|
|||||
|
يمثل
مبدأ
الدعاية كما
يحدده
هابرماز في
اطار
اشكاليته
النظرية
وتحديدا في
كتابه «الميدان
العام» مبدأ
أساسيا
وفعالا
تستند إليه
الدولة
البورجوازية
المعاصرة
ومؤسساتها
البيروقراطية
لبسط نفوذها,
وتمرير
أفكارها
المتضمنة في
العملية
الدعائية
بمستوياتها
وتراتباتها
المتباينة. وهذا
ما أفصح عنه
هابرماز في
التمهيد
الخاص
بكتابه «الميدان
العام» حيث
يقول: «إن
مهمة
الدراسة
الحالية هي
تحليل
الأنموذج
المتعلق
بالميدان
العام
البرجوازي,
وعليه فان
الصعوبات
المتعلقة
بهذا البحث
تملي علينا
الخيار
المنهجي
الكفيل
بإنجازه على
الوجه
الأكمل, ذلك
ان تعقد
موضوع البحث
يحتم علينا
اللجوء إلى
اجراءات
منهجية
نوعية لا
تتعلق بتخصص
واحد فقط,
بمعنى آخر
تجاوز ذلك
الحقل
التقليدي
الذي هو
السياسة (...), في
حين أن
الخصوصية
الأخرى
لمنهجيتنا
تتأتى من
التزامنا
بضرورة
اتباع مسعى
مزدوج
سوسيولوجي
وتاريخي في
آن واحد».(1) على
أن أهم ما
يصدمنا في
هذه الدراسة
هو ذلك
التشريح
البنيوي
الموغل في
الدقة
والثراء لما
يسميه «المجال
البورجوازي
العام» من
خلال تقصيه
لحقيقة هذا
المفهوم في
مستوى البنى
الاجتماعية
المشكلة له,
والوظائف
السياسية
المتمفصلة
حوله,
والتحولات
والتطورات
الواقعة في
المستوى
الوظيفي, ومع
ان هابرماز
يستنجد
منهجيا
بطريقة
العرض
التاريخي
التقليدية
في تحديد
الأطر
النظرية, إلا
أنه يضمنها
روحا نقية
ثاقبة تضع
التراث
السياسي
والمعرفي
والتاريخي
الغربي على
محك النقد
والتحليل,
وتعيد أشكلة
القضايا
الأساسية
المتحكمة
فيه, إذ ومنذ
الصفحات
الأولى
للكتاب,
يحاول
الإمساك
بالخيوط
الأولية
لرصد حركية
اتساع هيمنة
المؤسسات في
الميدان
العام, وذلك
بمتابعة
تطورها
المتدرج عبر
الحقب
التاريخية
المختلفة,
وبمحاولة
التوغل
الخفي داخل
الكتلة
التاريخية
الضخمة
لمنظومة
الدعاية
والاعلام,
ودراسة
المنهجية
الأداتية (أو
الادواتية)
التي
تستخدمها
المؤسسات
البرجوازية
للسيطرة على
الرأي العام
وتجييره. هذه
النقطة
بالذات
تعيدنا إلى
تراث
المدرسة (مدرسة
فرنكفورت) من
خلال أحد
أبرز
ممثليها وهو
هربرت
ماركيوز(*)
الذي يعد
كتابه الهام
«الانسان ذو
البعد
الواحد»
محاولة
فريدة من
نوعها حول
أيديولوجيا
المجتمع
الصناعي
الاكثر
تقدما وهذا
ما يظهر في
قوله: «لقد
حللت في هذا
الكتاب بعض
نزعات
الرأسمالية
الأمريكية
التي أدت الى
مجتمع مغلق,
مغلق لأنه
يتحكم في كل
أبعاد
الوجود
الخاص
والعام
ويختزنها,
ينتج عن هذا
المجتمع
نتيجتان
لهما أهمية
قصوى: 1
- ادماج
القوى
والمصالح
المتعارضة
في نسق كانت
تتعارض معه
في المراحل
السابقة
للرأسمالية. 2
- ادارة
الغرائز
الإنسانية
وتعبئتها
منهجيا,
الشيء الذي
يسهل معه
تسيير
العناصر
المتفجرة في
اللاشعور
والمضادة
للمجتمع
تسييرا
اجتماعيا.(2) إن
أصالة
مجتمعنا كما
يحددها
ماركيوز
تكمن في
استخدام
التقنية عوض
الإرهاب
للحصول على
تماسك القوى
الاجتماعية
في حركة
مزدوجة:
الوظيفية
الطاغية من
جهة, والتحسن
المتزايد
لمستوى
الحياة من
جهة أخرى,
فالتقدم
التقني في
المجتمعات
المعاصرة
عزز السيطرة
المفروضة
على الأفراد
والعمال
تحديدا, إذ
ونتيجة
الضغط
الممارس على
هذه الطبقة,
بدأ موقفها
يتراخى ولم
تعد تمثل ذلك
النقيض الحي
للمجتمع
الصناعي
القائم, هذا
المجتمع
الذي تطبعه
عقلنة
ووظيفية
مدهشة تخفي
لا عقلانيته
الكامنة في
أعماق نسقه
التقني, لأن
التقنية
تسعى إلى خلق
إنسان من نوع
خاص أحادي
الفكر
والسلوك هو «إنسان
البعد
الواحد»
إنسان يمثل
الاستهلاك
الاستفزازي
حده الأقصى,
بل انه يصير
مسألة
أنطولوجية
يتحدد وجوده
بمقتضاها «أنا
أستهلك اذن
أنا موجود»,
أما اللحظة
الفاصلة في
تحديد نمط
الاستهلاك
المفترض فهو:
الدعاية,
إنها الآلة
التي تعمل
على خلق
حاجات جديدة
مزيفة لدى
الافراد
لتربطهم
ربطا غريزيا
بالنظام, إذ
كلما ازدادت
الوفرة
الانتاجية
وارتفعت
معدلات
الأرباح,
وتوسعت
الصناعة
زادت الحالة
الانسانية
للفرد سوءا,
وأرجئت
آماله
وطموحاته
التحررية
إلى أجل غير
مسمى, وعليه
فإننا نكون
واهمين إذا
ما تبادر الى
أذهاننا أن
هناك حرية
فكرية
حقيقية في
المجتمعات
المتقدمة
صناعيا,
فالدعاية
دخلت أكثر
المجالات
حميمية لدى
الانسان, وهو
مجال
الغرائز
ونظمتها
تنظيما
نسقيا
يتماشى
وطابع
الاستهلاك
الرأسمالي,
فعوض ما
يسميه
ماركيوز
الارتواء
الجنسي
الطبيعي, حيث
تستعيد
الغرائز
عراقتها
وحميمتها,
ظهرت صناعة
تهتم بالجنس
وبتجارة
الجسد في
طابعها
الأكثر
بهيمية مع
الإبقاء على
الفهم
الأولي
للانسان, وهو
ما يسميه «مبدأ
فائض الكبت»,
لذا فعلينا
أن نحرز
الايروس من
سلطة مبدأ
الواقع.(3) لقد
نظر ماركيوز-
ومجمل
فلاسفة
المدرسة- إلى
المجتمع
الصناعي
نظرة فيها
الكثير من
نبض الحياة,
وبنى رفضه
لهذا
المجتمع على
أساس من
التحليل
لبنيته
العامة حيث
أسهم بقسط
وافر في
إظهار
الطابع
التحكمي في
النظام
المعاصر.
والأمريكي
تحديدا, فقد
وجد نفسه وهو
المتشبه
بالقيم
الأوروبية
العتيدة حول
الحرية
والعدالة
والمساواة
يعيش ضمن
حضارة غريبة
عنه يخضع
فيها كل شيء
لقانون
الربح
والمنفعة,
ويتعامل
الناس فيما
بينهم
بصرامة
ادارية
خارقة, وكان
طبيعيا ان
يكون رد فعله
عنيفا أيضا,
وأن يشعر
بأنه خارج
هذا النظام
اللاإنساني,
وهو الشعور
نفسه الذي
يجعله يحس
بأنه فيلسوف
أولئك الذين
لم يعودوا
يحسون بأية
صلة
بالمجتمع
الذي يعيشون
فيه, والذي
يراقبهم
ويحاصرهم
بشدة مثل
الطلبة
والاعراق
المختلفة
والحركات
النسوية...
الخ. فالأصل
في التحرر
والثورة
والتغيير
طبعا في
تصوره هو
إنما يكمن في
هذه الفئات
الجديدة
التي لا أمل
لها على حد
تعبير والتر
بنيامين
الذي ذكره
ماركيوز في
نهاية كتابه
«الانسان ذو
البعد
الواحد»: «بفضل
أولئك الذين
لا أمل لهم
يأتينا
الأمل». أما
العمال وهم
أداة
التغيير
التقليدية
في منظور
الماركسية,
فقد انضووا
ضمن حركية
الانتاج
الرأسمالي
وكفوا عن أن
يكونوا أداة
للثورة
والتغيير. وتبقى
سنة 1968 من أهم
اللحظات
وأكثرها
دلالة في
حياة
ماركيوز
الفكرية, فقد
وجد أن
أفكاره حول
الرفض- حتى
أن فلسفته
تسمى فلسفة
الرفض
الكبير-
والثورة قد
وجدت لها صدى
واسعا في
أوساط
الطلبة
المنتفضين
في أوروبا, -
وفرنسا
بالخصوص- في
مايو من
السنة نفسها
وحينها صرح
أنه قد اكتشف
ذاته من جديد. بعد
هذا
الاستطراد
المدعم نعود
الى منطلقنا
الأولي
المتعلق
بهابرماز
وبموقفه من
الدعاية وما
تطرحه من
صورة قاتمة
لمستقبل
الانسان, فقد
تجذرت هذه
الدعاية في
وعينا وصارت
تتحكم في
لاشعورنا
حتى أصبح
وجوده ذاته
محض دعاية او
بحاجة
للارتباط
بالدعاية
ليحدد وعيه
لوجوده. إن «الميدان
العام»
دراسة تسعى
جاهدة لفحص
بنية
الأنموذج
الليبرالي
البرجوازي,
وتحليل
طريقة ظهوره
وتحولاته,
كما أنها
تتعلق أيضا
باظهار
خصائص شكل
تاريخي محدد
بقي مغمورا
في خضم
التطورات
وضروب
التواصل
المختلفة,
ذلك أن
الكتاب يسعى
ومنذ
البداية الى
جعل القارئ
المعاصر
يمتلك فسحة
تأملية
تجعله في
مقابل واقعه
المستلب,
يتحمله
ويحلله بغية
تفنيده
والكشف عن
الشبكة
الكثيفة
والمعقدة من
الهيمنة
الرسمية,
المؤسساتية
التي تهدد
مساره
التاريخي
وتتحكم فيه,
ثم يطبع
الكثافة
المطردة
لهذه
الهيمنة
وتطورها عبر
المراحل
الزمنية
المختلفة في
تمازجها مع
التطور
العلمي
والتقني
الذي توظفه
في سبيل
تعميق
نفوذها
وهيمنتها
وسيطرتها
على الأفراد
وتجذير
القمع
النفسي ضدهم. و؛الميدان
العام»
المتمفصل
حول ما يسميه
هابرماز «المجال
البرجوازي
العام» في
تشكلاته
المتعددة
ومفاهيمه
المتنوعة,
بحيث يتداخل
فيه التأمل
الفلسفي
المجرد مع
التحليل
السوسيولوجي
النظري منه
او التجريبي,
بل ان القارئ
غير المتمرس
ليكتشف
هابرماز
السوسيولوجي
التجريبي
قبل ان يكتشف
هابرماز
الفيلسوف
النقدي, ذلك
انه دشن
منهجا جديدا
يتمثل في
ايجاد
تلامسات
وتقاربات
مبنية على
أسس جديدة
بين الفلسفة
والعلوم
الاجتماعية,
وخاصة
السوسيولوجيا
والعلوم
السياسية
والاقتصادية,
والتاريخ
الاجتماعي
وتاريخي
الايديولوجيات
على خلفية
الأدوار
الهامة التي
لعبتها هذه
الاخيرة في
المجتمعات
المعاصرة,
وفي هذا
المعنى يقول
هابرماز: «هناك
خاصية أخرى
تميز منهجنا
مصدرها
التزامنا
باقرار مسعى
مزدوج:
سوسيولوجي
من جهة
وتاريخي من
جهة ثانية,
في حين أننا
نأخذ ما
نسميه «المجال
البرجوازي
العام»
بمعنى
المقولة
التي تميز
مرحلة محددة
بحيث يصير من
الصعب
انتزاعها
من ثنايا
التاريخ
الفردي الذي
سمح بظهور «المجتمع
المدني» في
أواخر العصر
الوسيط,
وليجعل
المثال-
الانموذج-
الشمولي
والقابل
للتطبيق على
حقائق
تاريخية
متنوعة
ولكنها
متشابهة
صوريا معه». هذا
من الناحية
المنهجية,
أما من
الناحية
الفلسفية
البحتة, وان
كانت في كثير
من الأحيان
خفية
Sous- Jacente فإن
المنظور
الفلسفي
الاساسي
الذي يطبع «الميدان
العام» فهو
ضرورة
العودة, بكل
قوة الى
تنشيط فكرة
كانط حول
نظرية
المعرفة
التي تستند
الى النقد
باعتباره
الضمانة
الكافية
للوصول الى
المعرفة
الحقيقية
فيما بعد,
بيد أن
العودة إلى
أوليات
النقد لم تكن
خاصية
هابرماز
وحده, بل ان
هيجل نفسه
شيد جزءا
هاما من
مشروعه
الجدلي
الكبير في «فينومنولوجيا
الروح» الذي
يعد بمثابة
المدخل الى
مذهبه
الفلسفي ككل
على النقد,
فهو يتجلى في
قوله بهوية
الانطولوجيا
والمنطق
ونظرية
المعرفة,
وبنقده
العميق
للتعارض
الميتافيزيقي
التقليدي
بينهما,
وكمحصلة
لذلك نجد
هيجل يربط
نسق
المقولات
الانطولوجية
والمعرفية
والمنطقية,
فقد ألغى في
خطوة نقدية
جريئة الهوة
الموجودة
بين قوانين
العالم
الموضوعي
وقوانين
الفكر, فقد
كانت
الانطولوجيا
تدرس
الطبيعة
النهائية
للوجود بما
هو كذلك, أي
أنها تدرس
ماهيات
ابدية مجردة
لا تتحول
وترتكز الى
مبادئ مطلقة
لا يلحقها
تبديل او
تغير, وذلك
في انعزال
كامل عن
عملية
المعرفة
الانشائية,
أما نظرية
المعرفة
فكانت
مهمتها
تتلخص في
دراسة
القدرات
المعرفية
الذاتية
للذهن
الانساني في
استقلال عن
القوانين
الموضوعة, في
حين ان
المنطلق ظل
ولقرون
طويلة يصف
صورا ذاتية
للفكر مجردة
من المحتوى. ويتلخص
الاسهام
النقدي
العقلي
الهيجلي في
ابرازه
لحقيقة على
درجة قصوى من
الأهمية وهي
أن
التعيينات
الانطولوجية
للواقع, أي
المقولات
التي تصنف
الواقع
باعتباره
كلا, وحركته
وتطوره ليست
مبادئ جاهزة
نهائية بل هي
معرفة
تتماشى
وتطور
العالم,
معرفة هي في
حد ذاتها
عملية
تاريخية
ومقولاتها
لا تشير فقط
الى النشاط
المعرفي
للذات
الانسانية,
بل تشير أيضا
الى الوجود
الموضوعي,
فنظرية
المعرفة وما
يتفرع عنها
من مقولات
نظرية تصف
موضوع
المعرفة
ولكنها ليست
تسجيلا او
استنساخا
ساذجا له,
بالإضافة
الى هذا فقد
تناول هيجل
كل مقولة
تبعا
لموقعها
داخل عملية
المعرفة وفي
علاقتها مع
المقولات
الاخرى,
وعليه فان
هوية الوجود
والفكر ليست
هوية مباشرة
لا تعرف
تمايزا. و؛المطلق»
حسبه هو
الوجود
الواقعي بما
فيه من روح
لا متناه, او
مثال, أو عقل
كلي, أو مبدأ
خالق منظم,
وان الطبيعة
والفكر
حالان له,
يظهر الفكر
في وقت ما من
أوقات تطور
الطبيعة,
ولأجل فهم
الوجود في
مبدئه
وتسلسل
مظاهره
ينبغي اتباع
منهج منطقي
يبين هذا
التسلسل
ابتداء من
اصل واحد,
وهو «القضية
ينقلب الى
نقيضه ثم
يأتلف مع هذا
النقيض,
ويتكرر هذا
التطور
الثلاثي ما
شاءت مظاهر
الوجود,
بمعنى آخر
انه يجب ترك
العقل يجري
على سليقته,
وذلك
انطلاقا من
أول المعاني
وابسطها وهو
معنى الوجود,
وباستنباط
المعاني
الأولية
وبالاثبات
والنفي
والجمع
بينهما وهي
مشهورة
ومعروفة
أفاض أرسطو
في شرحها
وتتعلق
بالوجود
ولواحقه
وبالمقولات.
وهكذا بعد أن
يباين الروح
المطلق نفسه
تظهر
الطبيعة وهي
مظهره
الخارجي
الذي يعارضه
وينافيه,
وبعد ان
يعارض الروح
المطلق نفسه
بالطبيعة
يميل ضرورة
الى التغلب
على هذا
التعارض,
وذلك بأن
يستعيد
علاقته
بنفسه عن
طريق معرفته
بها ودائما
حسب تقسيمه
الثلاثي
سابق الذكر. إن
الهدف من هذه
الاحالة ليس
تحليل
المشروع
الهيجلي,
فهذه مهمة
أصعب من ان
نحيط بها هنا,
وإنما اظهار
الطابع
النقدي
الخصب الذي
انبنى عليه
الجدل من حيث
إنه سعى
حثيثا لبلوغ
الحقيقة عن
طريق
المعاناة
العقلية في
اسمى صورها
المجردة, وقد
كان كانط
سباقا الى
استخدام
المنهج
النقدي(*)
استخداما
شاملا, وقبل
هذا وذاك فقد
انصب اهتمام
هابرماز على
توضيح النقد
الذي وجهه
ماركس
للايديولوجيا
بحيث يتشكل
الاطار
النظري
العام
للكتاب من «فينومنولوجيا
الروح»
والنقد
الماركسي,
وكلاهما يقف
على أرضية
مشتركة
واحدة هي
التاريخ
الاجتماعي
للشعوب
الاوروبية
والتغيرات
الحاصلة
داخل
ميدانها
البرجوازي
العام, كما
انه ومن خلال
استقرائه
للحركية
الزمنية
للتاريخ
يقوم بانشاء
نمط من
فينومنولوجيا
الوعي
وتحديد
موقعه داخل
النطاق
الدعائي
الاعلامي
الاوروبي
وتحديدا في
فترة الصمود
التدريجي
للطبقة
البرجوازية
بمفاهيمها
النظرية (الفلسفية),
وبقناعتها
الاقتصادية,
وبنظرتها
الى الحياة
بصورة
اجمالية, وقد
كان ذلك في
نهاية القرن
السابع عشر
في بريطانيا,
وفي نهاية
القرن
الثامن عشر
في فرنسا على
اعتبار أن
وتيرة
التقدم
الصناعي
والاجتماعي
انما انطلقت
بشكلها
الحاسم من
بريطانيا.
هذه الطبقة
ومع مرور
الوقت بدأت
تكتسب وعيها
بنفسها
وبخصوصياتها
فشرعت في شق
استقلالها
تجاه السلطة
(المتوزعة
عبر تاريخها
الطويل),
وذلك عن طريق
تأسيسها
لقواعد
الحوار
والمناقشات
العامة
والحرة, ثم
انتقلت
لممارسة فعل
المناقشة
وفق طريقة
نقدية,
وعندما
انبثق مبدأ
الحوار
المفتوح بدأ
المجال
البرجوازي
العام
بالتمركز في
بداية الامر
في
الصالونات
التي
تمتلكها
شخصيات
بارزة في
المجتمع, ثم
انتشرت
بسرعة في
المقاهي
والمنتديات
الثقافية
المختلفة,
الى أن تجسدت
في النهاية
فيما يمكن
تسميته «الدولة
الدستورية»
بمنظوماتها
الانتخابية
البرلمانية.(4) إن
النشاط الذي
تمارسه
الهيمنة
البرجوازية
داخل النسق
التاريخي
الاوروبي
مقترن الى حد
بعيد
بفعالية
واضحة في
التفكير
والتواصل
المرتبطين
بدورهما
بمنطق
الانتاج
والطور
الصناعيين
وصيرورة كل
من القوى
المنتجة
والطابع
التقني
لوسائل
الانتاج, لذا
حاول
هابرماز ان
يبرز اغتراب
الوعي
الجماعي
داخل منظومة
الدعاية
الغربية وفق
منهجية
مستلهمة من
كتاب «فينومنولوجيا
الروح»
لهيجل من جهة,
والتفكيك
البنيوي
والتوفيقية
الواضحة
للفكر
السياسي
والمشروعي
للسلطة وفق
منهجية
مستلهمة من
النقد
الماركسي
للايديولوجيا
من جهة ثانية,
كما لجأ
هابرماز الى
تحليل ظاهرة
ارتباط
أنموذج
الميدان
العام بحركة
الديمقراطيات
التحررية, ثم
تدرج في
تحليله
باستقصائه
أسس البحث
التاريخي
للنظر في
صعود
الديمقراطيات
الجماهيرية
او
الديمقراطيات
الشعبية
بتعبير آخر,
لكن الوصول
الى المرحلة
الدستورية
لم يكن أمرا
سهلا, فهو
حصيلة تطور
تاريخي صعب
ومتقلب مرت
به الطبقة
البرجوازية,
ومر به مفهوم
الميدان
العام نفسه
او مجاله
الواقعي
المنضوي
داخل
المجتمعات
الاوروبية,
وقد قام
هابرماز
برصد
جنيالوجي
لطبيعة
العلاقة بين
الوعي
الجماعي
ووسائل
الاعلام
والدعاية
منذ نشوئها
وحتى الوقت
الحاضر, هذا
الرصد تميز
باستخدامه
لمنهج فلسفي
سوسيولوجي
في بحثه لهذه
الظاهرة, فقد
انطلق في
البداية من
اولية
مفهومية
لمفردتي «عام»
و؛خاص» من
خلال تتبع
مسيرتهما
منذ
الحقبتين
الحضاريتين
اليونانية
والرومانية
متناولا في
ذاته ما طرأ
عليهما من
تحولات
وصولا الى
المرحلة
الحديثة. فما
هو يا ترى
مفهوم
الميدان
العام عند
هابرماز, إذن? 1
- مفهوم
الميدان
العام إن
ما يسمى «الميدان
العام» عند
هابرماز
يحمل معاني
متعددة,وذلك
حسب تعاملنا
معه بوصفه
جهدا نقديا (أو
منظومة
نقدية)
مبذولا
لمواجهة
الدعاية
المفروضة,
والتي تستمد
قوتها
وهيمنتها من
قوة السلطة
السياسية
والاجتماعية
ذاتها(5), ذلك
ان الدعاية
إذا ما نظرنا
اليها نظرة
فينومنولجية
حيث يكون كل
شعور هو شعور
بشيء ما ليست
وعاء فارغا
ولكنها
محملة بقيم
المجتمع
الذي ينتجها
وبقناعاته
وبنظرته الى
الحياة في
صورتها
التكاملية,
فالمنتجات
المادية
والسياسية
والاقتصادية
مجتمعة تصب
في هذا
الوعاء
المفرد الذي
هو الدعاية,
ومنه يصير
تجليا
للتوافق
الاجتماعي-
السياسي
حينا
وتعبيرا عن
الصراع
أحيانا أخرى.
وما هو «عام»
أيضا يرتبط
ارتباطا
عضويا
بالمجالات
الاجتماعية
المعاشة
يوميا, أي
بطبيعة حياة
المدينة او
الريف, وما
الوسائل
الانتاجية
وتطورها
المقترن
بارتفاع
الكفاءة
التقنية
لطرق
الاتصال
والعلاقات
بين الافراد
والمجتمعات
كما يرتبط
بالصيرورة
التصاعدية
للفعالية
التجارية,
وللاتساع
الحاصل داخل
النشاط
المصرفي
الذي يدرسه
هابرماز
باهتمام
كبير نظرا
لتأثيراته
الهامة في
الحياة
المعاصرة,
ومع ان
هابرماز
يميز بين
نوعين من
الدعاية, أو
على الاصح
بين بعدين
للدعاية: بعد
عام وبعد غير
عام, إلا
أنهما
يلتقيان في
أنهما
موجهان
لجمهور متلق,
وانهما
يشكلان
الحقيقة
المعقدة
والباطنة
للدعاية
بوصفها
عنصرا
أساسيا من
عناصر
ممارسة
السلطة في
المجتمعات
المعاصرة,
وأداة فعالة
لاحداث
التوازنات
الاجتماعية,
فالدعاية
صارت واقعا
ينبغي
التعاطي معه
كما هو الشأن
بالنسبة
لمكونات
المجال
العام الآخر,
وفي هذا
الاطار
بوسعنا أن
نميز مسعيين
اثنين
يلخصان باقي
المساعي
الاخرى
حسبما يرى
هابرماز: أ
- المسعى
الاول: يقودنا
الى الحديث
عن مواقف
الليبرالية
حيث نجد أن
هابرماز «يود
الابقاء على
التواصل مع
حلقة صغيرة
من الممثلين
المشكلين
للرأي العام,
والمحترمين
لمبدأ
الدعاية
وذلك في نطاق
مجال عام
مفكك, وبمعنى
آخر الابقاء
على جمهور
يستخدم
العقل في
معناه
الاوسع بغرض
الاحتفاء به».(6)
فقد صار
ساريا
الاقرار
بصعوبة
تشكيل رأي
عام انطلاقا
من الاعتماد
على العامة
فقط, او على
أفكار غامضة
على وجهات
نظر مبسطة-
ان لم نقل
سوقية- كما
هو الشأن
بالنسبة
لتلك
المتداولة
في وسائل
الاعلام
واسعة
الانتشار,
ولكن ابتداء
من الحوار او
النقاش
العقلي بين
التيارات
الفكرية
المختلفة
المتفاعلة
مع المجتمع
البرجوازي: انطلاقا
من هذه
المعاينة
يصير من
الضروري
الاشارة الى
أنه صار من
المستحيل
بعث مؤسسات
مهمتها
الاساسية
العمل على
احترام
وجهات النظر
المتبناة من
قبل نخبة من
المواطنين
العارفين (أي
الأكثر
تزودا
بالمعلومات)
والاكثر
تأهيلا
بذكائهم
وبأخلاقياتهم
أيضا, كما
انه ومن خلال
التأمل في
الخاصيتين
المشكلتين
للمجال
العام وهما
العقلانية
والشمولية
نجد أنفسنا
مضطرين
للتضحية
بالخاصية
الثانية
للابقاء على
الأولى
وتطويرها
بحيث تصبح
النعوت او
الاوصاف
الشخصية (مثل
الثقافة
والنظافة)
التي
بموجبها
يمكنها
الولوج الى
مجال
التبادل
والعمل
مستقلة تمام
الاستقلال
عن هذا
المجال, وذلك
تماشيا مع
قناعتنا
التي ترى انه
وما دام ليس
في إمكان
الجميع
الوصول إلى
الدعاية
وتوظيفها
توظيفا يغلب
عليه الطابع
النفعي ان صح
التعبر, فانه
من السابق
لأوانه في
هذا السياق
الدلالي عن
تعريف
سوسيولوجي
محدد ومضبوط
لهذا
المفهوم
المفتوح على
كل
الاحتمالات
الذي هو «الدعاية». ب
- المسعى
الثاني ويؤدي
الى «بعث
تصور عن
الرأي العام
تستبعد فيه
بعض
المقاييس
الاساسية
مثل
العقلانية
والطابع
التمثيلي
استبعادا
لصالح
المقاييس
المؤسساتية».(7),
بحيث يصير في
امكاننا
الوصول الى
تقصي توجهات
الرأي العام
من خلال
النظر في
تركيبة
البرلمان
السياسية
الذي يفرض
فيه اختزال
الارادة
الجماعية
الحرة
والمعبرة عن
انشغالات
المشكلين
للرأي العام,
حتى ليصير
هذا الرأي
كالملك في
بريطانيا:
يملك ولا
يحكم. ومع ان
هابرماز لا
يهمل أهمية
الحكومة
باعتبارها
عاملا
ايجابيا في
تحقيق مطالب
الرأي العام
قدر الامكان,
إلا أنه يولي
الاهتمام
الأكبر في
هذا المجال
الى الأحزاب
السياسية
حاكمة او
معارضة,
فإرادة
الأحزاب من
إرادة
المواطنين
الذين صوتوا
لصالحهم
والتزموا
ببرامجهم,
وعليه فان
امتلاك
أحدهم
للاغلبية
البرلمانية
يعني أنه صار
الأكثر
تمثيلا
للرأي العام
(اجتماعيا
وسياسيا),
وحجته في ذلك
هو أن الرأي «غير
العام» لا
يصير «عاما»
إلا إذا تمت
صياغته او
قولبته في
اطار حزبي
منظم, خاصة
وان الدولة
الغربية
الحديثة
تضمن هذا
الاطار
وتشجع على
العمل ضمنه,
حتى وإن كانت
لها أهداف
خفية أخرى
تدفعها الى
فعل ذلك.(8)
هذان
التصوران
يأخذان في
حسبانهما
المسألة
التالية,
ومفادها انه
في مسار
تكوين
الارادة من
جهة, والرأي
العام من جهة
ثانية, كما
يتم تمثلهما
في
ديمقراطية
موسعة (جماهيرية),
فإن ما يسمى «إرادة
الشعب» لا
يصير في
مقدورها
تحمل أي دور
سياسي, أو
ممارسة أية
فعالية
سياسية مهما
تكن أهمية
هذا الدور أو
وجهة هذه
الممارسة,
إلا إذا لجأت
الى
الاستعانة ب-؛وساطة»
المنظمات
التي تدور في
فلكها بغرض
الحفاظ على
مصداقيتها
ونجاعتها,
لكن وعلى
الرغم من
استخدام
هابرماز
لمصطلح «الوساطة»,
هذا, إلا أنه
لم يبين لنا
بطريقة
واضحة هل ان
مصطلح «وساطة»
يعني
الوساطة في
شكلها
المبسط, أين
تلجأ هذه
المنظمات
الى تبني
ميول ونوازع
العامة (الجماهير)
عندما
يعوزها
الوصول الى
استشراف
حقيقتها ومن
ثم صياغتها,
أم أن الأمر
يتعلق فقط
باختزال
الوساطة الى
مجرد تهليل
شعبي برأي
عام هو في
حقيقته قادر
على تجسيد
فعالية
اجتماعية
حتى ولو كان
ذلك على نطاق
ضيق? أما
بالنسبة
للأيديولوجيا
الليبرالية
السائدة منذ
أواسط القرن
التاسع عشر,
فان موضوع «الرأي
العام»
موضوع إشكال
في نظرها منذ
البداية,
لكنها
وانطلاقا من
عام 5781 صارت
تنظر الى هذا
الرأي بوصفه
بعدا يتضمن
قدرا كبيرا
من الغموض.(9) ومع تتابع اسهامات علماء الاجتماع الألمان المعاصرين تعددت تعريفات الرأي العام وتطورت النظرة إليه, فهذا «فون هولتزر ندورف» (F.Von Holtzendorf) يرى أن مفهوم الرأي العام صار شعارا يستخدم بكثرة لتضليل العامة (الجماهير) وابعادها عن التفكير الجدي في وضعها, وكذا منع الأفراد من ممارسة حريتهم الشخصية, وبالتالي الانسلاخ عن الوضع العام الذي قد لا يكون في ص | |||||