|
|||||
|
يتوزع
علم التاريخ
والرواية
على موضوعين
مختلفين,
يستنطق
الأول
الماضي
ويسائل
الثاني
الحاضر,
وينتهيان
معا إلى
عبرة وحكاية.
بيد أن
استقرار
الطرفين, منذ
القرن
التاسع عشر,
في حقلين
متغايرين لم
يمنع عنهما
الحوار, ولم
ينكر
العلاقة بين
التاريخ
والإبداع
الأدبي. فقد
ساوى
الفيلسوف
الألماني
لايبنتز (1646 - 1716)
بين غايات
الشعر
والكتابة
التاريخية,
وناشد
المؤرخين أن
يرتقوا إلى
مصاف
الشعراء,
ورأى
الفرنسي
ديدرو, عام 1762,
في رواية
ريتشارد سون
تقدما
في وعي
التاريخ قصر
عنه
المؤرخون.
ولم يختلف
موقف المؤرخ
الإنجليزي
الشهير ر. ج.
كولنجوود,
حين وزع, في
ثلاثينيات
القرن
الماضي, «الخيال
الجبار» على
الروائيين
والمؤرخين
معا . يتعامل
المؤرخ
والروائي مع
المتحو ل
قاصدين «عبرة»,
تتأمل طبيعة
إنسانية,
تعايش
اندثارا
لا نهاية له.
ومع أن تعبير
الاندثار لا
يحيل على زمن
محدد,
فالتداعي
يخترق
الإنسان في
جميع
الأزمنة, ففي
مفهوم «الطبيعة
الإنسانية»
ما ينسب صعود
الرواية
وعلم
التاريخ إلى
القرن
التاسع عشر,
الذي اتخذ من
«الإنسان»
مرجعا
له ونصبه
جذرا لغيره.
كتب المؤرخ
توماس
كارليل (1765- 1881): «كل
أنواع المثل
العليا لها
حدودها
المقدر ة لها,
ولها
فتراتها
المعين ة
للشباب
والنضج
والكمال
والانحطاط
والموت
النهائي
والزوال»,
وكتب جورج
لوكاتش (1885 - 1971),
وهو يعر ف
الرواية: «يعبر
جوهر العمل
الروائي
الأكثر عمقا
عن ذاته في
السؤال
التالي: ما
هو الإنسان?».
يقول
الروائي,
نظريا , ما
يقول به
المؤرخ,
اتكاء على
جوهر إنساني
عصي على
الثبات,
يستقيم زمنا
في انتظار
انحناء لا
هروب منه.
يستدعي
المؤرخ, كما
الروائي,
القرن
التاسع عشر
وهو يستدعي
مقولة «الإنسان»,
محيلي ن, في
الاستدعاء
المزدوج, إلى
عصر النهضة,
الذي وعد
بإنسان نوعي
يسوس الكون
ويرو ض
الطبيعة. تأسس
علم التاريخ
على «الإنسان
النوعي»
الذي يسائل
حاضره
المكتشف
ماضيه
البعيد, كما
لو كانت رغبة
الاكتشاف
تحو ل الماضي
إلى حاضر
إبداعي جديد.
ولعل إعادة
اكتشاف ماضي
الإنسان,
الذي اكتشف
ذاته, هي
التي جعلت من
والتر سكوت (1771 -
1832) أستاذا
في الكتابة
التاريخية
وصانعا
للرواية
الأوروبية,
كما جاء في
كتاب والتر
ألن «الرواية
الإنجليزية».
ولم يكن ماضي
الإنسان إلا
حاضره المكل
ل بمثل عليا,
حيث جوهر
الإنسان
فضيلته,
وجوهر
فضيلته
ارتقاء لا
حدود له.
وهذا ما
حاوله جورجي
زيدان (1861- 1914), في
سياق مغاير,
حين بحث عن
فضائل
مشتهاة في
أزمنة عربية
منقضية. رواية
التقدم
وتقدم
الراوي?: رأى
هيجل في 13/10/1806
نهاية
التاريخ, بعد
أن تجس د
معناه في
نابليون
بونابرت,
الذي جس د
روح الثورة
الفرنسية.
كأن للتاريخ
بداية
سديمية
ونهاية
مكتملة
أخيرة. ومع
أن ماركس نقض
«الفكرة
المطلقة» في
معادلاتها
الذهنية, فقد
أعطى
التاريخ
بدوره نهاية
أخرى, يأخذ
فيها
المجتمع
الشيوعي
موقع الدولة
البروسية,
حينا , وينزل
فيها الصراع
الطبقي
نابليون عن
صهوة حصانه
حينا آخر.
يفصح
الموقفان عن
وصول
التاريخ إلى
ذروته
الأخيرة, عن
طريق فرد لا
تنقصه
العبقرية, أو
بصراع طبقي
مفتوح
يتجاوز
الأفراد.
تتراءى, في
الحالين,
ايديولوجيا
انتصارية,
تضع الإنسان
في المدينة
الفاضلة, أو
تضع الأخيرة
فيه. انطوت
فلسفة
التنوير على
نهاية
التاريخ,
اعتمادا
على فكرة
التقدم, التي
قاست الزمن
الكوني
بالزمن
الأوروبي
المنتصر,
واشتقت من
الحاضر
المنتصر
مستقبلا
فارقه
التناقض. وفي
أيديولوجيا
انتصارية,
تنص ب
الإنسان
الشامل
مرجعا
لغيره, تكون
حركة
التاريخ
حركة تقدمه,
ويصير
التقدم صنو
التاريخ
وروحا
له. وعن
وحدة التقدم
والتاريخ
صدرت تعابير
متفائلة, مثل
«عدالة
التاريخ»,
التي تفصل
بين الخطأ
والصواب,
و؛محكمة
التاريخ»,
التي تنصر
الصالح
وتعاقب
نقيضه,
و؛حقيقة
التاريخ»,
حيث العدل
وتقدم
التاريخ
وجهان لعملة
واحدة. ت ش خ ص
ن مقولات
الصلاح
والصواب
والعدل
التاريخ,
ويغدو
تاريخا
عاقلا ,
يعاند الشاذ
والمريض
ويمضي إلى مص
به الذهبي.
بهذا المعنى,
يتعي ن
التاريخ عند
الألماني
شلنغ (1775- 1854) «كشفا
عن المطلق»,
يتقدم مدركا
ذاته ويدرك
ذاته في تقدم
بصير, وهو ما
يعيده
نوفاليس في
جملة متصو فة
تقول: «التاريخ
كتاب إلهي»
و؛كل ما هو
تاريخي إلهي».
لم تمنع
مقولة العقل
من فلسفة
التنوير
نزوعا
لاعقلانيا ,
فرض عليها
إضافة مرجع
خارجي إلى
التاريخ, مزج
الأخير
بالمطلق
وأمد ه بصفات
إلهية. أخذت
فلسفة
التقدم شكل
حكاية سعيدة,
تبدأ من
اللامعقول
وتنتهي إلى
معقول أخير,
لا يمكن
الرجوع عنه,
ولا يقبل
بالانقلاب
والارتداد.
يعطي هذا
المسار,
وقوامه
التراكم
والاستمرار,
التاريخ
شكلا وحيدا
, يبرهن عن «حقيقة»
التاريخ
و؛عدالته»,
وعن عقم
مواجهته
ومؤازرته في
آن, لأن
التاريخ
يسير إلى ما
يسير إليه.
شيء قريب من
قول لايبنتز:
«ليس في
الإمكان
أبدع مما كان»,
فالتاريخ
يجيء
بالحقيقة لا
بغيرها,
طالما أن في
التاريخ
والمطلق
حقيقة واحدة.
ولعل
تبادلية
العلاقات
بين التاريخ
والتقدم
والمطلق هي
التي جعلت
فالتر
بنيامين يرى
في «الزمن
التقدمي»
زمنا سلطويا
يرجئ «زمن
الثورة» إلى
يوم عصي على
التحديد. لازم
«الزمن
التقدمي»,
الذي تعر ف
على
الثورتين
العلمية
والصناعية,
انبهارا
بالتحولات
الاجتماعية,
التي أسست
علاقة جديدة
بين الإنسان
والطبيعة,
وانبهارا
أكبر بمبدأ
التحو ل ذاته,
وآيته إنسان
يحو ل ذاته
وهو يحو ل
العالم,
ويستولد
ذاته منجزا
مواضيع غير
مسبوقة.
وتعطي «مخطوطات
1884» التي كتبها
كارل ماركس
شابا , صورة
نموذجية عن
انبهار
الإنسان
بقدراته,
التي تحو ل
العالم
الحديث إلى
كتاب مفتوح «يتجل
ى فيه
الإنسان
بقواه
الجوهرية».
يحضر «اللاهوت
التنويري»
مرة أخرى,
فبعد أن
امتطى
التاريخ
جواد
بونابرت, خلق
الإنسان
نفسه بنفسه
واستولدت
أصابعه
المبدعة
كونا أصيلا
, يشهد على
عظمة
الإنسان. وما
رواية «موبي
ديك», التي
ظهرت عام 1851,
إلا احتجاج
على الإنسان
الممتلئ
بذاته, الذي
حشر نظام
الطبيعة
الأبدي في
سديم غطرسته
اللامتناهية.
قاد تطبيق
العقل على
الطبيعة
بشكل لا
عقلاني
الإنسان
المكتفي
بذاته إلى
حتفه الأخير,
كاشفا
عن بصيرة
ماري شلي
الثاقبة,
التي رأت
وراء «الإنسان
الصناعي»
وحشا لا
يمكن
السيطرة
عليه, يدعى:
فرانكشتاين
(1818). كأن
بروميثيوس
الطليق, الذي
وعدت به
الأزمنة
الحديثة, دار
حول ذاته
دورة كاملة
وانتهى إلى
مخلوق نقيض. وضع
«التاريخ
التقدمي» في
التاريخ
حكاية محددة
البدء
والمنتهى,
وقام بشرحها
وسردها معا :
شرحها بحقب
زمنية
متعاقبة,
تتضمن كل
منها فكرها
واقتصادها
ونظامها
السياسي,
وسرد
حكايتها
بالانتقال
من الأدنى
إلى الأعلى
ومن الظالم
إلى العادل,
وصولا
إلى زمن
ينهي
الحكاية
ويتوجها
بخاتمة
سعيدة. تحتقب
الحكاية
الكبرى
الميلاد
واليفاعة
والشيخوخة
والموت
وولادة
جديدة, تغاير
كليا الولادات
السابقة.
هناك «ما قبل»
و؛ما بعد»
و؛عقدة
حكائية»,
تنتج فعلا
حكائيا
يلفظ
أنفاسه في «الأزمنة
الفاضلة»,
التي تصر ح
بـ«نهاية
التاريخ».
تتكو ن «حكاية
التاريخ»,
بهذا المعنى,
في فضاءات
متعاقبة
محددة
البدايات
والنهايات,
يستهلها
السديم
وتنغلق على
مطلق شفيف لا
يعقبه شيء. اتفقت
الرواية مع «التاريخ
التقدمي»
واختلفت عنه
في آن: اتفقت
معه وهي
تقاسمه وحدة
الواقعي
والمتخيل,
والذهاب من
الحاضر إلى
المستقبل,
واعتبار
القرن
التاسع عشر
زمنا مرجعيا
, والقطع مع
التصور
اللاهوتي
للعالم, الذي
تسلل ثانية
إلى «التاريخ
الغائي», دون
أن يدري.
واختلفت عنه
مبتعدة عن
الكليات
المجردة
ومحتفية
بالتفاصيل,
وذلك في نص معتم
متعدد
المستويات,
يتأمل
التاريخ في
طبيعة
إنسانية
مثقلة
بالتناقض.
أخذت
الرواية
بإنسان
دنيوي
لاهالة له
مبر أ من
التعالي,
بعيدا
عن إنسان
قديم قوامه
السقوط
والغفران.
فبعد إنسان
لاهوتي مد ثر
بالوعد
والوعيد
وقعت
الرواية على
إنسان أرضي
مزود بأسئلة
جديدة, لا
تأتلف مع زهد
أحمق يلتبس
بالورع. نقض
الإنسان
الدنيوي «الإنسان
اللاهوتي»,
بقدر ما نقضت
الرواية
الحكاية, أو «الموروث
الأدبي
القديم»
بلغة إيان
واط, الذي
تعامل مع
إنسان يهمش
الملموس
ويلتحف
بحقائق
مجردة. لا
تحتاج الروح
الخالصة,
الموزعة على
الميلاد
والموت, إلى
التساؤل
والدهشة
والفضول, فهي
مقادة
بغيرها
وملتزمة
بدليل أمين.
لهذا لا تعرف
الحكاية, كما
العقل
الحكائي,
مبدأ
السببية
المركبة
الذي يشرح
تكو ن
العلاقات
وانحلالها,
ولا تتعرف
على الممكن
والمحتمل
والملتبس,
مطمئنة أبدا
إلى وقائع
متعاقبة
باركتها
الملائكة
وإلى القران
السعيد بين
الإثم
والعقاب
والخير
والثواب. ترجمت
الرواية
الأوروبية
الصاعدة
تحولات
اجتماعية
حاسمة, حررت
الواقع
المعيش من
صورته
اللاهوتية
وحررت معه
العقل
الإنساني
وأسئلته,
ونقلت
الإنسان
الذي يقتات
بالمقدس
ويقتات
المقدس به
إلى وضع جديد
يقاسم فيه
المقدس
قداسته, أو
يكتفي بحياة
دنيوية
عارية من
أطياف «الخطيئة
الأولي». كتب
أويرباخ في «كتابات
حول دانتي»: «كان
على العقل
التصفوي في
القرنين
السابع
والثامن عشر
أن يهدم
الأيديولوجيا
السلطوية
وبقايا
الكوزمولوجيا
المسيحية
القروسطوية,
كي يتكو ن
تصور عملي
لوحدة
المجتمع
الإنساني».
ووحدة
المجتمع
العملية هذه
تفرض الخروج
من وضع «المؤمن»
إلى وضع «الإنسان»,
ومن صفة «الملحد»
إلى صفة «الإنسان»,
ومن أوضاع «الرعية»
إلى وضع «الشعب».
فبعد تصور
لاهوتي يذيب
الإنسان في
مياه
المجهول
والمحر م
والمتعالي,
التقى
الإنسان
بجوهره
وتوحد روحا
وجسدا
وعقلا , أي
استعاد
تعدديته
الروحية
والمادية
والأخلاقية
والجمالية,
التي تعي نه
إنسانا
تاريخيا ,
تتجلى
تاريخيته في
تعددية لا
تقبل
الاختزال.
واتكاء على
تعددية
مستعادة عاد
الإنسان إلى
الماضي, وبحث
عم ا جعله
مختلفا
عن الحاضر,
وأدرك أن
الإنسان
المتجد د,
كما الإنسان
الحالم, هو
من يقطع مع
الماضي ولا
يكون
امتدادا
له. تخلص «إنسان
الرواية» من
أسماء
موروثة وغدا
خالقا
للأسماء,
منذ أن عرف
أن الأسماء
تأتي وتذهب
وأن الأسماء
القادمة
تغاير ما
سبقها ولا
تقبل بها. أكد
التصور
الجديد, الذي
ألمح إليه
أويرباخ,
الاستقلال
الذاتي
للظواهر
المختلفة,
الذي يخصص
كل ظاهرة
ويعطفها على
غيرها, قائلا
بتعددية
الظواهر
والخصائص
والقوانين.
خل ف «الإنسان
اللاهوتي»
المتداعي
وراءه
إنسانا
متعددا ,
وأفضى سقوط «علم
العلوم», أي
التعاليم
الكنسية, إلى
علم بصيغة
الجمع,
وتوزعت صفة
الواقع على
البحر
واليابسة
والمجتمع
وأقاليم
مجهولة قيد
الاكتشاف..
كان على
الإنسان
الجديد أن
يحاكي
رغباته
المتعددة,
وأن يستأنف
عفوية طليقة
أولى,
اختزلتها
القيود إلى
فضيلة
ورذيلة
مجردتين. كتب
إريش
أويرباخ في
كتابه
الشهير «محاكاة»,
متحدثا
عن رابليه
وتكو ن
الرواية: «والحق
أن الثوري في
فكرته لا
يكمن في
مناوأة
المسيحية, بل
في خلخلة
الرؤية
والشعور,
والتفكير
الذي ينجم
عنه عبث
مستمر
بالأشياء,
اللذين
يدعوان
القارئ إلى
الانغماس
المباشر في
العالم وفي
ثراء ظواهره,
وقد رسخ
رابليه قدمه,
بداهة, في
نقطة واحدة,
وذلك بطريقة
مناقضة
للمسيحية من
حيث هي
المبدأ,
فبالقياس
إليه يعد
الإنسان
الذي يتبع
طبيعته, كما
الحياة
الطبيعية,
ظاهرة خير ة,
سواء
بالنسبة
للبشر أم
للأشياء».
عثر رابليه (1494-
1553) على
الطبيعة
الخيرة في
الضحك
المتدفق
وحركات
الجسد
المستريحة,
التي تطرد
اليباس
والتزمت
والتناظر.
واستولد
باختين, وهو
يهجو السلطة
بقراءة
رابليه, من
الضحك
الطليق مبدأ
روائيا , ذلك
أن الضحك
حوار وتعدد
وولادة
متجددة,
بعيدا
عن ترص ن
سلطوي يبشر
بالموت. رأى
الزمن
الحديث إلى
إنسان مكون
من عالم
خارجي واسع
الأرجاء ومن
عالم داخلي
لا يقل
اتساعا ,
واعترف
بمأساة خاصة
به لا تختصر
إلى مآس
سابقة عليه.
فقد قالت
الأزمنة
اللاهوتية,
كما يؤكد
أويرباخ, بـ«مأساة
المسيح»,
التي تضمنت
المآسي
الإنسانية
كلها, مرجعة
الإنسان
وعذاباته
المتعددة
إلى ظل كسيف
لمأساة أولى,
وواضعة
عذابات
البشرية في
مأساة كونية
وحيدة. يعيش
الإنسان, في
هذا التصور,
مأساة غيره
واستغفارا
متواترا
عن إثم لم
يرتكبه,
مقنعا
ذاته بأنه
قاتل محتمل,
وبأن خطيئة
أصلية
متأبدة تحوم
فوقه ولا
تفارقه أبدا
. وعليه, وهو
يراوح في إثم
ورثه, ألا
يرى إلى
جراحه
الخاصة, وأن
يتماهى بـ«الجريح
- الأصل», الذي
أسعفته
السماء. يقول
أنديه مالرو:
«الرواية
الحديثة في
نظري تعبير
عن المأساوي
الإنساني, لا
إيضاح لمعنى
الفرد».
ينطلق القول
من إنسان
اكتفى
بمأساة
مستقلة,
مراجعها
حضارة تقنية
وعقلانية
مجزوءة
ورهبة الموت
التي
يواجهها
الإنسان
وحيدا
بلا معين.
يثبت
الروائي
الفرنسي
مقولة «الفرد
النهضوي»
وينفيها معا
: يثبتها وهو
يتحدث عن
مأساة
دنيوية
بصيغة الجمع,
وينفيها
متخففا
من أنوار
بروميثيوس
ومسحوقا
بظلال
فرانكنشتاين.
إن الفرق بين
التصور
المتفائل
للتقدم, الذي
حول التاريخ
إلى حكاية,
ومنظور
الرواية
الأسيان, زود
الروائي
بشخصيات
خاصمتها
السعادة, مثل
الولد
اللقيط
والقاتل
التائه
والكولونيل
المتداعي..
لم تتكون
الرواية وهي
تواجه مأساة
المسيح
بمأساة
الفرد
المغترب, بل
تكونت وهي
ترى إلى
المأساتين
معا من
وجهة نظر
الإنساني
والدنيوي
والمتحول
والمرغوب,
الذي يقول
بالمتعدد
والحواري,
ويواجه
المرتبية
الصارمة
بالحرية
والمساواة
وبأفق محتمل
يلامس
اليوتوبيا.
ولم يكن
الضحك
الشعبي, الذي
احتفى به
باختين, إلى
تخوم
الإفراط, إلا
مرآة لتلك
الحرية
التاريخية
المشتهاة,
التي تقو ض
المراتب
المتوازنة
وتوزع
المقدس على
الأكوان
جميعا ,
وتعيد تركيب
الحياة كما
يجب أن تكون: «الكرنفال
عيد تمرد
الطبقات
التي أقصيت
عن السلطة»
يقول باختين,
ويقول أيضا : «تميزت
فترة النهضة
(الرينيسانس)
بعامة,
والنهضة
الفرنسية
بخاصة,
بالميدان
الأدبي قبل
أي شيء آخر,
ذلك أن
الثقافة
الشعبية
الساخرة, وفي
أرقى
إمكانياتها,
ارتفعت إلى
مصاف الأدب
الرفيع
وأخصبته».
يحتفي
باختين
بالتمرد
الطبقي على
السلطة,
وبالثقافة
الشعبية
التي تسخر من
الترص ن
السلطوي,
مستنكرا
في
الحالتين, «الأعلى
المتجانس»
القديم,
ومحتفلا
بـ«الأسفل
الشعبي»
المتعدد
الذي لا يعرف
التجهم. لكنه,
وهو يشتق
الأدب
الرفيع من
الثقافة
الشعبية,
يشتق
العلاقتين
معا من
الحرية, أي
من سقوط طبقة
تحر م الضحك
وصعود أخرى
توح د بين
الضحك
والحرية. 2-
الرواية
وتداعي
الأصول: بعد
أن عثر «الإنسان
النهضوي»
على أصله في
ذاته
واستغنى عن
الأصول التي
لا تقبل
بالقياس, جعل
من «الأصل»
سؤالا
مفتوحا
متعدد
الاتجاهات.
ساءل تشارلز
دارون أصل
الإنسان في
كتابه «أصل
الأنواع عن
طريق
الاصطفاء
الطبيعي»- 1859-
واكتشف
قرابة, غيرة
سعيدة, تصل
الإنسان
بالقرد
وتحرم الأول
من «جمال
إلهي». وجاء
بعده من بحث
عن أصل
المعتقدات
الدينية
والسلطات
السياسية
واللغات
الإنسانية,
وعن أصل
السلطة
الطاغية
التي تلتبس
بالعناية
الإلهية.
انطوى البحث,
الذي أرقه
الشك وجافاه
اليقين, على
سؤال معرفي
يعلن أن أصل
المعرفة
يقوم في
العقل الذي
ينكر أسطورة
الأصل, وأن
المعرفة
الحقيقية
تتعي ن
بآفاقها
اللاحقة,
بقدر ما تضمن
سؤالا
اجتماعيا
- سياسيا ,
يلمس
العلاقة بين
المؤسسات -
السياسية
وحاجات
الإنسان
الطبيعية.
اتهم السؤال
الأول
إيمانية
مغلقة, تصادر
الأسئلة
بإجابات
سابقة عليها,
وقرأ الثاني
العلاقة بين
البشر
والسلطات «المكشوفة»
التي
يقترحونها,
بعيدا
عن زمن قدس
السلطات
بأصول
مجهولة,
وأخضع البشر
لسلطات لا
يعرفون
أصولها. عبر
سؤال الأصل
عن إنسان
يعيد اكتشاف
ذاته وهو
يكتشف
تاريخه
المنقضي, وعن
هاجس متعدد
الأطياف
يقول: «يسقط
الطغاة حين
يسأل
الإنسان من
أين جاء
الطغاة»,
بلغة
البولوني ب.
باتشكو, وهو
يسائل روسو
الذي بحث في
أصل المجتمع
واللغة
والتفاوت
الاجتماعي.
ومهما تكن
أطياف
الهاجس,
وتحتضن
المعرفي
والسياسي في
آن, فإن فيه
ما يوقظ
فردية
موؤودة
وعقلا
غافيا , ذلك
أن الحديث عن
الأصل حديث
عن طمأنينة
راكدة يجود
بها أصل مقدس
تعريفا .
وعلى هذا,
فإن
الابتعاد عن
الأصل
ابتعاد عن
اللايقين,
يفر د العقل
ويؤسس
استقلاله,
وابتعاد عن
جمهرة
متجانسة
يمحو في
الإنسان
الكائن الغ ف
ل الذي كانه
ويستنهضه
مفردا
لا يساوي
غيره. انتهى
الفكر
التنويري
الأوروبي,
وهو يدفن
أصلا ويحفر
قبرا لأصل
تال , إلى
الإنسان
المستقل
وسيرورة
التفريد,
وإلى العقل
الجماعي
المتعدد,
الذي لا
تستغرقه
مشيئة مفردة.
نقض
الفكر
التنويري
الأوروبي
الزمن -
الأصل وهو
ينقض سلطة
كنسية
مستبدة,
تلتبس
بالأصل
وتتدثر
بصفاته.
والأصل, كما
أظهر مارسيا
إلياد وهو
يعالج
الأساطير, لا
ي ستنفد ولا
ي ساءل, لازم
الآلهة
وشهدت
الآلهة على
زمنه
السرمدي,
مكتمل لا
يعرف التحو ل,
نهايته في
بدايته
وبدايته
مقدسة
منتصرة. ليس
غريبا إذن, أن
ينتسب رجال
الكنيسة في
العصور
الوسطى إلى
زمن - أصل, وأن
يحافظوا
عليه حفاظا
على
امتيازات
متعددة, وأن
يؤمن رجل
الدين بأنه «حارس
الزمن
الإلهي»,
يفصل بين
أزمنة النور
والأزمنة
الفاسدة, كما
أشار جاك
أتلي في
كتابه «تواريخ
الأزمنة».
ولن تكون
الأزمنة
الفاسدة
المفترضة
إلا تلك التي
تختلس من رجل
الدين هالته
المهيبة,
وتخرج بجديد
يمس مواقعه
ويهدد
سلطاته,
كاختراع
الساعة, على
سبيل المثال,
الذي منع عن «حارس
الزمن
الإلهي»
وظيفته
وأوكلها إلى
قطعة معدنية
سهلة
الاستعمال.
وبسبب مقت
الجديد
وتكفيره,
نظرت
الكنيسة إلى
الآلة
الحديثة
بحفيظة كبرى,
ورفعت في وجه
الزمن
التقني
المتغير
زمنا دينيا يعتصم
بأصل بعيد
متأبد
الثبات. تشكل
«الساعة»,
التي هزمت «حارس
الزمن
الإلهي»
مجاز
الأزمنة
الحديثة:
تقيس زمن
الزيارة
وتحد د الزمن
قيمة
إنتاجية
وتشرح
فاعلية
الإنسان
بالتزامه
الزمني..
أفضى اكتشاف
الزمن
الدقيق إلى
تزيين
الساحات
العامة
والبيوت
ومرافق
السلطة
ومعاصم
الأفراد
بالساعات,
واعتبار
اختراع
الساعة
الحدث
الأبهى في
القرن
السابع عشر
وتحو له إلى
صناعة عامرة
في القرن
الثامن عشر,
حتى صارت دقة
التوقيت
تعبيرا
عن «روح
العصر», كما
تكشف مذكرات
مختلفة تسرد
الوقائع
اليومية
مشفوعة
باليوم
والساعة
والدقيقة..
وتظهر «روح
العصر» في
رواية
روبنسون
كروزو, أول «فردي
عظيم», الذي
قاس مدة
إقامته في
جزيرته
المتخي لة
ووجدها: «ثمانية
وعشرين يوما
». يكشف تحديد
الوقت بدقة
متناهية,
الذي
استعارته
الرواية من
سياقها, عن
إحساس شديد
بالحركة
ووعي
بالتغير
وانشداد إلى
الملاحظة
والاستنتاج..
فالزمن الذي
قضاه كروزو
في جزيرته
المعزولة
يساوي جهده
المبذول في
خلق ذاته
منتجا
مبدعا
يستأنس
الطبيعة
العذراء
ويعيد خلقها
من جديد, كما
لو كان في
فعله الدؤوب
المنظم ساعة
عجيبة أخرى,
تتحرك
منضبطة
وتشرف على
عمل لا يعوزه
الانضباط.
وهكذا انزاح
الإنسان مرة
أخرى عن صورة
الإنسان -
الأصل, الذي
خلقه الله
على صورته,
فبعد أن صيّر
دارون
الإنسان
قردا متطورا
, أدرجه «الزمن
المنتج» في
فضاء الآلة.
ولعل
الانضباط
المنتج, الذي
ي علي من
قيمة
الإنسان
ويهدر كيانه
في آن, هو
الذي أوحى
إلى الفرنسي
«لامتري»
بعمله
المعروف «الإنسان
- الآلهة» - 1747 -
الذي اعتبر
جسد الإنسان
آلة ذاتية
المراقبة
والتنظيم, هي
«صورة حية عن
الحركة
الأبدية».
وكان
الفيلسوف
الإنجليزي
توماس هوبس (1588 -
1679) قد سبق
زميله
الفرنسي إلى
تشبيه أكثر
قسوة, ساوى
بين الإنسان
والأدوات
المنتجة
الأخرى, وبين
قيمة
الإنسان
والمبلغ
الذي يحصل
عليه مقابل
جهد عضلي
معين. صدر
عن علاقات
الزمن
والإنتاج
والآلة زمن
إنساني
مغاير للزمن
الديني, الذي
يعالج
الأرواح
المجردة
بأدوات لا
تقبل
التحديد
والقياس. لم
يعد زمن
الإنسان, وقد
علمن الزمن,
يقاس
بالخطيئة
وانتظار
المغفرة, ولا
بجرس
الكنيسة
ومواقيت
الصلاة, بل
بـ«كم إحصائي»
بارد,
عناوينه
الإنتاج
وأدواته
وسبل تطويره,
حتى بدت
الصناعة
مرآة
للإنسان
وتكثيفا
لـ«أصله»
المبدع. وعن
هذا التحول
صدر «الإنسان
التاريخي»,
الذي استولد
من عمله
أسباب
ارتقائه
واغترابه
معا , وهو ما
أعطاه
لوكاتش
الشاب لاحقا
, وهو يتأمل
معنى
الرواية, صفة
«البطل
الإشكالي»,
الذي يصل إلى
حيث شاء له
الطريق, لا
إلى الموقع
الذي شاء
الوصول إليه.
مسار مسكون
بالمفارقة,
وجهه الأول
ذات مندفعة
بلا حساب إلى
جديد غير
مسبوق, ووجهه
الآخر ذات
متوحدة لا
تستنجد بأحد.
ومن
العنصرين
ينبثق درب
يخادع
السائر فيه,
يشير إلى
اتجاه ويملي
على المغامر
المكتفي
بذاته أن
يسير في
اتجاه نقيض. عكس «البطل الإشكالي», الذي سيطر على رواية القرن التاسع عشر وروايات أخرى, تحولات المجتمع الصناعي, التي زامنتها ثورة علمية, تفتت الكلي وتولد المجزوء وتزلزل اليقين. كأن في الجديد الذي يثير الانبهار سلبا متجددا يثير القلق. فبعد أن اخترع الإنسان آلة تضاعف الإنتاج تحو ل بدوره إلى آلة منتجة, وبعد أن أنسن الطبيعة ورأى فيها امتدادا غنائيا له هاجس باغتصابها وقتلها. وواقع الأمر, أن الرواية أدرجت في خطابها كل ما وقعت إليه, جاء من فضاء الفلسفة والسياسة, أم أتى من الكتب العلمية ودفاتر المغامرات. ولهذا وضع بلزاك اسمه إلى جانب نابليون وغيره من قادة العصر, وعي ن ذاته «سكرتيرا للتاريخ», مساويا بين الروائي والإمبراطور. كما انبهر إميل زولا, الذي حاول «الرواية التجريبية», بالتوثيق المعرفي وطبق معطيات المعرفة على الشروط الاجتماعية, التي تسجلها الرواية. كان الروائي, في الحالين, مأخوذا بالخلق والاكتشاف وتوليد الجديد, يهيمن على مخلوقاته المتخي لة وينصب ذاته مرجعا لأكوان لا متناهية. واتكاء على الخلق الروائي, تطلع فيلدينغ إلى »فضح أسرار ثورات مختلف البلدان», وسعت رواية بلزاك إلى «منافسة المجتمع المدني», كما قال الروائي في جملة ومضية, أي إلى وضع المجتمع الفرنسي كله في برنامج روائي, قوامه طائفة واسعة من الشخصيات تمثل الزمن الحديث في طبقاته وأخلاقه وطبائعه. كأن «سكرتير التاريخ» أراد أن يخلق المجتمع الفرنسي مرة أخرى بمواد روائية, تدقق «الخلق الأول» وتفصل فيه بين الصحيح والخطأ. مشروع غريب, ينافس فيه الروائي عالم الاجتماع ويصح ح بعض معارف المؤرخ ويتعلم من عالم النفس ويعل مه ثم يقف فوق الجميع خالقا , لا يحاكي أحدا . وسواء وض | |||||