من «ريمة»,
زوجته التي
قضت نحبها
شابة, ومرورا
بـ«حنان
الثامر» و»وصال
رؤوف»/ «شهد»
و؛مريم
الصفار»,
اللواتي
وقعن صريعات
هوى جارف له,
فأحببنه
جميعا «بشكل
غير معقول» (ص158),
واللواتي
بلغ
انجذابهن
اليه حد
الهوس به, أو
اصابتهن «بالجنون,
او
الهستيريا) (ص291),
ليس لانه كان
يحدث
انقلابا
جذريا في
حياة كل منهن
فحسب, بل
لامتلاكه
طاقة جنسية
خارقة تعزز
وصف ابراهيم
الحاج ونوفل
له بأنه أشبه
ما يكون ببطل
أسطوري أيضا. لقد
كان وليد ذلك
«الرخ الذي
يحملهن, ولو
يوما واحدا,
من وادي
الوحشة
والكآبة الى
أعالي
الجبال
المشرفة على
رحاب الدنيا»
(ص174), فيعيد
تكوينهن او
بعثهن من
رماد الجدب
الذي كن
يعانينه, فما
ان تتعرف
وصال رؤوف
اليه حتى تجد
نفسها أمام
ما يشبه
المعجزات
التي تساقط
بين يديها
معيدة خلقها
من جديد: «المعجزات,
انها تهبط
عليك من
السماء كصرة
ملأى
باللآلئ..
فجأة ترى بين
يديك روعة
الوجود
مجسدة.. وفي
لحظة عمقها
دهور سحيقة
تعرف كل شيء
وتنسى كل شيء»
(ص253), وما ان
تدخل أتون
التجربة معه,
حتى تهتز
الأرض تحت
قدميها
لتصبح خلقا
آخر غير الذي
كان عليه: «مع
وليد جاءني
ذلك الكشف
الغريب
بأنني أندمج,
أصير, أتداخل,
وأعود غير ما
كنته قبل ذلك»
(ص266). وعلى
الرغم من انه
لم يكن ثمة
قربى او
علاقة
مشروعة
بالمعنيين
الديني
والاجتماعي
بينهما, فقد
لبست السواد
عليه, بل «على
الانسانية
كلها» (ص274), حين
افتقدته, وما
قرارها بان
تلحق به الى
الارض
المحتلة, ثقة
منها بأنه لم
يمت, وبأن
اختفاءه
طارئ سوى
تعبير منها
عن «عودة الى
الاتصال به
بعد
الانفصال»(4),
أي عودة الى
القوة
الخالقة
التي بعثتها
من رميم
الخواء
الروحي
والجسد الذي
كان يفترس
ايامها
ولياليها
الباردة. وعلى
النحو نفسه
تتجلى
علاقته بكل
من «جنان
التامر»
و؛مريم
الصفار»,
ولعل من اهم
ما يميز
علاقته التي
تعبر عن
هوسها به
بقولها: «ما
استطعت أن
أحب أحدا بعد
الوليد»(ص237),
وفيما يتصل
بالسمة
الاسطورية
فيه, هو ما
يمكن عده
استثمارات
من الروائي
لأسطورة
عشتار وتموز,
اذ ما ان
توغل مريم,
بعد ان لحقت
به الى منزله
في بيروت, في
حمي ا قبلاته
اللاهثة فوق
كل جزء من
جسدها, حتى
يتعالى
همسها
الناحل علوا:
«وليد! أنت
رهريب! أنت
لعين! لعين!
حطمتني!
هشمتني!
أريدك,
أشتهيك,
سأقتلك,
وأقطعك قطعا
صغيرة, وآكل
كل قطعة فيك»(ص225),
وحتى يقول
وليد نفسه
لها, بعد ان
استبدت به
فتنة جسدها
المائر
كآلهات
الخصب, بـ«شهوة
محتدمة لا
تنطفئ».(ص152): «سيكون
مقتلي على
يديك»(ص228). وكما
لم يغو «تموز»
الآلهة «عشتار»,
بل كان ضحية
غوايتها, كان
وليد «ضحية
الغواية في
اغلب
الاحيان»(ص141),
وهو ما عب رت «وصال
رؤوف» عنه
أيضا بقولها
حين دعته الى
ركن منعزل في
منزل عامر: «فابتعدت
بضحيتي»(ص257).
واذا كان «الفكر
الاسطوري»
لا يقدم آلهة
او بشرا في
وضع من
التضاد
والتعارض.
انه يؤله
الانساني
ويؤنس
الالهي»(5), فان
فعالية
الرقص التي
يؤديها وليد
أمامها على
انغام
موسيقى
كورالية/
دينية, تبدو
فعالية
أسطورية
تعبر مريم
عنها بقولها:
«وليد, أهكذا
يكون
الانتقال من
- ما هي
كلماتك - من
الأنسنة الى
الألوهة?».(ص225) وهذا
الانتقال من
الانساني
الى
الاسطوري
يتبدى على
نحو أشد
وضوحا في تلك
الطاقة
الجسدية
الخارقة
التي كانت
لوليد أيضا,
او في «عزيمة
الكبش» التي
جعلت مريم
الصفار «منجذبة»
اليه, بل «مهووسة
به» لانه
كثيرا ما كان
يتركها وهي «منهكة
بلذاذة
الجنس»(ص147) أو
كان يمتلكها
بتعبير, «للمرة
العاشرة
وكأنها
المرة
الاولى)(ص822),
كما جعلت «وصال»,
قبلها, تحس
بانها تنبعث
من جديد بعد
كل مجاسدة
بينهما: «وتغلق
علي وعليك
محارتك عن
الدنيا كلها,
وتنزع عني
الثياب قطعة
قطعة,
وتجعلني
أهذي مع
هذيانك,
وتلتهمني
جسدا,
وتميتني
عشقا, لكي
أحيا من جديد»(ص275). وإذا
كانت الأرض
في هذه
الرواية
بعامة «تتجاوز
معناها
المألوف
لتصبح
مفهومة»
يتصل ببحث
الانسان عن
معنى لوجوده»(6).
واذا كان
اختفاء وليد
«يستمد
قيمته
ومعناه من
كونه توجها
الى وجود
حقيقي او من
كونه مواجهة
للقوى
المدمرة
التي لا
تتوقف بغير
الاتصال
بالجذر,
الأرض»,(7) فإن
المزاوجة
الدائمة لدى
وليد مسعود «بين
المرأة/ الأم,
المرأة/
الأرض.. التي
يفضلها
أخيرا حين
يهجر كل من
عرفهن من
النساء
ويذهب إليها»,(8)
و؛التي لم
يستطع يوما
أن يكف عن
التفكير
فيها» (ص35), تحمل
في طياتها
دلالات
أسطورية
يبدو الفداء
معها, وعبرها,
واحدا من أهم
مظاهرها
التي يفصح
وليد عنها
بقوله وهو
يرقب الوادي
والتلال في
موطنه
فلسطين: «إن
كان لك أن
تحيي بعذابي,
بموتي, يا
مدينتي,
فليعذبوني,
ولأمت»(ص244). وكما
يبدو ذلك
الاختفاء
تعبيرا عن
برمه
بالراهن,
يبدو بأن
فعالية
اسطورية
تتوجه نحو
المستقبل, إذ
ليست
محاولاته
الدائبة في
العثور على
أرض «يعيد
فيها غرس
جذوره»(ص68),
المعبرة عن
طقس اسطوري
يستهدف «تكرار
فعل الخلق
على نحو
تمثيلي
ورمزي»(9). سوى
رمز لرغبته
في انبعاث
جديد يخلص
ذلك الراهن
من فوضى
البداءات,
ويطلقه نحو
غد يتخلق
الانسان فيه
بشرا جديدا,
كما يقول
وليد مسعود
نفسه, ويؤذن «بحياة
تضطرم
وتصطخب
وتتناسل» (ص243)
كأنها طالعة
لتو ها من
بدء الخليقة. دوال
المستوى
الأسطوري في
الرواية: لئن
كان معظم
المنجز
الروائي
العربي
الأساطيري
يتسم بترجحه
بين شاغلين
رئيسيين:
سياسي
واجتماعي, أي
تقنعه بما هو
أسطوري, بنية
وصياغات
واشارات,
لتعرية
الواقع
السياسي
العربي
وللكشف عن
مرجعيات
الاستبداد
المهيمنة من
جهة, ثم
لتفكيك بنية
المجتمع
والوعي
الاجتماعي
العربيين من
جهة ثانية,
فإن هذين
الشاغلين
نفسيهما
يجدان
تعبيرهما
الامثل في
رواية جبرا
ابراهيم
جبرا «البحث
عن وليد
مسعود» التي
يتجلى ما هو
أسطوري فيها
بوصفه
فعالية
استعارية
يطمح
الروائي من
خلالها,
وعبرها, الى
تشخيص ما هو
واقعي
بوسائل غير
واقعية. ويمكن
تمييز
الشاغل
الاول,
السياسي, من
خلال امتلاء
المتن
الروائي
بالاشارات
المتواترة
الى القمع
الذي يبسط
سطوته
الغاشمة على
كل شيء,
والذي يبدو
جزءا من
حيوات الناس,
يعايشونه,
ويحاولون
التحايل
عليه, فهم,
حين يتحدثون
الى بعضهم
بعضا في شأن
ما «يلتفتون
حولهم
مذعورين
ويسألون: هل
سمعنا أحد?»(ص14),
تجنبا
للوقوع بين
براثن
السلطة التي
«تعطي الخبز..
بيد, وتسل ط
المقرعة..
باليد
الأخرى»(ص44).
وإذا كان
يحدث وليد
مسعود عن «الحرية
التي يطلبها
بنهم»(ص79), أو عن
عالم خال
«من الرعب,
والقتل,
والجوع,
والكراهية»(ص13)
خاصا بوليد
نفسه أحيانا,
فانه, في
احيان كثيرة,
شاغل
المجتمعات
العربية
المسلوبة
الارادة
والمكمومة
الأفواه: «من
الخليج الى
المحيط سمعت
صراخا, وسمعت
بكاء, وسمعت
أصوات العصي
والخراطيم
البلاستيكية,
والمخبرون
يملأون
العواصم
والقصبان,
يملأون
الذرا
والسفوح,
ورجال
بملابس
مدنية أنيقة
يروحون
ويجيئون في
سياراتهم
كألف مكوك في
ألف نول,
يسوقون الى
مراكز
الظلام
أناسا
بالعشرات,
بالمئات,
يضيعون في
متاهات
الأروقة
والزنازين,
ليرتفع في
الليل
والنهار صوت
السؤال
والانكار
والاعتراف,
صوت المطاط
يهوي على عري
الجسد,
لتتراكم
التهم
والأكاذيب
في الأضابير,
وتمتلئ
الأفواه
بالدم»(ص249). وكما
يبدو اختفاء
وليد تعبيرا
عن رغبته
بمواجهته
الموت
بالموت يبدو
في الوقت
نفسه تعبيرا
عن برمه
بالواقع
السياسي
العربي الذي
قاد الى
النكبة
الفلسطينية,
ثم الى
الهزيمة
الحزيرانية,
والذي كانت
تصوغه سلطات
سياسية
مولعة
بإنتاج
شعارات
خرساء لا
رصيد لها في
هذا الواقع: «ما
من حكومة
عربية إلا
وتصرخ
بالوحدة
وتضع في
الوقت نفسه
ألف حاجز بين
قطرها
والقطر
العربي
الآخر»(ص110). ويتجلى
الشاغل
الاجتماعي,
أي تفكيك
بنية
المجتمع
والوعي
الاجتماعي
العربيين, من
خلال متابعة
جبرا تقديمه
لأبطال
روائيين «يعيشون
حالة اغتراب
ويطمحون..
لوجود جديد
أفضل»(10),
ويتبدى ذلك
منذ تصديره
للرواية
بمقطع من
مرثية «ريلكه»
التاسعة,
الذي يعبر
بوضوح عن
لهاث انسان
العصر وراء
ما يحقق له
انسجامه مع
العالم حوله
وعن فجائعية
هذا اللهاث
الذي غالبا
ما ينتهي الى
الفراغ. فكما
يتضرع «ريلكه»,
في تلك
المرثية, الى
القدر ليعيد
له «كينونته
المضيعة»
يجد وليد
مسعود في
البحث عن
كينونته
أيضا, عن «ذلك
التوازن
الذي تحدث
عنه طوال
حياته, ولم
يجده قط»(ص13),
بسبب إمعان
المجتمع في
تناقضات
مريرة: «مجتمع..
موزع, مضطرب,
مائع, ينطلق
في كل اتجاه,
ولا ينطلق في
أي اتجاه»(ص34). كان
ثمة عداء
مستعر بين
وليد مسعود
وذلك
المجتمع, بل
بينه
والعالم كله,
وعلى الرغم
من انه
استطاع أن
يخلب
الآخرين
حوله
بقدراته
الاسطورية
الفذة, فانه
لم يكن يقوى
على
الانتماء «الى
أية أرض مائة
بالمائة, ولا
.. الى اية
طبقة مائة
بالمائة»(ص67).
كان يضطرم
رغبة في رؤية
العالم وهو «يتغير,
يتزحزح,
يتلون»(ص177), عل
حركته تلك
تحرره من ذلك
الاحساس
الجارح
باغترابه عن
هذا العالم,
وتستعيد
لهذا الأخير
نضارته
المهدورة.
وكما يبدو
المجتمع في
معظم المنجز
الروائي
العربي
الاساطيري
مستلبا
حضاريا بفعل
ما يتناسل
فيه من
خرافات, يبدو
مثيله في هذه
الرواية
أيضا, إذ
يعلل د.جواد
حسني, أحد
شخصيات
الرواية,
قطيعة وليد
مع ما حوله
بأن المجتمع
الذي ينتمي
اليه «مجتمع
تعصف به
الغيبية
صباحا ومساء,
وتوقعه..
فريسة سهلة
لضروب من
الغوغائية»(ص44). ولعل
من ابرز
البدائل
التي يقدمها
جبرا لذلك
كله في هذه
الرواية, هو
تثمين «العقل,
والحرية,
والابداع»(ص43),
ومواجهته
بالفداء,
الذي يفصح
وليد عنه
بقوله لأحد
الصحفيين: «الشجاعة
الوحيدة
التي تستحق
الممارسة هي
مجابهة
الموت
بالعضل,
بالفعل
العنيف, حيث
يكون في
الموت نفسه
غلبة على
الموت» (ص15), ثم «العقلانية»
التي لا تحرر
الناس من
ربقة التخلف,
وتجنبهم ما (يبرر
القسوة على
مستوى
الأفراد
ومستوى
السلطة معا» (ص44)
فحسب, بل
تكفل
للمجتمعات
الرازحة تحت
وطأة تلك
القسوة
خلاصها من
التبعية
الحضارية
وتوفر لها
مناخا من
الحرية
المبدعة
أيضا»(11). إن
الانسان في
رأي وليد
مسعود, هو
الكنز
الأثمن في
الوجود,
والحرية
ليست ترفا,
بل ضرورة,
ولذلك فان «تسليط
الارهاب, أو
التهادن مع
من يسلطه
دليل على عدم
إيمانك
بالانسان» (ص45),
والدور
الأهم لديه
هو «تغذية
الروح
الجديدة
المبنية على
العلم, على
الحرية, على
الحب, على
التمرد على
السلفية,
تحقيقا
للثورة
العربية
كلها.
والثورة
لديه ليست
مجرد تغيير
طبقي في نظام
الحكم, أو
مجرد وضع
اليسار مكان
اليمين, أو
بالعكس,
الثورة لديه
هي وضع
العربي في
خضم العالم
الكبير,
وإثبات
قدرته على
الصمود من
جهة, وعلى
العطاء من
جهة»(ص322), وهذه
الثورة لا
تتحقق بمعزل
عن الحرية,
الشرط
الاساسي
لفعالية
الخلق,
ولاستئصال
أوهام
الاستبداد
وصانعيه. بنية
الشكل
الروائي: تنتج
رواية «البحث
عن وليد
مسعود»
قطيعة تامة
مع تقاليد
الكتابة
الروائية
العربية,
وتقيم اكثر
من صلة مع
إنجازات
الرواية
الحديثة, وهي
لا تفعل ذلك
من خلال
توزيع
مادتها
الحكائية
على اثني عشر
فصلا, يحمل
كل منها
عنوانا ذا
حمولة شعرية
واضحة,
ومعبرة, على
نحو كنائي,
عن جوهر
الحدث الذي
يتضمنه كل
فصل, فحسب, بل
من خلال
انتاجها
سردا مو ارا
بمختلف
تقنيات
السرد
الحداثي,
بدءا من تيار
الوعي, الى
الوصف
الخلاق الذي
«ينزع الى
ابتعاث معنى»(12),
ويؤدي وظيفة
رمزية داخل
النص الى
الاستفادة
من تقنيات
الفنون, ولا
سيما
الموسيقى,
الى التداخل
بين نمطي
السرد
الاساسيين,
السرد
والعرض, وبين
انماطهما
الفرعية, الى
الاتكاء على
تقنية «التواتر»
(Frequence), التي
من أشكالها
الأربعة
الأساسية,
كما صنفها «ج.جنيت»
(G.Genette) , رواية
ما وقع مرة
واحدة مرات
عدة(13), إذ تقوم
كل شخصية من
الشخصيات
التي عرفت
وليد مسعود
عن قرب
برواية حدث
اختفائه, ثم
بتعليل
بواعث هذا
الاختفاء من
وجهات نظر
مختلفة يلقي
كل منها
المزيد من
الضوء على
شخصية وليد,
كما يلقي
المزيد من
الضوء على
الواقع الذي
دفع «وليد»
نفسه الى
اختيار ذلك
الاختفاء,
والى ترك
سيارته على
قارعة
الطريق
الصحراوي
الذاهب الى
سوريا, مخلفا
وراءه شريط
تسجيل فحسب «قال
فيه أشياء
كثيرة, ولم
يقل الشيء
الوحيد الذي
تحرق الجميع
الى معرفته:
إلى أين ذهب»(ص16). وإذا
كان مجمل
أعمال جبرا
ابراهيم
جبرا
الروائية
يعكس بوضوح
تام خصوبة
المؤثرات
الثقافية
الأجنبية
والعربية في
المنجز
الروائي
العربي, فإن
هذه السمة
تتبدى بوضوح
أيضا في هذه
الرواية
التي تعد
مثالا جهيرا
لمركب «روائي
جديد يجمع
بين أصالة
الفن القصصي
العربي
وحداثة
الرواية
العالمية»(14),
والتي لا
يكتفي جبرا
فيها
باستلهام «ألف
ليلة وليلة»
على مستوى
البناء
الفني, بل
يتجاوز ذلك
الى تضمين
السرد
بإشارات
مختلفة الى
عدد من
الأساطير
والرموز
الاسطورية
المشرقية,
كأسطورة
الطوفان,
وإغراء
عشتار
لجلجامش,
والى بعض
الحكايات
الخرافية
العربية,
والى بث
نصوص من
الشعر
العربي
القديم, والى
استثمار
أجزاء من
المحكي في
التراث
السردي
العربي, ولا
سيما حكايات
ألف ليلة
وليلة, كما
في قول مريم
الصفار وهي
تعبر عن
غبطتها
العارمة
بوصولها الى
بيروت, قادمة
من بغداد,
للقاء وليد
مسعود: «ساعة
حطت الطائرة
في مطار
بيروت.. شعرت
كأنني
انطلقت من
قماقم
سليمان.. هذي
أنا, مريم
الصفار, جنية
تمردت على
ظلم سليمان,
وكسرت ختم
الرصاص..
تملأ فضاءات
الدنيا
ورحابها,
وتحت قدميها
تغور
وتتلاشى مدن
النحاس»(ص217),
كما يتجاوزه
الى المنجز
الأسطوري
للآخر
الأوروبي, ك-:هرقل,
ويولسيس,
وآخيل, ودون
جوان, وجونو,
وأسطورة برج
الجدي
والعذراء
الاغريقية,
وسوى ذلك
كثير. وبعامة,
فان فعاليات
صوغ المحكي
تتحرر من
هيمنة
الراوي
الواحد, الذي
يستبد, عادة,
بمهمة
انجازه وحده
لتلك
الفعاليات
وبإخضاعها
لصوته
الايديولوجي
أحيانا, إذ
يتم تقديم
المادة
الحكائية, بل
الحدث
الواحد, حدث
اختفاء وليد
مسعود, من
خلال شخصيات
متعددة في
الرواية,
تبدو جميعا
أجزاء من ذلك
الحدث,
وشاهدة عليه,
ومساهمة فيه
بنسب
متفاوتة.
بمعنى
انتماء تلك
الفعاليات
الى ما يصطلح
عليه بـ«الرؤية
المجسمة»
(Vision Strereoscopiques), أو
«التبشير
الداخلي
المتعدد»
(Focalisation Interne Multiple), أو
«الرواية
البوليفونية»
(Roman Polyphonique) . ويبدو
المحكي
برمته في
الرواية
استرجاعا
لأحداث
سابقة على
راهن السرد,
وإذا عد
المرء هذا
الاسترجاع
وحدة سردية
كبرى, فان كل
قسم من أقسام
الرواية,
الاثني عشر,
التي تشكل,
في مجموعها,
ذلك المحكي,
يبدو وحدة
سردية صغرى,
بل استرجاعا
أصغر ضمن
استرجاع
كبير, ويتضمن
بدوره,
وداخله,
وحدات سردية/
استرجاعات
أشد صغرا.
ويفصح القول
التالي
للدكتور
جواد حسني,
الذي يتصدر
الرواية: «تمنيت
لو ان
للذاكرة
أكسيرا يعيد
إليها كل ما
حدث في
تسلسله
الزمني,
واقعة واقعة,
ويجسدها
ألفاظا
تنهال على
الورق»(ص11) عن
امتلاء
الرواية
بمفارقات
سردية كثيرة,
باسترجاعات
واستباقات,
والى الحد
الذي يبدو
معه ان لكل
قسم ايقاعه
الزمني
الخاص, بسبب
نهوض شخصية
بعينها
بأداء مهمة
انتاج
المحكي فيه.
وبعامة, فان
مجمل هذه
الاسترجاعات
والاستباقات
داخلي, ليس
لأن المحكي
كله, ومن جهة
الشخصيات
جميعها التي
تنتجه, يبدو
معنيا
بشخصية وليد
مسعود,
بماضيه على
نحو أدق, أي
قبل أن يدع
سيارته على
قارعة
الطريق
الصحراوي
ويختفي, فحسب,
بل أيضا, لان
مجمل هذه
الاسترجاعات
والاستباقات
متضمن في
الحقل
الزمني
لحكاية وليد
مسعود من جهة,
ولأن
الحكاية
داخل
الحكاية
تبدو
المنظومة
السردية
المهيمنة في
الرواية من
جهة ثانية. وت
عد الرواية
في هذا
المجال أغزر
نتاج جبرا
الروائي
وأكثره
امتلاء بـ«الخلاصات»
و؛الحذوف»
معا, بسبب
صدور المحكي
فيها عن اكثر
من راو /
شخصية, ينتج
كل منها
الايقاع
الزمني الذي
يكاد يكون
مغايرا
تماما لسواه
من
الايقاعات
الزمنية
التي تنتجها
الشخصيات
الاخرى.
فالدكتور
جواد حسني,
على سبيل
المثال, الذي
يسهم في
انتاج
المحكي
الروائي,
يختزل خمس
عشرة سنة من
حياة وليد
مسعود في اقل
من سطر,
مكتفيا
بالإشارة
الى عمل وليد
في البنك
العربي
خلالها.
وبعامة, فان
معظم الحذوف
في الرواية
ينتمي الى
النمط
الافتراضي,
أي النمط
الذي تستحيل
فيه «موقعة»
الزمن
المنقضي عند
استئناف
الحكاية(15),
كما في
انتقال عيسى
ناصر, الذي
يروي سيرة
طفولة وليد
مسعود, من
الحديث عند
مغادرة
أولاد مسعود
الفرحان
مقاعد
الدراسة, الى
الحديث عن
سفر وليد الى
ايطاليا
لدراسة
اللاهوت, إذ
لا يمكن
معرفة
المسافة
الزمنية
الفاصلة بين
هذين
الحدثين من
جهة, ولا
معرفة كم
المسكوت عنه
بينهما من
جهة ثانية. وتتسم
شخصية وليد
مسعود
بكثافتها
النفسية
العالية
التي يختلط
فيها
الواقعي
بالاسطوري,
والتي يتم
تجسيدها
روائيا من
خلال هذين
المستويين
اللذين
ينموان جنبا
الى جنب.
وتجدر
الاشارة هنا
الى أنه على
الرغم من أن
وليد مسعود
يبدو بطلا
غائبا/ حاضرا,
بمعنى انه «موجود
في غيابه
وحضوره
ومؤثر في كل
شخصية مهما
كان موقفها
منه رافضا أو
مؤيدا»(16), فان
ذلك لا يعني
انه «شخصية
طاغية, باطشة,
وهو وحده
الغاية, وكل
من حوله
وسائل»(17), او «وسائط,
ناقلة
للمعلومات»(18),
أو أن وليدا
نفسه «تركيب
فكري ذهني»(19),
بقدر ما يعني
تقنية فنية
توسل بها
الروائي
لتجنب
الوقوع فيما
اسميه: «أوتوقراطية
الصوت
الواحد»,
ولعل من أكثر
السمات
بروزا في هذه
التقنية هو
حرص الروائي
الواضح على «غموض
شخصية وليد
مسعود
الاسطورية
حتى آخر
صفحات
الرواية حتى
لتشكك احدى
الشخصيات في
وجوده أصلا
وتعتبره
جماعا
لشخصياتها»(20). وثمة حمولة دلالية واضحة في اسم وليد ونسبته, وتتجلى هذه الحمولة من خلال امتلاك وليد الكثير من السمات النفسية الدالة على عدم مغادرته قيم الطفولة, التي من معانيها تعلق الطفل الدائم بحضن أمه/ الأرض كما تتبدى في الرواية, وامتلاء أيامه بمعاني البراءة, والنقاء, والطهر. وما اختياره لاسمه بنفسه(21), سوى اشارة الى ما يؤكد ارتباطه بتلك القيم ارتباطا وثيقا. ومع ان نسبته, مسعود, تحيل الى اسم أبيه, إلا انها تشير الى مفارقة دلالية واضحة بين الجذر اللغوي ا | |||||