النحات يتحدث

 

هنري مور
ترجمة: أسامة اسبر


أن تحميل الرسم أكثر مما يستطيع, لكي يصبح بديلا للمنحوتة, يضعف الرغبة بانجاز المنحوتة أو من المحتمل أن يجعل المنحوتة مجرد إنجاز ميت للوحة

من الخطأ أن يتحدث النحات والرسام عن عملهما وأن يكتبا دائما عنه لأن هذا يحرر التوتر الذي يحتاجان إليه. فحين يحاول النحات ان يعبر عن أهدافه بدقة منطقية, يصبح- بسهولة- منظرا لايكون عمله الفعلي إلا شرحا محدودا للمفهومات التي تتطور في أحضان المنطق والكلمات.

وعلى الرغم من أن الجزء غير المنطقي والغريزي واللاواعي للذهن يجب أن يلعب دوره في عمل النحات, إلا أنه يمتلك أيضا ذهنا واعيا ونشيطا. يعمل الفنان من خلال تركيز شخصيته كلها, والجزء الواعي منها ينهي الصراعات وينظم الذكريات ويمنعه من محاولة السير في جهتين في الوقت نفسه. من هذا المنطلق, يستطيع النحات أن يقدم, من خلال تجربته الواعية الخاصة, مفاتيح تساعد الآخرين في مقاربتهم للنحت, وفي هذه المقالة لا أقدم مسحا  عاما  لفن النحت أو لتطوره وانما بعض الملاحظات حول المشكلات التي واجهتها بين فترة وأخرى.

أبعاد ثلاثة

يعتمد تذوق فن النحت على القدرة على النظر الى الشكل في أبعاد ثلاثة, ربما, لهذا السبب, وصف فن النحت بأنه أصعب الفنون, وبالتأكيد هو أكثر صعوبة من الفنون التي تتضمن تذوقا للأشكال المسطحة التي لا يمتلك حجمها إلا بعدين. ان كثيرا من البشر مصابون بعمى الأشكال أكثر مما هم مصابون بعمى الألوان. فالطفل الذي يتعلم الرؤية, يميز أولا شكلا ببعدين, ولا يستطيع أن يحسب المسافات والأعماق. فيما بعد, ومن أجل سلامته الشخصية وحاجاته العملية, يتوجب عليه أن يطور- جزئيا من خلال اللمس- القدرة على أن يعي, بصعوبة, مسافات بثلاثة أبعاد. ولكن بعد إرضاء متطلبات الضرورة العملية, فإن معظم البشر لا يتحركون الى أبعد من ذلك, وعلى الرغم من أنهم يمكن أن يدركوا-بدقة- الشكل المسطح, إلا أنهم لا يبذلون المزيد من الجهد الفكري والعاطفي الضروري لفهم الشكل في وجوده المكاني الكامل.

هذا ما ينبغي أن يفعله النحات. يجب أن يبذل جهودا مستمرة كي يفكر بالشكل ويستخدمه في كماله المكاني التام. يحصل على الشكل الصلب, كما كان داخل رأسه, يفكر به, مهما كان حجمه, وكأنه يحمله, مسجونا , بشكل كامل, في فراغ يده, ويتصور ذهنيا  كل ما حوله كشكل معقد, ويعرف حين ينظر الى جانب واحد شكل الجانب الآخر, ويحدد موقعه من مركز جاذبيته وكتلته ووزنه, ويدرك حجمه, كالحيز الذي يحتله الشكل في الفراغ.

وينبغي على المتابع الواعي لفن النحت أن يتعلم كيف يشعر بالشكل كشكل,وليس كوصف أو تذكر, يجب, مثلا, أن يدرك البيضة كشكل مفرد صلب, بعيدا عن دلالاتها كطعام, أو عن الفكرة الادبية بانها ستصبح طائرا, وهذا ينطبق  على الأشياء الصلبة كالمحار والجوزة, والخوخة والاجاصة, والشرغوف, والفطر, وقمة الجبل, والكلية, والجزر, وجذع الشجرة, والطير , والبرعم, والقنبرة, والدعسوقة, والديس والعظام, انطلاقا من هذه الأشياء يستطيع أن يتابع ليتذوق أشكالا أكثر تعقيدا أو تمازجات أشكال عديدة.

برانكوسي(1)

غطي فن النحت الأوروبي منذ القوطيين بالطحالب والأعشاب, وبجميع الأنواع السطحية الزائدة التي تحجب الشكل. وكانت مهمة برانكوسي الرئيسية هي التخلص من هذه الأعشاب الزائدة ليجعلنا, مرة أخرى, نعي الشكل. ولكي يفعل هذا, كان عليه أن يركز على أشكال مباشرة بسيطة جدا, وأن يجعل منحوتاته, مؤلفة من أسطوانة واحدة, وأن يصقل شكلا واحدا الى درجة ثمينة جدا من النضج, حظي عمل برانكوسي, بغض النظر عن قيمته الخاصة, بأهمية تاريخية في تطور فن النحت المعاصر. ولكن ربما لم يعد ضروريا الآن الانغلاق وحصر فن النحت في وحدة الشكل الثابتة وحسب. صار بوسعنا البدء بالانفتاح, أن نقارب عدة أشكال ذات أحجام متنوعة, وأقسام وجهات, ونمزجها في شكل عضوي واحد.

المحار والحصى - شرط الاستجابة للأشكال

على الرغم من ان الشكل البشري هو الذي يهمني أكثر من غيره, إلا أنني غالبا ما منحت انتباها كبيرا الى الأشكال الطبيعية كالعظام والمحار والحصى. وفي بعض الأحيان كنت أرتاد, ولعدة أعوام, الجزء نفسه من الشاطئ, ولكن في كل عام كانت تلفت نظري حصاة لها شكل جديد لم ألمحها مطلقا في العام الفائت, من بين ملايين الحصى التي أعبرها في سيري على الشاطئ الطويل, أختار أن اشاهد بإثارة فقط تلك التي تتلاءم مع اهتمامي بالشكل الموجود في ذلك الوقت. يحدث شيء مختلف إذا جلست وفحصت حفنة من الحصى واحدة بعد أخرى. يمكنني عندئذ أن أطور تجربتي مع الشكل مانحا  ذهني الوقت ليصبح مهيئا  لشكل جديد.

ثمة أشكال كونية يكون الجميع مهيأين لها بشكل لا واع ويستطيعون أن يستجيبوا لها إذا لم تمنعهم سيطرتهم الواعية.

الثقوب في النحت

تظهر الحصى طريقة الطبيعة في تصنيع الحجر, بعض الحصى التي ألتقطها تحتوي ثقوبا, حين أعمل مباشرة على مادة صلبة وهشة كالحجر, فان غياب التجربة والاحترام الكبير للمادة, والخوف من معالجتها بشكل سيئ, غالبا ما يؤدي الى نحت سطحي مريح, دون قوة نحتية.

ولكن بمزيد من التجربة فإن العمل الحجري المكتمل يمكن أن يحفظ داخل حدود مادته, أي لا يتم اضعافه الى ما وراء بنيته التركيبية, وفضلا عن ذلك يتحول من كتلة جامدة إلى مركب يمتلك وجودا  شكليا  كاملا , بكتل من أحجام متنوعة وأقسام تعمل سوية عبر علاقة مكانية.

يمكن أن يكون في الحجر ثقب ولا يضعفه ذلك. إذا كان حجم الثقب وشكله واتجاهه مدروسا يمكن أن يبقى قويا .

إن الثقب الأول في الحجر هو وحي.

يصل الثقب جانبا بآخر, جاعلا من الحجر ثلاثي الأبعاد.

إن الثقب بحد ذاته يمتلك معنى شكليا ككتلة صلبة.

النحت في الفراغ ممكن, حيث يحتوي الحجر, فحسب, على الثقب, الذي هو الشكل المقصود والمعتبر.

لغز الثقب - السحر الغامض للكهوف في جوانب التلال والجروف.

الحجم والشكل

ثمة حجم مادي لكل فكرة.

انتصبت قطع الحجر الجيد حول الاستوديو الذي أعمل فيه فترة طويلة, والسبب هو رغم انني أمتلك أفكارا تلائم نسبها وموادها بشكل تام, إلا أن حجمها كان غير صحيح.

يمكن أن تكون المنحوتة أكبر من حجمها الطبيعي مرات عدة ورغم ذلك يمكن أن تكون تافهة وصغيرة في توليدها للمشاعر ويمكن لمنحوتة صغيرة, لا يتجاوز ارتفاعها بعض الانشات, أن تمنح الشعور بحجم ضخم وعظمة تذكارية, لأن الرؤية التي تكمن خلفها كبيرة. وأضرب مثالا على ذلك رسوم مايكل انجلو او ماساسيو مادونا أو تذكار ألبيرت.

فضلا عن ذلك, يمتلك الحجم المادي الفعلي معنى عاطفيا. نقارب كل شيء مع حجمنا الخاص, وتسيطر على استجابتنا العاطفية للحجم حقيقة أن طول البشر, بشكل عام, هو بين خمس أو ست أقدام.

يتأثر فن النحت باعتبارات الأحجام الفعلية أكثر من اللوحة, اللوحة معزولة عن محيطها بإطار- إلا إذا خدمت هدفا تزيينيا- وهكذا تحتفظ بسهولة بوزنها التخيلي.

إذا سمحت لي الاعتبارات العملية- ككلفة المواد والنقل- أفضل أن أعمل على منحوتات ضخمة. والحجم العادي المتوسط لا يفصل الفكرة, بشكل كاف, عن الحياة اليومية الواقعية, ان الصغير جدا أو الكبير جدا يأخذ حجما عاطفيا اضافيا.

عملت مؤخرا في الريف, ومارست النحت في الهواء الطلق, واكتشفت, آنذاك, ان النحت هنا أكثر طبيعية من العمل في استوديو في لندن, لكنه يحتاج الى أبعاد أكبر. إذا وضعت قطعة كبيرة من الحجر أو الخشب عشوائيا في حقل او بستان او حديقة تبدو حالا ملهمة ومناسبة.

الرسم والنحت

كنت أقوم بالرسم كي يساعدني على النحت, كوسيلة لتوليد أفكار للنحت, كمثل النقر على باب الذات من أجل الفكرة الأولى وكطريقة لابتكار الأفكار وتطويرها.

إذا ما قورن النحت بالرسم فانه يبدو وسيلة تعبير بطيئة, ولقد وجدت في الرسم مخرجا مفيدا للأفكار التي ليس هناك وقت كاف لتحقيقها من خلال النحت, استخدم الرسم كطريقة لدراسة ورصد الأشكال الطبيعية- رسومات من الحياة, للعظام والمحار.

وأحيانا أرسم لمجرد المتعة.

علمتني التجربة ان الاختلاف بين الرسم والنحت يجب ألا ينسى. إن فكرة نحتية يمكن أن تكون مقنعة للرسم, تحتاج دائما الى بعض التغيير حين تحول الى منحوتة.

مرة حين رسمت رسومات من اجل النحت حاولت أن أمنحها وهم المنحوتات قدر ما استطيع- أي رسمت من خلال طريقة الوهم, الضوء الساقط على جسم صلب. ولكنني اكتشفت, فيما بعد, أن تحميل الرسم أكثر مما يستطيع, لكي يصبح بديلا للمنحوتة, يضعف الرغبة بانجاز المنحوتة أو من المحتمل أن يجعل المنحوتة مجرد إنجاز ميت للوحة.

أترك الآن مدى واسعا في تأويل الرسوم التي أرسمها من أجل النحت وأرسم غالبا متبعا أساليب منسجمة ومسطحة دون وهم اللون والظل, لكن هذا لا يعني أن الرؤية الكامنة خلف اللوحة ليست إلا ثنائية الأبعاد.

التجريد والسوريالية

أعتقد أن الخلاف العنيف بين التجريديين والسورياليين غير ضروري اطلاقا. ذلك أن الفن الجيد يتضمن عناصر تجريدية وسوريالية كما يتضمن عناصر رومانتيكية وكلاسيكية: النظام والدهشة, الفكر والخيال, والوعي واللاوعي. إن كلا من جانبي شخصية الفنان يجب أن يلعب دوره. وأعتقد أن الاستهلال الأول للوحة أو لمنحوتة يمكن أن يبدأ من كلا الجهتين.

أحيانا أبدأ لوحة دون أن تكون هناك مشكلة واضحة تحتاج الى حل, وذلك حين أرغب باستخدام قلم الرصاص على الورقة لصناعة الخطوط والأساليب والأشكال دون هدف واع, ولكن بينما تسحرني النتيجة, تومض فكرة ما وتتضح, ثم تتدخل السيطرة والتنظيم.

أو أحيانا أبدأ بموضوح محدد, أو أحل في قطعة حجرية لها أبعاد معروفة, مشكلة نحتية طرحتها على نفسي, ثم أحاول, بوعي, أن ابني علاقة منظمة من الأشكال, تعبر عن فكرتي. ولكن اذا كان الأمر أكثر من تمرين نحتي, تخطر قفزات غير قابلة للشرح في سيرورة الفكر, ويلعب الخيال دوره.

يمكن أن يبدو مما قلته عن الهيئة والشكل هي انني أعتبرهما غايتين بحد ذاتهما, بعيدا عن ذلك, أنا أعي جيدا أن العامل السيكولوجي والتداعي يلعبان دورا  كبيرا  في فن النحت. وربما يعتمد معنى ودلالة الشكل على التداعيات التي لا تحصى لتاريخ الانسان. مثلا, توحي الأشكال المستديرة بالخصب والنضج, ربما لأن الأرض, صدر المرأة, ومعظم الثمار هي مستديرة, هذه المظاهر مهمة لانها تمتلك تلك الخلفية في عادات إدراكنا. أعتقد ان العنصر الانساني العضوي يمتلك دائما, بالنسبة إلي, أهمية أساسية في النحت, ويمنحه حيويته. إن كل منحوتة معينة أصنعها تأخذ في ذهني شخصية انسانية أو أحيانا  شخصية حيوانية, وهذه الشخصية تسيطر على تصميمها وصفاتها الشكلية, وتجعلني مقتنعا أو غير مقتنع بالعمل كما يتطور.

إن هدفي واتجاهي يبدوان متآلفين مع هذه القناعات, رغم أنهما لا يعتمدان عليهما. إن نحتي يصبح أقل تمثيلا , عن كونه نسخة بصرية خارجية, أو ما يدعى بالمجرد, وبهذه الطريقة أستطيع أن أقدم المحتوى السيكولوجي الإنساني لعملي بوضوح وتوتر كبيرين.

المصدر:

Herschel B. Chipp

Theories of Modern Art

A Source Book by Artists and Critics

University of California Press

Berkeley, California

هامش

1 - برانكوسي, قسطنطين (1876- 1975): نحات فرنسي, معظم أعماله من النوع التجريدي.


تصميم الحاسب الشامل