|
|||||
|
<<إلى الأمام يا صغيري! قراءة رواية Nord في خريف سنة 1960, شكّلت بالنسبة لي صدمة , مع الارتدادات الهامة والمعقّدة. كنت أبلغ الخامسة والعشرين من عمري, وكنت بدأت للتو في توفير لقمة عيشي ككاتب. أصل , الآن, إلى عمر <<سيلين>> حينما انتهى من <<ثلاثيته الألمانية>> وأعترف , في الوقت الذي يعرف فيه العالم هزات من جراء أحداث مثل 11 سبتمبر في نيويورك والغارات(الأمريكية) على أفغانستان أو الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني , أعترف بأنني لم أشف بعد من هذه الصدمة. كم من مرة, خلال هذه الأربعين سنة الأخيرة, أصخت فيها السمع لكلماته الملحة: إلى الأمام يا صغيري! في تلك الفترة, كان من الصعب العثور على المنشورات الفرنسية الحديثة, إذا لم نكن إختصاصيين. كنت أدرس الأدب الفرنسي , وكنت قد كرست جزءا من شبابي لـ<<سارتر>>, وقرأت رواية <<سفر في آخر الليل>> لأنها أثّرت (عليه على سارتر). حينها أعطاني أستاذي في الجامعة الكتاب الجديد لـ<<سيلين>> المنشور في <<غاليمار>>. أعطاني إياه دون أي تفسير, بالرغم من أنه, بالتأكيد, كانت تنتابه فكرة ما ذهنه. في هذا اليوم, كنت قد ذهبت إليه لأعلن له عن نيتي في التوقف عن متابعة دراساتي من أجل الدكتوراه. لقد كان زواجي, أيضا , من بين الأسباب التي دفعتني لاتخاذ قرار التوقف عن مسار البحث العلمي والاتجاه إلى مهنة الروائي, التي كنت قد وضعت بعض التصوّرات عنها. إن ما كان عبارة عن انجذاب غائم أصبح, بسرعة, ضرورة مطلقة . كم من شباب آخرين, من حينها, أعلنوا بحميّة عن أنه أصبحوا روائيين, وهم يستشهدون بـ<<سيلين>>: <<محرِّر أخبار وفي !.. يجب أن تكون هناك بطبيعة الحال... مناسبات! ليس كل العالم...>>! كنت قد تحدثت لأستاذي عن السفر الذي كنت قد قمت به إلى الصين. كنت أصغر كاتب في مجموعة تمثل حركة مواطنية معارضة للحلف الجديد للأمن الياباني-الأمريكي . تم توجيهنا, في <<بيجين>> في عز الليل, عبر طريق يعبق برائحة مدوّخة من مسك الروم حتى سرادق صغير منعزل, حيث كان ينتظرنا <<ماوتسي تونغ>>. كان جالسا في ساحة الشرف, وهو يدخّن سيجارة تلو الأخرى من نوع <<غراند باندا>> Grand Panda, وقد منحنا لقاء مشكلا , بصفة حصرية, باستشهادات من مؤلفاته, متظاهرا بالتوجه, بشكل خاص , إلى وزيره الأول <<شوان لاي>>. أفترض أن أستاذي كان يريد أن يعرف كيف ستكون ردود فعلي إزاء كلمات من نوع <<صين>> و<<صينيين>> التي قام <<سيلين>>, الذي كان رؤيويا بالرغم من أنه كان منعزلا , بحشو تأليفته الموسيقية الجديدة, ذات الرمزية القوية والمباشرة, بها. ولكن توجد أيضاً رموزٍ أخرى قوية في هذه الرواية: <<هيروشيما>> والقنبلة الذرية. و<<هيروشيما>> هي إحدى الثيمات الرئيسية في حياتي الشخصية. أستاذي كان قد ترجم إحدى الأعمال التي تدين بدايات البحث النووي , والتي هي, دائما, قضية الحدث , اليوم . فهل يكون, رب ما, قرأ في مجلة <<ليكسبريس>> نقد جون-لويس بوري Jean-Louis Bory الذي قال إنه يرى في <<باردامو>> Bardamu, الذي يجسّد <<سيلين>>, <<بانتاكرييل>> Pantagruel العصر الذري ? لأن هذا الأستاذ كان, أيضا , قدّ كرّس حياته لترجمة ولدراسة <<كاركانتيا>> Gargantua و<<بانتاكرييل>> Pantagruel. كان عليّ أن أكبّ على قضية <<سيلين>>, التي لم أجدّ لها من حلّ من خلال القراءة العادية لـ ورد>> Nord, وهي قضيّة لم أجد لها, إلى حدود اليوم, حلاً نهائيا. بالرغم من أنّ حذرا غريزياً كان يدفعني إلى ألاّ أقترب بشكل كبير, إذا ما كنتُ أريد , أنا أيضا , أن أخرج من القضية ككاتب. ولكنّ هذا لم يمنعني من قراءة أعماله حسب استطاعتي امتلاكها. لأن رواية Nord كانت قد منحتني سعادة قراءة كبرى. المشهد الذي يصوّر مُومِسَات <<برلين>> وقد تم إخلاؤهن ووضعهن في سجن انفرادي, وقد تمردن وهن يضربن عجوزاً بلباسٍ عسكريٍ سقط أسيرا في أيديهنّ قبل أن يأكلن الحصان التي قدم لمساعدته, تم تصويره بانتشاء لا يمكن تصديقه . وقد برهن فيها <<سيلين>>, مدفوعا بـ<<القوة الذاهبة>> المستحثّة عن طريق المحكي , عن حماسٍ خارقٍ للعادة. إن القصّة في حد ذاتها وقوّة أسلوبه, اللذين يشكلان قاعدة لما أسميته أعلاه بـ<<قضيّة سيلين>>, يجرّاننا إلى عالم حيث تنتهي اللغة الأصلية بأن تغتذي من الرواية, عبر مفعول قريب من الوحشي ة(أكل لحم البشر). وأنا كانت لدي قناعة مليئة بالأمل, قناعة مبنية على لا شيء محسوسا, من أن هذا التوجّه يمكن أن يؤدي إلى لغة الرواية نفسها... إنّ مساري الشخصي كروائي التوى وانحنى إلى الداخل بولادة إبن معوق بحيث إن حياتي معه أصبحت الموضوع المركزي في عملي. وبشكل مواز , كنت أعمّق روابطي مع ضحايا <<هيروشيما>>. إن <<هيروشيما>>, مثلها مثل <<قضية سيلين>> كانت في قلب هذا الاستشهاد المقتبس من Nord: <<مع الزّمن, وبعد عشرين سنة, ها هي الرؤوس الذرية جاهزة , 75000, فيما يبدو, معشوقة ومستحقة بشكل رائع ! فليقذفوها ولتنضح, يا إلهي, بسرعة!>>. إنّ الضحايا الذين تعرضوا للإشعاعات في <<هيروشيما>> وفي <<ناغازاكي>> ما زالوا يواصلون اليوم حركتهم المواطنية من أجل تدمير الأسلحة النووية, من خلال دفع الأيديولوجيا الذرية إلى معاقلها. وهم (أي هؤلاء ) الضحايا يذهبون إلى حدّ التموضع كضحايا كونيين في مواجهة معتدين مفترضين تمثلهم دول كـ<<الصين>> في آسيا. لقد ناضلت دائما إلى جانبهم. لقد وضعت الحكومة اليابانية نفسها تحت حماية <<المظلة النووية>> الأمريكية. وقد برّرت تصرفها, من الناحية الأخلاقية, من خلال الإعلان بأن <<المبادئ الثلاثة الأساسية لمحاربة الأسلحة النووية>>, أي عدم صنع الأسلحة النووية ولا إدخالها ولا إخراجها, تشكِّل مصلحة الدولة. ولكن ومنذ البداية, مرَّرت اليابان إتفاقاً سرياً يتمثّل في غضّ الطرف عن إدخال الأسلحة النووية إلى اليابان عبر سفن الجيش الأمريكي . لقد كان <<سيلين>> دائما حاضرا في ذهني حين كنت أن اضل من أجل تدمير الأسلحة النووية, بينما كنت أعرفُ حقّ المعرفة وجود هذا التدجيل والخداع ضد بلد بأكمله وضد شعب بأكمله. في كتاباتي عن <<هيروشيما>>, رويت أن الأطباء, وهم الذين تعرضوا بأنفسهم للإشعاعات النووية, والذين كانوا مضللين وحائرين بشكل كامل إزاء الوسائل العلاجيّة التي يمكن استخدامها, وسط الأنقاض, وفي الوقت الذي كانت تنقص فيه حتى الأدوية, انخرطوا على وجه السرعة في العمل بعناد وضراوة من أجل محاولة إنتزاع أناس مهددين بالموت من الموت, من خلال تجاوز المشاكل التي يصادفونها واحدة تلو أخرى. هنا, وخلال تحقيقي أنا في موضوع أطباء <<هيروشيما>> و<<ناغازاكي>>, كان يأتيني إلى الذاكرة, وبشكل طبيعي , الصراع العنيد للدكتور <<ديتوش>> Destouches (أي <<سيلين>>) وهو يواجه الموت . فكنت أقرأ <<ريكودون>> Rigodon خلال كل هذه الأيام التي كنت أواجه فيها, بجانب إبني المعوَّق, الصعوبات الأليمة وغير المنتظرة للانتقال من الطفولة إلى المراهقة. <<سيلين>> الذي تعهّد أطفالا معوَّقين في <<هامبورغ>> (ألمانيا) التي كانت عبارة عن أنقاض, بينما كان هارباً في القطار من ويلات الحرب, كان يتمشى في الشوارع بحثا عن الطعام: <<هيّا يا أطفالي! هيا بنا! أريد أن يتبعوني.. أعمل كدليل .. هذه الطاقة <<إلى الأمام يا صغيري!....>>. <<سيلين>> هو أيضا خبير مفردات(قاموس), لها تأثير مشابه, في القرن العشرين, لتأثير <<دوستويفسكي>> الذي كان يقول في نهاية حياته بأن كلمة <<طفل>> هي كلمة مختصة ومتميّزة , وأكثر من أي كلمة أخرى. وهو يتجاوز إطار <<دوستويفسكي>>, بسبب من كونه يضع كثيرا من الطاقة في وصف الأطفال الذين التقى بهم في سفره المؤلم... إذا اعتبرنا في جمل <<سيلين>> تطابق حاضر المحكي مع حاضر زمن الكتابة, يمكننا القول إنه لم يتوقف عن الانخراط بنشاط , من خلال مواجهة وضعيات صعبة, وهذا ما جعل منه شاهدا من القرن العشرين في الوقت الذي كان فيه نبيا. واليوم , أصبح من الصعب نفي هذا, مهما كان عملنا, فإننا نسقط , بلا رحمة في ما هو عديم الجدوى, كما تنبأ به بصراحة من شرحة . في بداية هذا القرن الحادي والعشرين, يجب على كثير من الكتاب أن يواجهوا أحداثا تهز العالم بأسره, مثل أحداث 11 سبتمبر والغارات (الأمريكية) على أفغانستان أو الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني , دون أن يمتلكوا أسلوب ومعجم <<سيلين>>. وأنا, بدوري جزء من هؤلاء.. بدون سبب موضوعي, ودون أن يكون هذا مرتبطا بمنظور مؤكّد, فأنا أصيخ بسمعي إلى هذه الكلمات المحرضة: إلى الأمام يا صغيري!... هكذا أواصل الاشتغال منذ أربعين سنة وأنا أحمل بمشقّة قضية <<سيلين>>. وأنا أتخيّل , بشكل طبيعي, ضحك هذا العملاق العجوز, وأنا أعترف من أعماق قلبي بأنه في هذا المقطع الذي يعرّف فيه نفسه , فأنا هو الذي يتكلم ويعبّر . <<هذا يدل على أنني قوي : ذاكرة ورصانة....>>. ---------- * لوسيان كومبيل Lucien comelle - <<لويس- فيرديناند سيلين <<الاسلوب ضد الأفكار>> (رابليه، زولا، سارتر والآخرون) دار نشر <<اديسون كومبليكس>> Editions complexe |
|||||
|
|||||