حوار جاذبية الكلمات
حوار عمر بريكو O.Prego
مع خوليو كورتزار J.Cortazar*

ترجمة: أحمد الويزي


ولد خوليو كورتزار  في العام 1914 ببروكسل, من والدين أرجنتينيين. أمضى طفولته وفترة شبابه  بالأرجنتين, ثم عاش فيما بعد, ولأكثر من ثلاثين سنة, بفرنسا. ترجم أعمال إدكار ألان بو E.A.Poe النثرية إلى الأسبانية, وكتب العديد من المجاميع القصصية التي جعلته بحق, عميد الأدب  الفانطاستيكي . كما أنه يعد كذلك,  منشئا غير مسبوق  للعديد من الأجناس الأدبية. فمؤلفه Marelle مثلا, هو كتاب مفتوح ومتنوع, إنه رواية مركبة  بمقدور القارئ أن يعيد تأليفها إلى ما لانهاية. إنه الرواية التي تغدو أيضا, دراسة نقدية. لذلك, استحقت  مؤلفاته الأدبية العديد من الجوائز نذكر منها: جائزة ميديسيس  Medicis في العام 1974 عن : كتاب مانويل  le livre de manuel  ; جائزة الصقر الأكبر الذهبية لمدينة نيس Nice  سنة 1976 عن مؤلفاته أجمعها. في سنة 1984, وبعيد نشره لكتاب مشترك مع زوجته الروائية الأمريكية كارول دانلوب   Carol Dunlop التي اسلمت الروح قبله في نوفمبر 1982 ; توفي في باريس عن سن السبعين, يوم الأحد 12 فبراير 1984. تعرف عليه عمر بريكو الصحفي القادم من الأوروجواي إلى باريس في فبراير من العام 1974,  ولزمه لأعوام  مديدة إلى أن غدا من أصفيائه المقربين, تجمعه به هموم أمريكا اللاتينية والنضالات المشتركة من أجل حرية كتابها ومثقفيها اللاثينو-أمريكيين, بالإضافة إلى بعض الهموم الخاصة جدا.

في مطلع الثمانينيات,  اقترح بريكو على  كورتزار فكرة عقد حوار طويل  يكون مادة لكتاب, وهو الشيء الذي لم يتحقق إلا مع حلول شهر يوليو من سنة  1982, بعد تردد وارتباك كبيرين هيمنا على كورتزار الذي لم يكن يطلع الصحافة إلا على النزر القليل من حياته الخاصة. ومنذ يوليوز 1982 وإلى حدود أسابيع قليلة عن وفاته (يناير1984), حلق كورتراز بعيدا محمولا  بأسئلة بريكو الثاقبة التي طالت ميادين وأجواء متنوعة تهم الطفولة, الكتابة, الموسيقى, القناعات والنضالات السياسية, المصادفات  الحياتية, الفلكيات وأشياء أخرى غريبة في حياة الكاتب الخاصة. ونظرا  لأهمية هذه الحوارات ولاستمرار راهنية  الكثير من القناعات التي تدافع عنها, ارتأينا تعريف القارئ العربي بمضامينها, مقترحين عليه ترجمة الحوار الأول من الكتاب والذي يحمل عنوان: »جاذبية الكلمات«.

* عمر بريكو : لقد مضى وقت غير يسير على ما كنت قد صرحت به, في حوار أعطيته لأحدهم, حيث قلت بأنه لو لم يتسن لك أن تكتب (Marelle), لكنت قد ألقيت بنفسك في نهر السين... وفي كتاب عن الذكريات الخاصة صدر حديثا بعنوان: ؛طرائق الانفلات«, يكتب غراهام غرين (Graham Green), بأنه عاجز تماما عن فهم كيف أن بمقدور  الناس الاستمرار  في الحياة, دونما كتابة.... انطلاقا من هاتين  الملاحظتين المربكتين, أطرح عليك السؤال الذي لا مناص منه في كل حوار يعتزم احترام ذاته : متى ولماذا بدأت الكتابة ?

* خوليو كورتزار : إنه سؤال يتعذر علي كلية الإجابة  عنه بطريقة نهائية وشاملة, لأن إجابة أولى قد تطابق هذه الفترة من الحياة التي نواجه فيها الواقع كأطفال, وفي بعض  الحالات نعتبرها  وكأنها مقنعة, متمسكين منها  بالبعد الذي نسميه بسهولة » واقعا «.

في حالتي أنا, فإن ذكرياتي القديمة هي بالأحرى شذرات  ذكريات  تبدأ مع فترة طفولتي  الأولى. لنقل بأنه  حوالي السنة السادسة أو السابعة  من عمري, رأيتني راضيا بهذا الواقع الذي كان والدي  يعرضانه علي, والذي أظهرته لي حواسي. بمعنى أنه رأيتني أقبله كاملا, وفي الوقت نفسه سعيت باستمرار إلى التغيير من موضعه داخل سجلات  ذات نمط لفظي.

* عمر بريكو : ما الذي تقصده بعبارة » نمط لفظي« ?

* خوليو كورتزار : أود القول بأن واقعة أن يكون لشيء  ما اسم, لا تختزل هذا الاسم في مجرد الاستعمال الواقعي للشيء, مثلما يصنع طفل ما عادة. فالطفل يتعلم بأن هذا الشيء يدعى كرسيا فيطلبه حينئذ أو يسعى باحثا عنه, غير أن لفظة » كرسي « بالنسبة له, لم يعد لها من معنى خارج الشيء الذي  تمثله. لقد غدا هذا الاسم  فقط, مجرد قيمة وظيفية, قيمة للاستعمال.

إن ذكرياتي الأولى هي بشكل غريب, ذات طابع مختلف. إنها بطريقة أخرى,  نوع من الشك: فإن كنت أستكشف الواقع ضمن المظهر اللغوي, ضمن المظهر الدلالي, فلأن الواقع بالنسبة لي, لم يكن مكتملا ومشبعا. ثم إني كذلك - حصل هذا فيما بعد, حوالي الثامنة أو التاسعة من عمري- قد انخرطت في تجربة كان بمقدورها أن تكون خطيرة وأن تحيل على الجنون : بمعنى أن الكلمات بدأت تمتلك عندي قيما أكبر من القيمة الوظيفية التي تنحصر في الإحالة على الأشياء ذاتها.

) عمر بريكو : نوع من استبدال الواقع...

) خوليو كورتزار : كان بإمكان كلمة واحدة أن تسحرني. كانت لدي الكلمات التي أحب, وتلك التي أكره, وتلك التي تمتلك شكلا معينا, لونا خاصا. من بين ذكرياتي عن الطفولة, أني أراني وأنا مريض (كنت طفلا كثير المرض, أقضي فترات طويلة في سريري مع نوبة الربو أو مع  الجنابات, أو أشياء من هذا القبيل) أكتب بإصبعي كلمات على الجدار. أمد الإصبع إلى الأمام, وأنشغل بكتابة كلمات أراها تتخذ  لها  هيئة في الهواء, أكتب كلمات أكثرها كان آنفا, كلمات فيتيشية, سحرية.

إنه لأمر لاحقني فيما بعد, طيلة فترات وجودي. كانت هناك أسماء أعلام معينة, تتخذ لها عندي قيمة سحرية. وفي هذه الفترة تحديدا, كانت هناك ممثلة إسبانية مشهورة كثيرا في الأرجنتين, تدعى: لولا ممبريف (Lola Membrives) فأراني من جديد إذن, طريح الفراش - وأنا ابن السابعة تقريبا - أكتب ببناني في الهواء :( lo-la Mem-bri-ves)  وأعيدها  كرة  أخرى.(lo-la Mem-bri-ves) كانت الكلمة وكأنها  مرسومة هناك في الهواء,  الشيء الذي منحني انطباعا بالتماهي القوي معها. أما عن لولا  ممبريف  في ذاتها, فإني لم أكن أعرف شيئا عنها, و لم أرها قط. كان والدي وحسب, هما اللذان يذهبان لمشاهدة العروض المسرحية التي تقوم فيها بأداء الأدوار الأولى. غير أن هذا الاسم الأنثوي, قد امتلك عندي قيمة فيتيشية. وحدث انه انطلاقا من هذه اللحظة, شرعت في  اللعب بالكلمات, وذلك بعزلها أكثر فأكثر عن نفعيتها العملية, مثلما شرعت في اكتشاف الألفاظ التي تقرأ طرديا  (palindromes ), والتي تمت ملاحظتها فيما بعد, بين ثنايا كتبي.

) عمر بريكو : في الكتاب الأخير, على سبيل المثال.

) خوليو كورتزار : أجل, ففي مجموعتي التي تحمل عنوان ((Deshoras, هناك قصة Satarsa, المتولدة عن الألفاظ المقروءة طردا. بصيغة أخرى, لقد كنت طفلا تجتذبه واقعة أننا  ونحن نقرأ جملة أو لفظة بطريقة معكوسة, نحصل على تكرار أو على معنى مختلف - فأن تكتب في الهواء اسم ((Roma ثم تقرأه بعكس اتجاه الحروف ((Amor, هو ما كان ذا جاذبية بالنسبة لي. إنني كنت أجهل تماما وجود  الكلمات المقروءة عكسا, لكن ما أن اكتشفت أولاها بين طيات كتاب قديم, وهي جملة طويلة وكلاسيكية جدا, تقول »Dable arroz a la zorra el abad« يقدم القس  الأرز للثعلب, ثم كتبتها إما على الورق أو في الهواء, ليتبين لي بأنها تقول الشيء نفسه في الاتجاهين معا (يسارا أو يمينا); حتى أحسستني مقيما بين ثنايا وضعية من العلاقة السحرية مع اللغة.

بسبب ذلك علينا أن نعمل على إثبات بأنه من المستحيل فهم كيف يستطيع الناس العيش بدون كتابة... لست أدري. أعتقد بأنه يمكن العيش أفضل, دونما كتابة.

* عمر بريكو : ما يحصل في النهاية ( وهنا أذكر صديقي بيروكريللو Pero Grrullo, هو أن  الكاتب باعتباره كذلك, موجودا مسبقا في الطفل  الذي كانه,  لدى هذا الطفل الذي لا يشبعه هذا العالم الظاهر المنغمس فيه, لدى هذا الطفل الذي يؤمن بوجود واقع آخر,  يجتذبه بطريقة لا مقاومة معها. لنقل إن شئت, بأن لدى هذا الطفل, حنينا  إلى  عالم بإمكانه أن يمنحه إشباعا.   

* خوليو كورتزار : هذا  صحيح جدا, بالنسبة لي. لأنه وإن  في فترة مبكرة للغاية, في سن كان فيه رفاقي - حين أغامر بعض المرات بمفاتحتهم في أمر هذه الحدوس -  ينظرون إلي وقد اعترتهم الدهشة أو سيطر عليهم الاستخفاف مني, الشيء  الذي  اضطرني - هكذا - إلى الانطواء على نفسي,  والاحتفاظ بذلك كسر شخصي جدا من أسراري,  كان هذا الاستعمال اللغوي ينسقط أيضا على العالم الخارجي, على العالم المحسوس. لدي هاهنا, في أحد الأمكنة, نص سجلت فيه الجاذبية التي أحسستها وأنا بعد طفل غض طري العود, إزاء كل ماهو شفيف, إزاء كؤوس البلور خاصة,  والتي لا تزال تمارس علي إلى الآن, جاذبيتها. ذلك أن ظاهرة الشفافية, أي واقعة أن يخترق النظر سطحا صلبا كسطح البلور مثلا, تستمر في الظهور لي بأنها دعوة إلى أن ترى في المادة, أشياء أخرى عدا تلك التي نراها عادة.

وأنا طفل صغير, كانت النظارات- أقصد زجاج النظارات- تبدو لي  ساحرة. أنت تعلم  أنني كنت أقطن بيتا من البيوت  التي تراكمت فيها بعض الأشياء الخاصة بوالدي وجداي وسابقيهم الأولين الواحدة فوق الأخرى, وهي أشياء لم تعد تصلح لأي استخدام سوى أنها تمكث هناك, مصفوفة في أدراج. كنت وأنا طفل, استكشف هذا العالم القديم, فأعثر على هذه السدادات المضلعة التي تغلق بها قارورات العطر مثلا, هذه السدادات التي عندما  تنظر إليها ترى منعكسا عليها الشيء نفسه لخمسين  مرة, أو أعثر على هذه البلورات ذات الألوان التي تلتقط الضوء وتجزؤه, أو على هذه العدسات الخاصة بالمنظار  والتي تمنحك الصورة بكيفية أضأل أو أكبر مما تراه  عادة, وذلك ما كنت ضمن مستوى آخر, أمارسه على الكلمات كذلك. بمعنى أنني كنت أبحث عن كل إمكانيات الاختراق والعبور (passage) هاهو ذا لفظ عبور, الذي طالما  استعملته من قبل, لأني لم أعثر على بديل لفظي آخر يفسر بطريقة أفضل, هذا الإشباع الذي يعتريني إزاء المعطى مثلما  هو في الواقع.

أعتقد أن مأساتي وسعادتي في ذات الوقت, كانتا تكمنان في عدم قبولي للأشياء مثلما هي معطاة, منذ الصغر. لم يكن يقنعني أن يقال لي بأن هذه مائدة » أو أن  لفظ « والدة » هو لفظ « والدة؛ وكفى. على العكس تماما, كان يبدأ بالنسبة لي مع موضوع » المائدة« أو لفظ »الأم«, تطواف  سحري قد أتوفق  أحيانا في قطعه, لكني أحيانا أخرى, أتعثر فأكبو.

باختصار أقول : منذ الطفولة, لم تختلف علاقتي أبدا  مع الكلمات أو مع الكتابة, عن علاقتي التي أعقدها مع العالم بصفة عامة. ويبدو لي أنني  جئت إلى العالم من أجل أن لا أكتفي بقبول الأشياء مثلما هي معطاة لي.

* عمر بريكو : إن هذا مؤكد. وهو ينضم إلى ما قاله فركاس يوسا (Vergas LIosa) حين تحدث عن الرواية التي ؛قد تؤسس نوعا من البذاءة إزاء الألوهية «. ففي  العصور الوسطى أعتبر الكاتب إلى حد ما ملفقا, إنسانا يتقمص دور الإله, الاله الخالق للحقائق. فالكاتب أيضا, يخلق الحقائق التي وإن كانت متخيلة, فهي ظاهرة وبادية. من هنا نشأ القلق إزاء انبثاق الظاهرة الروائية. لكن لنعد إلى مؤلفاتك : ففي قصصك القصيرة مثلا, تحدث دوما زحلقة أحيانا غير مدركة بالتحديد, تقودنا إلى واقع آخر يأخذ انعطافة خطيرة, ويلج عالما آخر. (autre)

) خوليو كورتزار : أعتقد أن ما ذكرته الآن صحيح فيما يتعلق بقصصي, وهو نتيجة حتمية لهذه الوضعية المتخذة إزاء الواقع, والتي لاحظتها عندي منذ طفولتي الأولى, وتحملتها على عكس باقي الأطفال. لازلت أذكر رفاق سني الصغار الذين كانوا في البداية, قادرين على الاشتراك معي نسبيا, في هذه الرؤية المختلفة التي كانت لي. لقد جازفت, حينما كنا أصفياء بعضنا البعض, بأن حدثتهم بقلب مفتوح, وبلغتهم بعض ردود الفعل التي اتخذتها إزاء الأشياء واللغة, إزاء الكلمات. غير أني وبسرعة لاحظت بأنه ما أن مضت شهور, سنة على أكبر تقدير - والزمن يمر بسرعة خلال الطفولة - حتى كان هؤلاء قد اختاروا المكوث هناك, ضمن الضفة الأخرى للأشياء. بمعنى أنهم لم يلتحقوا بي على طريق الاستكشافات الساذجة التي كان خوليو الصغير يقوم بها. إنهم لم يلحقوا بي, بل ورفضوا ذلك معتقدين أنه ضرب من الحماقة. ففي نظرهم, عوض أن ألعب كرة القدم, كنت أنفق وقتي في قلب الكلمات, فيما يشبه ؛لعب الفتيات« . إنك على علم بذلك المعجم الذكوري المتداول في ريودي لابلاتا  Rio de la plata, والذي كثيرا ما كان يجرحني مع ذلك, لأنني كنت صبيا حساسا. غير أن ذلك لم يثن من عزمي أبدا, أو يؤثر في الطريق الذي أختطته لنفسي.

* عمر بريكو : يمكن لنا بدقة أن نلاحظ في كتابك الأخير Deshoras, بعض مايشبه بقوة, الحنين للزمن الضائع. يبدو عليك أنك تعود إلى سنوات المراهقة ببوينوس إيريس التابعة لبانفييلد Banfield, إلى الأصدقاء القدامى للمدرسة العليا. فيتكون لدينا انطباع بأن هذه الذكريات القديمة تراودك, تلازمك, وأنك - نوعا ما - تحاول أن تطردها طرد الأرواح الشريرة.

* خوليو كورتزار : إني لأتساءل أليس هذا من قبيل مشكل الشيخوخة... فقد أقفلت التسعة والستين عاما منذ ستة أيام خلت. إن هذا الأمر معروف للغاية, وكل الدراسات النفسية تشرح بأن الذهن البشري مهما يبلغ عمرا معينا, إلا وتبدأ الذاكرة في الاشتغال بكيفية مختلفة. وقد يبدو من جهة بأنه كانت هناك, في القاعدة العامة ندرة في الذاكرة المباشرة. فمثلا يحدث لي أن أشاهد فيلما يكون مهما بالنسبة لي, لكن ما أن ينقضي أسبوع بعد ذلك, وأعاود التفكير فيه أو يحدثني عنه أحدهم, حتى يتبين لي بأني أملك مسبقا فكرة مبهمة وغير واضحة عنه, بل وحتى أجدني نسيت بعض المقاطع. وقد يبدو في مقابل ذلك, أنه أمام هذا القصور والعجز عن تسجيل الحاضر في الذاكرة, حصلت يقظة للذاكرة القديمة وذلك بالصعود عبر مرقى الأعوام. ذاكرة الشباب الأول, المراهقة, بل وحتى ذاكرة الطفولة. وقد حاولت عبثا أن لا أكون واعيا بذلك غاية الوعي, ذلك أنني في كل مرة أرغب في تذكر الماضي إلا وكنت أستطيع فعل ذلك (مع بعض الثغرات غير القابلة للاجتناب بالنسبة لكل ذاكرة, ما دام أن هذه الأخيرة ذات خاصية اختيارية للغاية, ولا تسجل كل شيء أبدا بطريقة مباشرة), وهو كذلك ممكن بقدر ماهو الآن, في القصص القصيرة الأخيرة التي كتبت, أقصد تلك التي تضمها مجموعة Deshoras, حيث أعاود تموقعي فعلا بيسر شديد وكثافة كبرى, داخل فترات من حياة أضحت قديمة جدا : الفترة التي كنت فيها طالبا, فترة ذكرياتي الطفولية.

* عمر بريكو: إنني بصراحة, كنت أفكر في نوع آخر من الحنين, في حنين يأخذ بالاعتبار أنه يستحيل عليك في الظروف الراهنة العودة إلى الأرجنتين, وهي ظروف يبدو مع ذلك, أنها آخذة في بلوغ نهايتها.

* خوليو كورتزار : أجل, بطبيعة الحال. لكن حينما تستعرض كل قصصي القصيرة - وهي كثيرة - ستلاحظ بأن موضوعة الكثير من بينها, هي في النهاية موضوعة طفولتي. إن كما  لا يستهان به من قصصي وهو أمر قابل لأن يدرك بسرعة, يستمد عناصره من السيرة الذاتية, حتى القصص التي تنتمي لفترة البداية, أي تلك المتضمنة في مجموعتي .Bestiari فعلى سبيل المثال قصة  Bestiario  هي قصة عن طفولتي, كما أن  Poisons  و  La fin du jeu, هما كذلك. إنها كمية هائلة من القصص القصيرة, تلك التي تتموقع ما بين فترة الطفولة وفترة المراهقة.

غير أنه من باب البديهي, أن يبدو الماضي أكثر ثقلا ضمن المجموعة الأخيرة Deshoras  أن يكون له حضور أكبر إذا ما قورن بكتبي القديمة.

* عمر بريكو: بالمناسبة, هل تنهض قصة  Les escuela de noche على واقعة ملموسة ?

* خوليو كورتزار: قطعا, لا. فالأحداث المروية في هذه القصة هي عامة ومطلقا, أحداث متخيلة. غير أنها أحداث متخيلة كتبت كمقابل رمزي للواقع, لواقع كان آخر, ولم يجر بهذا الشكل وإنما يطابق بالتحديد, الوقائع التي تخيلتها فيما بعد. أعتقد أنه ينبغي علي تفسير هذا الأمر بطريقة أكثر وضوحا.

* عمر بريكو: أجل, فهذا يبدو لي مهما.

* خوليو كورتزار: تلقيت دروسي بالمدرسة العليا للاساتذة ماريانو أكوستا Mariano Acosta قضيت أربع سنوات في المدرسة العليا للمعلمين, وثلاثا لتهيئ درجة الاستاذية في الآداب, وكانت نوعا من اللقب -الجوقي الذي يسمح فيما بعد, بتدريس المواد الأكثر تنوعا وفجائية, بالصنف الثانوي.

عبثا كنت أحاول أن أمتلك براءة الشباب, فتبين لي في غضون السنوات السبع التي قضيتها في صفوف المدرسة, بأن هذه المؤسسة العليا ذات السمعة العالية, والشهرة الكبيرة, والمحترمة كثيرا في الأرجنتين, لم تكن في العمق سوى مجرد مهزلة عريضة. ذلك أننا إذا ما رغبنا  في أن نتكلم بلغة الأرقام الإحصائية, فإنه من المفترض أن أكون خلال السنوات السبع من الدراسة قد تعلمت على يد مائة أستاذ. ومن هذه المائة أستاذ, لا أتذكر الآن سوى اثنين. وها أنت ذا ترى بأنه شيء ضئيل جدا, في المتوسط العام. أتذكر أستاذين اثنين أحتفظ لهما في قرارة نفسي, بعميق الاعتراف والتقدير, لأنهما كانا نعم المعلمين, بالمعنى الذي نفهم منه أنهما ما فتئا بسرعة, أن اكتشفا طاقة وموهبة تلاميذهما, فأبديا استعدادا في مساعدتنا وتحفيزنا, في حين أن الثمانية والتسعين أستاذا الآخرين, لم يكونوا سوى مجرد ببغاوات, يكررون الدروس التي كان علينا بدورنا نحن, أن نكررها.

* عمر بريكو: وما اسمهما ?

* خوليو كورتزار: سأذكر اسميهما, لأنني أحتفظ لهما في نفسي حقيقة, بعميق التقدير. يتعلق الأمر بأرثيرو ماراسو  Arthuro Marasso  الذي كان أستاذ الآداب الإغريقية والإسبانية, وفيسنتي فاتوني   Vicente Fattone  الذي كان يدرس الفلسفة والمنطق. لقد كانا معا - خلال تلك السنوات السبع - الأستاذان الوحدان اللذان لازلت أحتفظ لهما بذكرى طيبة, على اعتبار أنهما الوحيدان اللذان كان لي معهما اتصال إيجابي, بأن فتحا لي آفاقا بعيدة, انتقداني, وبينا لي مساوئي وأخطائي الشبابية, ثم وجهاني صوب الدراسات الأكثر جدية والأكثر جمالية في الوقت نفسه.

 غير أن هذا لايعدو كونه مظهرا واحدا للموضوع. إن له مظهرا آخر يتجلى في الآتي :

فخلال السنوات السبع التي قضيتها في مدرسة ماريانو أكوستا, وعلى الرغم من أنني لم أكن أملك أي حس سياسي خلال تلك الفترة, إلا أني قد أدركت بأن غاية هذه المدرسة كانت هي صناعة معلمين وأساتذة من طراز نموذجي, لهم الأفكار الأكثر بدائية والأكثر سلبية حول الوطن, النظام, الواجب, العدالة, الجيش والحياة المدنية. أي حول كل ما يقود في قصتي القصيرة - خصوصا صفحاتها الأخيرة - إلى فكرة أنه في هذه المدرسة يصنع الفاشستيون.

* عمر بريكو: إنه حس داخلي تكلف المستقبل بتحقيقه..

* خوليو كورتزار: أجل. فأنا على علم بما يصدر عني من كلام, لأنه ولمرات عديدة خلال هذه السنوات الدراسية, كان لنا أساتذة عملوا المستحيل من أجل تجميع تلامذة القسم في سريات وفي جمعيات, من أجل تعزيز وتقوية بعض مواقف حكومة ذلك الوقت - أتذكر بالضبط حكومة الجنرال خوسطو  Justo - فأدركت عندها بأنهم في الحقيقة, إنما يحاولون خلق جبهات فاشستية متقدمة, بمعية رجال الحركة ذات الطابع الوطني. كل هذا عن طريق تظاهرات متواترة معادية للسامية وللأجانب / الغرباء.

إذن, فهذه المدرسة التي كانت تتمتع في الأرجنتين بسمعة حسنة وبكونها أفضل مدرسة للأساتذة, لم تكن كذلك في عيني. لقد تملكني إحساس مفاده أن ما قضيته من وقت بين ظهرانيها, لم يكن سوى مضيعة كبيرة للوقت, ما  خلا الاستثناءات التي تمت الإشارة إليها. وإن أفادتني هذه المدرسة في شيء, فإنما في أنها سمحت لي بخلق رصيد لا يستهان به من الصداقات. بمعنى أني خرجت منها وفي جعبتي بعض الأصدقاء الذين ظلوا أصفياء راسخين إلى اليوم, دون احتساب الاهتمام الخاص الذي أحيته في مختلف المواد. لقد كنت خلال هذه السنوات السبع التي قضيتها في المدرسة, عصاميا حقيقيا. درست ما كان يستهويني, وتركت جانبا ما لم أحببه. هذا نسبيا هو الإطار الذي صغت ضمنه قصتي.

* عمر بريكو : يتعلق الأمر - إذن - بنوع من الاستعارة لهذه الحقيقة الخفية, لهذا الجو العام الذي أدركته.

* خوليو كورتزار : نعم, فهي استعارة ووشاية في ن&