في الفن مع بدر الديب و»إجازة تفرغ»

عدلي رزق الله

..هناك تنساب الألوان في الأرض كأنها عروق في جواهر. فهي تمتد وتتعمق وتنعكس وتتشتت وتمتزج ولكنها دائما موجودة حية ونابضة. تعرف نفسها في الصبا وتمرح وتجن في الظهيرة وتكاد ترتخي وتحلم في العصر استعدادا للغروب, وفي الغروب تجن من جديد قبل أن تهدأ وتذوب في الظلمة الى يوم الغد كانت هذه الحياة للون شيئا لا يعرفه إلا من يسلم نفسه له..».

أول ما تصافح عين القارئ, كلمات في اللون, لوحة مرسومة بالكلمات باقتدار واقتضاب وقدرة.

»تمتد وتتعمق وتنعكس وتتشتت وتمتزج..».

أو «تعرف.. تمرح وتجن.., تكاد ترتخي وتحلم.. تجن من جديد.. تهدأ وتذوب..» قلت اقتدار واقتضاب وقدرة, وأضيف هنا شعر اللغة, فبدر هو الشاعر أولا وأخيرا مهما تخفى تحت أردية الفلسفة والفكر وهي مطلوبة بل ومنفردة في كتاباته.

عركة تبدأ في الصفحة الثانية من النص والثامنة في الكتاب.

».. كلمات قصيرة حاسمة مع بقايا الأهل والأصدقاء والمقتحمين على الحياة والمتصورين أنهم يفهمون أو انهم يعرفون الأصح..».

في جملة قصيرة وباترة عرفنا أن الفنان في منتصف طريق, فالأهل بقايا والأصدقاء كذلك. والادانة واضحة للمقتحمين والمتصورين أنهم يفهمون أو أنهم يعرفون الأصح..

ما أغباهم!!

والتفرغ لفنان في كلمات «.. كأنما هو يتعرى أو يتوضأ ليصلي. ولكنه لم يكن يتوجه إلا إلى نفسه ولم يكن ينتظر إلا ما هو بداخله.

نقرأ أول نبض للعمل التحتي, البطل الأول في العمل إن جاز التعبير, وإن كان هناك أبطال يمكن القبض عليهم «..فقد تنفست , أو هكذا أحس, كتلته الموضوعة على البحر وأحس كأنها استراحت وأنها تتمدد من الداخل الى الخارج..».

أحد قوانين أو تجليات اللوحة في الفرق بينها وبين الرسم التوضيحي أن اللوحة قد تكون صرحية بالرغم من أنها منمنمة وهذا ما قاله إدوار عن مائيات صغيرة عام 1984, وهو قانون أزلي في اللوحة والتمثال ولا يستطيعه العمل الجرافيكي أو الرسم.

كيف قبض بدر الديب على هذا القانون الخافي حتى على كثير من المحترفين.

«.. كان يريد بهذه الكتلة التي وضعها على البحر عند نهاية السلم أن تكون بلا زمن تماما» الفرق حقا بين العمل الفني التشكيلي الذي قد تحرر أخيرا من ربقة القصر والاقطاع في لا زمنيته ولا وصفيته ولا ارتباطه بواقع طبيعي أيضا, وفي تلك الجملة كل هذا بل وأكثر لمن لا يريد أن يعبر عبورا سطحيا على سطح الكلمات.

«.. كل الناس يتصورون أنهم يصنعون الأيام وهم لا يصنعون إلا أنهم يعبرون..» ولا تعليق.

«.. ولكن كتلته في غبشة أول الليل تنفست من جديد. قبل أن يحيطها الظلام تحركت نفس الحركة الدائبة الثابتة. إنها لا تنطق ولا تعبر عن ألم أو راحة. ولكنها تستجمع أبعادها وتتحرك فيها..»

طبيعة فن لا يلجأ الى الميلودراما السيالة أو غير السيالة لا.

لا رومانسي بالطبع هذا البدر الديب, ما أحلى الفن حين ي صنع من الأوجاع والقروح أو الضحكة الساذجة والزغرودة ويترك كل هذا ويلجأ إلى ذاته, أي الى الفن, فذات الفن هنا عليا ولا يعلو عليها.

ويعقب: «.. إنها حركة الاكتمال الذي حققه والمستحيل الذي عرفه..» الفن في المستحيل!. قلنا ذلك.

«.. عندما ظهرت النجوم تراءى له أن كتلته ترى..»

الفن كائن حي له كينونته, قلنا ذلك  أيضا!

«.. ليس الليل هو الذي يهبط على الانسان ولكنه الليل الذي يهبط بداخله. ليل لا تنفع فيه نجوم, ولا يحركه ثبج ولا تضيئه ملوحة ولا ترخيه طراوة..».

ولا تعليق أيضا.

«.. حفلة هلامية متعددة الرؤوس يتحرك فيها الرجال والنساء وكأنهم ذباب كبير قد سقط في طبق من الوحل أو العسل الفاسد..»

«.. مجموعة هي أشهر أو خير ما في القاهرة من كتاب ورسامين ونقاد ومنظرين سياسيين وأوساط مختلفة بين هذا وذاك..»

«.. إنهم للأسف ليسوا شرفاء فهم ليسوا تجارا او لصوصا أو مهربين ولكنهم جميعا يبيعون للدولة الفكر والثقافة والفن ويتصورون أنهم لذلك أصحاب حق فيما تملكه الدولة من مال وفيما توزعه من مراكز أو سلطات على من يخدمونها..»

الخدم يخدمون أبدا .

«.. كل منهم كأنه تمساح صغير تربت حراشيف جسده وراح ينزلق هنا وهناك ليكبر ولتقوى هذه الحراشيف. وأحيانا يخرج الواحد منهم أنواعا  من الهرمونات أو السموم ويصبح له لون خاص..»

ريشة فنان أو ازميل نحات ينحت بالكلمات صورة ما أبشعها لكنها مستحقة!

ويكمل «..تناثرت النساء على درجات من الاناقة والعطر والملل والعرق واضطراب الأمعاء والأثداء والأقدام. وقد تكون هناك واحدة أو اثنتان من أديبات العالم العربي اللاتي يهبطن القاهرة لقضاء شهر العسل او لتسويق كتاب واستكتاب المقالات عنه..»

ويعقب وأنا معه.

«.. منذ أن أممت الثورة الثقافية وصنعت المجلس الأعلى وأجهزة الوزارة في الثقافة والاعلام, وهذه الأصناف من الناس تتكاثر وتقوى حراشيف التماسيح على ظهورهم. إنهم يتحركون في مستنقع آسن مخضوضر فيه ظلال ودسامة الركود, لا يجهد كل منهم إلا ليتخذ ركنا أو مكانا يمارس فيه شيئا من السلطة ويستطيع فيه أن يرفع صوته. إنهم يتحدثون عن الثقافة وعن الفكر ويقرنونها بالوحدة العربية تارة وبالاشتراكية العلمية مرة أخرى وبالثقافة الماهيرية مرة ثالثة وبمستقبل العالم والأمبريالية ودول العالم الثالث والثورة المضادة, لم يعد في كل هذا من الجهد أو المعنى إلا أن يكون لكل منهم حق في شيء منه وليس هذا الشيء تحقيقا أو انجازا أو استكشافا أو فكرة ولكنه أساس كتاب صغير في سلسلة أو كتابين, ومقالة هنا أو مقالة في صدر جريدة ولكن المهم القدرة على حضور المؤتمرات وتنظيمها وإلقاء الخطب فيها وتصوير الانتصارات التي تتحقق في صياغة التوصيات والحصول على المواقف بإقرارها لا أحد منهم يذكر أن كل ما يفعله هو للسلطة..».

ولنقرأ:  «.. وما أبشع ما كانوا يقولون عن الفولكلور وما يصنعونه بالمواويل وحكايات ألف ليلة وليلة كانوا وكأنهم موكولون بإفساد كل شيء واللعب في كل عروق وخلايا الناس..» وجملة تقريرية شديدة الحق والصدق تقول:

«.. لماذا لا يفهمون أن التراث كالنيل يمكن أن تروى الأرض به ولكن لا يمكن أن تجعله أنهارا أخرى مهما فعلت..».

لماذا أحب بدر الديب أعمالي ولماذا أحب أعمال بدر الديب? فلنقرأ هذه العبارة «..استطاع أن يجعل الحب بالجسد حجما في الحجر أو مسطحات وخطوطا ملونة..»

«.. ليس هناك نهاية للفن. النهاية فقط للواقع..»

«.. عندما يستحيل الواقع فنا يتوهج ويحترق..»

«.. هل يستطيع أي متلق أن يدرك ضرورات الفن. إن كل ضرورة لحظة حرجه تتلاشى في ضرورة أكبر حتى ينتهي العمل ويصبح فعلا بلا ضرورة إلا وجوده..».

أحد أسرار العمل وضربات الفرشاة أو الأزميل المتوالية, يحترق الفنان بها وتصنعه, قبض عليها بدر الديب وأطاعته اللغة والأسرار, لمن يريد ويكمل «..فالعمل وحده هو الذي يحتوي كل شيء ولا يمكن أن ي ضاف عليه شيء من الخارج, حتى وصفه تحوير له وانحدار به..».

انحياز كامل لـ«الفن في» وليس «الفن عن» مقولتي الأثيرة الى قلبي.

«.. لو عرفوا عذاب الخط أو وجع الشكل لو ذاقوا هذا الألم أو وعوا به لما تحدثوا أبدا عن الفن. ولكنهم يغفلون الفن بعازل من المعاني والقيم يسمونه رسالته. وفي هذه الأرض البور التي لا تنتج عملا يزرعون كلاما مكرورا لا يمنح نمرا ولا ظلا عن أثر الفن وفائدته ودوره في التعبير عن الجماهير. إن الفن فعل فاعل وليس تعبيرا..».

تطابق مع عقيدتي الفنية, هل يسعد الانسان بهذا التطابق?! أم تنتابني مشاعر أخرى لا أستطيع القبض عليها? هل ينتقص هذا التطابق من تفردي, أم يفرح الانسان بهذا التواصل والاتصال الفني والفكري.

ويعطي بدر الديب خلاصة القول حين يقول:

«.. إن الأمة والناس قد تستطيع أن تستعمله للتعبير عن نفسها وبذلك فقط يمكن أن يكون تعبيرا عنها..»

ولنقرأ إيمانه بالتفرغ: «.. إن وعود الفن في روحه منكوثة مبددة قد تبعثرت في أيام كثيرة نتيجة لعدم التركيز والتفرغ والتوجه المتواصل للعمل.. هل هذا صحيح? أم أنه في الحقيقة محدود القدرة نزر الابداع..»

الشك القاتل أبدا داخل كل مبدع والسؤال قائم أبدا أيضا.

«.. ليس هناك من يعمل مثله لعل هناك من يعمل وهو يحس أن هناك ضرورات في لحظات العمل ومادته ولشكله لا يستطيع إلا أن يخضع لها, ولعل الخاضع الراضخ المتقبل المنتظر متفرد متعال صعب..»

ما أروع امتلاك الفنان هنا للتضاد القائم وعدم الأحادية المنبوذ فليترك الأحادية للأقزام وهم كثر.

في لغة أراها «لغة الفن» وأنا أستخدم هنا تعبير لغة الفن في مقابل لغة توراتية أو لغة شعرية فاللغة هنا خالصة لوجه الفن حين يقول «.. الابن زمن والزوج زمن والمواطن زمن والسياسي المذهبي زمن ومدعو الرسالات زمن والقو ال للمعاني والوض اع للقيم زمن» فقط الفنان مكان..».

فقط الفنان قائم أبدا لا يفنى بالزمن, ليس عابرا, باطل الأباطيل الكل باطل والفن ليس قبض الريح, سأتذكر جملتي الأثيرة الى قلبي طالما ناوشتني كلمات بدر الديب «في الفن» وليس عنه. ويقول:

«..موضوعية الفن من موضوعية المكان هي دائما وجود أما الزمان فلا موضوعية واحدة له لأنه متعدد تفرضه عوامل خارجية. هذه العامل قد تكون اجتماعية. أليس كذلك, علاقات وأوضاع وقد تكون ما يسمونه ايديولوجية, مذهب ورأي ومصلحة, كلها زمان حتى لو دامت عصورا. أما الوجود فمكان متلاحق وليس الزمان إلا تلاحق المكان وإلا كان عدما. فلنقسم المكان الى عوالم أو عناصر ومهما قسمنا فإنها جميعا تستوعب في وجود واحد هو وجود الذات في المكان, ...» ثم «.. أما المكان فهو دائما خلاص الإنسان وغاية وجوده.

وتعالوا نقرأ الجملة معا:

«.. عندما أعمل لا أكون ابنا ولا زوجا ولا حتى رجلا وان امتلأت بالرغبة والشهوة للجسد..»

سأذكر لكم عندما كنا طلبة في أوج المراهقة نرسم الموديل. كنا  مراهقين حقا. كانت الموديل تختبئ عندما ترتدي ملابسها, حالة الرسم وهي موديل لم تكن حالة بشرية بل تحولت كذلك عندما توقف الرسم وبدأت في ارتداء ملابسها. كانت هذه الملاحظة تشدهني منذ الدراسة. قاتل الله من حرموا طلبة الفنون من نعمة الموديل.

ولنقرأ في عذاب الفنان:

«.. إنه يعرف هذا الطغيان المفاجئ للزمن عندما يستديم في داخله فتتوقف كل قدراته عن العل ويجعله ينظر الى ذرات متعاقبة من العدم هي اللحظات التي لا يستطيع أن يخلص منها أو يخرج منها, ولا يستطيع أن يعلق نفسه بشيء يستنقذه منها. في هذه اللحظات لا يحتمل المقعد ولا يصير علي أن يجلس على الأرض أو أن يقع أو أن ينام, عليه أن يدور, أن يخطو وأن يدور في المكان الواحد وقد استحال زمن ضاغط لا فكاك منه. بأي شيء يتعلق والى أي شيء يمد يده ليمسك به. وقام يدور في الحجرة كأنه حيوان حبيس يتحسس جدران قفصه..».

وتعالوا نتعرف على موقف الفنان من هؤلاء الذين يتصورون الفن فكرة تتجسد أو موضوعا يعبر عنه أو شكلا يوضع فيه محتوى..

«.. ولكنه لم يكن يسعى أبدا الى موضوع, بمعنى شيء يرسمه أو يضعه في التمثال, من الحجر أو الطين. إنه لا يعرف هذا الانشغال بالتصوير, بالوضع لشيء له معنى أو قصة أو رمز, كل هذا كان يصاحب العمل, كان ينضج مع الخطوط ودرجات اللون, كان يتحرك كالخضرة السيالة في سيقان النبات أو كالأبيض والأحمر والأصفر والبرتقالي والأزرق والأسود والبني في خدود الزهر وريش الطيور ومنحنيات الحجر. كان المعنى والقصة والموضوع دائما في الشكل المتحقق, في هذا التوازن المعجز والتداخل الحميم بين المساحة واللون, بين تركيب الحجم والحركة الممسوكة فيه..»

وإلى العذاب مرة اخرى والسؤال المضني ولا فكاك:

«.. هل كل وعود الحياة تحقيق مكذوب مجرد من البلوغ لأن كل ما تدركه هو ثمرات الزمن يبلغها العفن مع النضج وتسقطها رياح الوصول..»

وإلى الفن الحي القائم ينبض بالحياة الحقة

«.. وأحيانا أتعرف فيها على بيتهوفن, برامز وأحيانا باخ أو شوبرت بل وشوبان, لوحات الكبار وألوانهم تبرق في رأسي فعلا كالبرق ولا أمسك فيها غلا ألوانا وثنية لفلاسكويز أو تنتوريتو ولكن دافنشي يجيئ دائما بوجوه أو خضرة شجر أو ماء. أحيانا أفزع من عيون جويا ووجوهه وأتقدم في خيول دلاكروا.. وفي لحظات تقوى في رأسي بقع اللون الايطالية الماكيا machia أو نقط الأخضر والأزرق والأصفر في انطباعات الضوء..»

وفي الفن أيضا

«.. يحيل لي أن أرسطو كان أنفذ واصدق وهو يتحدث عن التطهير منه وهو يتحدث عن المحاكاة. فهو في التطهير يتحدث عن شيء عاناه كمتلق, حديثه عن المحاكاة كان وصفا من الخارج لما هو متحقق وليس معرفة, كما تصور, للجوهر والطبيعة للعملية الفنية ولحركة التحقيق نفسها. وعندما استعيد الإغريق في النهضة كانت المحاكاة صلب الاستعادة وتلبست الفن حتى وصلنا الى مرآة دافنشي. ومع ذلك لم يتصور أحد مع كل ما بذل في المنظور وخداع البصر أنهما كافيان للفن, فهما في الحقيقة سياج يحمي به الفنان نفسه ويسور أرضا لعمله يمتلك فيها حريته في التشكيل. كان بريتيني يقول: إن الطريق للفن الحديث قد بدأ بدلاكروا  وبفهمه للتخليص والتضحية والحذف..»

وفي باب الحصر يقول الفنان:

إنني لا أعمل لأنني لا أنتزع من الوجود فنا, لأنني سمحت للوجود أن يكون أكبر من الفن..»

وفي الفن يقول:

«.. كنت في الفن أرفض الحكاية والمحاكاة وكل محاكاة حكاية, وكنت أعتقد ومازلت أن التعبير عن الشعور والعواطف وتعقد الشخصيات وجوانب النفس ليس من مهام الفن, قد يكون من عمل الحب أو من عمل التعامل الإنساني في العادي أو حتى من عمل كل ما نسميه علوما إنسانية وحتى من عمل التاريخ ولكنه لا علاقة له مباشرة بالفن وليس من مهامه..»

وهنا نأتي الى الجزء الذي اختاره الكاتب ليوضع على ظهر الغلاف الأخير كمفتاح للعمل أو لرؤيته الفنية, فهي رواية بطلها الفن لا غير فماذا يقول:

«.. لقد آمنت ومازلت أؤمن بالفن كوجود مقابل للوجود مقابل ليس بمعى مشابه أو مساير أو محاك, ولكن بمعنى وجود آخر وليس بالضرورة مغاير بل إنه أقرب ان يكون امتدادا من ناحية للوجود نفسه ومن ناحية أخرى هو وجود آخر تتجسد فيه القيمة التي لا يعرفها الوجود إلا من الوعي او الاستعمال. فالفن لا يستمد قيمته من انه شبه الوجود ولكن من أه هو الصانع للقيمة للوجود. فنحن لا نرى الشمس ولا الزهرة ولا الماء ولا الجسد البشري ولا تجمع الأفراد كوجوه ولكننا نراهم باضافة قيمة قد صنعتها روح الفن في الإنسان. فالفن هو صلب إنسانية البشر وهو «تيتانيتهم», وكل القيم مستمدة من تجربة الفن..»

أعرف ما سأنقله لكم, وأحسه بروحي وبجسدي أيضا.

«.. جسد المرأة هو المادة الصالحة لصناعة الفن وهو أكثر استعدادا لتلقيه بخصوصية وطبيعة مقاومته للتشكيل وخضوعه له. وعندما تتم المرأة كما يتم العمل, تغادرها الروح ويغادرها الفنان لأنها قد كملت..»

لنقرأ

«.. إن الصدق المطلق مستحيل في الحياة فهو لا يتحقق إلا في الفن..»

«.. إن الفنان هو وحده الذي يعيش الكوميديا الإلهية بكل أبعادها..»

«.. كل ماض إذا دخله المرء لا يخرج منه, وكل مستقبل إذا تطلعت إليه الروح لا تعود ترجع, في الحاضر, في الحاضر, وحده تصنع القيمة..»

وتعالوا نرى معا تطابق اختيار الفنان واختياري, هل أنا قائل هذا الكلام أو هو, ما هو الشعور وأنت تقرأ نفسك في بعض هذا الفنان المتخيل. هل يعطيك يقينا أنت لا تملك غيره زادا لحياتك وفنك.

«.. كنت أعتقد أن عليهم أن يتحملوا مسؤولية اختياري واختيار فني.. فاذا لم يفعلوا لم أكن أحارب أو أحاول إقناعهم أو أصرخ بشيء.. إلا مع نفسي ومع هذه القلة القليلة من الأصدقاء.. كم عددهم... اثنان ثلاثة..».

«.. أنا حر تماما. ودوار الحرية.. هو الرعب والرعدة..»

«.. فليست العزلة الحقيقية للفنان هي عزلة من الناس بل هي عزلة لهم..» وأنا القائل: أتباعد عنكم لأحياكم!!

«.. حرية الفنان هي أنفذ دعوة للبشر أن يتحرروا إذا قبلوا الفن ونظروا له. ولكن الناس جميعا تخشى دوار الحرية..»

 يمسك بدر الديب بتلابيبك. ذهن متوقد. يستفزك الى الحد الأقصى.. الى حد الدوار.. لكن من يريد?

.. يقدر?

الكسل أرحم, وإدانته بالصعوبة أسهل. انكار رسومه من أجل الجبهة الداخلية نفي البشر بفعل فاعل, وبفعلهم أيضا. لكن أعود إليك يا بدر مستفزا الى حد الدوار شاكرا لك ومحبا.

«.. ان أسذج ما في دانتي هو الوصول الى البراديزو..»

قامات ثلاث تتصارع, دانتي والكوميديا والفنان الذي هو في هذا الصراع بدر الديب فما أجمله من صراع عمالقة والمتعة الفنية لمن يريد.

«.. كنت أعشق في دانتي مفهومه للعقاب على أنه الخطيئة نفسها وأحب تصويره للعذاب في حلقات الجحيم في صورة التكرار للخطيئة وكانت تعتبر هذا طريقا للاعتراف والخلاص وكنت اعتبره طريقا للوعي ودوار الحرية..»

وهنا يبدو لنا الفرق واضحا بين النظرة المسبحية للخلاص وانعتاق بدر الديب من سجون العقائد أيا كانت وعشقه الكامل والمطلق لدوار الحرية

وفي الحقيقة يستحضر بدر الديب البناء العملاق الآخر- ألف ليلة وليلة- لكي يناطح حضارة بأخرى.

«.. وأقول لها وأنا نصف نائم ليتنا نقرأ في ألف ليلة وليلة. فتسألني لماذا. لأنها فن خال بلا بناء لاهوتي أو فلسفي ولأنها واقعية فقط وكل ما فيها من صور هو فن مجرد واقعي مهما كانت رمزيته أو وفرة ما فيه من حسية..» ويتسائل بدر الديب- محقا- عن موقفنا المدان حقا من أنفسنا وتراثنا وأسئلة وجودنا.

«.. لماذا كانت القراءة فيه دائما خطبة ولماذا كان ما فيه من عشق وتحريك للبدن ممنوعا الى هذا الحد. إن موقفنا غريب جدا من ألف ليلة وليلة.. لا أحد ينكر قيمتها وأسرها ولا أحد يفسر تحريمها وحجبها. لماذا ليس لدينا من الشروح والكتب على ألف ليلة وليلة مثل ما لدى العالم عن دانتي..

ويقول في لغة تقريرية لا تقبل الاحتمالات:

«.. ألف ليلة وليلة مليئة بالفن والبدن الذي لم يسيطر عليه أحد تعيش المحرمات وتخترقها في كل لحظة.. ليس في العقل والبدن فقط بل وفي الزمان والمكان وفي الصورة التفصيلية. وكل اختراق هو تفصيل لواقع. الخرافي والمسحور والمبالغ في وصفه..».

تعالوا نقرأ هذا الصراع الفني الحق من أجل الفن بجلاله وتوحده وألوهيته التي لا يشاركه فيها غله آخر أيا كان

«.. لقد خلصت أولا من رودان. فعلى الرغم من أنه الرؤية والأعين التي أبصرت, فانه اللعنة التي تخيل الفن حكاية والتي تجعل من الشكل معنى, ومن اللون والحركة مغزى. إنه العدم الذي يأكل الوجود, وهو الدلالة التي تنتهي عندها الكينونة. إنه الكارثة المعلقة فوق رؤوسنا جميعا, لا اختفاء منها ولا مهرب, هو النظرة التي تقضي على العمل وقد تمنعه او تحرمه ان لم تسرقه منه كما سرق بروميثيوس النار..»

دين فني يبشر به ويدعو اليه وقد يكون كل ما تأوله خطأ, لكنه مع الأقل يؤمن به ويؤمن ويؤمن.

«.. فالخطيئة في روحي هي هذا العدوان بصوره المختلفة على وجود الفن..»

والعقاب دان أبدا حتى لدى بدر الدين وليته كان أكثر رحمة أو أكثر