|
|||||
|
في
(رسائل الى
شاعر شاب)
يعلن ريلكه
تحفظه
وريبته من
النقد
الأدبي, أي
الكلام
الدائر حول
النص: «النوايا
النقدية
بعيدة عني,
كلمات النقد
لا تمس الا
قليلا الأثر
الادبي: انها
توصل دوما
تقريبا الى
سوء تفاهمات»(1)
عندما يقرأ
المرء هذا
الاحتراس
سيحترس
بدوره, بل
يتخوف, عند
الحديث عن
ريلكه نفسه.
فان الخشية
من الكلام
الذي يصف
نوعا آخر من
الكلام, وهو
جوهر فكرة
ريلكه هنا,
يمكن ان تعمم
لتصير سؤالا
عن قدرة
الكلام
عموما على
الوصف
الموضوعي,
وعلى وصف
الشعر وتلمس
مواطنه
الأكثر سرية
أي الأهم.
إننا نتساءل
الآن مثل
ريلكه عن
القدرة
الفعلية
التي
يمتلكها
الكلام, خاصة
ذاك الكلام
المار الينا
عبر وساطات,
خاصة وساطة
الكتابة
بلغة أخرى
غير اللغة
الأم? سنقول
فورا ان
بحثنا
الحالي
يتعلق بجانب
صغير من نص
ريلكه
الشعري وهو
ذاك المكتوب
مباشرة
باللغة
الفرنسية
الذي
ترجمناه الى
اللغة
العربية. كيف
يمكن لمن لا
يعرف
الألمانية
أن يحيط
بعوالم هذا
الشعر حتى لو
زعم, مثل
العربي, بان
علاقته
بالشعر تحدد,
من بين جميع
ضروب
الثقافة
الأخرى,
كينونته
الداخلية,
وانه لهذا
السبب, يمكن
أن يتكلم عن
شعر شاعر مثل
ريلكه بثقة
وانصاف. هل
نحب ريلكه
بسبب أن النص
العظيم
يتخطى حاجز
اللغة? هل
ثمة تقاليد
داخلية
arriere pays في
الشعر
تتجاوز
اللغات,
وتسمح
بتفاهم مثل
تفاهم
الطيور
المهاجرة
الملتقية
بأصنافها في
قارة أخرى
اثناء
انتقالاتها
الموسمية?
هذه الأسئلة,
وما يجاورها
ويحيط بها,
تثيرها في
النهاية
قراءة
الشاعر بلغة
أخرى أو
مشكلة
الكتابة
بلغة أجنبية
وهو, كما
نعلم, ما
حاوله ريلكه.
فلنتوقف في
البدء أمام
هذه النقطة. ولادة
شعر ريلكه
باللغة
الفرنسية: لا
تبدو
الكتابة
بلغة أخرى
بالنسبة
لهذا الشاعر
الألماني,
ويا للعجب,
شيئا خارقا
للعادة, حتى
انه قد كتب
قصيدتين
اثنتين في
اللغة
الايطالية
وقصيدة
بالروسية.(2)
غير ان ما
يلاحظ بيسر
هو أن قصائده
الفرنسية
تتجاوز مجال
المحاولة
وحقل الطرفة,
وتشكل وحدة
نصية معتبرة,
substantial body على
حد تعبير
مترجمها الى
الانجليزية
بولين. اللغة
الفرنسية
كانت «أليفة
اليه مثلما
الألمانية»
على ما يقول
في رسالته
الى الشاعرة
الروسية
مارينا
تسفيتييفا
المؤرخة في 1926
قبيل وفاته
بقليل.(3) حتى
ان هذه
الشاعرة
تلاحظ ان
رغبة ريلكه
في كتابة
الشعر
بالفرنسية
تجيء بسبب
انه «كان
متعبا من
تفوقه, كان
يريد العود
الى المدرسة,
لقد امتلك
اللغة
الأكثر
عقوقا من بين
جميع اللغات
بالنسبة
لشاعر من
شعراء
الفرنسية».(4) قبل
اربع سنوات
من دخوله
بعلاقة
صداقة مع هذه
الشاعرة
الروسية,
انجز ريلكه
وبنفس
الفترة
الزمنية
تقريبا (مرثيات
ديونو
Les Elegies de Duino) و(سونيتات
الى أورفه).
المرثيات
ظلت معلقة
منذ سنة
كتابتها 1912,
كان شتاء 21-1922
مرحلة «انتاج
خصبة» كما
يقول هو نفسه,
سنة 1924 وصف
حالته الى
صديقته (لو)
بانها
تستدعي
الاقامة في
فالـمون
التي فيها هي
بالضبط, كما
يضيف ريلكه
نفسه: «ولد
بالحاح مجلد
من الابيات
الفرنسية من
بين أشياء
أخرى...»(5) هذا
المجلد
المكتوب
بالفرنسية
لم يولد بمحض
الصدفة لان
علاقة ريلكه
بالفرنسية
من العمق
بحيث انها
كانت تؤتي
اكلها في
نهاية
المطاف. عند
العودة الى
سنة 1910 نرى ان
ريلكه كان
يرتاد
المكتبة
الوطنية في
باريس
ويعاود
قراءة
الشعراء
الفرنسيين,
واولهم
بودلير, في
رسالته الى (لو)
المؤرخة في 18
يوليو 1903 يذكر:
«كان بودلير
بعيدا عني من
الوجوه كلها,
كان واحدا من
اكثر
الغرباء
بالنسبة لي!
بمشقة كنت
افهمه غالبا,
اقلها في قلب
المساء
عندما كنت
اعاود
كلماته مثل
طفل. كان
يصير قريبي,
جاري في
الادوار
العليا,
واقفا,
ممتقعا, خلف
الحاجز
النحيف يصغي
لصوتي
المتساقط».(6) في
المكتبة
الوطنية كان
ريلكه يقرأ
بنهم شديد
بحيث انه من
المستحيل
معرفة الكتب
التي قرأها
باللغة
الفرنسية
هناك, سوى
انه يعلمنا
بعض الاشياء
عن قراءاته
في رسالته
المؤرخة في 17
اكتوبر 1902: «اقرأ
كثيرا في
المكتبة
الوطنية..
جفروا,
بودلير,
فلوبير,
الاخوة
جونجور, اقرأ
رغم ان اللغة
(الفرنسية)
تحزنني بسبب
احاطتها بكل
شيء..»(7) هناك
كان يترجم من
الفرنسية
سونيتات
لوزي لابيه,
رسائل
المتدينة
البرتغالية,
الفنطورس
Le Centaure لموريس
دو غيران,
الابن الضال
لاندريه جيد,
قصائد
لمالارميه
وبودلير...» (8)
كان بول
فاليري
الشاعر
الفرنسي
الوحيد في
عصره الذي
يمتد به الى
اعلى
الدرجات
بالنسبة
اليه كما كتب
الى (لو) في 13
جانفييه 1923».(9) كانت
لديه
بالإضافة
الى ذلك
صداقات مع
الوسط
الثقافي
الفرنسي عبر
البعض من
ألمع رموزه:
اندريه جيد,
ورومان
رولان وجوف
وسوبيرفيل
Superville الذي
كتب له ريلكه
رسالتين
بالفرنسية
بتاريخ 12و18
نوفمبر 5291.(10) كان
ريلكه يكتب
منذ زمن طويل
بعض رسائله
او مقاطع
منها
بالفرنسية.
فرنسيته
التي كان
يستخدمها
اثناء عمله
سكرتيرا
لرودان كان (فيها
مطهر في مكان
ما) على ما
يقول في
رسالته الى (لو)
في 14 نوفمبر 1905(11).
في مراسلاته
الطويلة مع
ماري
دولاتور
وتاكسيس
كانت
الفرنسية
تختلط بوعي
بالالمانية.
لا يتعلق
الامر بكلمة
او باثنتين
مستخدمتين,
ففي بعض
الحالات
كانت هناك
مقاطع كاملة
او رسائل
كاملة.
فرنسيته على
ما يقول
مؤلفا مقدمة
(رسائل الى
شاعر شاب) هي
فرنسية «مكتوبة
بطلاقة ويسر
لكن تعلن بعض
التردد, بعض
الاخطاء
الخفيفة في
استخدام
الزمن
الماضي وفي
حروف الجر
وفي بناء
الافعال. كانت
الفرنسية
لغة ثانية في
الحياة
اليومية
للشاعر. فقد
كتب بها
الكثير من
رسائله
الشخصية من
قبل. في 5
يناير 1910 كتب
رسالته الى (صديقة
من البندقية)
بالفرنسية.(12)
وبين
السنوات 1924- 1926
كان ريلكه
يرتبط, عبر
الفرنسية,
بعلاقة
صداقة مع
مدام دو
بونستيتين.
كتب ريلكه
اليها يقول: «جزء
كبير من
مراسلاتي
يمر عبر
الفرنسية,
لهذا فقد
فكرت بان
أخلص اللغة
الاخرى من كل
استخدام
يوشك ان لا
يكون من الفن
وان استخلص
منها مادة
صافية لعملي
اللغوي. نجحت
لبعض الوقت
ومن ثم, فجأة
في هذا
الشتاء بدأت
الفرنسية
تعتدي على
الارض التي
كان يتوجب
عليها
حمايتها.
انتهيت
مرغما بعض
الشيء من
كتابة كراس
من الشعر
الفرنسي وهو,
كما يمكن ان
تخمني شعر لن
يجري
الاعتراف به....».(13)
النصوص
الفرنسية لن
يطبعها
ريلكه الا في
وقت لاحق. في
نهاية عام 1922
عندما انجز
ريلكه بأقل
من شهرين
عمليه
الشعريين
المهمين
المذكورين
اعلاه, فانه
كان قد كتب 28
قصيدة
فرنسية فقط
غير انه قد
انجز في
الحقيقة حتى
تاريخ وفاته
في شهر
ديسمبر من
سنة 1926, اضافة
للعديد من
القصائد
الالمانية
المكتوبة
بعد العملين
المذكورين
اعلاه, حوالي
400 قصيدة
بالفرنسية,
بما يعادل
مائة قصيدة
في السنة
الواحدة.
وبعبارة
اخرى, كما
يلاحظ بولين,
فان ريلكه قد
كتب في غضون
سنة واحدة
قصائد بلغة
اجنبية اكثر
مما كتب
بلغته الام,
أليس ذلك
مثيرا للعجب
والاعجاب? يرد
المترجم
الانجليزي
على الزعم
القائل بان
هذه الأعمال
ليست من
اعمال ريلكه
الناضجة
بالقول ان في
ذلك سخرية من
البديهي لأن
العديد من
قصائده
الالمانية
المتضمنة في
(كتاب الصور)
Das Buch der Bilder وفي
(قصائد جديدة)
Neue Gedichte ليست
من الأعمال
الناضجة
كذلك, وان من
الجلي ان
البعض منها
كانت اكثر
نجاحا من
الأخريات
وهو ما
يستجيب
للطبيعة
المتقلبة
للفن حتى لو
انجز على يد
عبقرية
كبيرة. ازاحة
مزدوجة: يمكن
اعتبار
قصائد
الشاعر
الالماني
ريلكه
المكتوبة
مباشرة
باللغة
الفرنسية
معجزة تليق
بالشعراء
لوحدهم. هذه
القصائد
ليست تجارب
شكلانية على
لغة أخرى,
وليست لعبا
على مفردات
وقاموس
موليير, كما
انها ليست
تدريبات على
ايقاعات لغة
جديدة, لأنها
لا تقل اهمية
البتة عن
شعره الأكثر
تألقا
المكتوب,
بالطبع,
بلغته
الالمانية.
ان ثراء وعمق
هذه القصائد
مؤثر ومحسوس
في كل قصيدة.
رؤيا ريلكه
ترتدي, فحسب,
في هذه
القصائد
ايقاعا
فرنسيا. من
سيطلع علينا
باصرار بعد
قراءة
متمعنة
للنصوص
الفرنسية, هو
ريلكه الذي
نعرفه نفسه. لنعيد
التساؤل: كيف
يمكن لشاعر
ألماني
متوغل في
احراش
ألمانيته, أن
يقتنص روح
لغة اخرى لا
تشترك كثيرا
في بنيتها
وتراكيب
جملها
وايقاعاتها
مع لغته, كما
تشترك مثلا
اللغات
اللاتينية
بقاسم يعرفه
من اطلع على
الايطالية
والفرنسية
والاسبانية
مثلا?
الاجابة على
هذا السؤال
تحيل الى
مفارقة
كبيرة, وحده
الشعر من
يستطيع
تجاوزها.
فاذا ما كان
صحيحا ان
الأدب,
والشعر من
بين أنواعه
كلها, لصيق
بالرحم
اللغوي
الاول, واذا
ما كانت
المخيلة
تسطع وتتجود
ضمن لغة
الطفولة
الاولى,
فيبدو صحيحا
كذلك ان
مخيلة مبنية
على الصور
والاستعارات,
قبل ان تنبني
على
المجازات
والألاعيب
الصوتية
والجناسية,
يمكن ان تنجز
وبنجاح في
سياق لغة
اخرى, لا
تتكلم عن
الترجمة
وتتكلم عن
محاولة مثل
محاولات
ريلكه وبيكت
ويونسكو
وارابال على
سبيل المثال.
في الشعر فان
المحاولات
الناجحة
تتأسس, على
ما يبدو, على
الصورة
الدالة قبل
أي أمر آخر. لكن
المرء
سيتساءل
باصرار بان
انهماكا
شعريا اصيلا
يظل في جوهره
مهموما
وحساسا
لأصوات
ولإيتمولوجية
اللغة حتى لو
ادعى
استخداما
مباشرا لها,
أي حتى لو
اعتبر اللغة
مجرد أداة
لتوصيل صوره
الشعرية او
التفاهم
فحسب. كيف
يمكن
والحالة هذه
اذن كتابة
الشعر بلغة
اجنبية كما
حاول ريلكه?
ليس الاجابة
على هذا
السؤال
بالهينة
خاصة إذا ما
عرفنا ان لا
أعمال بيكيت
ولا قصائد
ريلكه يمكن
ان تصنف
ككتابات
ضعيفة ولا
كمحاولات
مدرسية او
تمرينات على
لغة أجنبية.
فاننا عندما
سنقرأ
لريلكه
الأبيات
التالية: »أراك
ايتها
الوردة
كتابا
منفرجا/
بصفحات
كثيرة/ سعادة
تفصيلية/ لن
تقرأ أبدا
كتاب- مجوسي/
منفتح في
الريح ربما
قرأ/ بعيون
مغمضة.../ حيث
تطير
الفراشات
منه ملتبسة/
بسبب
الأفكار
نفيها». سنتأكد
ونجد كما وجد
اندريه جيد
في أبياته
الفرنسية
فرحا من نمط
جديد معلنا
قوة خصائصها
الشعرية. وعلى
ما يبدو, فان
شاعرا أصيلا
يمكنه
الكتابة
بلغة جديدة
يتقنها
طالما انه
منفلت في
مسار البحث
عن الشعري.
هذا الاخير
يتجاوز
الانواع
ويحل فيها
كلها
ويتجاوز
بشكل خاص
اللغات
ويصير مثالا
لها. بل ان
اللاعب
الكبير على
لغته الأم
يمكن ان يكون
بنفس
المستوى
لاعبا على
لغة أخرى حتى
لو نطقها
بلكنة قوية.
تعرفنا
قراءة شعر
ريلكه
المكتوب
بالفرنسية
مباشرة على
مقدار
حساسيته
ازاء اللغة
الفرنسية
ووضوح
طريقته في
اللعب بها.
فاذا ما
تفتحت أبواب
لغة جديدة
على
مصراعيها
أمام متعلم
حاذق, مهموم
اصلا باللعب
على
المفردات
فلأنه مهموم
بقول ما لا
يقال عادة في
اللغة
العادية,
النثرية. ان
المشكلة
برمتها
ستتعلق, كذلك,
بمستخدم
غريب تصير
طريقة
اشتغال لغة
جديدة
بالنسبة
اليه بمثابة
انتقال
للمدلولات
signifies في
فضاء تجهله
لغته, بهذا
القدر وذاك.
من هذه
الزاوية فان
انتقال
المدلولات
بالنسبة
لشعره
الجديد هذا
يدور في
فضاءات محض
تجريبية.
بصفته شاعرا
يكتب
بالفرنسية
يبدو ريلكه
شاعرا
تجريبيا
بمعنى عميق
للتجريبية.
ان شعره يصير
بالضرورة
تجريبا
صافيا, ألا
يقع بعض من
الهم الشعري
لجميع
الشعراء في
هذه (الازاحة
ecartement) الموصوفة
كثيرا في
النقد
الحديث (لدى
كوهن مثلا).
لكننا هنا
امام ازاحة
مزدوجة إذا
صح التعبير,
تستحضر
مداورة
وتنقل
الفضاء
الأصلي, الأم,
المتعلق
بمادة
الصورة
الشعرية,
للمتخيل, الى
فضاء لغوي
جديد كل
الجدة, ففي
الرسالة
التي
استشهدنا
بها اعلاه
يقول ريلكه
بعد ان ذكر
ان مجلدا من
الابيات/
الفرنسية قد
ولد: «من
المثير
للفضول انني
قد عالجت
احيانا
الموضوع
نفسه
بالفرنسية
والألمانية,
وقد تطور,
مثيرا
استغرابي,
بشكل مختلف
في اللغتين,
الامر الذي
يجعلنا نشك,
جديا, بشرعية
الترجمة..» (41).
لتحضر بذلك
الغرابة,
التي هي كذلك
نطفه الشعري,
بأعلى
تجلياتها
اللغوية
الممكنة,
يتوجب فهم
أشعار ريلكه
فرنسيا ضمن
هذا المنظور. كتابة
ريلكه ليست
إذا اغترابا
في اللغة
الفرنسية,
انما حضور
لأقوى ما في
الشاعر من
طاقات
تتجاوز, ربما,
اللغات حضور
الموضوعات
الأصلية
اللصيقة
بالكائن,
حضور الاولى
لدى كائن
مهموم
بالولادة
والموت,
بالغيابات
والحضورات
التي هي
مفهومات
شمولية
تتجاوز
اللغة
المقالة بها. عندما
نتحدث عن (الصورة)
ولا نتحدث عن
استعارة
صوتية,
جناسية في
هذه الاشعار,
فاننا نتوقف
مثلا امام
هذه الابيات/ »انظر
الى سبابة
الطفل
وابهامه/ هذه
الكماشة
الطرية/ التي
يندهش حتى
الخبز منها/
هذه اليد
بالغة
الطيبة/ ربما
قتلت الطائر/
وارتجفت/ من
رجفته
الاخيرة/
نفيه
المفاجئ
للخطاف/ الذي
كان يمنعه
وما زال
يمنعه». نرى
باننا ازاء
شعر يتخطى
الجناس, ولو
انه يتضمنه,
ليذهب الى
المخيال
الاعلى الذي
يقول: اننا
نجد انفسنا
الآن في داخل
النشوة
نفسها التي
تثيرها هذه
الابيات في
لغة أم.
ولذلك سبب
عميق في
سيرورة عمل
الشاعر
الالماني.
فاذا ما كان
ريلكه قد
حاول, حسب
كاتب سيرة
حياته
باللغة
الانجليزية
الامريكي
دونالد
براتي,
الكتابة
بالفرنسية
في مدينة
موزو
السويسرية,
فلأنه كان
يحس للمرة
الاولى
بدافع
الاذعان «لهذه
اللغة
الرائعة»
ولانه كان
يشعر بان
الالمانية
قد أوصلته
الى القليل
فقط من
التجريد
بحيث انه «لم
يكن قادرا
على العودة
الى تفاصيل
البدايات
التي لن
ينبثق من
دونها عمل
الفنان, في
حين ان
بمستطاعه, في
الفرنسية,
الركون الى
مثل هذه
البدايات....». ان
هذا القلق
الريلكوي
ازاء خيار
اللغة يصعب
ويعقد عمل
مترجم
أعماله
المكتوبة
بالفرنسية,
ذلك ان النص
الشعري سيجد
نفسه في خيار
لغوي ثالث,
هو خيار
اللغة
المنقول
النص اليها. سنسمي
لغة ريلكه
الأم باللغة
الاولى,
وسنسمي
اللغة
الفرنسية
التي يكتب
بها شعره
كذلك اللغة
الثانية كما
سنسمي اللغة
التي يترجم
بها شعره
المكتوب
بالفرنسية
باللغة
الثالثة. ما
سيعقد مشروع
ترجمة
وقراءة
الشاعر
الالماني
قليلا هو ان
لغة ثالثة
مثل العربية
تعلن,
بالمقارنة
مع اللغات
الاوروبية,
تفارقات
جدية ذلك ان
طريقة عملها
تختلف عن
قريناتها
الاوروبيات
بدءا من عدم
وجود مصدر
الفعل كما هو
معروف
بصيغته
الاوروبية.
أي بوصفه
الشكل
الاسمي (الصيغة
اللاشخصية)
المعبر
ببساطة عن
فكرة النشاط
او الحالة,
بطريقة
تجريدية
ونكرة, بدلا
عن هذا
المصدر, الذي
يمكن ان يلعب
دورا شعريا,
ثمة شيء آخر
حقيقي مثله,
تمنح
المترجم تلك
المتعة التي
تنسل ليس من
باب القواعد
النحوية
والصياغات
اللغوية
الممكنة
لجملته
الشعرية
ولكن من باب
اللقاء
الكبير بين
الجوهري من
تقاليد
الشعر
العربي
والجوهري في
شعره. ما
هي بشكل
أساسي
تقاليد
الكتابة
الشعرية
العربية? نزعم
ان الثقافة
العربية قد
توصلت عبر 14
قرنا من
كتابة الشعر,
الى قانونين
اساسيين
للشعر: الأول
قيامه على (الأوصاف
والاستعارات)
على ما يقول
ابن خلدون في
تعريف له
للشعر,
والثاني
قيامه على
نمط وزني
معين. القانون
الاول
يقذفنا في
فضاء الشعري
poetique, والثاني
يساعد النص
على المزيد
من التماسك
والانضباط
وعدم
الانسراب في
كل اتجاه. من
جهة اخرى فان
تلك
التقاليد
كانت تمنح
الشاعر
العربي دورا
ثقافيا
عاليا هو انه
المصرح عن
المعاني.
مقتنص
المعاني
والمشير
اليها, سواء
أكان ذلك عبر
الحكمة
الصافية أو
عبر اللذة
الصافية, عبر
الالهي او
عبر الدنيوي.
لقد كان
الشاعر
العربي وحتى
وقت قريب
رديفا للرجل
الحكيم,
العارف. وليس
للرجل
الحالم ولا
للعقل
السادر
المائع. لذا
فان افضل
نماذج الشعر
العربي لم
تكن تعاني,
أكاد أقول
أبدا, من
ايما نزعة
رومانسية, من
أيما ميوعة
رؤيوية, ما
عدا في
الفترات
القصيرة جدا
التي جرى
فيها جهارا
تقليد
النبرة
الرومانسية
في الشعر
الاوروبي. ان
قيام الشعر
على (الاستعارات)
وقيامه وفق (نمط
موسيقي دقيق)
واعلانه (للمعنى)
هي في تقديري
القوانين
الثلاثة
الآن التي
حركت الشعر
العربي الى
يومنا هذا.
من هذه
الزوايا
عينها يلتقي
شعر ريلكه
بعمق مع
تقاليد
الشعر
العربي. هاته
القوانين,
مثل كل
القوانين
والظواهر,
قابلة
للتطور كما
الاندثار. مما
له دلالة
واضحة هو ان
شعر ريلكه
يقول المعنى
مداورة, يقول
الاشياء عبر
الصور
المتواصلة,
الصادمة,
المذهلة, مثل
كل الشعراء
الكبار فان
الصور هي
بؤرة قصيدته,
وعلى سبيل
المثال
فقصيدته (النوافذ)
ما هي الا
استعارة
مطولة,
ممطوطة
ومدهشة, لا
تغترف سوى من
طاقتها
الداخلية
لكي تلقي
امامنا
بالمعاني
الغامضة.
عندما نقرأ: ؛المرأة
التي نحبها
ليست أكثر
جمالا/ الا
حين نراها
تطلع مؤطرة
بك/ أنت,
ايتها
النافذة من
يوشك على
تأييدها/....../
أيتها
النافذة, يا
مقياس
الانتظار/
الممتلئ
مرات بتدفق
الحياة
الراغبة
بشدة/ بحياة
أخرى/ انت من
يفصل ويشد/
وانت
تتحولين الى
مرآة, مثل
البحر/ نرى
فيها بغتة
اشكالنا/ وهي
تخلط عبر (المرآة)
ما تراه فيها. تصير
النافذة هنا
مناسبة لشد
القارئ الى
جملة أشياء:
الى مفهومة
الزمن, الى
فعل الذاكرة,
إلى كل ما هو
مخفي في
العتمة, الى
كل ما لا
نستطيع مسه
بأيدينا مثل
هذا
المستحيل
المتقنع
بقناع
الممكن... الخ.
الاستعارة
ها هنا قوية
بمكان لكي
تصير الشعر
الريلكوي
كله, وهو
حالها تماما
في الشعر
العربي
القديم
والحديث وفي
أي شعر. إن
التأسس على
الاستعارة
يعني من بين
ما يعني بأن
الشاعر يعرف
تماما أدوات
فنه
والطريقة
الملائمة
لقول ما لا
يستطيع
النثر قوله.
انه على بينة
من أدواته
التعبيرية
وهو يسيطر
عليها.
الاستعارة
وليست
اللعبة
الشكلية, أو
أيما لعبة
جناسية او
طباقية. هذه
الاخيرة
يمكنها أن
تثري
القصيدة
لكنها لا
يمكن أن تشكل,
وحدها,
القصيدة. حتى
في هذا
التفصيل
يلتقي ريلكه
مع تقاليد
الشعر
العربي,
فعندما يعرج
في نصه
الشعري
الفرنسي, على
الجناسات
والطباقات
الداخلية
والخارجية
فانه لا
يجعلها
المحرك
الاساسي
لقصيدته. لو
انه جعلها
كذلك لغدا
نصه عملا
شكلانيا
ولعبا في
اللغة, (لقول
الطرفة) وليس
لعبا على
اللغة من اجل
قول العميق.
ان
الاستغراق
فحسب في لعبة
الكلمات
وتصويتاتها
ليست لعبة
ريلكه رغم
انه يغترف,
مثل الشعر
العربي, منها..
يبدو التوقف
عند اللعب
اللغوي فقط
وكأنه نفي
للمعنى. بحثا
عن المعنى: ما
سيحاوله
الشعر
الأوروبي
الحديث بدءا
من مالارميه
ورامبو, هو,
حسبما يشرح
هوغو فردريك,
نوع من تنافر
الأصوات
dissonance ذلك
انه يعلن
نبرة من
الهرمسي
ismehermeet ومن
الغموض.(51)
obscurite هل
هذا هو حال
ريلكه? ان
ريلكه
يستبطن, عبر
الكلام, ما
هو عميق
وكوني
وانساني,
ويبدو لهذا
السبب وكأنه
يقف على
النقيض من
سوداوية
وعدمية
الشعر
الأوروبي
الحديث,
الواقف, منذ
الآن فصاعدا,
عند تخوم
القاعدة
الشعرية
الحداثوية,
قاعدة
الغموض. لم
يخضع ريلكه,
بوصفه شاعرا
كبيرا, لا
للغموض ولا
للسوداوية
ولا للعدمية
وبقى الى
جانب ذلك
شاعرا (طليعيا)
وذا وعي من
طراز ثاقب.
لنتوقف امام
هذه النقطة
التي تشهد
مفارقة
ظاهرية. ان
القصيدة
الريلكوية,
المتأسسة
على المخيال,
تتأسس كذلك
على قاعدة من
البساطة
المتناهية,
المتناهية,
المتناهية
لكن الخداعة.
في رسالته
الى صديقته (لو)
يقول: «انني
بسيط الى
أبعد الحدود»(61)
لقد تعلمت
البساطة,
تعلمت ببطء,
بصعوبة ان كل
شيء بسيط
وانني قد
غدوت ناضجا
لكي أتكلم عن
البسيط». وهو
يشير الى
القدر
المخيف من
العري
الوجودي
الذي تعلنه
البساطة,
البساطة
بالنسبة
اليه رديف
للعميق.
عندما يختار
بعض الزهور
من اجل (لو)
فانه يسعى
الى زهور
بسيطة بشكل
كاف لكي تكون
أكثر حضورا,
بين مخياله
والبساطة
تقع أرض حرجة,
مشمسة هي
موطن للشعري.
لم يحاول
الشعر
الحديث دوما
مثل هذه
البساطة
الظاهرية في
الكلام. إن
طليعية
ريلكه لم
تمنعه من
الالتزام
بالايقاعات
الموزونة
والقوافي
الصادحة, وهو
ما نراه على
أية حال في
قصائده
الفرنسية
المستهدية
احيانا
بنظام
الرباعيات
الدقيق. في
قصائده
الفرنسية «كان
ريلكه يبحث
عن الانتظام
(الشكلي) عن
الوزن
الاسكندري
حينا, وغالبا
عن القافية
بنوع من
افراط يشابه
ذاك الاصرار
الساذج أو
الهوس
السمعي» على
ما يقول أحد
النقاد
الفرنسيين.
ان فنه
الشعري يظل,
من الناحية
التقنية,
مشدودا الى
البنية
الكلاسيكية
للبيت (وهو
ما يجب ان
يؤكده لنا
كذلك عارفو
قصائده
الالمانية)
رغم انه قد
حاول, مثل
جميع
الشعراء
الكبار, كل
الانماط
الاخرى بما
فيها قصيدة
النثر. ان
القانون
الوزني
يتبقى
بالنسبة
اليه ضرورة
شعرية جنبا
الى جنب
طليعية فكره
وحداثته
العميقة. تدل
على هذا
الخطوة
الطليعية
انتباهته
المبكرة
لعمل مارسيل
بروست الصعب
«لقد كنت, كتب
سنة 2291, من
اوائل من
قرأوا رواية
(الى جانب
سوان), واذن
من اوائل من
أعجبوا
بمارسيل
بروست», كما
تدل على
طليعيته
الثقافية,
بشكل أخص,
موقفه من
المرأة الذي
يقدم بعض
الشذرات
التعبيرية
التي تصلح ان
تدرج في بيان
للنسوية: «ان
الفتاة او
المرأة
اللتين
تدركان
ازدهارهما
الداخلي
الجديد لا
تستعيدان
الا عرض
الأساليب
الذكورية
السيئة..». هذا
الموقف من
المرأة هو
موقف جميع
الشعراء
العظام من
العصور كلها,
فالمتنبي
العربي لم
يكن يخاف من
كتابة نص
رثائي رائع
عن جدته,
جرير قبله
كتب نصه
الجميل
النبيل عن
وفاة زوجته: لولا
الحياء
لهاجني
استعبار
ولزرت
قبرك
والحبيب
يزار ولهت
قلبي إذ
علتني كبرة
وذوو
التمائم من
بنيك صغار كتبه في وقت كانت وضعية المرأة الاجتماعية والقانونية مأساوية تماما, وكان تناولها بالتالي في اطار انساني رفيع المستوى يشكل تجاوزا لشرط المرحلة | |||||