|
|||||
|
في
منتصف العقد
الثالث من
عمري وجدت
نفسي قد
انقطعت من
حولي صلات
الناس
ووجدتني
وحيدا أعمل
في الصباح
محاسبا
صغيرا عند
تاجر صغير
وأسكن في
الليل إلى
غرفة عالية,
كانت آخر
الغرف في
عمارة كبيرة
قديمة. وكنت,
في عصر كل
يوم, أصعد
السلم
العالي
بطيئا
متأنيا حتى
لا يفرغ
السلم, ولكنه
كان يفرغ
دائما وأصل
إلى غرفتي
وقد أحسست
أنني أشد
نحولا وأن ما
في داخلي من
مشاعر قد
تخشب وخمد
كأنني عكاز
قديم. وعندما
أفتح غرفتي
وأدخل وأرى
السرير أحس
بالراحة
والسعة
وأفرح أن ليس
على شيء إلا
أن أستلقي
وأن أنظر في
السقف
والحائط.
ولقد لمحت في
ذات نهار على
الحائط
طريقا ضيقا
من الجير
المتآكل
الصاعد فوق
اقدامي
ويذهب بعيدا
في الحائط
مارا بأشكال
غريبة لقصور
ومدن. كان
الطريق كله
منحنيات
مفاجئة تذهب
في عرض
الحائط فلا
يظهر لها شكل
وكأنها
تعاريج في
مدينة
مجهولة. ولقد
ترددت طويلا
قبل أن أصعد
في الطريق
خائفا حذرا
ومتهيبا مما
قد ألقاه أو
أسمعه مفكرا
تفكيرا
طويلا فيما
إذا كنت في
حاجه إلى شيء
من الزاد
وأدوات
السفر.
ولكنني كنت
أتفكر طويلا
وأتأنى
ولكني أتحرك
دائما إلى
الأمام نحو
الطريق
الصاعد في
الحائط. كنت
أتحرك وأنا
أفكر كإبريق
من الماء فوق
النار يدو م
فيه الماء
ويصوت ولكنه
يغلي ويندفع
في غليان حتى
يتبخر. لقد
حاولت كثيرا
أن أمسك نفسي
عن الصعود أو
أن أنتظر
- على الأقل -
حتى أتهيأ له
ولكنني في
الواقع لم
أستطع. كانت
الأشكال
الغريبة
تعرفنى
بنفسها
أحيانا
فأتقدم
وأترك راضيا
كأنني أرى
نافذه أمي أو
الشباك
الكبير الذي
كان يجلس
تحته أبي,
وأحيانا كنت
أرى النور
يعبث قويا في
منطقة من
الطريق
فيضيئها
إضاءة بالغة
حتى أحس كأن
جرحا غائرا
يدمى في
جبهتى وأننى
أتهالك
وحيدا في
ميدان فارغ
ولكنني كنت
أتحرك, لا
أستطيع أن
أقنع نفسي
بفائدة
التفكير
والتأني ولا
أستطيع أن
أمنع نفسي من
الصعود
والتحرك
التحرك إلى
أعلى ولقد
وجدت نفسي
وأنا أصعد
أجرأ كثيرا
مما كنت أظن.
فلقد كنت
أطرق المكان
كأن لي به
ألفة, أو
كأنني _ وكان
هذا أقرب
لشعوري -
أستهدف
مكانا وصفه
لي معارف
أقرباء. وصعدت
مطلع الطريق
الصاعد أدب
خفيفا كأننى
نجم أو حشرة
صغيرة, كنت
أستريح عن
بعد, هفات من
نسيم طري لم
أألفه من قبل
كان النسيم
واضحا في
مقاصده
عارفا بجسدي
معرفة غريبة
فلقد كان
يعبث بعنقي
وعيوني
ويتمسح بيدي
كأنه شال
أسود ناعم
ولقد تحركت
على شفتي
ابتسامة
غريبة وأنا
أصعد, فرحت
أرقب في
أقدامى خفة
وجبرا على
السير كنت
أدفع أو
أندفع
ولكنني كنت
أسير كما
يسير كل شاب
إلى بيت
حبيبته. ولم
يكن في
الطريق غيري
أحد ولكنني
كنت مطمئنا
إلى نوع من
الوصول لم
أكن أدرك
كنهه. فلم
أكن أسير كما
يسير إلى
عملى في كل
يوم ولكنني
أسير وكأنه
معالم
الطريق.. نعم
كأن في
الطريق حجرا
وبعض عمدان
وخرابات من
بيوت بعيدة ,..
قد
استهدفتني
كلها في يسر
وصمت. وكانت
كلها تنظر لي
بعيون
مألوفة
ولكنها ألفة
فريدة لم
أستشعرها
إلا في
الغروب أو في
صفحة المياه
الواسعة أو
في الفهم
العميق وأنا
أستشعر
قولنا , ما
يرقبني من
بين سطوري. ولذلك
أحسست أنني
لم أعد أفكر
في الطريق
وأنني قد لا
أخشى شيئا
وإن سرت, بل
لقد سرت وأنا
لا أفكر لقد
أسرني
الطريق
والجو ورحت
في دوامة
واسعة
متصاعدة تدق
فيها أقدامي
إلا أن
الطريق لم
يلبث أن
أنحنى وهو
مايزال
يتصاعد. ولقد
أتسع لى
الأفق كثيرا
إذ ذاك ورأيت
أن ثمة شبحا
بعيدا يقف
منتصبا أمام
كومة من
الحجر وأننى
ذاهب لا
محالة إليه
فترددت
خطوات وبدأت
أفكر من جديد
فيما على أن
أخذه من زاد
لهذا الطريق
ولكن بصري
ورؤيتي لهذا
الشبح
يدفعاننى
دائما إلى
الأمام
والشبح لا
يريم عن
مكانه ولا
يقترب,أ صبت
بشيء من
العند
الدخيل ورحت
أدفع
بأقدامي كى
أتقدم إذ
تبينت أن
الشبح
البعيد
امرأة عجوز,
تضع على
جانبها في
الأرض صرة
ملفوفة. وتمسك
في يدها عصا
طويلة, أما
وجهها
ورأسها
فإنها
تخفيهما عني
في غطاء واسع
قديم. ولكني
اقتربت
أخيرا منها
ورأيت نفسي
أنحرف وسط
الطريق إلى
ناحيتها
وأكاد أن أقف,
وإذا بها
تكلمني في
صوت أجش
متقطع وكأن
أقداما
ثقيلة تدوس
في عيدان من
البوص. -
هل أنت.. -
وذكرت
المرأة
العجوز اسمي
ونسبتني إلى
أمي فأجبتها
بهزة من رأسي
وبدأت أخشى
تبعات هذا
الطريق,
ولكنها قالت
لي : لقد
انتظرتك
أياما طويلة
هنا ولكنني
ظللت واقفة
لأنني عرفت
أنك قادم.. وأحسست
فجأة أن
المرأة
صادقة, وعلى
الرغم من أن
التعب لم يكن
يبدو عليها
إلا أنني
سألتها : هل
بقيت واقفة,
ألم تتعبي..
فلم تجب على
سؤالي
ولكنها راحت
تنظر خلفها
نحو صحراء
بعيدة ثم
غمغمت : إن
ثمة عربة
تنتظرنا على
مبعدة
وعلينا أن
نصل إليها.. ورحت
أفكر من جديد
وأستشعر أن
أفكاري تحتك
ببعضها
كأنها أضراس
خفية وفكرت
كثيرا, نعم
كثيرا أن
الرجوع, أو
على الأقل في
أن أقول لها
بأنني عائد
ولكنها
فقدتني
بخطوة وعبرت
الطريق إلى
الصحراء
الواسعة
ورحت أتبعها
وبنفس أن
أقول لها ما
أفكر فيه في
اللحظة
القادمة.
ولكنها صمتت
وصمت أنا
أيضا وراح
الرمل يأكل
في أقدامي
كأن هناك
ندما وشكوكا
وترددا. وعندما
وصلنا إلى
العربة كأن
فيها حصانا
أحمر بحجم
تلفا. وكانت
العربة
أقتربت إلى
عربات
الأغنياء
سعداء في
غطائها
ومقاعدها, قد
لمعت فيها
الأدوات
الصفراء
ومدارات
العجل
وألقيت
الأعنة على
أرض العربة
إلى جانب
المقاعد. ولقد
ترددت طويلا
في الركوب
ولكن المرأة
ركبت في سرعة
وجذبتني إلى
جانبها
وأنفجر
الحصان
عاديا كما
المرء في
الضحك كانت
العربة تهتز
هزا قويا
فنصطدم في
بعض فلا
أتكلم
ولكنها كانت
تتكلم وإنما
كلام لا
أفهمه أو لا
أسمعه. وكنت
أمسك في
كلماتها
كلمات الرمل
والحجارة
وأضواء
النجوم
والآبار
البعيدة,
ولكنني كنت
أحس أنني
أدرك هذا كله
في تركيب
لغوي فريد,
فلقد كنت أحس
أنها تسلب
الصفة فيما
تتحدث عنه
ولا تضيفها
اليه وكنت
أحس أنها
تذكر أحيانا
السماء
غريبة وتجعل
كلمات أخرى
ترقص
حواليها. كانت
العربة تهتز
وتصطدم
المرأة بي
أحس أن
حديثها يخرج
من جسدها كله
وأنه في
أنحاء جسمي
وأحيانا
يلدغني في
يدي أو خدي.
وفجأة أحسست
أن العربة قد
امتلأت كلها
حديثا غير
مفهوم وأن
الكلمات
تختفي في
العقد أو
تركب وتقفز
على محاور
الغطاء. ولكنها
لا تخرج أبدا
من العربة
وكأن الجو قد
أظلم وعيون
المرأة قد
أضاءت في
الظلمة, ولم
أكن أعرف إذا
كانت عيوني
مضيئة أنا
الأحزان لا.
ولكني كنت
اهتز مع
العربة
وأتابع عيون
المرأة في
حركتها
وأحاول أن
أتبين هذه
اللغة
الغريبة
التي تتكلم
بها. وقد
بدا لي في
لحظة واحدة
أن أضحك وأن
ليس ثمة داع
لأن أفكر
ولكن العربة
وقفت فجأة
وأحسست من
أقدام
الحصان أن
الطريق قد
تغير وأننا
نسير في بهو
عين مغلق قد
رصفت أرضه
بالحجارة. ورأيت
باب غرفتي
يفتح وشاهدت
عم بسيوني
يدخل فيضع
على المنضدة
رغيفي العيش
والجبن
والحلاوة
وعودين من
البصل وقد
رحت أصرخ
علية ونزلت
من العربة
وتبعتني
المرأة ثم
تقدمتني
خطوة ولقد
تعجبت من أن
عم بسيوني لم
يسمعني وأن
خطواته
وحركاته لم
يبد فيها
أنه افتقدني
وعندما خرج
عم بسيوني لم
أجد ثمة
مبررا أن
أطيل
التفكير بل
مشيت وراء
المرأة في
طريق مرصوف
بالحجارة
الصغيرة
المقطعة حتى
وصلنا إلى
غرفة مضيئة
بنور كنور
الغروب قد
امتدت على
حائطها
العريض
منضدة واسعة
طويلة جلس
وراءها سبعة
رجال غرباء,
كان كل واحد
منهم فريدا
في ملبسه
وشكله فقد
كانوا سبعة
فعلا. ووراء
الرجال ثلاث
نوافذ طويلة
رأيت منها
البحر وسمعت
صوته.. ولم
أكد أدخل
الغرفة حتى
توارت
المرأة في
باب جانبي
وبادرني أول
رجل على
اليمين: -
لماذا تدعي
القداسة. كان
الرجل سميكا
يرتدي حله
سوداء
وقميصا بالغ
البياض وكان
وجهه غليظا
كأنه مخروط
من لحم حيوان
أخر. وكانت
عيونه ضيقة
سريعة
الحركة
كأنها سمكات
صغيرة
فالتفت
ورائي على
منضدتي
ورأيت عودي
البصل
والحلاوة
وترددت
وامتلأت
روحي بخوف
حاد واسع
وقلت للرجل
في خجل : -
أنا لا أعرف
هذه الكلمة
يا سيدي.. كانت
جمل المرأة
مازالت في
أذني, مازال
في روحي ما
تحسسته من
تركيب غريب
في حديثها. ولكن
الرجل
الثاني تحرك
في جلبابه
الواسع
الأبيض
فتشتت على
جسده ما يمر
فيه من خطوط
زرقاء عريضة
وكسر على
عينه اليمني
غامزا وقال
لي : -
ولكنك قد جئت
إلى هنا. وأضاف
مستهزئا يا
سيدي. ولم
أستطع أن
أتكلم, ولم
يكن في عزمي
أن أرد عليه
لأنني لم أكن
أعرف ماذا
أجيب إلا أن
الرجل
الثالث مد
ذراعيه
ناحيتي وقام
من مقعده
قليلا فرأيت
سرواله
الأحمر على
سترته
الرمادية
وفزعت عندما
قال لي
متلطفا.. -
ألا تجلس.. فلم
يكن في
الغرفة كرسي
واحد بل كانت
عارية تماما
إلا من
منضدتهم
الواسعة
وكراسيهم
وتلك
النوافذ
وراؤهم.. وقد
تبينت أنهم
لا يريدون
مني أن أتحدث
لأن الرجل
الرابع وكان
يرتدي سترة
البحارة
ويضع على
رأسه قبعة
صغيرة لاك في
فمه كلامات
غريبة بصوت
عال جعلتني
أذكر حديث
المرأة في
العربة. ولقد
تشجعت كثيرا
عندما سمعته
وقد أخرج هذا
الرجل من
أصوات
وأحسست أنني
مضطر أن أرد
عليه بل
وأنني أكاد
أن أدافع عن
نفسي فقلت
لهم.. أنا
لا أعرفكم
ولا أفهم
لكناتكم,
فأنا رجل
بسيط, أنام
في فراشي كل
مساء. وضحك
الرجل
الخامس ضحكا
متواصلا هز
أقدامي
وساقي وراح
يمسك أكمام
قميصه من أن
يسقط فلقد
كان يلبس
قميصا من
الحرير
السمني قد
شمر أكمامه
وبرز منه عند
عنقه شعر
صدره الأسود
كان شابا
نحيلا وكان
صوته ضخما
كأنما يضخمه
قاصدا في فمه
فرحت أصرخ
على صوته وقد
ضاق تنفسي: أنا
أشهد عم
بسيوني أن
ليس في حياتي
ما قلتم أنا
رجل بسيط لم
أركب العربة
أبدا ولم أمش
في الشوارع,
ولم أحمل
سبحة. انظروا,
ليس في عيوني
ناس, أنا لى
ساق وذراع
ولكن ليس لى
جانب آخر. وكان
الرجل
السادس أشيب
الرأس قصيرا
لا يكاد يظهر
خلف المنضدة
قد استند
بذقنه عليها
وراح ينظر
بعيون ثابتة
وكأنه طبيب : -
الظاهر أنك
غير من طلبنا,
هل سألتك عن
أمك. فأجابه
الأول ذو
السترة
السوداء: -
نعم طبعا. وقال
الذي يرتدي
الجلباب: إنها
لا تخطىء
أبدا.. ودحرج
البحار على
المنضدة بضع
كلمات غير
مفهومة وقام
واقفا يحدث
السابع وكان
السابع في
آخر المنضدة
يقف مستندا
بقدمه على
كرسي يرتدي
ملابس لاعبي
الجولف وقال
له : -
إنها لا تخطئ
أبدا ودب
بينهم حديث
مفاجئ
اشتركوا
جميعا فيه
فلم أعد
أستطيع أن
أعرف أيهم
يتكلم -
ولكنك لم
تدرك أبدا
مدى الخطأ.. -
إن العربة
تكلفنا
كثيرا.. -
ولكن
القداسة لم
تكن في
العربة -
لقد ألقاها
في الطريق -
هل هي
المسؤولة ? -
لا نحن
المسؤولون -
أنا لا أفهم
أبدا أنها
تخطئ -
ولكنك لا
تدرك أبدا
مدى الخطأ -
يا ويحنا
جميعا ولقد
شجعني
اضطرابهم
فعضضت على
شفتي حتى
أدميتها
واستطعت أن
أدفع بنفسي
في الباب
الذي توارت
فيه المرأة
ولقد دفعت
الباب في
سرعة
فوجدتها
وراءه بغطاء
رأسها
الواسع تحمل
في يدها
سكينا
فانتزعته
منها وأحسست
أنني أدافع
عن شيء أحمله
في قلبي,
ولقد ترددت
في أذني
كالجرس
البطىء تلك
الكلمة التي
سمعتها منهم,
قداسة قداسة,
ورحت أطعن
المرأة
وأرقب الدم
يتسرب من
صدرها حتى
يدخل غرفة
السبعة من
تحت الباب
وعند ذاك
أحسست أنني
أكثر هدوءا
وأننى أشرف
على الصحراء
والحصان
والبحر وأن
هؤلاء جميعا
قد صمتوا. *
السعال كان
ذلك في صيف 1935
وكنت قد أ
طلقت من
المدرسة
الداخلية
التي كنت
أتعلم فيها
على أيدي
الرهبان
ورحت أقضي
أيام العطلة
في بيتنا
الكبير الذي
يطل على
البحر. ولقد
كنت إذ اك
شابا طريا
تلعب فوق
شفتي شعيرات
خضر صغيرة,
وتتحرك في
عيوني
الخضراء
أمواه بعيدة,
فيها أحلام
هادئة ساكنة.
كنت شابا
نحيلا أكاد
أكون فارعا,
لى جمال
عرفته من
وجوه
الآخرين, ولي
تحسس خفيف من
ذكاء وسند
قديم عتيق من
الأخلاق
والطيبة.لم
أكن, في ذلك
الوقت, أعرف
مما يحيط بى
غير مسافات
ضئيلة من أرض
حديقتنا, بها
طراوة الأرض
المروية
ورطوبة
الخضرة
المتكاثفة.
ولقد تعودت
أن أقف على
ما أعرفه
من الأرض,
لا أتذكر ولا
أحلم, بل
اعتدت أن
أتحسس وأن
أرى ما لي من
ذكاء, يضيئ
في خفة وفي
بعد كأضواء
الفنار.وفي
ذلك الصيف,
صيف عام 1935 كنت
أحس أننى
أطول قليلا
مما عهدت,
وقد يكون ذلك
راجعا إلى
سروالى
الطويل أو
إلى أنيى
نجحت في
العام
الماضي أو
إلى أن أبي
قد اشتد عليه
المرض
والسعال,فلقد
كان سعال أبي
يتردد في
أبهاء بيتنا
طوال الليل
في الردهات,
وكان هذا
السعال
يجعلنى أجلس
مستيقظا في
فراشي وأمر
بعيني على
أخواتى وأمي
وأستشعر
رقادهم
وتقلبهم في
أسر تهم
فيملأني
السعال
تيقظا وحرجا. كنت
أحس الحرج
لأنني أعرف
تماما أنه لن
يقف ولأن أمي
وأخواتى قد
اعتدنه حتى
نمن عليه,
وكان يخيل
إلى أن أبي
يجلس نفس
جلستي على
سريره وأننا
قد نلتقي
فجأة في إحدى
الردهات. لم
أكن أتحرك
ولم يكن
يتحرك إلا
هذا السعال,
يدب ويرن
ويتردد صداه
في الطرقات
الطويلة
التي يمتاز
بها بيتنا.
ولقد كان
للدور
الثاني الذي
ننام فيه سور
يلف مع الدرج
ويطل على
فناء واسع
مفروش في
الدور
الأرضي
وتعودت إذا
اشتد بي
القلق
وحركني
السعال أن
أنهض فأسير
حتى هذا
السور وأقف
وأطل على
الفناء
وعندما
يزداد سعال
أبي كنت أرى
ظلي يتحرك
بسرعة على
أرض الفناء
من تحتي,
وأكاد أحس أن
المصباح
الخافت
يتحرك أيضا
كالظل, وفي
لحظة من
لحظات الخوف
والانهيار,
في لحظة كنت
أجد نفسي
فيها أبسط من
الفراش وأخف
جناحا من
الخوف
والنور, كنت
أكاد أرى أبي
في الفناء
المفروش
وأحس في فزعي
أنه يتأهب
للخروج. وإذ
اك كنت أحس
الباب يصر
بالسعال
وأنه يتحرك,
ينفتح
وينغلق كأنه
المصباح
والظل . ولو
أنني فكرت
طويلا إذاك
لما خرجت,
ولكني لم
أفكر لأنني
هبطت الدرج
مسرعا كأنما
أحاول أن
أمسك شيئا
أمامي, وفتحت
الباب وكأنه
خرج, وخرجت
أنا أيضا
خارج الفناء
المفروش
يردد جسدي
سعال أبي,
وكأنني
أكظمه في
نفسي. وعندما
خرجت وهبطت
درج بيتنا
الأمامي, كان
البحر يملأ
الدنيا كأنه
سماء. كان
هادئا بعيدا
وراء الطريق,
وكان الطريق
خاليا يضيؤه
القمر وذ
بالات
المصابيح
وحركات
الهواء
والبحر, فسرت,
سرت بخطوات
رفيقة
متأنية
كأنني أتذكر
السعال, أو
كأنني أدوس
فيه ببطء.
كان الطريق
لينا جدا,
طريا كلحم
السمك وكانت
خطواتي تخبط
وترتفع عنه
كأنفاس
المبهور بعد
السعال. كنت
أتذكر
السعال
وأسير, وسرت
لاهاربا
ولامتفجعا,
وكنت أتحسس
بذكائي ماقد
بقي لي من
طريق. لم
يكن الطريق
بعيدا عن
الرمل وساحل
البحر, كان
ينتهي إلى
هناك وكنت
سائرا أنا
أيضا إلى
هناك, وكنت
أردد في نفسي
أنني ذاهب
إلى هناك
كأنني أحل
مشكلة أو
أجيب عن
سؤال, ولم
يكن الوقت
يمر لأنني لم
أكن هاربا
ولم أكن
أبتعد. لا
طبعا لم أكن
أبتعد فأنا
لا أستطيع أن
أبتعد أو أن
أترك بيتنا
أو أن أترك
ما لى من أرض
في حديقتنا. ولكنني
وصلت إلى
أحجار
الشاطئ
والبحر
فوقفت
استريح
ومابي تعب
وأرقب
المنظر وأنا
لا أكتشف فيه
جديدا. كان
القمر يضييء
الصخور إلى
جانبي وي
ضيئني أنا
أيضا, فلقد
أحسست أنه
يغمرني كأنه
ماء دافئ
كدمع العين,
لا كنت أحس
أنه لبن وكان
اللبن يتخلل
جسدي كله
كالعرق
فاستشعرت ما
أضمه في نفسي
من حس
واستشعرت
وحدتي وغيبة
وجوه الناس,
فاسترحت في
وقفتي
واتكأت
بظهري على
الصخور,
وبينما أنا
واقف أرقب
الفنار عن
بعد وأرى
مصباحا
صغيرا يلعب
في البحر على
مركب إذا بى
أسمع عند
أقدامي حركة
وأنينا في
الماء.
وانداحت عند
أقدامى موجة
متقاصرة
وخرج بها من
الماء رأس
أسود صغير ما
لبث أن اختفى
ثم صعد من
جديد, وإذا
بى أرى كلبا
من كلاب
البحر السود
يقف إلى
جانبي على
الصخر
كالكلاب
المدربة ثم
ينظر ناحيتي,
كأنما
يدعوني
للفرجة ثم
يعزم وينحني
ويندفع
سريعا رشيقا
إلى الماء. ووقفت
متحيرا
مترددا لا
أعرف ماذا
أصنع فما
أدري أن كلاب
البحر تظهر
في بحورنا ,
وما أدري إلى
أي حد قد
يؤذيني هذا
الكلب.
واتكأت
مصمما على
الصخر وأنا
أرقبه يبرز
من جديد ويقف
إلى جانبي ثم
يلتفت برأسه
الأسود إلى
ويكاد
يدعوني
وينفلت
خفيفا إلى
الماء, ولم
يغب طويلا في
هذه المرة,
بل صعد إلى
من جديد وراح
يقذف بنفسه
في الماء
وكأنه
يستعرض
ألعابا
مضحكة, ولقد
كدت أضحك
لولا ان
البحر وضوء
القمر قد
بعثا في نفسي
جب ا مهولا
جامدا يشق لى
بين الأشياء
والمواد
طريقا. ولقد
عبث القمر
طويلا على
الماء قبل أن
أحس اضطراري
للهبوط في
الماء, ألقي
بنفسي فيه
وأستريح من
قدراتي
الجامدة على
الصخر, لقد
أحسست في
لحظة واحدة
أن ذكائي
أضاء
واستدام
وأنه قد
استحال حركة
واحدة
مندفعة
لايعتورها
تردد أو سعال.
وسبحت
في الماء
أجدف بذراعي
في القمر
الذائب
وأستشعر أن
لى أرضا غير
الأرض, وأن
الأفق مازال
لى في ضربات
ذراعي
امتدادا
وسعة وتلقيا.
لقد سبحت في
تلك الليلة
كما لم أسبح
من قبل في
حياتي قط,
فلم تكن
سباحة بل
استبشارا
نضرا كأنما
أسبح في جوف
أعمق من
البلور
الأزرق. ورحت
أسبح وأندفع
وأقترب من
لاشيء
يهدهدني
الموج ويحمل
جسدي وكأنه
زهرة وأقترب,
أقترب من
لاشيء
ويفصلني عن
الوصول حد
غريب
كالشعيرة,
يجعل وصولى
أفقا
وسباحتى
مستديمة.
فأسبح
وأقترب من
المصباح في
المركب وأرى
المصباح
يتجه لي
ونكاد نلتقي
أنا
والمصباح في
نقطة على بعد,
ولكننا لا
نلتقي فأسبح
وأقترب,
ويقترب مني
المركب,
وأكاد أصطدم
فيه, ولكن
أيدي قوية
غليظة تمتد
من المركب
عارية
مفتولة
العضلات
والعروق
لتحملني
إليه, فأقف
بينها
مذهولا
مسكينا
أتفصد ماء
وعرقا. ويلتف
حولي رجال
يلبسون
ملابس غريبة
من نمط واحد
أشبه بملابس
التجار في
بغداد
القديمة, قد
تحلت
عباءاتهم
الطويلة
بخيوط من قصب
سميكة
واسترخت على
صدورهم
العريضة
ذقون سوداء
وبيضاء
وراحوا
ينظرون لي
فرحين
وكأنهم
سيأكلونني,
ولكني
استسلمت
لأيديهم وهم
يلبسونني
عباءة
كعباءاتهم,
ويمدون على
صدري خيوط
القصب
الذهبية, ولم
يلبث كبيرهم
ان قال لي : -
اسمع, نحن
نهر ب الـ ولم
أكن أسمع
بوضوح لأنه
قد وضع في
يدي شيئا
غريبا صلبا
واستكمل
حديثه آمرا : -
اسمع.. أعط
هذا لمرزوق. فقلت
له خائفا : -
وأين مرزوق? -
فقال لي
متعجبا : -
هنا إلى
جوارك والتفت
لي مرزوق من
جانبي وقال
لي هامسا :
هات فأعطيته
هذا المعدن
الصلب
فأخفاه في
يده وانحني
على جاره
وأخفى رأسه
في صدره ووضع
المعدن في
يده وهو يبكي,
والتفت
الثالث إلى
جاره وناوله
ما في يده
وهو يبكي هو
الآخر, وهكذا
دار بينهم
مايهربون
وهم يبكون
على صدور بعض
متخفين
حذرين فيما
يبكون عليه. كانوا
أكثر من خمسة
فاستطالت
الحركة
بينهم ووجدت
نفسي دون أن
أشعر أنتظر
أن يعود إلى
يدي هذا
المعدن, فلما
احتوته يداي
في السر
فتحتهما
ونظرت فيه
بملء عيني.
كان قطعة ملء
الكف من
الصلب أو
الرصاص
البراق قد
نحت فيها وجه
أبي وقد خرج
مكان فيه
لسانه فصرخت
صرخة عالية,
ولم أتمالك
أن أقذف نفسي
وراءه خوفا
وإشفاقا. كنت
منزعجا مشتت
الروح وأنا
سابح في
البحر صوب
الشاطئ. كنت
أعرف أننى
سأصل وأن
الموج
الهادئ لن
يعلو ولن
يجرفني, ولكن
روحي كانت
تتداعى
وتتناثر على
ثبج الموج
الأبيض وأنا
سابح صوب
الشاطئ. كان
الشاطئ
قريبا كل
القرب, أقرب
إلى نفسي من
الدرج
الصاعد إلى
الطابق
الثاني, فرحت
أسبح في
بطء وأنا
أسمع السعال
وأكاد أصعد
الدرج
وأتنفس
وأمني نفسي
بأنني قد
أصبحت
كأخواتي
وأمي, نعم
لقد كدت
مثلهم أعتاد
السعال
وأنام عليه. *
ميدان
الجيزة الشارع بلا خلق, شارع الجيزة الرئيسى قبل أن يتغير في طريق الهرم, الترام والسيارات وجوب يتحركون بكل ما لهما من ثقل وخلخلة يحملون الناس ويهزونهم في داخلهم وكأنما لتتساقط منهم الأخلاق والمشاعر وعواطف العيون والأيدي ولكن الناس ركوبا كالناس مترجلين, كل فرد يسعى ويسير ويقف محافظا على نفسه مخفيا ما في داخله, ليس حريصا عليه ولكنه & | |||||