|
|||||
|
في
البدء لابد
من الإشارة
إلى أننا
سنتناول هنا
في حديثنا
الكاتب
الألماني
غونتر غراس
موضوعة
واحدة تتعلق
بترجمتنا
لروايته »الطبل
الصفيح»,
لاسيما
الصعوبات
التي
واجهتنا
أثناء ذلك,
إضافة إلى
عقد بعض
المقارنات
بين ترجمتنا
وترجمة كل
من علي عبد
الأمير صالح
للرواية
نفسها عن
اللغة
الإنجليزية
وموفق
المشنوق عن
الفرنسية. يعتبر
غراس من
الأدباء
متعددي
المواهب,
فهو روائي
وقاص وشاعر
ومؤلف مسرحي
ورسّام
ونحّات
وخطيب سياسي
, لكن المنحى
الروائي قد
غلب على
نشاطه
الإبداعي
منذ صدور
روايته
الأولى «الطبل
الصفيح».
ويتسم أدب
غراس, ربما
على العكس من
أدائه الفني
التشكيلي,
بقوّة
العبارة
وتعقيدها
وانغلاقها
أحيانا
وإحالاتها
التاريخية
والفكرية
والسياسية
الكثيرة, مما
يجعل هذا
الأسلوب
شديد
الخصوصية, بل
المغرق في
محليته, على
الرغم من
انتشاره
ووصوله إلى
مصاف عالمية,
عملا صعبا
للغاية. غير
أن الصعوبة
بحد ذاتها
لا يجوز أن
تكون على
الدوام
حائلا
دون نقل
الإبداع
الأدبي
العالمي,
إنما قد يجد
فيها
المترجم
متعة فكرية
وتحديا
لغويا
لا مناص من
خوض غماره.
وبالأخص
حينما يتم
هذا النقل
من لغة
كاللغة
الألمانية
المعروفة
بالتركيبات
النادرة إلى
اللغة
العربية;
وهنا بالذات
تكمن معضلة
الترجمة كل
ها. ولكي
نتأكد من صح
ة هذا الرأي
علينا أن
نبدأ بعنوان
الرواية في
الأصل
الألماني
وهو
Die Blechtrommel وقد
جاء معر فا
بأداة
تعريف
المؤنث
die , فهو
يتحدث إذن عن
طبل صفيح
محدد ويعبّر
تعبيرا
شاملا عن محتوى
الرواية,
بينما نجد
مسم يات مثل «الطبل
الصفيح» أو «طبلة
الصفيح» أو «الطبلة
الصفيح» لا
تعطي المعنى
ذاته, وسيظل
الإيهام
يرافقها حتى
لو حملت لام
التعريف,
لأننا لو
قلنا على
سبيل المثال:
«عندما يدخل
الزائر إلى
المغرب يجد
كذا وكذا»;
فإننا لم نعر
ف شيئا
في واقع
الأمر. وبهذا
المعنى
فإننا لو
قلنا طبلة
صفيح أو طبل
صفيح
أو طبلة
الصفيح
فسوف لا
يتغيّر في
المعنى شيء,
لأن هذه
التسميات لا
تدل بدقّة
على شيء
معرّف محدد
تماما
مثل قولنا «حين
يدخل المرء
المقهى...»
فالمرء هنا
سيبقى نكرة
على الرغم
من لام
تعريفه, على
العكس من
سياق الأصل
الألماني
المحدد
تحديدا
كلي ا.
وعندما نقول
باللغة
الألمانية «حين
يدخل الرجل
المقهى»
فإننا لا
نعني إلا
رجلا محددا
ومعرّفا .
ولو أضفنا
إلى الصفيح
ياء مثل
ياء النسب
وجعلناه «الطبل
الصفيحي»
فسنقترب
بهذا النعت
من أشد مواطن
اللغة
العربية
تعقيدا
وتفصيلا
نحن في غنى
عنهما. فهل
الصفيح هنا
منسوب أم أنه
مجرد نعت? إن
ياء النسب
كما نعلم
تمنح عادة
لمن اشتهر
بخاصية ما أو
عدّة خواص
كأن يقال
البساط
المغربي. ليس
بمعنى أن هذا
البساط ن سج
في المغرب,
بل أنه يمكن
أن يصنع في
الصين ويبقى
مع ذلك بساطا
مغربيا ,
لأن نسيجه
ونماذجه
وشكله كل ها
مغربية.
وكذلك الأمر
مع المعمار
المغربي أو
الطعام
المغربي. لقد
اعتدنا أن
نقول «السك ة
الحديد»
بدلا من
سك ة الحديد,
والمرأة
الصبور أو
نقول «لبست
الثوب الحرير»
مثلما تؤكد
بعض كتب
اللغة,
واعتدنا
أيضا على
ترجمة قصيدة
اليوت
The Waste Land بالأرض
الخراب أو
الأرض
اليباب, وليس
الأرض
الخربة أو
الأرض
اليابة, نظرا
لإيقاع
المفردة
وربما
الاختصار.
على أية حال
علينا أن لا
نبالغ في أمر
التسمية
طالما تتيح
لنا اللغة
العربية
بدائل, أو
على الأقل
تتيح لنا
استخدام
الضرورة
الفنية.
وحسنا
فعل
المترجم
الفرنسي
عندما ترجم
العنوان
بمفردة
واحدة
مأخوذة عن
العربية هي «الطنبورة»
ذات الأصل
الفارسي.
وبهذا
السياق فإن
اسم
Guenter Grass يكتب
عندنا بثلاث
طرق مختلفة
فهو مرّة
كونتر كراس
أو غونتر
غراس في
المشرق
العربي أو
جونتر جراس
في مصر حيث
عرفت روايته
بالطبلة
الصفيح. أسلوب
الرواية يتضح
من خلال
العنوان أن
هذه الرواية
تتحدث عن
أداة أو آلة
لها علاقة
بالفن
والموسيقى
أي الطبل
الذي يقرع أو
ينقر عليه.
وتنتمي
حسبما يقرر
محقق أعمال
غراس
نويهاوس (1)
إلى جنس
الرواية
التربوية
التعليمية
Bildungsroman على
غرار «سنوات
تدريب
فيلهلم
مايستر»
لغوته و «هاينرش
فون
أوفتردنغن»
لنوفالس و «هاينرش
الأخضر»
لغوتفريد
كلر و «دكتور
فاوستوس»
لتوماس مان.
بيد أن غراس
نفسه أك د في
أكثر من
مناسبة بأنه
كان متأثرا
بأسلوب
الكتابة
السائد في
المغرب
العربي إبان
العصور
الوسطى
مثلما جسدته
روايتا «دون
كيشوت»
لسرفانتس و «(Simplicissimus
) لغرملسهاوزن
(2), حيث استوحى
غراس الكثير
من مقومات
بنائها
وتقنياتها
وأجوائها
فيما يتعلق
بمعالجة
الشخصية
السلبية
الساذجة أو
الفطرية
ومراقبة
تطورها
الروحي
والذهني. وعن
تأثره بهذا
الأسلوب
يقول غراس «إن
من يتمع ن
في قراءة
سرفانتس
سيلاحظ من
خلال
الإشارات
التناصية
أنه قد
استفاد من
اقامته
وسجنه في
بلاد المغرب
استفادة
عظيمة, وأنه
اعتمد أسلوب
السرد
المشرقي
وطوّره.»
وأشار غراس
إلى أنه تأثر
بكتابات عصر
الباروك في
ألمانيا
والذين
كانوا قد
تأثروا
بدورهم
بأساليب
السرد
الشائعة في
أسبانيا
آنذاك, بعد
أن استعاروا
شخصية «البطل»
المتشرد
المشاكس أو
الظريف أو
الشاطر
مثلما يطلق
عليه أحيانا
ونقصد به
شخصية
البيكارو
Picaro . ونجد
هذا النمط في
الشخصيات
المتسمة
بالجرأة
والقدرة على
السخرية من
الآخرين أو
النيل منهم
في بعض
الحكايات
العربية
السائدة
آنذاك في
عموم المغرب
العربي
ومشرقه,
ومنها على
سبيل المثال
حكاية أبي
زيد الهلالي
والأمير
حمزة
البهلوان
ومنامات ركن
الدين
الوهراني,
وما إلى ذلك
من الأدب
الشعبي
والموروث
القصصي. وعلى
هذه
الموروثات
والذخائر
الفني ة
اعتمد غراس
في بناء
شخصيته
الرئيسية «أوسكار»
وسرد
الأحداث
الكبرى من
خلالها.
والرواية
بمجملها
قائمة على
الوقائع
المتسلسلة
التي لعبت
دورا بارزا
في تاريخ
مدينة دانسغ
أو «دولة
دانسغ
الحرّة»
فيما بعد,
حيث ولد
الكاتب
غونتر غراس
وحيث تدور
معظم أحداث
رواية «الطبل
الصفيح»,
بالإضافة
إلى روايتي «قط
وفأر» و «أعوام
الكلاب»
المصطلح
عليها «بثلاثية
دانسغ». وغونتر
غراس ي كثر
من استخدام
أسلوب
التقويم
الزمني الذي
يتيح التعر ض
إلى جملة من
الأحداث
السياسية
والعسكرية
خارج السياق
الروائي
وتوظيفها
دون أن يتعر
ض معينه
التاريخي
إلى النضوب.
وإذا ما
أضفنا تاريخ
ألمانيا «البرويسية»
و»الاتحادية»
و؛الديمقراطية»
إلى تاريخ
دانسغ ودولة
بولندا;
فإننا سنحصل
في نهاية
المطاف على
مشروع روائي
متشعّب
وبالغ
الشمول. لغة
غراس صحيح
أن «ثلاثية
دانسغ» ليست
عملا بيوغرافيا
بالدرجة
الأولى, إلا
أنها انطوت
على معالم
محلية
متعددة,
تصدرها مسقط
رأس غراس, أي
موطن
الكاشوبيين
الذي كان
ومازال غراس
شديد
التعلّق به
والولاء له,
بحيث استطاع
أن ينقذ بعضا
من لغة
وتقاليد هذا
الشعب
الصغير الذي
تنحدر منه
أمّه. في
كتابه «من
يوميات
حلزون» (3)
يخاطب غراس
ولده «راؤول»
بالقول: «أريد
أن أبلغ ك
أنت يا من
تهتم بفروع
الأشجار
وبالحدود
غير
المنتظمة
بأن
الكاشوبيين
أو
الكاسوبيين
الذين ي رجّح
بأن
ثلاثمائة
ألف منهم
مازالوا
يعيشون
اليوم, هم من
قدماء
السلافيين
ويتكلمون
لغة مهددة
بالانقراض,
لغة مطعمة
بالمفردات
المستعارة
من اللغتين
الألمانية
والبولندية.»
لقد
بات غراس
مولعا
باللغة
الكاشوبية
لذلك صب
جل اهتمامه
بغية
إحيائها من
خلال اللغة
الألمانية,
لغة الأب إن
صح التعبير.
بيد أن هذه
اللغة التي
استخدمها
غراس لم تكن
عادية, إنما
لغة خاصة به,
أوجدها
لنفسه, أو
أعاد
صياغتها,
فصار ينحت
ويشتق كما
يشاء. ولم
يكتف بذلك,
إنما وضع لها
لحنا يتساوق
ويتناغم مع
إيقاع
الجملة طولا
وقصرا ,
مولدا
أنغاما
موسيقية
وصرخات
بشرية
وأناشيد وغير ذلك
من الأصوات.
وقد عرف عن
غراس أيضا
أنه كان
يردد ما
يدونه بصوت
عال كما لو
أنه يلقيه
إلقاء , مما
جعله ينجح
نجاحا
كبيرا
في قراءاته
أمام
الجمهور (4).
فالتطبيل
إذن هو القص
والطبل هو
الأداة
القابضة على
الإيقاع
والضابطة له.
وستتضح لنا
هذه الحقيقة
من خلال
النماذج
التي
سنوردها هنا.
جاء في
الصفحة 27 من
ترجمتنا
النص الآتي: «أخذت
(راداونا)
تمخر عباب
الغرين,
قاذفة
بأكوام
الطمي
والرمل ,
متفادية
بمعونة
النوتيين
المتناوبين
السيل
العارم
الذي لم
يعرف سوى
اتجاه
واحد . وعلى
اليمين
والشمال
كانت تقع
الأراضي
المنبسطة
تارة ,
المتموجة
طورا , وقد ح
صدت غلال ها.
وثمّة
أسوار من
الشجيرات
ودروب
ضيقة
وخسوف
انتشرت فيه
نباتات
الوزال;
خسوف خال من
التعر ج يقع
بين البيوت
الفلا حية
المنفردة
المتباعدة,
وقد أعد
لهجوم سلاح
الفرسان,
ولفرقة الرم
احين المتموضعة
شمالا
في حقل رملي,
وللخي الة
الذين كانوا
يطاردون
بعضهم,
غائرين عبر
الأسوار
الشجرية,
ولأحلام ضب
اط الفروسية
الفتيان,
وللمعركة
التي وقعت
والتي ستقع
من جديد
دائما ,
وللوحة
الزيتية: حيث
السطح
المستوي
استواء تتري ا ,
والفرسان
المسلحون
سلاحا
خفيفا
على الخيول
المتهيجة,
والخيّالة
حملة
السيوف
الذين سقطوا,
والقائد
بمعطفه
المحلّى
بالنياشين
والذي
اصطبغ
بالدماء,
وحيث الدرع
لا تنقصه
إلا زر
واحد , ذاك
الذي قطعه
نبيل مازوفين,
والخيول
البيضاء
التي لم
يشهد لها
السيرك
مثيلا , تلك
الخيول
المستثارة
المتوترة,
المشرشبة الأعنّة ,
بشرايينها
المرسومة
بعناية
فائقة,
وبمناخيرها
القانية
الاحمرار المنفوخة
التي
انبعثت منها
سحب مطعونة
بالرماح
والحراب,
ورفرفت
فوقها
البيارق ,
وثم ة خيول
مطأطئة
الرؤوس
وسيوف
رفيعة ,
شطرت السماء
والشف ق
نصفين[...] وفي
الصفحة 129 نجد
مثالا
آخر على
إيقاع
الجملة: «كانت
بناية
المسرح
البلدي , أي
مطحنة
البن
الدرامية,
هي التي أغرت
أصواتي
الجديدة
المتكلفة
التي
جربتها فوق
سطحنا,
فوجهتها نحو
نوافذها
المصطبغة
بحمرة الشمس
الغاربة.
وبعد دقائق
من الصراخ
المتنوع
الشحن
والاحتقان
الذي لم يسبب
ضررا تمكنت
من استخلاص
صوت غير
مسموع إلى حد
ما, فأصبح
بإمكان
أوسكار أن
يعلن بفرح
وبفخر خائن
غد ار: لقد
توج ب على
زجاجتين في
الوسط من
الجهة
اليسرى
لنوافذ
البهو
التخلّي عن
شمس الغروب,
حتّى بات
يمكن
التعرّف
عليهما
كمربعين
سوداوين,
يحتاجان إلى
تركيب زجاج
جديد على وجه
السرعة.» وفي
مشهد مؤثر
يصف أوسكار
حالة الحزن
التي استبدت
بوالده
ماتسرات إثر
فقدان
خليلته
فيقول: كنت «أرى
ماتسرات
الذي لم يكن
يحتسي الخمر
في زمن أمّي
إلا بصحبة
الآخرين,
جالسا
على الدوام
في وقت متأخر
خلف كأس
صغيرة مخصصة
لجرعة واحدة,
ويتطلّع
بنظرة
مخمورة. كان
يقل ب ألبوم
الصور,
محاولا ,
مثلما فعلت
أنا الآن,
إحياء أم ي
المسكينة
بصور سيئة
أو جيدة الإضاءة,
ثم يبكي
في منتصف
الليل عندما
تحين ساعة
البكاء
فيخاطب هتلر
أو بيتهوفن
المتجهمين
المعلقين
قبالة
بعضهما, [...]
وبدا أيضا
كما لو أنه
كان يتل قى
إجابة من ذلك
العبقري
الأصم , في
حين كان
القائد
الزاهد
بالشرب يلوذ
بالصمت; لأن
ماتسرات
الذي كان
مسؤول خليّة
صغيرة
وسكيرا ,
تراءى غير
جدير
بالتنبؤ
بالمستقبل»
ص214. ومن
المفيد هنا
أن نأتي بمثل
آخر على
انشغال غراس
بهاجس
الإيقاع وهو
المثل الذي
يلخّص كل ما
عاشه أوسكار,
البطل
المركزي,
ومحتوى
الرواية, بعد
أن منحه طابع
الصلاة
الأخيرة: «ما
الذي علي
أن أقوله
الآن: تحت
اللمبات ول
دت , في سن
الثالثة
توقفت
عن النمو
عمدا , طبلا
تسلمت ,
زجاجا
حطمت , عطر
فانيلا
شممت , في
الكنيسة
سعلت , لوتسي
أطعمت , نملا
راقبت , على
النمو أصررت ,
طبلا دفنت
, إلى الغرب
رحلت ,
والمشرق
أضعت ,
النحت
تعلمت ,
موديلا وقفت , إلى
التطبيل
عدت ,
فالخرسانة
تفقّدت
, مالا
كسبت ,
إصبعا
حفظت ,
وإصبعا
أهديت ,
ضاحكا هربت ,
وبسلم
طلعت , فاعت
قلت , وحكمت ,
إلى المصحة
نقلت, ثم
برأت ,
اليوم
بعيد
ميلادي
الثلاثين
احتفلت ,
لكنني خائف
من الطاهية
السوداء
مازلت
- آمين» ص684-685. ولو
أننا وضعنا
الترجمتين
العربيتين
للنص ذاته
عن الفرنسية
والإنجليزية
قيد الدرس
لاتضحت لنا
جملة من
العوامل
التي من
شأنها أن تؤث
ر سلبا
على العمل
الفن ي,
ومنها خفوت
حد ة الإيقاع
وفتوره
بفعل
الابتعاد عن
الأصل, وكذلك
التفسير
المقحم للنص
الذي خضع
بدوره إلى
تفسير أو لي
قام به
المترجم
الأول عن
النص الأصلي,
فذهب ببعض من
بيانه
ونصاعته
وبلاغته;
لأنه تعامل
مع نص
آخر فرنسي
أو إنجليزي
وليس نصا
ألمانيا . وحقيقة
أننا نترجم
عن
الألمانية
فذلك لا يعني
بحد ذاته
أفضلية, إذ
إن
المترجمين
السوري
والعراقي
قد يكونان
أكثر قدرة
لو أنهما
اختار نصوصا
أخرى لكتاب
فرنسيين أو
إنجليزا
وهم كثيرون
حقا , بدلا
من
الاقتراب,
عبر لغة
وسيطة, من نص
ألماني
محض, معقد
التركيب. إن
الترجمة في
معظم
الأحوال هي
تفسير للنص ,
وأحيانا يوقف هذا
التفسير
العبارة
الأصلية على
معنى واحد,
فيحد ذلك
من
تداعياتها
وإيحاءاتها
ويخل بتركيبها.
وعندما يقدم
مترجم آخر
على نقل نص
مترجم أصلا إلى لغة
ثالثة فإن
هذه
التداعيات
والإيحاءات
الشاحبة في
الترجمة
الأولى
ستختفي لا
محالة, فضلا
عن وقوع
المترجم
الثاني في
أخطاء لا حصر
لها. وستكون
أسماء
الشخصيات
والمدن
والشوارع
والأنهار, أي
طوبوغرافيا
العمل الذي
أريد له أن
يكون بمثابة
طوبوغرافيا
قوم ودولة
اندثرا فلم
يخلفا سوى
الحنين
والأسماء
وبقايا
اللغة, ستكون
هذه الأشياء
كلها أول
الضحايا. فجعل
المشنوق في
ترجمته عن
الفرنسية
كولياجك «كوليشيك»
ويان, وهو من
أهم شخصيات
الرواية «جان»
وشتيفان «ستيفان»
والعمة كاور
«العم ة كوير»,
وأخطأ خطأ
كبيرا
في تدوين
أسماء
الأعلام مثل
غوته الذي
جعله غوتيه
وغوتنبيرغ
الذي لم يرد
اسمه في
الرواية
عبثا , إنما
أراد الكاتب
أن يؤكد
الهوية
القومية, أي
الألمانية,
لمدينة
دانسغ, فدون
اسم
غوتنبيرغ
مخترع
الطباعة
الآلية
والذي نصب له
تمثال في
المدينة, «بغبتمبير»,
بل أنه جعل
مدينة دانسغ
نفسها التي
هي مسرح
الأحداث, «دانزيغ»
بحيث أصبح من
المتعذر
التعرف
عليها ثانية.
أما كتابته
للفصول فقد
حفلت
بالكثير من
الأخطاء, إذ
حول فصل زجاج,
زجاج, زجيج
وهو الفصل
الذي حذفنا
منه مفردة «زجيج»
منعا للالتباس
وأبقينا على
الترجمة
الحرفية;
لأننا لم نجد
بديلا
لها, حوّل
هذا الفصل
إلى «زجاج
نوافذ وزجاج
نوافذ مهشم»,
وجدول
الدروس إلى «برنامج
تنظيم الوقت»
وراسبوتين
وحروف
الأبجدية
إلى «راسبوتين
والألف تاء»,
ولعل المشنوق
نسي هنا أنه
لا يوجد ما
يسمى بالألف
تاء, إنما
هناك صيغة
قديمة منذ
زمن الإغريق
تعرف «بالألف
باء» أو «الألفا
بيت», وحوّل «التضييق
من ناحية
القدمين»
إلى «من
الرأس إلى
القدمين» و «إيمان,
محب ة, رجاء»
إلى «إيمان,
أمل, رجاء»
كما لو أن
الأمل يعني
شيئا آخر
غير الرجاء.
وحوّل «حمل
العجز إلى
السيدة غريف»
إلى «احترام
عاجز إلى
مدام غريف»
وحوّل «تفق د
الخرسانة أو
الإصابة
بالضجر
البربري
الغامض» إلى «تفتيش
الإسمنت أو
اللحية
الأسطورية
البربرية»,
بينما لا
يوجد في النص
الأصلي
أدنى ذكر
للحية
الأسطورية,
وحوّل «النافضون»
إلى «الدباغون»
«وتمثيلية
عيد الميلاد»
أو «مولد
المسيح» إلى «المذود»
و»عذراء
49» إلى «السيدة
49» «والترام
الأخير أو
عبادة
البرطمان»
إلى «الترام
الأخير أو
عبادة
القمقم». ولا
يختلف الأمر
كثيرا
مع عبد
الأمير صالح
الذي وقع
بدوره ضحية
للترجمة
الإنجليزية,
فلم يقم
بمراجعة
النص الأصلي,
فأتي
بالكثير من
الأسماء
والعناوين
البعيدة عن
روح النص ,
بالإضافة
إلى
الإقحامات
والإسقاطات
في المتن
والتي سنشير
إلى بعضها,
وهي في
الواقع
كثيرة جد ا
ومنتشرة في
ثنايا النص
من البداية
حتى النهاية.
إذ إنه أيضا
قام بتحويل
فصل الزجاج
الآنف الذكر
إلى صيغة أمر
«حط م زجاجة
النافذة
الصغيرة»
المنقول
حرفيا
عن
الإنجليزية
Smash a Little Windowpane وأخذ
مفردة
Schedule الإنجليزية
نظير عبارة «جدول
الدروس»
المعمول به
في المدارس
الابتدائية,
وقد أوقعه
هذا الخطأ في
إشكالية
مضحكة سنشير
إليها فيما
بعد. وحول «حمل
العجز إلى
السيدة غريف»
إلى «كيف أخذ
أوسكار عجزه
إلى سيده
غريف», وأخذ
وحدة
الأوزان
الإنجليزية
Pound أي
الرطل كما هي,
فأصبحت
الخمسة
والسبعون
كيلوغراما
مائة
وخمسة
وستين رطلا رقما . وتحو
لت «خلافة
المسيح» إلى «محاكاة
المسيح» وهي
صياغة
منقولة حرفي
ا عن
العنوان
الإنجليزي
The Imitation of Christ بينما
النص الأصلي
يتحدث صراحة
عن خلافة
المسيح, بحيث
أن أوسكار
ينص ب نفسه
خليفة . وليس
من الصدفة أن
يجعل غراس
شخصا قميئا
مثل أوسكار
ينص ب نفسه
خليفة, فهو
قصد هنا
الإمعان في
السخرية من
الكنيسة
الرسمية في
ألمانيا
التي قامت
بدور متخاذل
ومتهادن مع
النظام
الهتلري
النازي. إننا
في الواقع لا
نريد أن
نبالغ في
أهمية كتابة
العناوين
بصورة صحيحة,
لكننا نعتقد
من ناحية
ثانية بأن
العناوين هي
مفاتيح لفهم
النصوص
المستغلقة;
لأنها
مستمدة فعلا
من محتوى
الفصول. وفي
هذا المقام
فإننا
سنحاول هنا
تناول
الهفوات
التي شملت
المتن نفسه. الرواية
بمجملها هي
عبارة عن
قراءة
تاريخية
نقدية
للأحداث
المهمة التي
شهدتها
أوروبا
وألمانيا
على وجه
الخصوص,
ولذلك فإن
أسماء
المواضع
تشير حيثما
وردت إلى
أحداث
تاريخية مهم
ة, وأي تحريف
فيها قد يؤدي
إلى سوء فهم,
أو إلى
التقليل من
أهمية الحدث
ذاته,
وأحيانا
يؤدي هذا
الخطأ في
الفهم إلى
اختلال
الصورة
الفني ة. ففي
ترجمة صالح
عن
الإنجليزية (ص42)
وردت
العبارة
التالية: «ثلاث
مر ات دعي
جان للقوات
المسلحة,
لكنه في كل
مرة يتم
تأجيله بسبب
وضعه الجسدي
البائس, وهي
حالة ألقت
ضوءا وافرا
على بنية
جان برونسكي
في تلكم
الأيام, حين
كان كل ذكر
يقف بقامة
نصف منتصبة
ي شحن في
سفينة إلى
وردون كي
يخضع إلى
تبديل جذري
لوضعه طولا
وعرضا .»
وهذه الصيغة
هي ترجمة
حرفية غير
دقيقة لما
نقله
المترجم
الأمريكي
رالف
مانهايم (ص24),
حيث وردت
عبارة شحن
بالسفينة
shipped إلى
فردان لكي
يخضع وضعه [يان]
إلى تغيير
جذري من
الحالة
العمودية
إلى الحالة
الأفقية
الأبدية. أما
العبارة
الأصلية
فتنص حسب
ترجمتنا على
أن [يان] أ خضع «ثلاث
مرات للفحص
الطبي
العسكري, إلا
أنه كان يعفى
من الخدمة كل
مر ة, بسبب
قامته
المعوجة
وحالته
السيئة على
العموم التي
انتشرت
حولها شت ى
الأقاويل, في
ذلك الزمن
الذي كان
يساق فيه
الأصحاء ذوو
القامة
المستقيمة
إلى ناحية (فردان)
حيث كانت
أجسادهم
تمهد في
التراب
الفرنسي على
نحو أفقي .» ويتضح
من هذه
العبارة أن
هؤلاء
الجنود
سيقتلون في
تلك الأرض
الفرنسية
الغريبة
مثلما قتل
وجرح أكثر من
سبعمائة ألف
جندي فرنسي
وألماني
إبان الحرب
العالمية
الأولى في
معارك فردان
الدموية
التي دارت
رحاها طيلة
العام 1916. إذن
ليس هناك في
النص الأصلي
سفن ولا
تبديل جذري
طولا وعرضا
, إنما هناك
إشارة صريحة
إلى الأرض
الفرنسية
وإلى معارك
فردان. وفي
الصفحة
ذاتها يرتكب
عبد الأمير
صالح خطأ
آخر كبيرا
فيقول عن
يان الذي فحص
طبيا للمرة
الرابعة
بأنه «مشى
باضطراب
نازلا
درجات
السلم,
ومرتميا
على عنق
أغنس, أمي,
همس بالقول
الذي كان
شائعا
جد ا آنذاك: (لم
يقبلوني من
الأمام, لم
يقبلوني من
الخلف,
رفضوني مدة
سنة أخرى) -
أمي لأول مرة
ضمت جان
برونسكي بين
ذراعيها,
وأشك فيما
إذا كانا
شعرا بسعادة
كبيرة في خلال
عناقهما ذاك.»
بينما النص
الأصلي
يقول عكس ذلك
تماما , فهو
في ترجمتنا
كالتالي: «هبط
[يان] درجات
السلم
الأمامي
متعثرا , طوق
جيد أم ي
بذراعيه, ثم
همس في أذنها,
مرددا
تلك
المقولة
التي كانت
محبوبة
آنذاك: (لا
مؤخرة ولا
عنق; سنة
كاملة إلى
الوراء!)
فحضنت أمي
يان برونسكي
لأو ل مرة في
حياتها, ولا
أعرف فيما
إذا أخذته في
أحضانها
بسعادة
غامرة بعد
ذلك مثلما
فعلت في تلك
اللحظات» (ص43). في
رسالة نشرها
السيد
المشنوق في
جريدة
الحياة
اللندنية (5)
أعاب علينا
الترجمة
الحرفية
لعبارة «لا
مؤخرة ولا
عنق; سنة
كاملة إلى
الوراء»
التي ترجمها
هو على النحو
التالي: «نزل [يان]
الدرج بسرعة
خاطفة قافزا
على رقبة أم
ي ثم همس في
أذنها المثل
الذي كان
يطيب سماعه
حينئذ (غير
صالح, غير
مساق سنة
تأجيل).
عندئذ أخذته
ماما في
أحضانها و لا
أعرف يا ترى
هل ستكون
أكثر سعادة
بضمه ثانية
فيما بعد» (ص39-40). بيد أننا لو أخذنا بترجمة المشنوق لانتفت أهمية المثل «الذي كان يطيب كثيرا سماعه» على حد قوله, في حين أن صياغتها على هذا | |||||