جمال الغيطاني في (حكايات الخبيئة)

عفاف عبد المعطي


 مجددا  يوقع الروائي المصري جمال الغيطاني قارئه العربي في أحبولة كتاباته المغوية ; وذلك في روايته »حكايات الخبيئة - 2002« التي تعد   جزءا   ثانيا  لروايته »حكايات المؤسسة - 1998«, من خلال عين  ثاقبة تند عن سبر أغوار اجتماعية استطاعت أن ترصد التحول الحياتي الذي حدث في تلك المؤسسة - التي تصلح إسقاطا على الدولة / الوزارة / المؤسسة بمعناها الم طلق -  حين شرع سيادته »المؤسس« في إرساء قواعد هذه المؤسسة  منذ »أصل البناية« عندما اختار لها ذلك المكان النائي وسط الغيطان, بعيدا  عن المدينة, مرورا  بتجذير قواعد هذه المؤسسة الرصينة التي تتابعت طوابقها حتى صارت شاهقة أعلاها الطابق الثاني عشر الذي لا مثيل لهيبته والرهبة التي يبعثها في نفوس من يصلون إليه, أو يتجهون إلى المكتب الرئاسي الدائري أو المكتبة الخاصة, حتى حجرات السكرتارية والاتصالات المختلفة لها هيبة لا يمكن مضاهاتها إلا بالطابق الملكي في قصر عابدين, لذلك يقطنه المؤسس نفسه وتدار منه المؤسسة حتى نهاية المبنى تماما, وذلك كي يكشف سيادته كل ما يدور أسفله من جانب, ومن أجل أن تكون هناك فروق نوعية وجوهرية, وح جب مترامية تفرق سيادته عن الرعية, ولكل طابق حكايته وأهميته حتى الجراج الذي يمثل سر الأسرار في تلك المؤسسة كما قال الجواهري عن المؤسس: »الجراج من  أركان المؤسسة, ومن لم يوله عنايته فقد« ص 46.

وقد استفاض الراوي في وصف الجراج الذي يمثل أساس البناء وكل ما يحويه من مركبات ثقيلة تتولى نقل الخامات والمنتجات من الموانئ والمطارات من الوحدات الإنتاجية من المخازن ويضم الأسطول الهائل عربات متخصصة معدة لنقل غاز الكلور والبترول بمشتقاته.. ويضم الأسطول الخفيف وحدات لنقل الأموال والمجوهرات النقية الثمينة والزهور المورقة الم عد ة للتصدير.. وثمة سيارات مكيفة مجهزة لنقل السلالات النادرة من الخيول »ص48«. هذا الجراج الذي يضم معدات شتى ورافعات متحركة وأوناشا  ثقيلة وجرارات من طرز مختلفة وآلات حفر ورصف وتقليب تربة وعربات إسعاف وسيارات ركوب لا حصر لها تصلح لركوب جميع المستويات من البشر, فضلا عن سيارة سيادته« الكاديلاك »التي تلقى عناية فائقة, وقد جعل الراوي للجراج هذه الأهمية الخاصة والانتشار المتسع من حيث الدور المنوط به كى يؤكد أن هذا الجراج يحمل معنى ووظيفة أكبر من كونه جراجا  عاديا  للسيارات مثل  أي جراج آخر عام أو خاص, وطبقا  لأن المؤسسة ذاتها ليست مؤسسة عادية بل يمكن إسقاطها على الدولة نفسها, لذلك فالجراج ليس هو الآخر جراجا عاديا, بل هو مؤسسة للصناعة والتصدير والحمل والتوزيع مثله مثل مجموعة من الوزارات تؤدي كل منها وظيفة, وكي تسير مؤسسة الجراج بالدور المتقن الذي تؤديه المؤسسة الكبرى نفسه, فقد قام عليها رئيس قسم الإطارات وكان حاصلا على درجة علمية رفيعة في الكاوتشوك, ورئيس ورش الصيانة الذي عمل في كلية الهندسة الملكية, والمسؤول عن الخراطة الذي أمضى عشرين سنة في ورش الجيش الإنجليزى بقاعدة القناة, وكل ذلك لأن المؤسس »سيادته« عرف كيف يختار رجاله. وقد قام على قيادته كما قرر الراوي »البروفيسور قلقاسة أو كباية كما أطلق عليه العاملون طبقا  لهيئة دماغه الصلعاء تماما »الذي ركز العناية بسيارات كبار المسؤولين, وقد ظهرت مهارة الراوي في سرد النص من خلال طرح جانب من الحكاية بوصفه نوعا من الإجمال, يتبعه قدر كبير من التفصيل على أن يسبق هذا التفصيل عبارة من عبارات الراوي - الذي يترك لنفسه فقط حرية الحكي دون الإيعاز إلى شخصية من الشخصيات كي تشاركه المروي, أو يترك مجالا  للحوار بين الشخصيات كي يدعم السرد, فقط الهيمنة الحكائية للراوي الذي يتبع كل الحركات والسكنات التي تقوم بها الشخصيات, ويسير معها كظلها العارف بكل شيء - كأن يقول ؛لنصغ الى ما جرى« أو »لهذا تفصيل« أو »تلك حكاية أخرى« وكأن أزمة الحكي التي يجمعها في خيوط لا تخرج عن يديه, وبخصوص البروفيسور القائم على الجراج نرى الراوي وقد أصطفى لنفسه معرفة وسرد فساده ؛فمع تولي البروفيسور مسؤولية الجراج كاملة, تم التخلي نهائيا  عن المبدأ القديم ألا تستخدم العربات إلا في مهام تتصل بالعمل, أصبح عاديا  رؤية العربات ذات اللونين الشهيرين الأسود والأحمر أمام النوادي الرياضية والعيادات الطبية الخاصة, وعند أسواق الخضر والفاكهة وحتى سوق السمك في غمرة..« وهذا ما يفسر انتقال المؤسسة من الوضع الخاص الذي يوفر سياراتها لها إلى الوضع العام الذي افتعله البروفيسور القائم عليها لمصلحته الخاصة, بعد أن عرف طريقه إلى القيادة السياسية ويسخر عربات المؤسسة للخدمات العامة التي تحقق مصالحه الشخصية, وهنا تظهر نقلة  نوعية زمنية بين زمن المؤسس الأول الذي قام فيه كل شيء على قدر من إحكام شخصية المؤسس نفسه برصانة شخصيته, وبعد نظره الكبير تجاه استشراف كل ما هو مستقبلي, وبين انحدار المؤسسة عندما يتسلم أجزاءها الانتهازيون أمثال البروفيسور القائم على الجراج, الذي يغازل السلطة في سبيل تحقيق مصالحه الشخصية, على حين ي عجب أسلوب البروفيسور سيادته (وليس المقصود به هنا المؤسس الأول, بل من تلاه من سادة آخرين تكون درجة فسادهم مؤشرا  لفساد عصرهم نفسه) فعندما يخصص البروفيسور ؛سبع ناقلات عملاقة أثناء بناء الرئيس الثالث للمؤسسة عمارة ضخمة بمدينة نصر من عشرة طوابق واستراحة مزودة بحمام سباحة في إحدى قرى الساحل الشمالي تم استخدامها في نقل الرمال والزلط والأخشاب والأدوات الصحية وبلاط الأرضيات والأثاث المصنع خصيصا  والمستورد.. يدخل مزاج سيادته ويستشيره في كل كبيرة وصغيرة« ص 56. فطمأنينة السلطة متمثلة في الرئيس الثالث الانفتاحي للبروفيسور الذي يوظف له ناقلات المؤسسة هي جزء من الفساد الذي يعضد فساد السلطة الأعلى الخاص.

 مما يؤهل الفاسد الأصغر لتقلد أرفع المناصب بعون الفاسد الأكبر, وهكذا تتم كل الأمور من أضعفها إلى أقواها. وتظل شخصية البروفيسور حتى الجزء الثاني من النصين, حيث يقارن الراوي بين فعله في العصر الشمولي الذي كان استغلال النفوذ فيه جريمة وسرقة بيضة من الجمعية التعاونية ي عد فضيحة تستفز الأجهزة المعنية, ولمزيد من تردي الزمن الآتي الذي سوف يتحدث عنه الراوي في حكايات الخبيئة يطرح سؤاله الاستنكاري حول الانتهازية التي باتت تسير جميع قطاعات المؤسسة (الكبرى) بقوله.. أين ذلك مما يجري الآن ?

1- الأساس الصلب

بدءا  من  الجزء الأول من »حكايات المؤسسة« حرص الغيطاني على رسم صورة أسطورية للمؤسس »الذي أطلق عليه لقب سيادته« - وقد تعم د الكاتب أن يكون هذا المؤسس المشيد للبناء العظيم غير مسمى / ليس له اسم مطلقا  / عاما  على الرغم من توالي سادة كثيرين على المؤسسة, كي يصل ح وضعه على كل إنسان شيّد صرحا  (دولة / مؤسسة صحفية / وزارة.. مثلا), فلقد »أقدم وشيّد بناية ارتفعت سنة بعد أخرى, ليست مجرد طوابق إنما مقر ضخم يحوي مطاعم ومطابع وجراجات وآلات تعبئة وأخرى للتغليف ومخازن عامة وأخرى متخصصة, ألم تضم المؤسسة المخزن الوحيد في الشرق, وقارة إفريقيا كلها لبنج الأسنان, هل هناك أبعد نظر من هذا« ص 17.  لقد فاض الراوي في وصف ما قام به المؤسس الأول من أعمال هى في الواقع من أهم ما حدث لصالح المؤسسة منذ أن اشترى فدان الأرض بقرش صاغ شرق العباسية حتى إقدامه وذكائه الذي استخدمه في تعدد الأنشطة التي تقوم بها المؤسسة وتنوعها, حيث كان كنزه الحقيقي عقله ومواهبه. فضلا عن تحسر الراوي بما جاء على لسان الجواهري بأن الخير جاء مع المؤسسة, ولو أن العمر امتد بصاحبها ورجلها الأول, لو سارت كما تمنى كما ينبغي, لولا المحن والدسائس لأصبحت البلاد مثل النمور الآسيوية الأربعة لما تراكمت الديون ص23. هذه الصورة التي يقدمها الراوي للمؤسسة تصلح رميا على طموحات العصر الناصري الذي حاول أن يجعل من الدولة المصرية والأمة العربية دارا كبرى لولا ما تعرض له الحلم الناصري داخليا من إركاس أقرب المقربين, إلى التحالفات الخارجية ضده; ومما يؤكد ذلك ما جاء تابعا لهذا الجزء من السرد على لسان الراوي بان المؤسس ؛كان جريئا  مقداما  لولاه ما بلغت العلاقات مع الدول الاسكندنافية, أما ما قام به خلفاؤه من توطيد الصلات مع جمهوريات الكومنولث الجديد, فلم يكن إلا نتاج علاقاته الأصلية بالاتحاد السوفييتي المنهار«, وبالفعل لقد تحققت أكبر العلاقات مع الدول الشيوعية وعلى رأسها الاتحاد السوفييتي في عصر الحكم الناصري.

2- النتائج تضاد المقدمات

في الجزء الثاني من روايتي الغيطاني الم عنون بـ»حكايات الخبيئة 2002« ينبغي أولا ذكر اتفاق الجزءين على أنهما حكايات سواء للمؤسسة في الجزء الأول أم للخبيئة في الجزء الثاني, وهذه الحكايات ينبغي لها من راو  وفي الجزءين هو راو  واحد يسيطر على مقاليد النص لا تخرج الأحداث أو الكلام عن الشخصيات إن التتابع الزمني استرجاعا أم استباقا إلا بوازع من هذا الراوي السلطوي, وهو في النصين الأول والثاني يتتبع الأسلوب نفسه في المروي, فهو الراوي الذي يعرف كل شيء وهو أكثر المتكلمين تحكما, فبالنسبة له كلام الشخصيات يعد   فتاتا , أو نادرا  نظرا  لامتلاكه مقاليد السرد كلها يقوم بها باقتدار جمال الغيطاني نفسه وموهبته التي يطلق لها العنان في السرد ; فضلا عن أن الخبيئة هى الأثر الذي يدل على مومياوات قدماء المصريين من الفراعنة مثل خبيئة وادي الملوك التي انتقلت من مرقدها على ظهر إحدى السفن النهرية لعرضها للعامة في المتحف المصرى.

يفتتح الراوي نص »حكايات الخبيئة« بجملة »كل شيء ممكن هنا, وكل شيء غير ممكن أيضا« ص5  وهى جملة لا تخلو من دلالة, حيث الإشارة بـ»هنا« دالة على القريب, بل على المؤسسة نفسها, لكن ما المعيار الذي يمكن به قرب كل شيء من عدم قربه ?, هذا هو ما يقدمه هذا النص.

بداية يطالعنا صوت الراوي نفسه - منذ الجزء الأول - بالحرص على إبراز صورة المؤسسة مرة أخرى لكن في واقع مضاد لشكلها الأول,  هذه المرة تأخذ فيها الشخصيات والأوضاع المؤسسية صورة مغايرة للصورة الجنينية للمؤسسة الأولى التي تم تصويرها في باكورة »حكايات المؤسسة«, حيث مرت على المؤسسة أزمان متعددة أحالتها إلى صورة تضاد صورتها الأولى طبقا لما مر عليها من أزمان على الرغم من تأكيد الراوي على أنه »رغم الهنات.. بدا الموضوع متصلا بجوهر خاص نجح المؤسس في إرسائه وتقوية دعائمه بحيث تظل المنشأة قادرة على البث مشعة حتى في أوقات الشد ة التي تمر بها, وترسخت قناعة عند الكافة أنها لو تعرضت للتصفية فستظل موجودة بشكل ما, وسيظل من يحرص على التعلق بها والسعي بها هنا وهناك«ص6 وكأن هذه المؤسسة هى طوق نجاة كل من يتعلق بها من جانب, وهى وإن ضعفت ; فهى قادرة على أن تكون قوية أيضا  فهذا البناء القوي للمؤسسة له منزلة ومعزة خاصة لا يماثلها شعور أو حالة أو طور آخر, هذه المؤسسة  في حالة رسوخها أو تدهورها, أو ما أطلق عليه الجواهري (مؤرخ المؤسسة/ عاشق مجمع اللغة العربية صاحب المهارة في صياغة العبارات والشعارات والجمل الصغيرة الدالة الموجزة وكان يستعين به بعض الزعماء لصياغة العبارات الرنانة منها : أنا مسلم وطنا  وقبطي ديانة - شهد لنا العدو قبل الصديق - ما أ خذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة.. ص37 من حكايات المؤسسة), فقد أطلق على المؤسسة في حال هبوطها إلى الدرجة الأدنى جملة »استقرار التدهور« وهو ما يؤكد رأي عطية بك بأن »المؤسسة أغنى وأمتن من أي جهة أخرى, والدليل هذا النهب المستمر بمعدلات لا يتصورها المؤسس في أشطح حالاته, ومع ذلك كله ما تزال الدعائم قائمة, والمرتبات تصرف في مواعيدها والأرباح توزع على العاملين في نهاية العام والصفقات تعقد والندوات تقام والضيوف يفدون من الخارج« ص61. إن النهب المطلق لا يحدث إلا في مؤسسة ذات سلطة مترامية لديها فروع تصرف فيها الرواتب بصورة منتظمة, ت ماثل الدولة التي تعمل بهذه الآلية نفسها, وهذا النهب لا يتم إلا بسبب اختيار القيادات المؤسسية بصورة عشوائية  لا نعرف  من أين جاءت ? ولا على أي أساس اختيرت? ولا إلى أين صارت ولا على ماذا تقوم سياستها العشوائية ? لذلك فنص الغيطاني نص احتمالي متاح فيه كل شيء وإسقاط الفساد الذي يطرحه يمكن أن يكون في المؤسسة الصحفية - طبقا  لعمله بالصحافة - أو الوزارة أو الدولة جمعاء.

ولقد طرح الغيطاني في نص ؛حكايات الخبيئة« صورة مغايرة تماما للمؤسسة التي طرحها في الجزء الأول, ولهذا مبرره, حيث يتضح من مرور الزمن وزيادة العطاء في المؤسسة واختلاف السادة القائمين عليها ودناءة الأغراض التي يرمون إليها تظهر صورة المؤسسة الحديثة, فمع مرور الزمن وتعاقب الأجيال واختفاء الشهود على مرحلة معينة يبدأ تواري التفاصيل التي ظل الكافة يتطلعون إليها كحقائق مفروغ  منها, فبينما كان كل هدف المؤسس الأول - أول من أطلق عليه لقب سيادته -  البناء والتشييد واتساع نشاطات المؤسسة, تدنت طموحات السادة الخلفاء له طبقا  لتدني العصر القائمين عليه نفسه, وبدلا من أن يكون السير على درب المؤسس الأول نفسه وصورة مكتبه المفتوح دائما لكل من يريد التردد عليه إذ ؛لم يكن الأمر هكذا بدءا  من زمن المؤسس إلى وقت سيادته  الذي يتم فيه هذا التدوين, لم يغلق باب المكتب الدائري قط في وجه من يقصده, بعض السعاة وصغار العاملين, بل إن بعضا  من سكان الناحية حلوا مشاكلهم عن طريقه - رحمه الله - بدءا  من رصف الطرق ومد أنابيب الشرب وإلحاق الأطفال بالمدارس وإنشاء الوحدات الاجتماعية ومراكز فحص الحيوان والبشر, ول ى هذا والزمن غير الزمن, أصبح المركز في الثاني عشر منعزلا وعلى الجميع أن يخمنوا ما يحدث فيه.. باختصار أصبحت الأمور تدار من بعيد« ص 105, باتت صورة سيادته في هذا العصر كأنه لم يتعامل مع الشارع إلا نادرا ولا يعرف البيع والشراء, لأن المدد الطويلة التي أمضاها في الغرف المغلقة إما للدراسة أو التدريب أو العمل أورثته طبعا  خاصا  ورغبة في العزلة والقبوع ينزعج من المكالمات التليفونية أو المقابلات الشخصية وأحيانا يتجاهل بعض الخطابات أو المذكرات مما يحدث بلبلة, واضطراب خصوصا  ان كثيرين تتعلق أحوالهم بتوقيع منه, إن القول بمكتب المؤسس المفتوح لكل الساعين إليه يبدو الآن وكأنه من مبالغات الماضي البعيد« ص45, بات الشغل الشاغل للطابق الثاني عشر الذي يقطنه سيادة المؤسس لتكريس وإشباع رغبات سيادته النسائية. ومن موقعه في الطابق الرئاسي/ الثاني عشر كان يرى كل شيء رغم تعدد الجدران وكثافتها, ويطول بقبضته من يرغب من العاملين في المؤسسة. ؛وسائله عديدة للإحاطة بأحوال العاملين ودقائقهم, الكل يعلمون بوجود خط هاتفي يمكنه من الدخول على المكالمات والإصغاء إليها, لذلك يلزم كل إنسان حذره« ص74. فالاستخبار والأسلوب المخابراتي هو الذي يحكم هذه المؤسسة المتهرئة وكلما وصلت الأخبار أسرع رضي سيادته أكثر, وكلما زادت قبضته وقهره على المؤسسة وخنوعها له رسخت سلطته.

كذلك يسلط سيادته كاميرات على العاملات في المؤسسة بهدف منحهن الرقم المؤسسي لكشف الجسد عامة والأرداف خاصة ؛يؤكد البعض أن سيادته يحتفظ باسطوانة حديثة لا تتجاوز مقاس راحة اليد مسج ل عليها صور دقيقة لنساء المؤسسة سواء العاملات في المقر الرئيسى أو الفروع التابعة, وإن هذه الصور واضحة للغاية من الأمام ومن الخلف ومن الجنب, تم التقاطها مع بدء الحملة العامة للرقم المؤسسي« ص 118, ومن يطلب منها الارتفاع إلى الدور الثاني عشر تعرف المؤسسة جمعاء سبب صعودها? وصعودها يعني هلاكها, فإن وافقت مثل نفيسة الحولاء يكون مصيرها إلى مستشفى الأمراض العقلية بعد الفصل من المؤسسة, وإن امتنعت مثل امتثال القوصي يصير مآلها إلى الشائعات التي قضت عليها وعلى وجودها بالمؤسسة من خلال انتشار خبر إصابتها بمرض الإيدز ؛نعم الإيدز, ما جرى أنها شكت دوخة بسيطة, الطبيب شك في الأمر, قام بتحليل سريع لدمها للأسف جاءت النتيجة إيجابية« ص146.

إلى جانب أن النص قدم عبر الشخصيات المتباينة الكثير - بالفعل - قدر التردي والسير إلى الخلف الذي تسير إليه المؤسسة بضراوة, وكل شخصية يطرحها النص يقدم دواعي وجودها ودورها الفاعل, وفي كل الأحوال فإنه كلما كانت الشخصيات مرغوبة ومستمرة في هذا العصر, زاد انحرافها. يظهر ذلك مع بواكير الحدث الروائي عندما طلب سيادته تخصيص سيارة لموظفة يسمع باسمها لأول مرة سهير الفيومى, انضمت إلى هيئة المكتب, حدد سيادته المواصفات, تكييف, زجاج مركزي, جر أمامي فوانيس للضباب »ص21, ويختص دور سهير الفيومي »مديرة مكتب سيادته في الدور الثاني عشر« بالدور الفاعل معه جنسيا  أو تسهيل مقابلاته مع من يرغب من نساء المؤسسة وتعريف كل واحدة منهن بدورها المنوطة به مع سيادته »سهير هي الوحيدة التي صمدت, طال أمرها معه. نعم إنها هامسة عادية طويلة بيضاء مثل طلاء الجدران, شقرة شعرها صناعية, لا تشبه هانم الدمياطية ولا رشيدة النمساوية ولا أي أنثى من أولئك اللواتي أ ودعن في المؤسسة أثرا  وخلفن حكايات تروى« ص61. الدور نفسه يؤده بتوسع  النمرسي صاحب الخبرة الطويلة في إشباع مزاج سيادته واللحاق بمن يرغب فيهن من النساء, هذه وظيفته المحددة »توريد الإناث«, ولم يعد في حاجة إلى بذل الجهد للتقصي أو تلمس المداخل إلى هذه أو ذاك, لديه من الخبرة وطول التجربة ما يجعله يدرك ويفهم ويجد المدخل السليم, لذلك عندما وقف بشكل ما على رغبة سيادته في امتثال تنازعه عاملان متناقضان, فمن ناحية لا يرغب في مواصلة دوره القديم وإن عز عليه تبدد خبرته وعدم انتقالها إلى من يرثها ويعمل بها, يعرف أن بعضهم ينظرون إليه باحتقار, لكنهم لو اطلعوا على تفاصيل ما قام به لصنعوا له نصبا, ونحتوا له تمثالا  يوضع في مدخل المؤسسة »ص139«.

يمثل رسم الشخصيات الركيزة الأساسية في رواية »حكايات الخبيئة« للغيطاني, ولقد أراد الراوي عبر سرده الممتد, لا صوت يعلو على صوته, لا حوار إلا نادرا, وكأن الراوي باستئثاره بالمروي هكذا يطرح مشكلات أزمان طويلة مرت على المؤسسة وكلما مرت انحدرت صورة المؤسسة الأولى وظهرت الآثار السلبية عليها مما يجعل الراوي دائم النعي للزمن الشمولي/ زمن المؤسس الأول, فعزب الميدومي- مثلا - كان مجرد عامل فن ي استطاع إصلاح ثلاجة سيادته, وكذلك الحوض الألماني الذي تفضله سيادتها زوجته وبرضاها عنه صارت السبب في صعوده إلى الطابق الرئاسي الذي لم يحلم بالصعود إليه كساع أو عامل نظافة, لكنها عشوائية ومحسوبية اختيار العاملين في المؤسسة الكبرى ؛لكن المؤسسة تعلم من أصغر شخص إلى سيادته أن مصدر قوته الحقيقية يكمن هناك في البيت, في دعمها له وإيثارها لكافة ما يمت   إليه, كل شخص يقف على الحقيقة من لا يجرؤ على قولها تصريحا  ينطقها تلميحا« ص57. 

وطبقا  لهذه العشوائية التي تحكم اختيار العاملين القياديين أو العاديين بالمؤسسة, يطرح النص صورة لكلاب الحراسة المرجوة لسيادته في المؤسسة, فـ»عطا الباروطي« أول حارس خاص بم دبّر الأمور/ سيادة الخليفة الثالث تسرف لغة القص في وصفها الساخر الذي يدعو إلى الب غض والاشمئزاز »على ملامحه آثار نوم وغطيط, لم يقع عليه بصر إلا وكان منحنيا« ص84 وكأن هذه الشخصيات هى المطلوبة لحراسة هذا العصر المتردي لسيادته, فضلا عن وجود أكثر من باروطي في كل موقع من الإدارة العامة التي يناط بها حراسة عدد من الشخصيات المهمة.

ولمزيد من إظهار صورة المؤسسة الخربة, ولإيضاح صورة مجتمعها المنهار لم يبق على الراوي إلا الزج بشخصية أخرى مثيرة للاشمئزاز أكثر من كلب الحراسة الباروطى, ذلك أن أمر الباروطي أيسر, فهو في النهاية ليس ذا منصب قيادي, لكن الأسوأ وما يؤكد تخلخل ورخاوة اختيار القيادات ما يقدمه النص حول »فيروز بحري« ؛فيه واحد لوطي في القيادات الجديدة.. يتقن عدة لغات, وسيم, أعزب رغم اقترابه من الخمسين, رقيق الطلة, عيوق« ص151. ولمزيد من تعاظم الحدث, فقد قدم الراوي دواعي اختياره متمثلة في أن الترشيح جاء من شاذ شهير يحتل مكانة مهمة هو من زج باسمه ودعمه. وطرح هذا الأمر في القيادة لا يعني سوى المزيد من التأكيد على رخاوة الاستراتيجية التي يختار بوساطتها القياديين,, فهي قيادات لا نعلم من أين أتت ? والى أين سارت? وما الهدف من تواجدها?. ثم المرجو من هذا التواجد, لا عجب من انهيار المؤسسة والوقوف على أنقا&#