أسير لرغبة ما

عباس خضر

أسير...

ولي رغبة في عناق القطارات السريعة من الأمام

لي رغبة في الركض بالاتجاه المعاكس للخط السريع

لي رغبة في مشاكسة الجدار برأسي حتى يسقط أحدنا

لي رغبة في التدلي من طرف الضوء عاريا كما خلقت

لي رغبة ان أعود الى أمي, فلا أولد مرة أخرى

لي رغبة أن أخطف المدينة وأعلقني في عنقها أبدا

لي رغبة أن أقتل ايكاروس واشوه هاملت على هواي

لي رغبة في البكاء حتى اغراق المدينة

***

أسير...

وأقدم للموتى بعض الماء

وللقادمين دون أغان وصلة رقص في العربات

وأمضي, وإن كانت المدينة بعيدة...

وأتدثر بلهفة تملأ ال هنا ااااا ك, كلما جن الليل..

وأسير لأشجاري التي تملأ أرض القيامة دون حروف

فطالما هفا المسير لسقوط ضخم على الرخام

وطالما هفا القلب لبياض سادر حتى النخاع

***

أسير...

وما من مدينة لعيوني

ما من قبر في الأجساد الصاهلة جنبي

ما من امرأة بقادرة على اشعال فتيل لهفتي مرة أخرى

ما من قدر عظيم يوازي حرائقي

ما من موت أثير يلم حثالة بقائي لصورة أنيقة

ما من شيء بعد اقتراب الخريف من نهاية المقهى

شاهدوا! وريقاتي تسقط

وجهي يهب عبثه للعواصف,

الخط الأسود يسقط,

المرأة التي تشبثت بأزرار قميصي الأخير,

معطفي,

والمدينة تسقط...

سلاما اذن, سلاااااما, أيها البقاء

سأضرب كتفك بقدم واحدة لا أكثر

فالطريق نحو الماء بعيد جدا

وليس لي الا دقائق معدودات من المستحيل

وقدما وهبتها للسقوط

***

أسير...

وآلاف يمرون, قوافل, رصاص, رمل, حمائم ومحار...

يمرون... حزن, مدى, سماء ونجوم...

يمرون... خوارج, قرامطة, زنج, هيبيون, نازيون,

عاشقون, ثوريون, لوطيون, قتلى, جلادون...

يمرون... رايات سود, بيض, قوس قزح, لون الماء, لون الدم...

يمرون... والمدينة هي, بمراثيها وأغانيها

في حرائقها وطوفاني

في طوفانها وحرائقي

في رحيلي وبقائي

المدينة هي, وأنا الخرائط

وزعت على الأرض خلاياي... وسرت

***

أسير...

وروما الجميلة بطول الوجع أضواء خافتة في الثياب,

شعر أسود يبحث في الليل عن رباط للصباح,

معطف للشوارع لئلا يطولها البرد في الشتاء,

وأنا بعثرة المدينة هنااااااااااااااااااااك

يا روما الجميلة, روما القريبة, روما البعيدة!

أما من حجر? لأهب الآلهة لعنة في الجبين...

أما من حجر? فالبحر لعنة أخرى بيني وبين واليابسة...

أما من حجر? فقد عاهدت الشوارع أن أعانق في شهقة الصباح مثواي...

يا روما الحزينة, أوصلت الى وجعي?

أم سيعود بي الطريق مرة أخرى إلي?!

***

أسير...

وما من وطن للآلهة

ما من حجر للجبين

ما من وطن للحمائم

ما من حجر للبقاء

ما من وطن للعاشق

ما من حجر للحكاية

ما من وطن للملائكة

ما من حجر للريح

***

أسير...

وأطرق الأبواب

الواحد تلو المدينة

فلم يجدني أحد

ولم أجدني مرميا هنا أو هناك

ولم يكن الطريق, ولو لمرة واحدة,

غير نهاية الطرقات

***

أسير...

ولي رغبة هائلة في عناق القطارات السريعة من الأمام...

رغبة في الصراخ حتى تتصدع المدينة.