|
تهدف هذه الورقة إلى إنجاز غرضين: أولهما تدشين حقل -يكاد يكون جديدا في الدراسات العربية- وهو أدب الرحلات في عمان. فحسب علمي, ما زال هذا الحقل في عمان مقتصرا على نصوص متناثرة لابن بطوطة وغيره من الجغرافيين العرب مع ذكر عابر لبعض الرحالة الأوروبيين.في حين أن القارئ للوثائق الأجنبية يندهش من وفرة النصوص التي خلفها المستكشفون والرحالة الأوروبيون عن عمان. بل إنني أكاد أجزم بأن ما يعرفه العمانيون والعرب عن عمان وأدغالها التاريخية - في القرنين التاسع عشر والعشرين- لا يمكن أن يقارن كما ونوعا بما يعرفه عنها الأوروبيون المهتمون بجزيرة العرب عامة. وعليه فان هذه الورقة ستحاول أن تخرج بأدب الرحلة في عمان من حدوده العربية الضيقة إلى آفاقه العالمية الأوسع. على أنني لا أعد-على الأقل الآن- بكل ما يمكن أن تفضي به هذه الجملة وإنما سأقتصر على عرض وصفي لأهم الرحالة البريطانيين في عمان دون تحليل لنصوصهم حتى لا أخرج بالدراسة عن غرضيها. الغرض الثاني هو تزويد المكتبة العربية بقائمة من المصادر الإنجليزية تتعلق بوصف عمان تاريخيا وجغرافيا وأنثروبولوجيا وآثاريا, حيث ستقدم هذه الورقة مسردا وصفيا لمعظم الرحلات البريطانية في عمان مع توثيق لمصادرها في الكتب والدوريات الإنجليزية. لابد من الإشارة أولا إلى أن هناك ثلاثة عوامل لعبت دورا لوضع عمان في مكانها الهام عبر التاريخ. أحد هذه العوامل هو الحالة الجغرافية حيث كانت عمان تسيطر على أغلب الجزء الشرقي لشبه الجزيرة العربية ممتدة من حضرموت إلى قطر. وبجوارها لبحر العرب والمحيط الهندي, عرفت عمان بكونها <<أمة بحارة>>, فبين بلاد ما بين النهرين إلى ضفاف الهند وشرق أفريقيا, لعب العمانيون دورا في العالم البحري لنحو ليس أقل من خمسة آلاف سنة. و يشك ل المظهر التاريخي عاملا آخر من أهمية عمان حيث أثبتت الاكتشافات الأثرية الأخيرة على أن أقدم المستوطنات فيها يرجع إلى الألفية الثالثة قبل الميلاد. فالصوان المكتشف في ظفار وأكوام القبور في عبري والأحجار المحفورة في وادي عدي أثبتت مدى تطو ر حضارة ذلك الوقت(1). وهكذا, منذ تلك الأزمان السحيقة كانت عمان البقعة المركزية لمعظم الاتصالات في الشرق الأوسط وكذا التبادل التجاري مع ما كان يعرف ب-<<الخليج الفارسي>> والمحيط الهندي. إن العامل الثالث لأهمية عمان هو الجانب السياسي, فمنذ فجر الإسلام حتى الآن تتمتع بسياستها المستقلة الخاصة. وفي السابق لعب المذهب الإباضي دورا أساسيا في هذه الخصوصية إذ رفضت مبادئه الفكرة السائدة من أن القيادة يجب أن تقصر على نسل عشيرة النبي صلى الله عليه وسلم. فقد أكد الإباضية بأن قائد الأمة يجب أن يكون الأفضل فيها استنادا إلى معرفته الدينية ومهارته القيادية بغض النظر عن قبيلته. وطبقا لهذه السياسة, نحت عمان إلى أن تكون مستقلة دائما وحررت نفسها من كل سلطات الخلفاء في بغداد, رغم أنهم حاولوا عد ة مرات فرض سلطتهم عليها لكن دون جدوى. وأثناء القرن التاسع عشر, بلغت عمان أوج قو تها وكانت مسيطرة على إمبراطورية شاملة تضم نت أجزاء من بلاد فارس, وأجزاء من آسيا, والساحل الشرقي لإفريقيا وبعض الجزر في البحر الأحمر(2). لذا, أعتقد بأن الأهمية السياسية والتاريخية والجغرافية لعمان كانت في أذهان أغلب الرحالة الذين توج هوا لهذه البلاد طوال تأريخها الطويل. وفي هذا الصدد, تخبرنا المصادر بأن أول أوروبي وضع قدمه في عمان كان نيركس (Nearchus) العميد تحت إمرة الإسكندر الأكبر. وأثناء استكشافه للساحل الشمالي لعمان و<<الخليج الفارسي>>, اكتشف نيركس رأس مسندم ومخا وسمع عن سوق عماني ضخم من المحتمل أنه سوق صحار. المعلومات التي جمعها نيركس حول هذه المنطقة جعلت الإسكندر يأمره بالإبحار حول جزيرة العرب, لكن هذا الحلم انطفأ بموت الإسكندر(3). بعد نيركس زار عمان ماركو بولو - الرحالة الإيطالي المشهور- في سنة 1295. بعد هذا الوقت قدم العديد من الأوروبيين إلى عمان,و لكن نظرا لأن هذه الدراسة معنية بالرحالة البريطانيين فقط سيكون من المفيد تتب ع كتابات رحلاتهم, هنا, زمنيا(4). الرحالة وكتاباتهم يبدو أن السّير توماس هيربيرت هو الرحالة البريطاني الأول الذي زار ووصف عمان. حيث أبحر من دوفر في 1626 إلى <<الخليج الفارسي>> ووصل هرمز,الزاوية الشمالية لعمان, في 1627 ووصفها بـ<<إمبراطورية هرمز>> وفي طريق عودته من بلاد فارس مبحرا عبر <<الخليج الفارسي>>, توق ف في مسقط حيث وجدها تحت الاحتلال البرتغالي في ذلك الوقت. وقد بدت له البلدة-حسب قوله- <<صعبة المنال>>, لأنها كانت محصنة بالجبال والقلاع. وبعد أن وصف حصنها وقلاعها لم يجد شيئا <<يستحق الملاحظة>>(5). بعد خمسين سنة تقريبا في 1676, وصل الرحالة والطبيب الإنجليزي جون فراير إلى رأس الحد في شرق عمان. وحين تبين له هذا الجزء من بلاد العرب قاحلا,تساءل كيف يمكن أن تحمل جزيرة العرب اسم <<البلاد السعيدة>>!. وفي الليل في التاسع من مارس وصل الى Muscat (مسقط) وقد حملته شدة حرارتها إلى أن يتخيل بأن <<جبالها الواسعة والمرو عة لا تخفي وراءها ظلا بل الجحيم>>. وقد تحامل فراير على العمانيين في قصة رحلته هذه واصفا إياهم بـ<<الغدارين العتاة, الذين يكسبون تجارتهم بالغش>>. ومن مسقط أبحر فراير إلى مضيق هرمز في شمال عمان. ويعتقد فراير بأن هرمز كانت عظيمة في العصور الخالية, لكنها الآن فقط مشهورة <<بشقوق الملح>>(6). في 1693 جون أوفينجتون, على أية حال, زوّدنا بصورة مختلفة لأهل عمان. فقد كَانَ , على خلاف فراير, معجبا بأخلاقهم <<هؤلاء العرب مهذبون جداً في تصرّفِهم, وفي غاية اللطف إلى كُلّ الغرباء; فلا أذى ولا إهانة يمكن أن تصدر منهم لأي أحد;...وبإمكان المرء أن يسافر مِئات الأميالِ في هذه البلادِ دون أن يواجه أي كلام مسيء أَو أيّ سلوك قد يبدو وقحا>>. علاوة على ذلك نَجِد في قصة أوفينجتون موقفاً مبكّراً للرحالة البريطانيينِ من موضوع العبيد في عمان. حيث أنه أثنى على <<الشفقة>> و<<الكرم>> وغيرها من الأساليب المتحضرة التي كان يبديها أهل عمان في تعاملهم مع العبيد. ويؤكد أوفينجتون على أن سجناء الحرب بين العمانيين والبرتغاليين, مثلا, تم اتخاذهم عبيدا من كلا الطرفين إلا أن العمانيين عاملوا أسراهم بلطف حيث <<لم يعاملوهم كالعبيد ولم يكلفوهم فوق طاقتهم>>(7). في 1715, توقف ألكساندر هاملتن, أثناء رحلته بين البحر الأحمر والصين, في مسقط ووجد أهلها متميزين بـ<<تواضعهم ودماثتهم>>. وقد لاحظ في سلوكهم هذا التواضع ذلك بأنه-على خلاف ما يعرفه في أوروبا- لا يمارسون تفرقة عنصرية بين ضيوف المائدة <<يجلس السيد والعبد دون تمييز ويأكلان في نفس الصحن>>. هاملتن, أيضا, كان معجبا بالشجاعة العمانية ضد المحتلين البرتغال حيث يصف مشهدا من نضالهم بالكلمات التالية <<رغم أن البرتغاليين هاجموهم من حصونهم على الجبال بالكثير من الطلقات الكبيرة والصغيرة; فإن العرب لم ينظروا إلى الوراء, ولا حفلوا بالأعداد العظيمة من رفاقهم الموتى, بل صعدوا الحيطان على جثث قتلاهم>>(8). بعد س ن ة من زيارة هاملتن, ن واجه صورة مشابهة للصورة التي رسمها فراير من قبل حول الع مانيين. ففي 1716 زار مسقط النقيب هنري كورنوال ووصف أهلها بأنهم <<غدارون أشداء>>, وأن ميناءهم <<خطير جدا وغير ملائم للغرباء>>. ويبدو أن كورنوال اعتمد كثيرا في رأيه على فراير فمعظم التفاصيل التي ذكرها حول مسقط موجودة لفظا ومضمونا في قصة هذا الأخير. ورغم الرسومات الجميلة التي زودنا بها كرونوال لمشاهد مختلفة في ميناء مسقط, فانه لم يستهوه المكان لأن <<الهواء هنا غير سار وغير صحي وحار جدا>>(9). في 1775 زار أبراهام بارسونس عمان أثناء رحلته من بوشهر إلى بومباي. وقد توقف أولا في هرمز معتقدا أن ها <<كانت أغنى بقعة في العالم>>, لكن ه وجدها <<دون أهمية>> كما وجد سك انها فقراء جدا. وصل مسقط في بداية أغسطس حيث كانت درجة الحرارة في ذروتها. وقد قدم لنا وصفا جيدا للمدينة وتجارتها وتحصيناتها ومينائها مؤكدا أهميتها بأن كل السفن التجارية الإنجليزية, في رحلتها من الهند إلى البصرة كانت تتوقف في مسقط. ولعل هذا ما يبر ر كثرة قصص الرحلات حول عمان, وإن كانت قصيرة, في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. بارسونس زو دنا بمشهد مختلف لمسقط. فهو, على خلاف فراير وكورنوال, لم يجد أهلها <<غادرين>> أو <<قراصنة >>. بل اعتبر المدينة <<مكانا ممتازا جدا للتجارة>> وميناءها <<آمنا وملائما>>, فقد رأى كميات واسعة من السلع مكومة في شوارعها <<دون حارس أو رقيب>> ولم يسمع عن حالة سرقة(10). شهدت بداية القرن التاسع عشر حدثين هامين في عمان; أحدهما كان المعاهدة الأولى بين عمان وبريطانيا في 1800 والتي نصت على أن <<الصداقة بين البلدين ستبقى غير مهزوزة حتى نهاية الزمن وإلى أن ينتهي دوران الشمس والقمر>>!(11). فتحت هذه المعاهدة تشكيلة واسعة من العلاقات العمانية-البريطانية واضعة عمان كهدف رئيسي لاستكشافات الرحالة. الحدث الثاني كان حضور السّيد سعيد بن سلطان الذي تولى السلطة في 1807. كان السيد سعيد معروفا تماما بعلاقاته المفتوحة مع الأوروبيين, والتي ربما كان يطمح من خلالها لتوسيع قو ته خارج الحدود العمانية. هذان الحدثان في تاريخ عمان ساهما, فيما أعتقد, إلى تدفق الرحالة الأوروبيين عموما والبريطانيين بشكل خاص إليها خلال القرن التاسع عشر. زار السير جون مالكولم مسقط سنة 1800 كممثل للحكومة البريطانية للت و قيع على المعاهدة العمانية-البريطانية الأولى, والتي سبق ذكرها, م ع السيد سلطان بن أحمد. أهم ما يميز قصة مالكولم هو تعرضه لوضع العبيد في عمان ومقارنته بوضعهم في أوروبا في ذلك الوقت. يؤكد مالكولم بأن العبد في عمان, وفي المجتمعات العربية عموما, يلقى الكثير من التقدير واللطف وأن اعتناقه للإسلام يقربه من الانعتاق والحرية. ويضيف أيضا بأن العبد في هذه البلدان , على خلاف أوروبا, نادرا ما ي خضع إلى العمل الشاق فلا مصانع ولا حقول يكدحون فيها. مالكولم كان أيضا معجبا بنظام الحكم في مسقط والذي وصفه بأنه <<أبوي أكثر منه استبدادي>> وقد وجد السيد سلطان بن أحمد ب<<بساطته>> و<<أسلوبه الودي>> يختلط مع شعبه ويصافحهم دون الرسميات التي كانت تهيمن على أنظمة القصور في أوروبا(12). في نوفمبر 1816 زار مسقط وليام هيود وقد اندهش من تعدد الأجناس فيها بين عرب ويهود وهندوس وأتراك وبلوش وبدو وأفارقة. هيود قدم لنا صورة مبكرة لبدو عمان حيث يصف عربي الصحراء بهذه الكلمات: <<بدوي الصحراء كان مميزا عن غيره بعمامة مخططة فوق رأسه وعليها جديلة مرنة...كان متوحشا لطيفا وذا نظرة مستعرة خاطفة وطلعة متحفزة قلقة. لقد بدا وكأنه آلهة, حتى وإن كان في شكله اللص المارق لأرض الصحراء>>. في قصة هيود نجد أيضا رأيا مبكرا للرحالة البريطانيين حول الإباضية :<<أهل مسقط ينتمون إلى المذهب الإباضي.. وهم في غاية التسامح. كما أنهم, على حد سواء, بسطاء في تصرفاتهم ويعملون القليل من التفرقة في تعاملهم مع الديانات الأخرى>>(13). زار الصحفي والمؤلف الإنجليزي جيمس سيلك بكنجهام مسقط في ديسمبر من نفس السنة التي زار فيها هيود. قد ر سكان البلدة بنحو عشرة آلاف نسمة. 90 % منهم عرب والبقية بانيان وهنود مع بضعة يهود. وفي هذا الصدد, يؤكد بأن هذه الأقليات <<تعامل بالكثير من الرفق والسماحة>>. والحقيقة أن بكنجهام كان مولعا إلى حد كبير بهدوء البلدة وسماحة ولطف أهلها. فقد وصفها قائلا <<من الخصائص العظيمة والمميزة لمسقط, عن كل البلاد العربية الأخرى,هو الاحترام واللطف الذي يبديه سكانها-بكل مراتبهم-إلى الأوروبيين>>. في قصة رحلته هذه حول مسقط, يخبرنا أيضا عن الأمان والضيافة التي يتلقاها الغرباء منهيا شهادته على أن <<كل شيء في الحقيقة هنا موات للحرية الشخصية>>(14). الرحالة البريطاني جون جونسن, في 1817 قدم لنا أيضا شهادته حول العبيد في عُمان. في الحقيقة, جونسون أجرى مقارنة بين منزلة العبيد في العوائل المسلمة ومنزلتهم في بعض العوائل الأوروبية , خاصة البرتغاليين والهولنديين . فقد لاحظ بأن حالة العبد في العائلة المسلمة <<تشبه حالة الطفل المتبنى>>, معطية إياه ب ع ض الحقوق في ممتلكات سيد ه. ويؤكد بأن العبد عند المسلمين يوظف مبكرا كم ساعد ومدير في التجارة , كما قد تعهد إليه المسؤولية عن كميات كبيرة من ممتلكات مالكه, والتي عادة يعطى جزءا منها كمنزل عندما يتزوج . بالمقارنة مع هذه الصورة , يقدم لنا جونسن الصورة المغايرة لوضع العبيد في أوروبا في ذلك الوقت:<<مثل هذا النوع من التبني ومشاعر السادة ومعاملتهم لخدمهم, يختلف تماما عن ذلك الذي يسود في عوائل البرتغاليين والهولنديين , الذين يعاملون هؤلاء الأتباع المنحوسين في أغلب الأحيان بقسوة, حيث يضربونهم ويذلونهم بالإحتقار الملحوظ والظلم الشديد . ويبدو أنهم يعيرونهم من الاعتبار والاهتمام أقل من الحيوانات الوحشية>>. أما عن مسقط فإن جونسون قدم لنا صورة كئيبة من حيث مظهرها وحالتها العام ة. فقد وجدها مهددة بالأمراض الفتاكة والحمى والتي غالبا ما كانت <<قاتلة للأوروبيين>>. جونسون لم ير مفاجأة في تلك <<الأمراض المستوطنة>> والتي كانت واسعة الإنتشار في مسقط, لأن <<موقع البلدة منخفض جدا , ومحاط بالجبال الصخرية العالية, ومفتوح فقط من اتجاه واحد, حيث الرياح نادرا ما تهب>>. ويضيف جونسون أيضا بأن الحرارة كانت <<مستبد ة جدا>> أثناء الصيف إلى حد أن السكان يرغمون على الهجرة من البلدة إلى الضواحي حيث المزارع يمكن أن تقلل من درجة الحرارة العالية , حتى أن السلطان نفسه عموما كان يصطاف في بركاء, قرية في المنطقة الشمالية الغربية لمسقط, كي يتجنب الأحوال غير الصحية للمدينة. كذلك في مطرح, قرية قرب مسقط, وجد جونسون البيوت ذات <<أسقف شديدة الانخفاض>> وحيطان <<مغبرة قذرة ذات لون أصفر صارخ>>. ويعتقد جونسون أن هذا المنظر أثّر على رؤية ناسها لأن رمد العيون كان سائدا جدا بينهم. علاوة على ذلك, رأى في مطرح الكثير من أكواخ الشحاذين والذين منعوا من دخول القرى, <<لأنهم أُصيبوا بمرض الجذام>>(15). زار النقيب روبرت ميجنان مسقط أولا في 1820. حيث وجد أهلها <<دينيين لكن ليسوا متزمتين, ويشاركون بغذائهم مع الكفرة>>. وقد قدّر درجة الحرارة في مسقط ب120 درجة, ومن ثم اعتبر البلدة <<المكان الأحر في العالم>>. رجع ميجنان إلى عمان في 1821كملازم أول تحت السِير لايونيل سميث لحملة ضد بني بوعلي للانتقام لهزيمة القوات البريطانية في نفس السنة. وقد وصف العرب في تلك المعركة بأنهم <<أكثر ثباتا وشجاعة من القو ات البريطانية>>. في 1825, قام ميجنان بزيارة ثالثة إلى مسقط حين دعيت زوجته لزيارة حريم السلطان. يخبرنا في هذه القصة بأن في نهاية المراسيم العادية لرشف القهوة وشرب العصير <<أخذ صاحب السمو السّيدة ميجنان بشكل مؤدّب جدا باليد , وقادها إلى عدّة أقسام من القصر>>. ونظرا لأن السّيدة ميجنان لم تستطيع أن تتكلّم العربية كانت اللغة الهندية وسطا لمحادثتهم. المهم في هذه الزيارة ان السيدة ميجنان قدمت لنا وصفا مدهشا لزوجة من زوجات السلطان واصفة أزياءها وحليها كنموذج لزي النساء في العائلات الثرية في عمان في ذلك الوقت. كما انها قدمت لنا وصفا رائعا لغرفة من غرف قصر السلطان وما بها من بذخ معماري وأثاث شرقي حيث تقترب الصورة من مشاهد <<ألف ليلة وليلة>> والذي قد قرأته السيدة ميجنان دون شك(16). توماس لومسدن, ملازم أول بسلاح مدفعية الحصان في البنغال, قدم إلى مسقط في نفس السنة أيضا أثناء رحلته م ن الهند إلى لندن. لومسدن, على غرار جونسن, و جد مسقط <<مكانا بائسا وقذرا وفقيرا>>, والبيوت <<مبتذلة>> عموما , والشوارع والأسواق <<ضيّقة جدا>>. كما زوّدنا لومسدن بصورة مبكّرة حول المرأة في عمان. فحينما كان يتجول في الأسواق <<الضيقة >> لمسقط رأى <<تجمعا من الناس لكل الأمم الشرقية>>, ولكن لفت انتباهه مشهد النساء :<<النساء استرعين انتباهنا بميزة لباس هن. كن يلبسن حجاب القماش الأسود أو الأزرق على الوجه وله فتحات للعيون . كما لم يكن أقل اندهاشا بمظهرنا منا بمظهرهن, فحين مررنا بهن استدرن نحونا وقهقهن عاليا>>. أتبع لومسدن هذه الصورة بعض التعليقات مؤكدا بأن <<هذا النمط من التخفي>> <<سائغ إجمالا في معظم البلدان الإسلامية ,حيث به الن ساء <<يحبسن في الحريم , ويعزلن كليا عن العالم>>. ويرى لومسدن أن هذا الطريقة من اللباس تعطي النساء ميزة النظر لمن يشأن دون أن يراهن أحد,وهذا يعطيهن<<درجة من الحرية>>التي <<تنغمس فيها>> الفتيات الصغيرات من بني جنسهن(17). جيمس بالي فريزر,الرحالة والمؤلف الإسكتلندي, توق ف في مسقط في 1821 حينما كان راحلا إلى خراسان. ونظرا لأن الوقت كان يوليو حيث درجة الحرارة بين 80 و102 درجة, وصف ليالي مسقط بأنها كانت <<خانقة>>. وعلى الرغم من أن المدينة ظهرت إليه كـ<<بلدة هندية بائسة>>, كان فريزر مولعا بتشكيلة سمكها إلى الحد الذي يقول فيه <<لا أعرف نظيرا لمسقط في وفرة وامتياز سمكها>>(18). بين 1820 و1829, قام (أسطول بومباي) باستطلاعاته في <<الخليج الفارسي>>. ومن بين ضباط هذا الأسطول كان الملازم أوّل وايتلوك الذي نشر قصة رحلة مهمة حول عرب ساحل عمان. زوّدنا من خلالها بصور وصفية تتعلق بلباسهم وبيوتهم وغذائهم وعاداتهم وسلوكهم وتقاليدهم وتجارتهم. عبر هذه القصة أيضا كشف عن مواقفه نحو السكان مظهرا أحيانا إعجابه بكرمهم وشجاعتهم ولطفهم, ومنتقدا أحيانا ما يدعوه بـ<<قرصنتهم ونهبهم>>. ومن أهم المزايا التي مجدها وايتلوك في سلوك أولئك العرب هو لطفهم في معاملة العبيد مؤكدا أن <<شفقتهم بهم تعبر كثيرا عن تميز الخلق العربي, وتبين مشاعرهم الصحيحة والرجولية نحو البشرية عموما>>. من الناحية الأخرى, كشف وايتلوك عن المهم ة السياسية لعملية المسح التي كان يقوم بها (أسطول بومباي) حيث يعتقد بأن ما يسميه <<النهب والنزاع>> كان شائعا بين عرب الخليج, وهو ما <<يستلزم يقظة كثيرة من طرفنا لقمعه>>(19). في 1823, أبحر النّقيب وليام أوين إلى مسقط على متن الباخرة (لِفن) Leven للحصول على رخصة من السّيد سعيد, لمسح الشريط الساحلي لشرق إفريقيا الخاضع تحت السيطرة العمانية. في قصته حول مسقط, يبدي أوين إعجابه بالكرم الشديد للسّيد سعيد لدعم Leven بالخشب والماء المجّاني ودفعه 50 دولارا لكل قائد ومترجم فيها. كما يحدثنا عن تبادله الهدايا مع السيد سعيد حيث استلم سيفا بمقبض ذهب رائع كهدية من صاحب السمو, كما رضي سموه هدية أوين وهي عبارة عن نسخة عربية من التوراة. وصف أوين مسقط بأنها<<أقذر بلدة في العالم>> لأن سوقها كان موحلا على أثر أمطار نزلت. وفي الحقيقة يبدو أن أوين كان عنده تصور سوداوي مسبق عن العرب عندما قال <<إن العربي بلا شك , أوسخ الأصناف البشرية>>(20). في 1824, زار النّقيب جورج كيبل مسقط أثناء رجوعه من الهند إلى إنجلترا. قد ر سكان مسقط في نحو 2000 نسمة, واصفا أهلها بأنهم <<قذرون في المظهر>>, مع ذلك يعتقد بأن عندهم تقديرا عظيما للعدالة وتسامحا كليا للأديان الأخرى. زار الس يد سعيد في قصره حيث وجده <<بسيطا جدا>> حتى أن <<الشحاذين يمكن أن يجلسوا في حضوره>>(21). في 1830 زار مسقط جيمس ويلستد, أول أوروبي يخترق داخلية عمان على نحو واسع. قام بهذه الزيارة إلى مسقط حينما كان مساحا مساعدا على متن الباخرة بالينرز. (Palinurs) وصف ويلستد مسقط بشكل جغرافي مقدما بعض التفاصيل حول غذائها وتجارتها وناسها. في قصته, مدح السيد سعيد بن سلطان من حيث تسامحه وكرمه وشفقته <<لم ألتق بحاكم قط أقرب منه للمثل الأعلى في الكمال لأمير شرقي>>. بعد شهر واحد قضاه في مسقط, أبحر ويلستد إلى <<الخليج الفارسي>> مارا بجزيرة هرمز حيث قدم وصفا موجزا لها مقتنعا بأن <<لغة المدح قد استنزفت تقريبا في تصوير ثروة وترف هذه المدينة>>(22). عاد ويلستد ثانية إلى مسقط في 1835 للرحلة, هذه المرة, على نطاق واسع داخل عمان. نقطته الأولى كانت العاصمة مسقط, وبعد ذلك أبحر إلى قلهات وصور. ومن صور سافر على الجمال إلى بلادبني بو علي عن طريق الكامل وبلاد بني بو حسن. ثم تقد م نحو الغرب والجنوب عن طريق بدية وإبراء وسمد ومنح, وبعد ذلك وصل المدينة التاريخية نزوى. ومن نزوى, صعد إلى قم ة الجبل الأخضر. ثم عاد إلى نزوى ليخط ط للسفر إلى منطقة الدرعية عاصمة الوهابية, لكن العقبات غير المتوق عة من قبل الوكيل البريطاني في مسقط منعته من ذلك. في نزوى أصيب ويلستد بحمى الملاريا, والتي أجبرته للعودة إلى السيب في ساحل البحر. بعد التعافي من الحمى, رحل عن طريق بركاء والمصنعة والسويق إلى عبري حيث شهد خراب هذه المدينة على أيدي الوهابيين. ومتأثرا بالحالة المأساوية في عبري قرّر العودة إلى السيب. ومن ميناء شناص استطاع أن يعبر إلى البريمي عن طريق صحار. ومن هناك استطاع اجتياز الساحل الشمالي لعمان أو <<ساحل القراصنة>> كما يدعوه(23). يبدو أن ويلستد حاول استكشاف عمان مرة ثالثة. ففي أبريل 1837 عاد إلى مسقط وفي مرحلة حادّة من الحمّى وفي نوبة هذيان حاول الانتحار مطلقا النار في فمه لكن المحاولة لم تنجح وإنما أحدثت له جروحا في الفك الأعلى, نقل على إثرها إلى بومباي للمعالجة, وبعد ذلك عاد إلى أوروبا في إجازة(24). زار الرائد توماس اسكين ر مسقط في يونيو 1833. وقد أعجب بهدوء الشواطئ العُمانية إلى حد أنّه وصفها بهذه اللغة الشاعرية: <<باري (المخلوقة الخرافية في قصيدة <<عبدة النار>> لتوماس مور) قد تشدو بمناحتها, في يوم كهذا, من أجل فتاة العرب دون أن تزعجها موجة على شواطئ عمان>>. عندما و صل اسكينر مسقط, على أية حال, انزعج من درجة الحرارة العالية للمدينة حيث اعتبر مسقط <<المكان الأشد حرارة على وجه الأرض>> كما وجد العرب أنفسهم يطلقون عليها <<جهنم>>. وفي هذا الصدد, استمر اسكين ر يصف حرارة مسقط حيث ادعى بأنه لم ي ستطع أن يستكشف البلدة لأنها كانت حارة وفضل أ ن ي ب قى في سوق صغير مع بعض البانيان, ومع ذلك اعتقد بأنه <<كاد أن ي تلاشى>> لشدة الحرارة. متفقا مع بعض الرحالة الذين سبقوه وعزا اسكينر شدة حرارة مسقط إلى موقعها حيث تحيط بها الجبال من كل ناحية غير سامحة للهواء بالتخلل إليها ولهذا <<حين تغيب الشمس, يتوه جن مثل الأفران الساخنة>>. طقس مسقط في النهاية حمل اسكين ر لأن يعود إلى سفينته دون أن يرى المدينة أو يلتقي بأهلها(25). بين 1833 و1846, قامت السفينة الشراعية الإنجليزية (بالينرز) Palinurus بعمليات مسح واستطلاع عديدة في الجنوب والمنطقة الجنوبية الشرقية للساحل العربي. أغلب المس احين على هذه السفينة نشروا قصص رحلاتهم في <<مجل ة الجمعية الجغرافية لبومباي>>. هينز, وهالتون, وساندرز, وكول, وكرتندن, ووارد, وكارتر كانوا من أبرزهم(26). من أوائل الرحالة فيهم كان النقيب ستافرد هينز, الذي أبحر في 1834 ووصل مرباط في المنطقة الجنوبية لعمان. في مسحه, خطّط هينز كل الساحل العربي الجنوبي من ظفار إلى صور. ووجد تربة مقاطعة ظفار خصبة جدا, رغم أنه يعتقد بأن أهلها كانوا <<كسالى جدا>>. لاستكشاف جبل سمحان, أرسل هينز السّيد سميث نيابة عنه. وتحت اسم أحمد أصبح سميث محبوبا لدى قبيلة <<القرى>>: <<لقد أكرموا وفادته أينما ذهب, حتى أنهم لم يسمحوا له بشرب الماء دون الحليب. قالوا له: <<لا ترجع أحمد وتقول بأننا أعطيناك ماء في حين لا نعطي أطفالنا سوى الحليب!>>. حتى أنهم ذهبوا بعيدا جدا في كرمهم وعرضوا له زوجة كي يستقر معهم. من ظفار, أبحر هينز إلى مرباط منوها بأن اللبان يصد ر منها سنويا إلى ظفار بين 1000 إلى 3000 روبية تقريبا. أنهى هينز قصته حول ظفار بتقديم مختصر تاريخي لعائلة محمد عقيل في ذلك الوقت. ثم أبحر على طول الساحل الجنوبي لعمان إلى حدود جزر كوريا موريا مقدما أوصافا طوبوغرافية لكل الساحل. وفي الحلانيات, الجزيرة المسكونة الوحيدة لمجموعة كوريا موريا, وجد الناس فقراء جدا لكن <<غير مؤذين ومسالمون>>(27). هلتون كان مساحا مساعدا على البارجة (بالينرز) مع هينز. زار في 1835 جزر كوريا موريا وقصته تتحد ث عن طوبوغرافيا وتأريخ وأهمية هذه الجزر. وقد نوه بأن الحلانيات هي الجزيرة المسكونة الوحيدة وعدد سكانها ثلاثة وعشرون نسمة فقط. وبالرغم من أن هم فقراء جدا, فان شيخهم أو زعيمهم الذي يعيش في مرباط كان يزورهم من حين لآخر لكي يجمع أي مال يحصلون عليه من سقاية السفن الأجنبية مدعيا بأن الجزر من أملاكه الموروثة. أنهى هلتون قصته بتقديم قائمة مفردات اللهجة المتحدث بها في الحلانيات(28). المس اح الآخر على (بالينرز) كان كرتندن الذي, حين كانت السفينة راسية خارج ساحل ظفار, سافر برا مشيا على الأقدام من مرباط إلى الدهاريز مصحوبا ببدويين من قبيلة القرى كأدلاء. بعد تركه مرباط ووصفه لتجارتها وزراعتها, واصل رحلته إلى طاقة حيث استقبله زعيمها بلطف, يقول: <<وجدت عشاء جاهزا, يشمل خروفا مغليا مع عسل وأرز>>. تلقى كرتندن نفس اللطف عندما وصل إلى غايته الأخيرة الدهاريز والتي منها عاد معجبا بكرم أهلها, حيث يؤكد: <<استأذنت من مضي في اللطيف أحمد علي مردوف وعدت إلى متن السفينة جد سعيد بنزهتي>>(29). جون هنري كارتر, الجراح المساعد في (بالينرز), زار ظفار بعد كرتندن. قصته حول آثار البليد هي أقرب أن تكون وصفا آثاريا (آركيولوجيا) منها أن تكون أدب رحلة. وفحصه لهذه الآثار دفعه لأن يعترف بأنها بقايا <<ناس متحض رين جدا>> وهم الذي |