آسيا جبار: ذاكرة النساء
لم يكن عندي هذا الشغف العارم بالأدب,
لو لم أكن قد سرت  في شوارع مدن  كمجهولة وعابرة
حوار: أليات أرمل Aliette Armel 

ترجمة: حكيم ميلود

قررت آسيا جبار المولودة في مدينة شرشال قرب الجزائر العاصمة, باكرا  أن تصبح كاتبة: نشرت روايتها الأولى عندما كانت في سنها العشرين, ألهمتها الكتابة المسرحية والسينمائية أيضا عدة مسرحيات وأفلام وثائقية. كما شكلت أعمالها موضوعا لرسائل جامعية, ودراسات نقدية, منشورة في العالم كله. حصلت على عدة جوائز, من بينها جائزة السلام في ألمانيا. لم تتخل مع ذلك عن عملها كأستاذة والذي تمارسه الآن في جامعة نيويورك, ولا عن ارادتها المناضلة في الكلام والكتابة لصالح نساء الجزائر, الذي يشغل مركز عملها الروائي منذ منتصف الخمسينيات. أصدرت مؤخرا رواية «امرأة بلا قبر», وطبعة جديدة لمجموعتها القصصية «نساء الجزائر العاصمة في بيوتهن», والتي اضافت إليها نصا جديدا, كتبته في شقتها بمنهاتن, في الأيام الموالية لـ11 سبتمبر الذي عاشته كصدى للتراجيديا الجزائرية. كان التاريخ دائما مصدرا لكتابتها: طورت مجموعتها «هذه الأصوات التي تحاصرني» (ألبان ميشال, 1999) في شكل مقالات متعددة, الموضوعات الأساسية التي تسند عملها. تعود هنا (في هذا الحوار) الى منشأ مؤلفاتها والى حركة الذهاب والرجوع بين الجزائر وفرنسا, بين لغتين ترنان في هذه (الكتابة الفرانكوفونية المؤنثة).

< تكتبين باللغة الفرنسية, وتلحين على هويتك الجزائرية, وتندرج بلادك بشكل كامل في كتبك حيث نجد حصة كبيرة للسيرة الذاتية. كيف تحددين مسارك?

* لنميز إذا أردت, وللوهلة الأولى بين المرأة والكاتبة.. هذا أولا (جزائرية بالتأكيد, تخليت عن دراستي الجامعية في أوج الحرب الجزائرية) تأتي وتذهب من بلد إلى آخر, لكي تجد فضاءها... تركت إذن دراستي الجامعية, بعد أن كتبت, في صيف 1956, روايتي الأولى «العطش» وجدت نفسي من جديد في تونس. وفي سنة 58, على الحدود بين اللاجئين الجزائريين: كتبت ريبورتاجات بطلب من فرانس فانون. اشتغلت سنة 1959 أستاذة جامعية في الرباط, ثم في الجزائر العاصمة في سنة 1962. كنت مشغولة بالبحث التاريخي حول شمال افريقيا, مقتدية بالمؤرخ «بروديل», وان كنت بعد روايتي الثالثة المنشورة في سنة 1962, وفي حماسة السنوات الأولى للاستقلال, أتوجه الى نشر روايتي الرابعة (القبرات الساذجة), هذه اذن هي المرحلة الأولى من مساري: هذه الذهابات والرجوعات من بلد إلى آخر, هذا الفضول. هذا الشغف بفضاء الخارج, وعاداتي كمشاءة في مدن المغرب (الكبير)- لرؤية الضوء, والظلال, ولكن للبحث أيضا في الوجوه. ونتف الكلام, والفروقات في اللهجة... فيما يخص الحبيسات في بيوتهن, ليس لي إلا أن أتذكر طفولتي, ومراهقتي, وبعض قريباتي: أينما كنت موجودة أستطيع الكتابة بدون توقف عن هذا الانحباس!... في حين أنني, كما بينت ذلك في فرانكفورت بمناسبة حصولي على جائزة السلام, «ما كنت لأدخل بشوق عارم... إذا لم أكن قد سرت في شوارع مدن كمجهولة, وعابرة, ورائية». ان كتابة سرد بالنسبة إلي «في لغة متحركة, يعني السير في الخارج»?...

< بدأت الكتابة في سنة 1956, وحتى سنة 1967 نشرت أربع روايات, ذات منحى كلاسيكي الى حد ما, حيث كانت السيرة الذاتية قليلة الحضور.

* هذه الروايات الاربع الاولى- المكتوبة بين سن العشرين وسن الثلاثين- أستطيع أن أحددها كهندسات لغوية, وكتخيلات ناتجة في الواقع عن فرحتي باختراع حكايات, بمعنى أو اوسع حولي خفة تخيلية, أوكسجين... أنا لا أنكر بالتأكيد بداياتي: «العطش» بنبرتها واسلوبها. «القلقون» من أجل العالم المغلق للنساء في بيت طفولة عتيق. «أطفال العالم الجديد» المكتوبة في صيف 1961 بمدينة الدار البيضاء, والتي تحكي وقائع 24 ساعة في مدينة جزائرية, قبيل ذلك التاريخ بقليل. ان تفصيلا واقعيا بسيطا روته لي قريباتي كان الباعث المحرك لهذه القصة. إذ في مدينة البليدة, في حي عربي شعبي, عند سفح الجبل, كانت النساء اللواتي لا يخرجن, يشاهدن وهن جالسات في أحواشهن أيام التمشيط, الحرب على المنحدرات مثل عرض مسرحي.. في يوم ما, اصابت رصاصة طائشة عجوزا في الوقت الذي كان يطارد فيه الجنود أحد الهاربين على السطوح... اكتشفت العجوز بعد ذلك بقليل من طرف كناتها: ميتة. سرعان ما شعرت انني حاضرة, في هذه المدينة التي عشت فيها سنوات تمدرسي... بالمقابل كتبت روايتي الرابعة (القبرات الساذجة) في فترة زمنية طويلة, طيلة سنتين او ثلاث على الاقل. بتوقفات مفاجئة. وبسبب شغف مفاجئ بالبنية متعددة الأصوات: راجعت مساري لما قبل 54, ومن 54 الى ..62. استعدت من جديد ذكرياتي في تونس, لقاءاتي مع الكثير من أبناء وطني العائدين من الجبال او من نضالاتهم بفرنسا. والخارجين من السجن... حاولت أن أحيط بعدة ديمومات... أحسست على الخصوص انني كاتبة خنثى (androgyne): أفكاري حول بلدي, ونضاله, ومستقبله القريب, حملتها لشابين, صديقي طفولة, متكاملين, ولكل واحد منهما قصص حب... أظن أنني شعرت أنني روائية بشكل كامل. لكن في وسط الكتاب. أفلتت مني حوالي 50 صفحة. احتفظت بذكرى مدهشة لتسعة أشهر أمضيتها في سيدي بوسعيد- الذي لم يكن قد سلم حينئذ للسواح. وضعت في قلب يوميات الحرب هذه, وبتطابق موسيقي, فترة امتلاء عاشق حقيقي لزوج, عندما صدر الكتاب, أي في سنة 1967, أحدثت في الصفحات السير ذاتية اضطرابا عميقا... وبدأت سنوات من الصمت الأدبي.

< هل كان صمتا اراديا?

* ) كنت قبل ذلك بقليل, قد عدت الى باريس: بعد أن عربت مادة التاريخ في الجامعة الجزائرية, اقتبست للمسرح كورتزار Cortazar , مروزاك Mrozek لفائدة مسرح صغير واخرجت مسرحية أمريكية لتوم ايان tom eyen عن مارلين مونرو... نسيت مؤقتا بلدي. كنت أعمق انشغالاتي بشكل مغاير: ان تكوني كاتبة افريقية يعني قبل كل شيء البحث عن شكلك السردي الخاص. عن لغتك الخاصة, عن فرنسيتك الخاصة, عن ايقاعك تحت او على هامش اللغات الأخرى الموروثة. والتي سميتها «هذه الاصوات التي تحاصرني». بين 74- 75. عدت من جديد الى الجزائر العاصمة, درست الأدب الفرنكفوني والسينما, وباشرت انجاز فيلم تغذيه اسابيع من الحوارات مع فلاحات من قبيلة أمي, في الظهرة والشنوة. (نوبة نساء جبل شنوة) تمزج الشريط الوثائقي مع التخيل (Fiction): هذا الأخير يتابع عن قرب كلام النساء, الذي تنحل عقدته على مهل, مرشدا دائما بالصوت... في وسط استحضارات الحرب التي انقضت قبل خمسة عشر عاما, كان هناك دائما لحظة يخفت فيها الصوت, يستسلم تحت عبء الألم الذي يتصاعد... أحيانا. كانت تنتقل المرأة الى الامازيغية! ان هذا الغوص في اللغات الأمومية (العربية, الامازيغية). وهذا الارتقاء في الذاكرة النسوية الجماعية هو الذي أعادني من جديد إلى الأدب. وتمثل قصص (نساء الجزائر في بيوتهن) هذا الانطلاق الجديد.

< هل بقيت في الجزائر?

* لا. فمن جهة لم يستقبل فيلمي بشكل جيد من هواة السينما من أبناء بلدي, رغم حصوله على جائزة النقد الدولي في البندقية سنة 9791, كنت أشعر على الخصوص بحدة الصراع من خلال العنف بين الجنسين, حتى في الشارع: أدركت ذلك على الارجح من خلال حساسيتي تجاه هذا الخارج. أخذت على الفور القرار بالعيش في مكان آخر, في باريس لم لا. لأكتب من بعيد- كمصور فوتوغرافي- بشكل أحسن عن الجزائر. لو بقيت هنا, ما كنت لأستطيع تفادي كتابة جدالية, وربما عنيفة. كنت بحاجة الى فهم هذا الضيق بالوجود الخاص بالجزائر, وأن أجد جذوره... وأنا أتجول في باريس, كنت أكتب في المقاهي والمكتبات... كنت أعود أحيانا الى المغرب: الى مراكش وفاس, الزنقة الشعبية للمدينات كانت تحافظ على اختلاطها! في المساجد. في الفضاء الخاص بالنساء, بين أوقات الصلاة, وفي الاضرحة, كانت النساء البسيطات يأتين للاستراحة, يتكلمن معك, يحكين لك عن يومياتهن, وهمومهن... كنت أجدد ينابيعي هكذا! وكانت تلك هي الفترة الوحيدة التي خصصت فيها كل وقتي للكتابة أثناء العمل على كتابي (الحب الفانتازيا) وهي الفترة التي كنت أنجز فيها فيليمي الثاني, سنة 1982- تاريخ وموسيقى المغرب (الكبير): الزردة وأغاني النسيان.

< انها بداية أسلوب جديد: تشابك شكلي, وتداخل اصوات.

* لقد خضت طويلا وبتردد, في تحليل نفسي ذاتي للكاتبة داخلي, كنت تجاوزت الأربعين! واكتشفت انني لم استطع أبدا ان اقول كلمات في الحب بالفرنسية!... هل كان يجب علي لكي أحب وأقول ذلك, أن أتكلم فقط لغتي, وأن الرقة والفقد في بحة الصوت ليست إلا الصوت الأمومي?... ذهبت الى المكتبة الوطنية: ونقبت في عدة معاجم عربية, لقد ساد الادعاء طويلا. بسبب الشعر الجاهلي, ان اللغة العربية كانت «لغة الحب» بامتياز... ما الذي بقي من ذلك? وبالتالي كان لزاما علي أن افصل التشابك الفرنسي- العربي في, وفي الحاضر! كان ذلك يشكل ضرورة مطلقة من أجل كتابتي.

< لقد نجحت في ذلك بجعلك المقاطع السير الذاتية تتناوب مع استحضار تاريخ غزو الجزائر العاصمة من طرف الجنود الفرنسيين واصوات النساء الجزائريات.

) لم أكن لأجد ذاتي إلا في قطيعة البنيات, في هذه المواجهة بين الأضداد, بين سنتي 1962 و1968 درست التاريخ في الجزائر العاصمة, مرحلة القرن التاسع عشر XIX. إن الفرنسية دخلت الى بلادنا مع الجيش. وكان بامكاني ايجاد اثر أسلافنا, ونضالاتنا في مراسلات الضباط الفرنسيين التي كنت أدرسها في المكتبة. كتبت بعجالة القسمين الأوليين من (الحب, الفانتازيا), ثم توقفت بعد ذلك. كنت أستمع كثيرا الى الموسيقى الألمانية, شوبار (CHUBERT), وبتهوفن (BETHOVEN), ومن خلال تحليلي لسوناتات بتهوفن ادركت انه بعد مقطعين مكونين من تناوبات مضادة, كان يلزم أن يكون هناك قطيعة, انفجار, استمتعت من جديد الى كل ساعات الحوارات المنجزة للسينما, مع الفلاحات, في قبيلة أمي, وفي القسم الثالث من الكتاب. عدت الى يوميات الفلاحات, وشهاداتهن بدأت هكذا في انجاز رباعية جزائرية (والتي أكتب الآن جزءها الرابع), كبيرة مزدوجة: تلك الخاصة بي - مع جوقة النساء الأخريات- وتلك الخاصة بالبلاد, وبالتضاد مع حضور فرنسي ما.

< هناك ما يشبه القطيعة بين الجزء الثاني من الرباعية (ظل سلطان) والجزء الثالث (فسيح هو السجن). وكأنه كتاب مختلف: إذ ان (بعيدا عن المدينة المنورة) هو تقاطع لمصائر نساء قادمات من المراحل الأولى للاسلام, من محيط النبي وصحابته المباشرين.

* هناك صدمة حقيقية بالنسبة إلي, في أصل الرواية: أحداث أكتوبر 1988 بالعاصمة, حيث اطلق الجيش الرصاص وقتل في ثلاثة أيام أكثر من 600 شاب في العاصمة, لقد حضرت ذلك, على المباشر تقريبا, في العاصمة اين كانت ابنتي قد عادت للدراسة في سنة 1987, وسرعان ما وجدت نفسها في قلب التناقضات الجديدة للجزائر! وما ان عدت الى باريس, بعد اكتوبر 1988, اردت أن أشرح كيف أن رجال السلطة كانوا يسخ رون الاسلام لتصفية الحسابات فيما بينهم. كنت أحب منذ وقت طويل قراءة الطبري. المؤرخ العربي المشهور الذي كتب في القرن الحادي عشر الميلادي. لقد طورت نصوصا سردية انطلاقا من نصوصه عن الفترة التي تلت موت الرسول وبداية خلافة أبي بكر, لكن أخذت منهجيا وجهة نظر النساء الشهيرات منهن والاقل شهرة. بقيت قريبى من النص العربي, وفي جذر الكلمات نفسها أحيانا. كنت أبحث عن الحقيقة - بمعنى الحياة أيضا, حركة أهواء الكائنات- وذلك بحفر منحدرين في الوقت نفسه: ذلك الخاص بالنص العربي, وكانعكاس له, او انزياح عنه, نصي الفرنسي. كنت أواصل الذهاب الى الجزائر العاصمة كل شهر تقريبا. وأكملت هذا الكتاب في بيت أبي. ثلاثة أيام قبل نجاح الاسلاميين في الانتخابات البلدية. في يونيو 1990, ان الاعتقاد ان الكتابة عن أحداث وقعت قبل 14 قرنا كان سيؤثر على مجرى الأشياء بدا لي فجأة مدعاة للسخرية ! مع ذلك قمت بعد صدور الكتاب بجولة في عدة جامعات جزائرية. عدة طالبات يرتدين الحجاب كن يقلن مندهشات: «انها تكتب بالفرنسية لكنها قادرة على اعطاء تفاصيل دقيقة عن النساء المحيطات بالنبي» هذا الكتاب الذي جعلني أحصل على جوائز أدبية جوبه في فرنسا بنوع آخر من اساءة الفهم: هناك شكل من أشكال القطوف عند المثقفين اللائكيين في فرنسا. بعد سنة 1988 شعرت خلال العقد المرعب للتسعينيات ان مأساة بلادي التهمتني بالكامل, وكانت حاجتي للكتابة كعلاج, وبهدف التوضيح, كما لو ان توازني الشخصي كان يتوقف على ذلك كل يوم!

< مع ذلك كتبت انطلاقا من تاريخ مدينة أوروبية: ستراسبورج?

* حصلت في سنة 1992 على منحة الكاتب, للكتابة في هذه المدينة بالالتقاء مع عائلات المهاجرين. بدا لي أن الجزائريين, والشمال افريقيين كانوا أحسن اندماجا هنا من أماكن أخرى, بل نجح بعض الشباب حتى في تمثيل مسرحيات قصيرة باللهجة الالزاسية, بالتأكيد! لكن الصدمة الحقيقية. بالنسبة إلي, كانت تتمثل في اكتشافي كيف ان ستراسبورج - التي فتنتني بتاريخها وهندستها- أفرغت من سكانها في مدة ثلاثة ايام, في بداية حرب سنة 1939 ولم تبق إلا الثكنات التي كانت تنتظر قدوم الالمان, واستمر هذا الفراغ أكثر من عشرة أشهر! ان هذا الحدث غير معروف إلا قليلا, حتى في فرنسا. لقد ذهبت الى ارشيفات البلدية, واطلعت على صور, واردت اعادة تشكيل فراغ المدينة المنتظرة. شعرت حينئذ, وانا أقيم في فرنسا من جديد, انني مأخوذة أحيانا باللغة اكثر من الجزائر التي تركتها ورائي, تجددت في رغبتي في كتابة قصة من غرفة الحب. والكلمات التي تهمس فيها, بين ازواج بذاكرات متناقضة على الخصوص! بفعل فراغ مدينة جد قديمة, لكن الاحداث حولي كانت تتسارع في العنف الجزائري. مما جعلني أعلق الكتاب, كتبت (بياض الجزائر) كحوار طويل مع ثلاثة أصدقاء قتلوا: تحولت الفرنسية فجأة الى لغة لتورجية تقريبا. ثم أوضحت في «وهران, اللغة الميتة», كيف انه وسط القتل تمت المحافظة على التكافل والتضامن من طرف نساء في الاساس. عدت من جديد وأنا أقيم في لويزيانا الى (ليالي ستراسبورج» كتحية اكرام للحياة التي استمرت في الجزائر: رغم الاغتيالات كان مايزال هناك رجال ونساء يتحابون, هناك, في الليل.

< روايتك الاخيرة «امرأة قبلا قبر» هي أيضا تحية إكرام الى امرأة بطلة حرب, لم تتمكن ابنتاها أبدا من دفن جثمانها.

* انها رواية بدأتها في سنة 1981- 1982 بعد نساء الجزائر في بيوتهن». كتبت حوالي 50 صفحة عن قصة زوليخة, وهي مجاهدة من مدينتي صعدت الى الجبال في سن الاربعين, وتم القبض عليها سنة 8591, ثم سجلت كمفقودة, القيت بابنتيها من اجل فيلمي «نوبة نساء جبل شنوة» المهدى الى زوليخة  في الصيف الماضي عدت اليه من جديد, وأنا اتساءل, باحساس بالذنب أحيانا, عن اهمالي الخاص: انتهيت شيئا فشيئا الى فهم, انني في سنوات الثمانينيات كنت في حالة احتجاج على الابطال الذين يجب تمجيدهم, وانا أرى ما آل اليه هؤلاء الابطال القدامى الاحياء.. لكنني وجدتني مضطرة لان استعيد هذه الذاكرة, وان أهزها, ومن خلال زليخة, وحيواتها المتعددة- نضجها السياسي, مرورها بالمدرسة الفرنسية سنة 1930 في قرية بالمتيجة, ازواجها, طلاقاتها, حياتها اخيرا في مدينتي مع زوج مختلف عنها تماما- كل الترسيمات الكلاسيكية اضطربت. حاولت أن أظهرها في قلب دينامية نسوية حقيقية, قليلا ما تم الانتباه اليها في تلك الفترة. ساعدتني روايات عن الذاكرة بوفاء! امرأتان تقليديتان: ضاربة ورق. ذاكرة مدهشة للعنصر, النسوي, والخالة زهرة, فلاحة تطالب بمسكن في المدينة لأيتامها, ولن تحصل عليه لأنها تطالب بذلك بالأمازيغية! هذا السرد الروائي جاء لنجدة فقدان قصير للذاكرة استقر في الطبقة المتوسطة الصغيرة للمدن.

* في رواية «امرأة بلا قبر» تشرح الساردة, صوتك داخل الرواية: «قصة داخل القصة,, وهكذا دواليك, أليست استراتيجية غير واعية, لنجد انفسنا في نهاية الحلقة, نحن الذين يسمعون ويرون بدقة خيط السرد ينعقد وينحل, يدور ويستدير... أليس من اجل أنفسنا متحررين? من أي شيء, إن لم يكن من الظل نفسه للماضي الأخرس, الساكن . المنحدر الذي فوق رؤوسنا... طريقة للتحايل على هذه الذاكرة... الذاكرة المشوقة, المنثورة كفسيفساء, الوان شاحبة, لكن الحضور لا يمحى, حتى وإن اخرجناها مكسرة, مفتتة, من كل واحدة من خرائبنا».

* الكتاب كان سيسمى: «عصافير الفسيفساء», عنوان «امرأة بلا قبر» فرض نفسه من بين عناوين أخرى لأنني أنهيته مباشرة بعد 11 سبتمبر, في نيويورك, على بعد عشر دقائق من مسكني الجديد, أين سيبقى ثلاثة آلاف شخص بلا قبر, كنت مطالبة في هذه الرواية- الفسيفساء ان أعيد اكتشاف الفتاتين في ديمومة ذاكرتهما المتألمة.

< وتشابكين من جديد الأصوات, المقاطع السردية, الحوارية, المنولوجات حيث تعبر الفتاتان الواحدة بعد الأخرى عن نفسيهما, وحيث ينبثق صوت الأم الميتة من جديد. إنك تمزجين الاجناس الأدبية. معطية أهمية كبرى للحكاية الشخصية, كما في القصة الأولى لـ»نساء الجزائر في بيوتهن». حيث تتبادل النساء الحكي, كما لو من أجل ألا ينقطع خيط الحكاية.

* كتبت «ليلة حكاية فاطمة» في نيويورك, مباشرة بعد انتهائي من «امرأة بلا قبر», انه حكاية رويت لي, منذ مدة طويلة, من طرف أم أحد أصدقائي التي زارتني في ضاحيتي الباريسية آنذاك, الموضوع المرتبط بحياة تقليدية جزائرية في طريقها الى الاختفاء, هو حكاية أمومية تحول وتعار عندما تطلب أم أو حماة من ابنتها او كنتها او تمنحها ولدها البكر لتربيه كابن لها! عندما كانت هؤلاء السناء يعشن في بيوت كبيرة, في نفس المكان, لم يكن ذلك يعاش كتجريد من الملكية, اذ عندما كانت تطلق امرأة أو تترمل كانت أمها تعتبر أمرا عاديا ان تقترح عليها: «تزوجي من جديد. وسأربي أطفالك بدلا عنك!», كان ذلك طريقة للقول: «واصلي حياتك العاشقة بينما أتحمل أنا مسؤولية أطفالك!» لكن عرفت نساء شابات, من جيل ما بعد الاستقلال, يرفضن بكل بساطة ان يمنحن طفلهن البكر للحماة, ان طريقة عيش الامومة تغيرت. كانت فيما مضى تعاش كتبادل نسوي للمساعدة, ثم اعتبرت كعنف!

< هل تكتبين لكي تتغير الجزائر?

* أكتب مثل كثير من الكاتبات الجزائريات الاخريات, بحس استعجالي أحيانا, ضد النكوص وعداوة النساء, هذا السرد الروائي يصبو الى تسجيل التاريخ الصامت وغير المضاء جيدا. في الغالب للنساء, انه يأتي لمعالجة نسيان ما. وفقدان للذاكرة لمجتمعاتنا حول قسم هام منها, والمراحة بواقع انه في الغرب. لا يتم معرفة العالم الثالث إلا من خلال التاريخ الفوري. بعد نهاية 1914- 1918 كان هناك تحرير رائع لنساء ايرانيات وتركيات ومصريات ولبنانيات. ان العالم العربي لم يكن دائما غفارة (معطف كاهن ((Une chape) في الجزائر الامر كان أكثر تعقيدا. بسبب الاستعمار كانت جداتنا تتكلفن بعدم جعلنا ننسى هوياتنا. لكن وأنا اكتب «فسيح هو السجن» ادركت أن هؤلاء الجدات كن يحملن ذاكرة المحاربين, ذاكرة رجولية, ضرورية ولكن غير كافية, تحاول كتابتي أن تستعيد ذاكرة النساء. يبدو لي أنها شرط بقائنا.

-----

سيرة الكاتبة

بعد اربع روايات ظهرت عن دار النشر جوليار وعرفت نجاحا كبيرا, العطش 1957, القلقون 1958 أطفال العالم الجديد 1962, القبرات الساذجة 1967, انشغلت آسيا جبار مدة عشرين سنة بالمسرح والسينما, عادت الى الكتابة مع «نساء الجزائر في بيوتهن) 1980-, ثم مع رباعية جزائرية (ظهرت منها ثلاثة أجزاء) - الحب, الفانتزيا- 1985, ظل سلطان 1987. وفسيح هو السجن 1998 ألهمها الراهن الجزائر عدة مجموعات قصصية وكتابات مفتوحة _بياض الجزائر 1996, وهران. اللغة الميتة- 1997, كتابها الاخير «امرأة بلا قبر» هو عودة الى ذاكرة أقدم في ذاكرة حرب التحرير الجزائرية.

* عن المجلة الأدبية (الفرنسية) Magazine Litteraire العدد 410 يونيو 2002