الأنوثة والرومانس في الكتابة النسائية
من غادة السمان حتى أحلام مستغانم

فاطمة المحسن


سنجد أنفسنا ونحن نحاول تعريفا لما يسمى »أنوثة الادب« الذي تكتبه المرأة, الاستعانة بمصطلح يبدو شبه ثابت, ولكنه يتحرك على هوامش متغيرة حسب الازمنة والامكنة. فالانوثة هذا التعبير الذي يلصق بكتابة المرأة, هو محض إفتراض قد يقبل الدحض, مثلما يقف على براهين تجيزه, شأنه شأن الكثير من التوصيفات او التأويلات التي يلجأ اليها النقد كي يمسك بالنص أو كي يرسم زاوية النظر المنهجية. بيد ان من المبالغة بمكان ان نعتبر أداء المرأة الكاتبة لايمت بصلة الى طبيعتها او مشكلاتها او نظرتها الى الحياة التي تكتسي في الغالب طابعا مختلفا عن الرجل,وتلك في المحصلة تشكل هوية الكتابة النسوية التي نسميها أنثويتها . غير ان تلك الانثوية تبقى تخضع الى احتكامات مرحلتها وثقافة زمانها,  فما مثلته أنثوية رواية جين أوستن تختلف قليلا او كثيرا عن تمثلات رواية فرجينيا وولف, والاخيرة لاتشابه تجربة آيرس مردوخ الابداعية, مع انهن يتشاركن في موروث أدبي واحد ويمتحن من مصادر البيئة الثقافية والاجتماعية ذاتها. وهنا يبرز فارق الزمن  الذي مايز كتابة عن أخرى في التعبير عما يسمى التجربة الانثوية. كذا الحال عربيا, فليس بمقدورنا ان نجد علاقة بين ما كتبته رائدات عصر النهضة وبينهن عائشة التيمورية ولبيبة هاشم, وما مثلته قصة سميرة عزام او اميلي نصر الله, مثلما تختلف هذه الاخيرة عن تجربة ليلى بعلبكي  وكوليت خوري  ثم غادة السمان.

والحال ان الانوثة في الكتابة هي قواعد ومعايير يؤثر فيها السلوك الاجتماعي والثقافي العام, قدر ماهي نتاج حساسية وثقافة الفرد المعني بالتعبير عنها كاتبا كان ام كاتبة. وان جاز لنا هذا التصنيف على نحو مختلف, فلنا ان ننسب كتابة المرأة الى سلالة من الرجال الذين يمثلون مرحلتها أكثر من انتسابها الى تجارب نسائية تسبقها.

بيد ان هذا الافتراض يخضع الى اعتبارات تتعدى الزمن وثقافة  المرحلة, فالانوثة اذا كانت تخضع الى تمثلات الوعي العام وتأثيرات البيئة والثقافة المحلية,تقوم في كل الاوقات على مشتركات فيما يسمى  الاداء الانثوي, وتكاد تكون تلك المشتركات واحدة ومتكررة ومتواترة على امتداد العصور. فما ارتبط بالانوثة من لين ورقة ونعومة يصبح العنصر الذي يحدد الهوية الانثوية, ويضع الشرط الاول للكتابة عن المرأة او لتشخيص نوع الكتابة النسوية. فالرجال الذين يكتبون عن المرأة او يكرسون أقلامهم لتصوير عوالمها ومواضيعها, يجدون انفسهم في موقع القبول المسبق بشروط  النعومة والرقة واللين التي تسمى انوثة في نمط تمثلاتهم الخيالية عن المرأة. فعالم المرأة المرتبط بالجمال والحب والسحر هو بالضرورة رومانسي.  لاحظ إيليا الحاوي في كتابه (الرومانسية في الشعر الغربي والعربي) ان روح شعر الحب والغزل منذ إمرئ القيس حتى اليوم هي روح رومانسية حتى ولو كان شكله التعبيري والصوري والفكري كلاسيكيا. الجانب الرومانسي في شعر امرئ القيس عن المرأة والحب ينبع كما يرى الحاوي من فكرة »التوحيد بين المرأة والطبيعة في ذلك الشعور العفوي الحاد والعميق, وقد يكون منبعثا من حس رومانس عميق بفتنة المرأة والطبيعة معا«. وهكذا تواصل الربط بين المرأة والرومانس عبر كل المراحل في الشعر والنثر العربي.

 ظهور الرومانسية الحديثة  التي شهدها مطلع القرن العشرين في الادب الشامي والمصري, لم يكن فقط انعاكسا او تأثرا  بالموجة الرومانسية الغربية, بل ايضا بسبب تطورات اجتماعية وفرت حرية التعبير عن العواطف الجديدة  والحب الحضري المديني, بعد ان كان الحب عند القدامي يحمل مسحة متصحرة, كما حققت  تلك التطورات للمرأة العربية حضورا في الحياة بعد ان حجبتها الفترة الظلامية.

هناك نوعان من الكتابة الرجالية الرومانسية التي انعكست على كتابات المرأة او كانت الكاتبات قريبات من أجوائها: الاولى : الموجة التي استخدمت الانثى ذريعة لتصوير المثال الجمالي للفنان,وهي موجة كانت قد تحولت النساء على يدها الى معبودات يهيم في عالمهن الرجال. والثانية اعتمدت على  مابين المرأة والجسد كلذة وخطيئة من صلة وثيقة, كما عند الياس ابي شبكة. وفي الحالين تبقى المرأة وفق النظرة الرومانسية غير مكافئة لواقع حالها او للمشكلات العصية التي تواجهها,بل ويصر الكتاب على تجاهلها بالمثال الجمالي الذي يلغي وجودها. 

في تلك الاثناء برزت قصيدة نزار قباني  المختصة بالمرأة والانوثة وهي تحمل كل مواصفات  النص الرومانسي وتقيم الدليل على ان  فن الامتاع في الادب لن يكون ممكنا الا بالتقرب من الخيال الشعبي الذي يمزج بين  التسلية وصورة المرأة الجميلة.

الافتراض الذي يبنى على أساس ان المرأة  محض طرف في علاقة يشكل الرجل جزءا اساسيا فيها, يجعل الكتابات التي تصدر منها او عنها, تتلبس طابعا رومانسيا بالضرورة او هكذا تبدو في التجارب التي تغلب على الكتابة العربية الى يومنا . فالمرأة تمثل طرفا في علاقة تقوم على الحب والعواطف اولا, وحضورها لابد ان يصاحبه طقسه الخاص المتمثل بالرغبة الجنسية,ولن يكون بمقدورنا تسويغ تلك الرغبة ادبيا من دون وضعها في اطار رومانسي.

 دور المرأة في الادب يشبه دورها في الحياة, مكملة للمهمة التي خلق من أجلها الرجل, ومهمته ادارة الحياة, وهي مهمة متعددة الاوجه بما فيها وجه تمثلها أدبيا او التعبير عنها ادبيا.  تلك البديهية التي حبر النقد الفامنستي الصحائف من أجل ازاحة النقاب عنها وادانتها, لاتقدم ولاتؤخر في رسم صورة المرأة عن ذاتها كمبدعة,مثلما الحال في تخيل الرجل الكاتب لدورها في عمله الادبي.

 تجربة الحب  التي تبدو مصاحبة للتجربة الانثوية, او هي ان شئنا سدتها ولحمتها, تشترط او تفرض نمطا من الكتابة يبدو في النهاية مرتبطا بإبداع قد يكون واحدي التمظهر ويشكل الرومانس الجزء الاساسي من تمثلاته.

غير ان تلك التجارب غير متساوية عند الكاتبات انفسهن في الفترة التي انبعثت فيها الموجة الرومانسية في كتابة النساء. فلطيفة الزيات ونوال السعداوي مثلا,ظهرتا كممثلات لصوت النسوية في الرواية العربية من دون تلك الحمولة الرومانسية التي تنوء بها قصص ليلى بعلبكي وغادة السمان وكولييت خوري وحتى اميلي نصر الله. القاصات المصريات كن ينظرن الى تجاربهن وتجارب بنات جنسهن, بما فيها التجارب الجنسية, من خلال مختبر الوعي والمنطق,وبعيدا عن تهويمات الذات الرومانسية  والاحساسات الوجودية المضخمة.  وان كانت الزيات تضع الخبرة التاريخية في مقدم ما ينبغي ان يستهدي بها وعي المرأة, فان السعداوي تثور على جذور  التفرقة الدينية والاجتماعية.

 يتعين علينا  والحال هذا, تصور ان  قضية المرأة التي شغلت الكاتبات, كانت من بين اسباب تكريس صورة المرأة الرومانسية, وهي صورة فيها بعض إهمال للواقع, او مبالغة قد تبلغ حد الكاريكاتيرية في تصويره. وسنجد انفسنا في خيارات الكلام عن فاعلية تلك الكتابات,منحازين الى نمط من الكتابة البريئة من ذلك  الوعي  الناقص, فقد يسهم هذا النوع من الوعي في تحجيم امكانية الكاتبة في الافصاح عن شخصية المرأة الحقيقية, وبالتالي تقديم تجربة جديدة ومختلفة عما عرفتها الذاكرة الادبية المتداولة. وهذا يتوضح بقوة ضمن ثقافة التلقي العربية التي لاتستطيع الفصل بين ما تكتبه المرأة وتجربتها الشخصية. فتقاليد الكتابة النسوية القصصية مازالت هشة مع ظهور كاتبات تميزن عن الرجال قصصيا. السبب كما نتخيل يعود بهذا الشكل او ذاك, على عادات قراءة ادب المرأة التي لم تتغير كثيرا منذ بواكير اسهاماتها في القرن التاسع عشر. فالقارئ يريد كاتبته تتطابق مع صورة المرأة المرغوبة, أمثولة في الامتاع والجمال الجسدي الذي ينقله الى عوالم يفتقدها في واقعه.  غير ان القارئ غير مسؤول عن هذا الاشكال قدر ماتكرسه رغبة الكاتبات في ديمومة تلك الشروط المجحفة بحق تجربتهن, بوضعها ضمن إطار الشخصية المطلوبة والمألوفة والمتكررة عن المرأة.

يصعب على الكاتبة في أوقات كثيرة,تجاهل إغراء الامتيازات التي توفرها صورة النجمة الانثى المرغوبة اجتماعيا, إلا بفعل مقايضة من نوع آخر, وهي دورها كمناضلة او مبشرة بقضيتها المركزية, قضية المرأة. وفي الحالين تحدث حالة التوتر بين دوريها كأديبة ومبدعة وبين قضيتها. والمفارقة ان قضيتها ليست  قضية واحدة, فهناك مطلبان يتحركان في هاجس الكثير من تجارب الكاتبات العربيات:  الاول مطاليب الحرية التي تضعها الكاتبة مثل قائمة على طاولة عملها, والمطلب الثاني رغبتها الشخصية تقديم صورة النجمة  التي تمكنها إجتماعيا من الظهور بمظهر  الانثى المشتهاة. ولا نعرف مدى التعارض بين الدورين. غير ان ما قيل عن تخطي تابو الجنس في الكتابة النسائية قد حصر اداء  المرأة الابداعي  في زاوية وحيدة  وهي محاولة  التوفيق بين قصص الجيب الغربية,والرومانسية.

 في الحالين لن يكون للنوع الابداعي بما هو عليه الحال من فصل بين الفن وأغراضه, من جدوى الا في ميدان وحيد وهو ميدان العمل على اللغة. اللغة التي تغدو مصيدة القارئ الى هذا النوع من الادب, او هي الدليل القاطع على تمكن الاديبة من فنها, فما وصم به ادب المرأة في السابق من ضعف وركاكة لغوية, يجري التعويض عنها ببلاغة خاصة, بلاغة انثوية,تمايز الكاتبة عن كتاب مرحلتها على نحو لايقبل الدحض.

هذا النوع من الادب النسوي كان من نتاج مرحلة الستينيات, فكاتبات المراحل التي تسبقها كن في موقع الدفاع عن مكانتهن بين عالم أدبي رجالي في الاصل. فما عانته باحثة البادية (ملك حفني ناصف) اوعائشة التيمورية من طعون في أدبية أدبها, وما جابهته مي زيادة ونازك الملائكة من محاولات إلغاء وتهميش, ربما اسهمت في تحديد مصائرهن اللاحقة. كان شعور المرأة الكاتبة بالوهن والخوف من تجربتها ومن عدم قدرتها على الصمود امام تجارب الرجال وراء انكفاء او انسحاب العديد منهن من الساحة الادبية.

جاءت تجربة الستينيات وما سبقتها قليلا, في كتابة المرأة لترد على تلك الاحباطات بكتابة شجاعة ومنفتحة ومتحدية,بل مهاجمة لأكبر المواقع التي انطلق منها تابو الكتابة وهو الجنس.

 لعل تجربة غادة السمان تقدم أمثولة لنوع الكتابة الانثوية  المتحدية التي لم تهادن في معركة كانت قد صممت على ان تربحها وتتفوق فيها على الرجال انفسهم.نهج غادة السمان في الكتابة ولغتها أصبحا تقليدا يتداوله الرجال وليس النساء فقط., وتراجعت الطعون بحق كتابة المرأة  في السابق, فغادة السمان بين قليلات  لم يتبادر الشك بموهبتها الخاصة من دون عون رجل يقف خلف ماكتبت.  كانت صاحبة دار نشر وسطوة تتبدى في كل كلمة تكتبها. ومع ان ليلى بعلبكي وكوليت خوري سبقتا السمان في هذا الاتجاه, غير ان حضور السمان الادبي المتواتر واختيارها سياسة اعلامية ناجحة ساعدا على  نشر ادبها على نطاق واسع وجذب اليها شعبية لم تكن تحظى بها الكاتبة سابقا. بين اهم اسلحة ذلك النجاح ما طرحته عن نفسها كممثلة  للثورة الجنسية الستينية التي كان من الصعب ان تحلم بنوايا الالتحاق بها اية أديبة عربية, فقد أشبعت غادة السمان قصصها بنساء يتطلعن الى ان يصبح لهن حق المساواة في الفراش وليس فقط في الحياة العادية. وهي بهذا حققت اختراقا  لأكبر التابوات في عالم الكتابة النسائية العربية, هذا الموضوع الذي اصبح لاحقا من بين اكثر المواضيع تداولا في الكتابة النسائية وبين الشاعرات على وجه الخصوص. في حين لم  تجرؤ على مناقشته في تلك الفترة  سوى نوال السعداوي من منطلق علمي حتى وان تلبس طرحا روائيا. وبتواتر حضورها الادبي على مدى ثلاثة عقود او يزيد, تكاد السمان ان تكون  الاكثر وضوحا في تكريس هذا النهج, وبما تركته من آثار على الكتابة النسائية الاكثر نجاحا والممثلة بتجربة أحلام مستغانمي.

اللغة الجديدة توازي المرأة الجديدة

برزت غادة السمان منذ المجاميع القصصية الاولى التي اصدرتها في الستينيات:(عيناك قدري) 1962 و(لابحر في بيروت) 1963,و(ليل الغرباء)1966,ونافست جماهيرية نزار قباني الشاعر الاكثر انتشارا بين الناس وقتذاك. وتكرست شهرتها في السبعينيات من خلال اسهاماتها الصحفية التي كانت تسير في الكثير منها  على نهج يجمع الشعر الى النثر الى حديث البوح واللغة الهامسة الشبقية. ؛اعلنت عليك الحب« أحد عناوين نصوصها الصحفية, وهو نص شعري يمكن ان ندرك المفارقة في مضمونه, ففي اعلان الحب مايشبه الارغام المراوغ الذي يحمل الدلالتين شهوة المرأة وقوتها مضافا اليهما جرأتها واقدامها, وقس على هذا الكثير من المقالات التي كانت تظهر فيها صورتها كنجمة سينمائية بباروكتها وبمكياجها الصارخ وبنظرة اللبوة التي اشتهرت بها نجمات الاغراء زمانذاك. تلك المسيرة التي غيرت وجهة كتابة المرأة  وأظهرتها بمظهر المبادرة الاكثر جرأة في تجاوز المتعارفات الاجتماعية, مع ان  مكانتها بقيت متأرجحة بين الاعتراف والتنكر  في أوساط كثيرة من المثقفين العرب, في وقت  حظيت بتقدير عدد من الكتاب المرموقين. غير ان نمط كتابتها احتفظ بجماهيريته بين النساء والشباب ربما الى اليوم,في حين يعده الوسط الثقافي العربي النخبوي محض تسليات لاتؤخذ بالجد الكافي, شأنها شأن كتابات يوسف السباعي واحسان عبد القدوس, التي لم تأخذ من النقد  جهدا واضحا, مع ان ادبهما كان الاكثر مبيعا وانتشارا بين القراء الشباب.

والحق ان فن التسلية والامتاع الذي كان  يشكل عنصرا أساسيا من عناصر أدب غادة السمان, قد استطاع كسر الجدية والصرامة التي وسمت كتابات النساء عن قضاياهن, كما صاغ هوية لغوية للكتابة النسائية تعتمد الهم الوجودي والسأم أكثر من اعتمادها على مطلب المساواة وحدها. وهذه الافكار مرجعيتها فرنسية ان جاز لنا التصور, فقد كانت كتابات السمان خليطا  من افكار سيمون دي بوفار وفرانسواز ساغان التي ترجمت لها بعض القصص الطويلة وكتب عن تمردها في الصحافة العربية وقتذاك. ولكن السمان بقيت في كل الاحوال نتاج الثقافة اللبنانية وان كانت سورية الاصل, في مرحلة كانت شديدة الاعتماد ثقافيا على تعميم النموذج او الموضة الدارجة في الافكار والقيم والنمط الادبي.

والحق ان الادب الوجودي قد ظهر في مصر, في فترة تسبق المرحلة اللبنانية وتأثرت به الكتابات الرجالية التي كانت تقوم على تصوير العواطف ومديح المرأة, كما الحال عند يوسف السباعي واحسان عبد القدوس.

 يمكن ان نجد في هذا النوع من الكتابة تطويرا لخطاب القص المصري باتجاه تجميل صورة المرأة المصرية المعاصرة او تقديم مشكلاتها الثانوية على قضاياها المطلبية الملحة مثل المساواة  في العائلة والعمل وغيرها من المشكلات التي برزت منذ دعاء الكروان لطه حسين وزينب لهيكل مرورا بمحفوظ وادريس وسواهما.

 هموم نساء الطبقة المصرية المترفة تبدأ في حالة من التنكر  للمجتمع وتقاليده الصارمة في قصص السباعي وعبد القدوس,فهمومهن تتركز حول الكيفية التي ينبغي ان تعاش فيها الحياة دون قيود, وازمتهن هي قبل كل شيء أزمة وجودية, أزمة يحكمها الملل من الحياة وروتينها.  تلك الاهتمامات يتلقفها الادب النسوي الستيني منذ ليلى بعلبكي وكولييت خوري ليعيد انتاجها على نحو جديد وبصوت المرأة القوية لا الضعيفة وعلى يد غادة السمان. بالطبع ليس هناك من تأثر مباشر بين الاتجاهين المصري واللبناني, ولكن يبقى الناظم الاساسي الذي يوحد الكل تحت لوائه هو نوع التعبير الرومانسي الذي يلف المناخ القصصي بأكمله. 

لو اتيحت لنا المقارنة الان بين ماكتبته غادة السمان في الستينيات وما نشر من كتابات قصصية لرجال ونساء اخريات, لخرجنا بنتيجة مفادها ان أدب غادة يمثل ظاهرة قد تتكرر, ولكنها تتسم بقدر معين من الخصوصية, فهي تعبر عن مخيلة انتجتها ثقافة الستينيات. ولن نعود الى بديهية يعرفها الجميع عن الثورة النسائية العاصفة التي اجتاحت العالم آنذاك, غير انه من المفيد ان نظن بأن كتابة غادة السمان تشكل ظاهرة في التعامل مع اللغة باعتبارها أهم منجزات الثورة على القصة الواقعية التي كرسها الادب الخمسيني, وهذا الجهد شمل الكثير من الكتاب العرب في فترة ظهور غادة السمان.

الفصاحة الجديدة عند كاتبة مثل غادة السمان, تقتضي خلق نساء ينفصلن عن الواقع الخمسيني وهمومه الاجتماعية المألوفة, فلم تعد لائحة حقوق المرأة تشبه اللوائح التي تتداولها الاحزاب والحركات النسائية السائدة, والتي استعارتها بعض القاصات والشاعرات الخمسينيات, بل هي لائحة تملك خصوصيتها الشديدة الارتباط بمخيلة تعيد تشكيل صورة المرأة. والحق ان أدب السمان لايشكل من حيث البنى الاساسية خروجا على الادب الخمسيني,مثلما الحال عند الكتاب الرجال الذين تعاملوا مع ما أسموه الحداثة في الرواية والقصة,. غير ان قصة غادة السمان تؤشر الى وعي لغوي جديد كان  وسيلتها للتعبير عن شخصية المرأة الطليعية.

أهم سمة مايزت قصة غادة السمان, هي انقلابها على شروط السرد الروائي, والاستعاضة عنه بالسرد المشحون بالطاقة الشعرية. ولعل الاسراف في هذا المنحى, قلل من أهمية البناء القصصي لديها, وصرف النظر عن محاولاتها الاولى صياغة قصة فنية تحمل بعض اوجه التطور  الجدي في ميدان القص النسائي.

لم تستطع غادة السمان- على انتاجها الغزير- ان تكتب رواية تستكمل شروطها. فرواياتها كوابس بيروت من حيث البنية, تفتقد الى الحبكة الواضحة وتعتمد على بنية مشتتة, يجري تجميعها وفق تراكم الصور. كذا روايتها بيروت 57 فهي تعاني من تشتت قصص ابطالها وتوحي بانها مجموعة قصصية وضعت في اطار رواية.

 والحال ان  تركيب الجمل لذاتها, أصبح يشغل مساحة مهمة من جهد غادة السمان الادبي, حتى طغى على  الجوانب الفنية الاخرى ووضع مادتها القصصية ضمن اطار النصوص الحائرة بين النثر الشعري والقص. انها تقدم صورة امرأتها في نمط من الجمل المصقولة التي تشحن باكبر طاقة من الانفعال, وسواء كانت تلك الجمل مسهبة في الطول او مكثفة تعتمد الضربة في اختصار الاحداث والتواريخ, فهي في كل احوالها تبث الاشارات الرومانسية: ؛العاصفة تشرنق المدينة بالمطر والظلمة وزعيق الريح. غرفتي خائفة مدفونة في احشاء البناء, الساعة تلهث فوق الحائط وتكاد عقاربها تشير الى الثانية عشرة. مكتبتي المتخمة تتوهج بالتحدي, والمطر يتطفل على النافذة, وعلى وجهك الذي يطل أبدا خلف أية نافذة منذ عرفتك. «نداء السفينة - لابحر في بيروت ص8. منشورات غادة السمان بيروت.

يمكننا ان نجد في الكثير من مطالع غادة السمان القصصية توطئة شعرية مثل هذه, ان لم تكن كل نصوصها مبنية على خصيصة التعامل مع اللغة تعاملا يربط  بين الطبيعة المتمثلة بالليل, ووحشة المرأة الوحيدة التي تستذكر رجلا.  ذلك الوصف ينبغي ان تتحرك فيه  الاشياء الجامدة لتعبر عن عاطفة انسانية :العاصفة تشرنق المدينة والغرفة خائفة والساعة تلهث,والمطر يتطفل على النافذة وعلى وجه الحبيب, ثم مكتبة البطلة المتخمة التي تتوهج بالتحدي.

علاقات الاستعارة المتواترة في هذا المقطع  تحول الوصف الى شعائر, امرأة تتمتم مع ذاتها, ولكنها ترسم اطار الصورة العاطفية لنفسها بما تضفيه على الاشياء المادية من طبيعة عضوية متحركة. وبنزعة الافتخار الخفية, تقول لنا القصة ان البطلة  مثقفة او مهتمة بالثقافة, فمكتبتها متخمة وهي تتحدى, ولا تفصح الساردة من تتحدى تلك المكتبة. ان المترادفات المتعاقبة تس رب بعض عبارات ومفردات فائضة ولكنها ضرورية لاستكمال شعائر الكتابة, ولاستكمال صورة المرأة الجديدة, المرأة التي تملك جمال الجسد وجمال الروح معا. انها لاتستخدم خصائص الكلمات الدلالية حسب, بل ايقاعاتها ايضا وايحاءاتها السمعية. الاشراقة الشعرية هي ما تتطلبه غادة السمان كي تربط جسر المسافة بين بطلتها وبينها هي, وفي الشعر فقط تستطيع ان تختصر تلك المسافة أما في فن القص, فلا يمكن الا ان تفصلها قليلا. وربما كان هذا أحد اسباب تكرارها نمطا معينا من القص الذي يعتمد المونولوج. ان عليها ان تؤكد  التجربة الرؤيوية  في مادتها كي تضفي على الاماكن شيئا من صفاتها الذاتية او مشاعرها الاكثر حميمية, فهي تقترب من قارئها رجلا كان او امرأة من زاوية اعتادت روايات الجيب الغرامية توظيفه على احسن وجه, وهو فن الامتاع, وفن الامتاع  يقتضي ان تخطف قارئك منذ اللحظات الاولى. ان تغافل قلة اهتمامه بالقراءة وتنتزعه من ملله, وتلك المهارات لاتعد نقيصة في القص الحديث, بل هي مهارات مضافة الى القصة الجديدة, مع انها مكتسبة من روايات الجيب بما فيها روايات الحب. فضول لحظات القراءة الاولى, يراهن على كشف الحجب عن عاطفة الانثى التي لابد ان تكون محملة بدرجة قصوى من الهياج, وهو هياج جنسي في العادة.  عند هذه الحالة لابد من اللعب على  التركيبة الرومانسية للخطاب الانثوي ليضفي عليها مسحة ترميزية.  تستطيع الكاتبة بواسطة الرمز توصيل شحنة شبقية عالية. وهذا ماتحتاجه الانثى المتمردة, فلا تمرد دون التمرد الجنسي حتى ولو كان مآل هذا التمرد العودة الى العش الصغير او طلب ل