الدراسات الجاحظية بالمغرب

يحيى بن الوليد


 إن القراءة التجزيئية لا تنظر الى الخطاب النقدي والبلاغي باعتباره «وحدة سياقية صغرى» داخل «وحدة سياقية كبرى» هي سياق وحدة التراث عامة في تفاعل أنماطه, مما يجعلها قراءة «وصفية» لا ترقى حتما الى البحث في «النسق» الذي يشكل هذا الخطاب مقدار ما يوحده ويرسخه في تلك الدائرة من العلاقة التفاعلية مع باقي الخطابات الاخرى المشكلة للتراث. ولذلك فهي لا ترقى الى محاورة التراث وبالتالي إثراؤه على نحو يتم فيه اثراء الخطاب النقدي المعاصر ذاته. إن القراءة النسقية, التي سنعنى بها في هذا البحث, تحاول ان تشق لنفسها طريقا مغايرا وذلك عن طريق التعامل مع التراث باعتباره «كلا موحدا» ينطوي على نسق مخصوص يحقق هذه الوحدة. ونجد اكثر من ناقد باحث استطاع ان يعكس أفق هذه القراءة في خطابنا النقدي المعاصر, ومن دون شك بتفاوت حاصل بينهم. ونحصر هؤلاء في ادريس بلمليح ومحمد مفتاح ومحمد العمري وعبدالفتاح كيليطو الذين فتحوا حقا أفقا جديدا للدراسات التراثية في المغرب بحكم تشبعهم بالتراث أولا ثم بحكم تمكنهم من المناهج الغربية الحديثة ثانيا. وهو ما يمكن توضيحه عن طريق دراسة خطاب كل واحد من هؤلاء. وبما أن هذا البحث يتمحور حول «الدراسات الجاحظية بالمغرب» فاننا سنركز اكثر على قراءة ادريس بلمليح لجانب من خطاب الجاحظ, غير ان هذه القراءة لن تحول دون استحضار قراءات أخرى (مغربية وغير مغربية) اهتمت بالموضوع نفسه وعلى رأسها قراءة عبدالفتاح كيليطو التي تضمنت اشارات كثيرة الى الجاحظ. وتهمنا هنا القراءة التي تستند الى «الحس الاشكالي» (للقراءة ذاتها) الذي هو قرين «النسق الثقافي» للمقروء.ومن ثم فان ادريس بلمليح لم يلج «قارة التراث» إلا من داخل فضاء الجامعة المغربية التي كان لها تأثيرها البالغ عليه مثل جل النقاد المغاربة سواء من مجايليه او غير مجايليه. وهو تغلب عليه صفة الباحث الاكاديمي على صفة المبدع الروائي الذي اسهم حتى الآن بثلاثة أعمال روائية هي: «المرأة والبحر» (1993) و؛القصبة» (1987) و؛خط الفزع» (1998). وعلى صعيد النقد الأدبي, الذي يهمنا هنا, فانه قد أسهم حتى الآن بأربع دراسات نقدية, هي: «الرؤية البيانية عند الجاحظ» (1984), «البنية الحكائية» في رواية «المعلم علي» (1985), «المختارات الشعرية وأجهزة تلقيها عند العرب» (1995), و؛القراءة التفاعلية» (2000). بالإضافة الى ترجمته الموفقة لكتاب «نقد الشعر عند العرب حتى القرن الخامس الهجري» لأمجد طرابلسي (1993) الذي ظل منذ العام 1945 ينتظر من يقوم بنقله الى اللغة العربية.

ومن الواضح ان يستوقفنا, في هذا البحث, كتاباه «الرؤية البيانية عند الجاحظ» و؛المختارات الشعرية وأجهزة تلقيها عند العرب» لصلتهما بـ«قراءة التراث». الا ان ما سنكتفي به هنا هو الدراسة الاولى المتعلقة بخطاب الجاحظ, لأنها في نظرنا, تعكس القراءة النسقية التي نسعى الى الوقوف عندها ودراستها. غير أن هذا لا يحول دون القول بأن دراسة «المختارات الشعرية وأجهزة تلقيها عند العرب» لا تخلو من أهمية علمية, بل انها اول دراسة من نوعها في الخطاب النقدي المغربي المعاصر وربما الخطاب النقدي العربي بالنظر الى عدتها المنهجية وزادها المعرفي الجلي. بالإضافة الى ان أغلب النقاد العرب لم يفارقوا - في نطاق قراءة التراث النقدي عند العرب- دائرة قراءة النصوص النقدية «النظرية» مثل «عيار الشعر» لابن طباطبا أو (نقد الشعر) لقدامة بن جعفر او «منهاج البلغاء وسراج الأدباء» لحازم القرطاجني, او النصوص «التطبيقية» مثل «الموازنة» للآمدي او «الوساطة» للقاضي الجرجاني.. أما كتب الاخبار والطبقات والمختارات فغالبا ما تم استبعادها عن دائرة القراءة واذا ما تم التعامل معها ففي الغالب من أجل الاستئناس بها في اثناء دراسة قضية نقدية معينة. أجل ان كتب الطبقات والاخبار والمختارات لا تعكس التصور النقدي بـ«الإحكام النظري» ذاته الذي نجده في الكتب السابقة (النظرية والتطبيقية), لكن مع ذلك فهي (أي «المختارات») تنطوي على تصور/ تصورات نقدية تستلزم قراءة منهجية استقصائية عميقة بدلا من تلك القراءة التأريخية التي لا ترقى الى مستوى هذا الاستقصاء. ومن هنا فان «حماسة» أبي تمام لا تخلو من «تصور نقدي مضمر» إن لم نقل من «تنظير نقدي» كما في شروح المرزوقي لـ«الحماسة»(1). ولا بأس من ان نستعيد هنا تلك العبارة المكرورة التي تذهب الى ان ابا تمام في «حماسته» أشعر منه في شعره. ان أهمية دراسة «المختارات الشعرية وأجهزة تلقيها عند العرب» تكمن - في اعتقادنا- في هذا المستوى رغم الطابع المنهجي الغالب داخلها.

وسنركز على دراسة «الرؤية البيانية عند الجاحظ» (1984) التي تعكس بحق أفق القراءة النسقية, هذا إذا ما لم نقل انها أول دراسة تراثية من نوعها في الخطاب النقدي بالغرب بسبب هذه القراءة التي سنحاول أن نتبين آلياتها والمفاهيم الداعمة لها. وهي بمفارقتها للمنهج التاريخي الوصفي تقع في ذلك المتصل الذي يصلها بدراسة سابقة هي «محمد مندور وتنظير النقد العربي» لمحمد برادة (1979) وبأخرى لاحقة هي «الخطاب النقدي عند طه حسين» لأحمد بوحسن (1985). وهي كلها دراسات تدخل في نطاق نقد النقد التراث بشقيه البعيد (الجاحظ) والقريب (طه حسين ومحمد مندور). ولقد أجمع الباحثون المهتمون بالخطاب النقدي المغربي المعاصر على ان هذه الدراسات الثلاث مثلت «نقلة نوعية» داخل هذا الخطاب: لأن السمة التي كانت غالبة داخله, هي الجمع والتحقيق وعدم وضوح المنهج. وقد تحققت هذه النقلة بسبب البنيوية التكوينية التي حاولت هذه الدراسات الثلاث الافادة منها, لكن بنوع من المرونة والتصرف والانتقائية.(2) لقد كان رائد هذه البنيوية لوسيان كولدمان (1913- 1970) وبحق, علامة على بدايات انطلاقة الخطاب النقدي المغربي المعاصر الذي كان حتى ذلك الوقت يكرس الهيمنة المشرقية داخل الخطاب النقدي العربي.

وقد تقدم القول بأننا سوف نعنى بالقراءة التي تنتظم «الرؤية البيانية عند الجاحظ», وصاحب الدراسة بدوره لا يخفي وسيط القراءة والعدة المنهجية التي توسل بها في دراسة خطاب الجاحظ انطلاقا من مفهوم «الرؤية البيانية». والقراءة أو «الوعي القرائي» (La cosciece Lisante) بتحديد هانس جورج غادامير(3) أحد اكبر المهتمين بالهيرمينوطيقا التي سنحاول ان نفيد منها, هي ما يميز دراسة ادريس بلمليح, بل ان هذه القراءة هي مصدر أهمية هذه الدراسة ومكانتها داخل الخطاب النقدي المغربي المعاصر. فحدث القراءة أصبح لازما في الخطاب النقدي, بل ان القراءة عوضت النقد بسبب استراتيجيتها التي تسعى الى الانصات الى النص وبالتالي انتاج وعي معرفي حول موضوعها وذلك بدلا من السعي الى الرغبة في السيطرة عليه على نحو ما كان يفعل النقد التقليدي. ونحن سوف ندرس هذه القراءة بالاستناد الى عدة هيرمينوطيقية تعتمد ثلاثة مستويات هي: أولا: الوحدة المنهجية, ثانيا: الموضوعية والنسبية, ثالثا: التاريخية. وهي كلها متوسطات للقراءة وقواعد ضابطة للتأويل الذي ينتظم هذه القراءة, وكما انها تسعف على دراسة الأساس المعرفي لهذه القراءة ومدى استجابتها لـ«النسق الثقافي» للجاحظ.

وفيما يتعلق بالوحدة المنهجية فانه يمكن فهمها انطلاقا من مستويين: مستوى أول يتصل بقابلية النص النقدي (النظري) للتأويل, ومستوى ثان يتصل بالنظر الى النقد باعتباره «وحدة سياقية صغرى» داخل «وحدة سياقية كبرى» هي وحدة التراث عامة كما سبق ذكر ذلك. وعلى المستوى الاول يتضمن النص النقدي بدوره ثنائية الظاهر والباطن, مثلما ينطوي على «الإيحاء النقدي» الذي يلجأ اليه النقاد أحيانا لدوافع سياسية ودينية واجتماعية متعددة. فالنص النظري (Theorique), وضمنه النص الفلسفي, مثلا, شاهد على تعددية التأويل. والمثال على ذلك «كوجيطو» ديكارت وما لقيه من تأويلات متعددة داخل الفكر الفلسفي الغربي امتدت الى الترجمات العربية نفسها على نحو ما يعرض لها طه عبدالرحمن في الشق الاخير من الجزء الاول «الفلسفة والترجمة» (1995) من مؤلفه «فقه الفلسفة». وفي ثقافتنا العربية نجد نصوصا كثيرة تثبت هذه التعددية مثل «نظرية النظم» عند عبدالقاهر الجرجاني و؛مقدمة» ابن خلدون و؛في الشعر الجاهلي» لطه حسين... الخ. لكن هاهنا تطرح تلك الفكرة التي مفادها ان التأويل في النص الفلسفي, او النظري عامة, اكثر انضباطا منه في النص الأدبي.(4)

وفي هذا المنظور فان خطاب الجاحظ قابل للتأويل, فهو اكثر التراثيين قابلية للتأويل, بل ان التأويل هو فنه او «ان فن التأويل هو فن الجاحظ».(5) وهذا ما يفسر لنا كثرة الدراسات التي عنيت بخطابه اعتمادا على وجهات نظر مختلفة ومناهج نقدية متباينة, وهو ما استشعره صاحب «الرؤية البيانية» أيضا مما جعله يقدم «عرضا نقديا» (بتعبيره) لهذه الدراسات بعد ان قسمها الى قسمين: دراسات تهتم بحياة الجاحظ وثقافته وعصره وتراثه مثل «الوسط البصري وتكوين الجاحظ» لشارل بيلات (بالفرنسية 1953, الترجمة العربية 1961) و؛الجاحظ حياته وآثاره» لطه الحاجري (1962). ويمكن ان نضيف الى هاتين الدراستين دراسات اخرى يستأنس ببعضها باحثنا مثل «الجاحظ» لخليل مردم (1930) و؛أدب الجاحظ» لحسن السندوبي (1931) و؛الجاحظ» لحنا الفاخوري (1953), «الجاحظ ومجتمع عصره» لجميل جبر «8591) و؛الجاحظ والحاضرة العباسية» للدكتورة وديعة طه النجم (1965) و؛الجاحظ في حياته وأدبه وفكره» لجميل جبر (1968) و؛أبوعثمان الجاحظ» لمحمد عبدالمنعم خفاجة (1973) ... الخ. ودراسات اهتمت بجانب خاص من فكر الجاحظ وأدبه مثل «النزعة الكلامية في اسلوب الجاحظ» للأب فيكتور شلحت اليسوعي (1964), و؛المناحي الفلسفية عند الجاحظ» لعلي بوملحم (1980) (وسوف نتحدث عنه فيما بعد) ومن قبلهما «النثر ودور الجاحظ فيه» لعبدالحكيم بلبع (1995)... الخ.

بالإضافة الى الدراسات التي اهتمت بالجاحظ ضمن منحى او مشكل نقدي ادلى فيه الباحث بدلوه مثل «مفاهيم الجمالية والنقد في أدب الجاحظ» لميشال عاصي (1974) و؛مصطلحات نقدية وبلاغية في كتاب البيان والتبيين» للشاهد البوشيخي (1982) ... الخ. دون ان نغفل الدراسات التي اهتمت بالجاحظ ضمن حيز تاريخي مثل «نقد الشعر عند العرب» لأمجد الطرابلسي (1945) و؛البلاغة العربية في دور نشأتها» لسيد نوفل (1948) و؛البلاغة تطور وتاريخ» لشوقي ضيف (1965) و؛في تاريخ البلاغة العربية» لعبدالعزيز عتيق (1970) و؛البيان العربي» لبدوي طبانة (1972)... وصولا الى «البلاغة العربية- أصولها وامتدادها» لمحمد العمري (1999).

الرؤية البيانية عند الجاحظ

من الجلي اذن ان خطاب الجاحظ حظي باهتمام كثير من الباحثين; وان امكانات «الاضافة الجديدة», كما يتصور ادريس بلمليح, في هذا المجال, ضيقة وعسيرة. وكما يلاحظ هذا الاخير اهمالا نسبيا لقضايا جوهرية تتعلق بالاهتمام الفكري متعدد الابعاد الذي عرف به الجاحظ, ثم ان اهمالا يكاد ان يكون مطلقا للربط بين فكرة البياني وفلسفة الاعتزال التي آمن بها وانعكست في مجمل آثاره. والدراسة الوحيدة التي تستوقفه هنا هي «المناحي الفلسفية عند الجاحظ» لعلي بوملحم (1980), وهي الدراسة التي ستظهر في طبعة ثانية عام 1994 وتحت العنوان نفسه بعد ان ضم اليها صاحبها جزءا آخر (ملحق لكتاب «رسائل الجاحظ الكلامية»). ويشدد باحثنا على هذه الدراسة ويعتبرها جديدة في موضوعها, اذ لم يسبق ان اهتم المعاصرون بالجاحظ فيلسوفا(6). والحق ان الدراسة ليست جديدة في موضوعها, وانما هي مستقلة فحسب; لأننا نجد اشارات كثيرة او فصولا بأكملها حول المناحي الفلسفية في اكثر من دراسة عنيت بخطاب الجاحظ. أجل لقد ركز صاحب الدراسة على المناحي الفلسفية في خطاب صاحب «الحيوان», وبالاعتماد على منظور فلسفي يحاول الاستناد الى منظور فلسفي حديث يجمع بين الاتجاه الفلسفي النقدي الذي ينصب على موضوع المعرفة ذاتها من حيث أسسها وطرق الوصول اليها والاتجاه الفلسفي القيمي الذي ينصب على الاحكام القيمية. ولقد عرض صاحب الدراسة للمناحي الفلسفية عند الجاحظ (المنحى الكلامي والاجتماعي والطبيعي والاخلاقي واللغوي), مثلما عرض لمنهجية تفكيره, الا ان الملاحظ على الدراسة, ورغم اهميتها, انها أبعد عن القراءة النسقية. ويعلق ادريس بلمليح هنا: «تناول (أي علي بوملحم) الجاحظ المتفلسف منفصلا عن اتجاهه الفكري العام الذي هو فلسفة المعتزلة. ومنه أيضا انه درس (المناحي الفلسفية) عنده دون ان يربط بينها, على اساس انها وحدات مستقلة لنسق فكري جاحظي ومعتزلي, بحكم العلاقات المتبادلة بينها, لا بحكم المنهج الذي يعكسه حديث أبي عثمان عنها على مستوى الفكر والتعبير».(7)

من الجلي إذن أن باحثنا سيركز على «الرؤية البيانية» عند الجاحظ, ومعنى ذلك انه سيركز على مشكل نقدي في خطابه, لكن بنوع من التصور الذي يسعى الى تلافي «النظرة التجزيئية» التي لا ترقى الى استقصاء النسق/ نسق الخطاب. وقبل ذلك, وحتى نبقى في نطاق المستوى الأول من «الوحدة المنهجية» ومدى قابلية النص الجاحظي للتأويل, فانه لا بأس من الحديث عن الصعوبة التي يستشعرها اغلب دارسي خطاب الجاحظ. ومن ثم فان الكثير من الدراسات التي عنيت بخطاب الجاحظ تكاد ان تجمع على عدم التنسيق والتبويب في كتابته وسرده و؛اختياراته العلمية». وتختلف الآراء حول هذا النسق, اذ هناك من يرى انه يؤدي بالقارئ الى الغموض والتشويش(8), وهناك من رأى انه أساء اساءة كبيرة الى كتبه(9), بل وحد من قيمتها,(10) ويرد البعض هذا النمط التعبير الى العصر الذي عاش فيه الجاحظ, اذ كان هذا العصر يفتقد الى التعقيد والتعريف والتناول المنظم(11). وفي هذا الصدد يمكن أن نشير الى ما سماه أمجد الطرابلسي بـ«كتب الأدب» التي شهدها بداية القرن الثالث الهجري, و؛الأدب» هنا من حيث هو مجموع العلوم الدنيوية بعيدا عن اللاهوت والفلسفة والتشريع(12), والامثلة على ذلك الكتاب «البيان والتبيين» للجاحظ و؛عيون الأخبار» لابن قتيبة و؛الكامل» للمبرد(13). في حين رأى البعض في هذا «اللاتنسيق» «عجزا ذاتيا» كان نتيجة للمرض (الفالج النصفي) الذي ألم بالجاحظ في أواخر حياته (سنة 247 هجرية), يقول علي بوملحم هنا: «واذا كان الجاحظ لم يذكر سبب عجزه عن التبويب والتنضيد, فاننا نعرف ذلك السبب بالقياس على ما قاله في أماكن أخرى من كتاب البيان والتبيين وكتاب الحيوان. نجده في كتاب الحيوان يعتذر عن الاستطراد وعدم التدقيق والتبويب بالمرض الذي كان يعاني منه في اثناء تأليف الكتاب وهو مرض الفالج ومرض النقرس. واذا كان كتاب البيان والتبيين قد تم بعد الفراغ من كتاب الحيوان فمعنى ذلك ان المرض نفسه الذي أساء الى التبويب والتنسيق في الحيوان قد اساء الى التبويب والتنسيق في كتاب البيان والتبيين».(14)

وفي هذا الصدد يتصور شارل بيلات ان «التفكك» و؛التكرار» هما مصدر «روعة» كتب الجاحظ.(15)

واذا كان محمد عابد الجابري يتحدث عن «التصميم المنطقي المضمر» في كتاب «البيان والتبيين» فان كان العلامة أمجد الطرابلسي يرى ان في مجمل ابواب الكتاب مزجا اعتباطيا بين الشعر والنثر.(16) ثم ان مفكرا نابها في حجم عبدالله العروي ينبهنا- ولو في اشارة موجزة- الى ان الجاحظ كان يتلذذ بالنقاش, ولم يكن يهمه أن يصل الى نتائج.(17) وفي الوقت نفسه لم يسق الجاحظ الصور الفنية في تعريفات وتحديدات, فقد كان مشغولا بايراد النماذج البلاغية, وقلما عني بتوضيح دلالة المثال على القاعدة البلاغية التي يقررها.(18) فهو لا يثق بالتعريف دائما.(19) ويعود ذلك الى نظرته للحياة بشكل عام اذ لم يكن مولعا بتقسيمها, ولم يكن عبدا لمصطلحات او تناقضات, وكانت حركة الحياة عنده فوق النظر المنطقي والفلسفي.(20) الا ان القول بانه كان يتلذذ بالنقاش لم يجعله «سوفسطائيا», لأن ثمة منهجا في تفكيره كما يقرر ذلك أمين الخولي في كتابه «مناهج تجديد», بل ان منهج الجاحظ احدى علامات التجديد في العقل العربي.

وحاصل الكلام, مما تقدم, أن ادريس بلمليح من القائلين بـ«النسق» في خطاب الجاحظ رغم تبعثر أقواله وأحكامه, وهو ما عبر عنه- في نص التقديم- بمحاولة العثور على «منطق» داخلي لتراث الجاحظ يضمن الجهد البلاغي عنده.(21) ثم ان النتائج التي توصل اليها    كفيلة بشرح ذلك.

اما الوجه الثاني للوحدة المنهجية فهو لا يقل أهمية عن الوجه الاول, ويتصل بالنظر الى التراث النقدي والبلاغي باعتباره «وحدة سياقية صغرى» داخل «وحدة سياقية كبرى» هي التراث عامة. والواقع ان عميد الأدب العربي كان قد أثبت هذه العلاقة منذ عشرينيات القرن العشرين عندما اشار الى الحاجة الى الفلسفة وفروعها لفهم المتنبي وأبي العلاء المعري, بل تطلب الامر علوم الدين كلها والنصرانية واليهودية ومذاهب الهند في الديانات لفهم شعر أبي العلاء المعري, ويضيف ان «همزية» أبي نواس لا تفهم دون الاطلاع على المعتزلة عامة والنظام خاصة(22).

مضامين القراءة لتراث الجاحظ

ويبقى إذن ان نسأل عن مضامين قراءته لتراث الجاحظ, مما يقودنا الى المستوى الثاني او المتوسط الثاني الذي عبرنا عنه بـ«الموضوعية» و»النسبية».

وفيما يتعلق بالموضوعية والنسبية فهما وجهان لصفة واحدة مؤداها ان القراءة طرف نقيض للاسقاط, لهذا ربطنا بينهما بهذا الشكل, ولتقريبهما اكثر نعرض لكل واحدة منهما على حدة, وبعد ذلك نقف عند أسس قراءة ادريس بلمليح وبعض الانتقادات التي يمكن أن توجه اليها. وتشير الموضوعية الى ان حدث القراءة يتضمن عناصر اساسية هي: القارئ والمقروء والانساق التي تصل ما بينهما, ثم ان حضور الموضوعية في القراءة رهين الحضور الفاعل لهذه العناصر في علاقاتها المتكاملة,(23) وإذا ما انتفى هذا التكامل فان القراءة تميل الى طرف دون آخر سواء كان القارئ او المقروء: وتمثل الحالة الاولى القراءة التاريخية التي تسعى الى التأريخ للتراث النقدي خاصة اذا كانت تفتقد للاستقصاء الدقيق للمعطيات التأريخية والمنهج المتكامل في المعالجة, فهذه القراءة تلغي «الوحدة الجزئية» القائمة بين الذات والموضوع أي تلك الوحدة التي تجعل من القارئ بعض المقروء في الحدث التاريخي للقراءة,(24) وهو ما يعبر عنه في الدراسات الهرمينوطيقية بـ«التذاوت» Intersubjectitive)  أو «الرابطة الرمزية» (Noeud symbolique) التي لا تكف الهرمينوطيقا عن استجلائها.(25) وأما الطرف الثاني النقيض للقراءة التأريخية فهي القراءة التي تسعى الى - بتعبير جابر عصفور - اثبات «العصر» الخاص بالقارئ والالحاح بالتالي على دوره. وهي قراءة لا تخلو من اسقاط, هذا اذا ما لم نقل بأنها تعسف تأويل النص التراثي.

ويمكن حصر قراءة ادريس بلمليح ضمن القراءة الثانية, لكن من خارج دائرة الاسقاط, فقراءته لا تخلو من التأكيد على «عصر القارئ» لكن بنوع من «المرونة «التي تنأى عن تلك «العصرنة» (عصرنة التراث) التي تخل بنسق التراث. انه يستعين بدي سوسير وبنفينيست وتودوروف.. لكن دون ان يجعل من الجاحظ أحد هؤلاء, فهو يستعين بتصوراتهم وآرائهم لدراسة «الرؤية البيانية» عند الجاحظ ومحاولة الكشف بالتالي عن تصورات جديدة فيها. وفي هذا الصدد اهتدى باحثنا الى البنيوية التكوينية التي اقتنع بها لدراسة هذه الرؤية (من حيث هي «رؤية للعالم»), وعلم اللغة الحديث والسيميائيات المعاصرة لدراسة ما سماه «سمياء الجاحظ» داخل هذه الرؤية. فالخلاصة هنا هي ان الجاحظ صاحب رؤية بيانية للعالم قابلة لان تقارب بمعطيات اللسانيات والسيميائيات. ثم ان باحثنا يقول- في نص التقديم- ان ما يسعى اليه هو «العثور على المنطق الداخلي» الذي يضمن فهم الجهد البلاغي عند الجاحظ اكثر من سعيه الى تطبيق المنهج على خطابه.(26) ومن دون شك فان سؤال المنهج يطرح بالحاح خصوصا واننا نقصد هنا الى المنهج بمعناه الفلسفي العميق أي المنهج من حيث أسسه التصورية والفلسفية, وليس المنهج من حيث هو مجرد «طريقة ديداكتيكية» نرسمها بشكل مسبق لكي نصل الى نتائج جاهزة. فسؤال المنهج هنا جدير بابراز معالم «القراءة النسقية» وما يمكن ان يعتريها من قصور في حالة عدم مراعاة «تاريخية» المقروء متمثلا  في تراث الجاحظ المشروط بـ«مجاله التداولي» المخصوص.

قلنا سابقا ان صاحب الدراسة يعتمد البنيوية التكوينية المدعمة بالانتقاء والتصرف, مما جعله يستعين بالسيمياء المعاصرة. فكانت الحصيلة- على مستوى تبويب الكتاب- قسمين لدراسة «الرؤية البيانية»: قسم يعتمد فيه البنيوية التكوينية, وقسم ثان يعتمد فيه السيمياء المعاصرة. ويتوزع القسم الاول الى ثلاثة فصول يدرس فيها «الرؤية للعالم» عند الجاحظ, وذلك اعتمادا على ثلاث خطوات هي:

أولا - تحديد عناصر هذه الرؤية وتوضيح تلاحمها, ويحصر هذه العناصر في: العالم, الحيوان, الانسان. وبعد ذلك يخلص الى ان العنصر الأساسي الذي يوحد هذه العناصر/ عناصر الرؤية فيجعلها منظومة ونسقا هو البيان (ضابط الرؤية). من هنا نكون - مع باحثنا - إزاء رؤية بيانية تتخذ طابع بنية فكرية, ويكون بالتالي جميع ما قاله الجاحظ عن البيان راجعا في أصله الى تصوره العام للعالم تصورا بيانيا.

ثانيا - وبعد تحديد الاجزاء المستقلة للبنية والعلاقات التي تجعل هذه الاجزاء كلا متناسقا ومنظما, تأتي مرحلة دمج هذه البنية في بنية أكثر شمولا واتساعا هي فلسفة المعتزلة باعتبار ان «الرؤية البيانية» للعالم هي احدى عناصر هذه الفلسفة.

ثالثا - دمج فلسفة هذه الفرقة في بنية اكثر اتساعا هي الفئة الاجتماعية التي أخذت بهذا الاتجاه الفكري. بكلام آخر: تفسير بنية الفكر الاعتزالي في ضوء الظروف الاجتماعية والاقتصادية التي أنجبتها, فكانت خلاصته ان الفكر الاعتزالي كان عقيدة الطبقة المتوسطة في المدينة العربية القديمة. فهذه الفئة آمنت بالاعتزال مذهبا وعقيدة, وسعت الى نشره والدفاع عنه امام تيارات فكرية مخالفة ومعارضة.

من الجلي إذن أننا ازاء ثلاث بنيات, هي: «الرؤية البيانية» للعالم عند الجاحظ ومن حيث هي بنية متماسكة, وبنية الفكر الاعتزالي, وبنية العلاقات الاقتصادية والاجتماعية التي عاش الجاحظ وزملاؤه من أهل الاعتزال في شبكتها. وكما ان باحثنا يصل ما بين هذه البنيات الثلاث بواسطة البنيوية التكوينية, غير ان هذا لا ينفي ابداء بعض الملاحظات الناجمة عن توظيف هذه البنيوية. لكن قبل ذلك لابد من التوقف عند القسم الثاني الذي افاد فيه الباحث من السيمياء المعاصرة التي قادته الى ان التصور البياني للعالم عند الجاحظ  كان يتضمن «نظرية لغوية» لا تقف عند حدود الانسان فحسب, بل تمتد الى الحيوان ثم الكون كذلك. ومن هذه الناحية فقد استطاع باحثنا, وبشهادة العالم الجليل أمجد الطرابلسي في نص التقديم, ان يستخلص من أقوال الجاحظ المبعثرة- هنا وهناك في كتبه ورسائله- نظاما اشاريا متكاملا أصيلا استطاع ان يقرأه في ضوء السييميائ