|
|||||
|
عرض في اطار مهرجان السينما العربية بمعهد العالم العربي في باريس في يونيو 2002 فيلم <<انشودة الفؤاد>> اخراج ماريو فولبي عام 1932, وهو اول فيلم مصري تمثيلي طويل ناطق, وان كان قد عرض بعد فيلم <<أولاد الذوات>> اخراج محمد كريم في نفس العام. كان هذا هو العرض الثاني للفيلم بعد 70 عاما من عرضه الأول, وطوال هذه العقود اعتبر من الأفلام المفقودة, او بالأحرى لم يبحث عنه احد في أي مكان. تم العثور على الفيلم في السينماتيك الفرنسي في باريس, وقام ورثة شركة بهنا فيلم بتقديم العرض, وذكر في الكتالوج انه من انتاج وتوزيع نحاس سفنكس فيلم واخوان بهنا فيلم, ولكن لا ذكر للشركة الثانية في عناوين الفيلم ذاته. والواضح من وثائق مهرجان معهد العالم العربي ان ادارته لم تدرك اهمية العرض, ولم تعتبره من الاحداث الكبرى, وانما مجرد سهرة <<طريفة>> على هامش المهرجان. فقد كان من الضروري ان يقدم العرض مدير السينماتيك الفرنسي, ويروي كيف تم العثور على الفيلم وكيف تم ترميمه. الاصل في الكتابة عن أي فيلم مشاهدته, ولهذا نعتبر مشاهدة <<أنشودة الفؤاد>> من الاحداث الكبرى, فكل ما نشر عنه طوال 70 سنة كان ترديدا لمعلومات وآراء نشرت هنا وهناك عن العرض الأول, واضاف اليها من أضاف وحذف منها من حذف مثل الحكايات الفولكلورية. ومما يؤكد عدم ادراك ادارة مهرجان معهد العالم العربي لأهمية العرض تخصيص صفحتين عن الفيلم في الكتالوج, ونقل المعلومات عن المصادر الفولكلورية السائدة عن تاريخ السينما في مصر, وليس من واقع مشاهدة الفيلم, بينما كان الواجب مشاهدة الفيلم قبل العرض, ونشر دراسة وافية عنه. تردد دائما أن اغاني الفيلم من تأليف خليل مطران وعباس العقاد, بينما تذكر عناوين الفيلم انها من تأليف خليل مطران وحده, ولكن كتالوج المهرجان يذكر انها من تأليف مطران والعقاد. وملخص قصة الفيلم المنشور في الكتالوج منقول بدوره عن مصدر ما, وليس من واقع المشاهدة. بل ان الصورة الوحيدة المنشورة في الصفحة الوحيدة من دون تعريف توحي بأنها صورة للمغنية نادرة التي قامت بالدور الرئيسي في الفيلم, ولكنها ليست صورتها. عناوين الفيلم اخراج ماريو فولبي قصة خليل مطران عن رواية ن. لازار سيناريو ماريو فولبي حوار خليل مطران تصوير او مبرتو دوريس وتوليو كياريني 35م أبيض وأسود 125 دقيقة. موسيقى نجيب نحاس أغنية <<يا بحر النيل يا غالي>> تأليف خليل مطران لحن زكريا احمد غناء نادرة أغنية <<انشودة الفؤاد>> تأليف خليل مطران لحن زكريا احمد غناء نادرة تمثيل جورج ابيض في دور ابراهيم نادرة في دور نادرة عبدالرحمن رشدي في دور حسني زكريا احمد في دور عمر محمد عبدالله في دور أمين باشا ليان دارفيل في دور ميريل نادية في دور ليلى رمزي عبداللطيف في دور احمد ديزي بالما في دور آن انتاج وتوزيع نحاس سفنكس فيلم (ادمون نحاس) تم اعداد المشاهد الناطقة في ستوديوهات جومون بباريس. ملخص القصة عام 1932 يلتقي أمين باشا مع السيدة الاجنبية ميريل في فندق مينا هاوس الذي يقع بالقرب من اهرامات الجيزة, ويتجول معها في القاهرة, ويدعوها لزيارة مدينة سوهاج. في سوهاج يعيش حسني في سعادة وهناء مع زوجته نادرة, ولكنه يتعلق بميريل. عمر مدير محلج قطن امين باشا والذي كان يريد الزواج من نادرة يبلغها ان زوجها على علاقة مع ميريل. يحاول ابراهيم شقيق نادرة اقناع ميريل بالابتعاد عن حسني, ولكن عمر يقول لحسني ان ابراهيم على علاقة مع ميريل. يطلق عمر الرصاص على ابراهيم, ويلفق الجريمة ضد حسني في نفس الوقت الذي تلد فيه نادرة ابنتهما ليلى. يحكم على حسني بالسجن 15 عاما, ويفقد ابراهيم بصره, بعد 16 سنة يعود حسني الى سوهاج شحاذا, ويعود احميد ابن امين باشا من اوروبا بعد ان درس طب العيون. يتبادل احمد الحب مع ليلى. يلتقي حسني مع عمر الذي اصبح شحاذا بدوره, ويعترف عمر للقاضي بان حسني بريء, ويموت. يشفى ابراهيم على يد الدكتور احمد ويسترد بصره ويجمع أمين باشا بين حسني وابنته ليلى يوم زفافها الى احمد. بداية السينما الناطقة كانت مصر قد عرفت سينما توجراف لوميير عام 1896 بعد سنة واحدة من العرض الأول في باريس عام 1895, وعرفت انتاج الأفلام القصيرة الصامتة عام 1907, وشهدت انشاء اول مدرسة للرسم والنحت عام 1908, ووقوف اول امرأة مسلمة تمثل على المسرح عام 1915, ثم كانت الثورة الشعبية ضد الاحتلال البريطاني عام 1919, والتي انتهت باعلان استقلال مصر السياسي عام 1922, وصدور دستور 1923, والاستقلال القانوني عن الدولة العثمانية عام 1924, وانتاج الافلام الطويلة الصامتة عام 1927, وصدور اول قانون للجنسية المصرية عام 1929, وانشاء اول معهد حكومي للتمثيل عام 1930. وكانت السينما الناطقة قد اخترعت في هوليوود عام 1927, وكما في كل بلاد العالم التي عرفت السينما لم تتحول من المرحلة الصامتة الى المرحلة الناطقة إلا بعد سنوات من ذلك التاريخ, وكانت بداية السينما الناطقة في مصر عام 1932. لم يكن من الممكن, وليس من الممكن انتاج الافلام التمثيلية الطويلة في أي بلد لا يعرف المسرح, ويمنع المرأة من التمثيل على المسرح, وقد شهدت العقود الثلاثة الأولى من القرن العشرين الميلادي في مصر نهضة مسرحية كبيرة, ولذلك عرفت مصر انتاج الافلام التمثيلية الطويلة الصامتة عام 1927, ومثل أغلب بلاد العالم كان نجوم المسرح هم نجوم السينما الأوائل, وكانت الأفلام الناطقة الاولى أقرب الى المسرحيات المصورة, وكان جورج أبيض (1880- 1959) ويوسف وهبي (1989- 1982) من كبار نجوم المسرح عام 1931, وكان من المنطقي ان يتنافسا لصنع اول فيلم مصري ناطق. بدأ انتاج <<انشودة الفؤاد>> في يونيو عام 1931, وبدأ انتاج <<أولاد الذوات>> في سبتمبر من نفس العام. وكما يقول محمد كريم (1896- 1972) في مذكراته عام 1972 اعداد محمود علي كان علينا ان نقدم لمصر اول فيلم ناطق, وكان فيلم <<أنشودة الفؤاد>> في طريقه الى الاتمام, كنا نحن ومنتجو <<انشودة الفؤاد>> نتسابق, ومن يكتب له الفوز في السباق سيكون حديث مصر كلها, ص153. ورغم ان <<انشودة الفؤاد>> تم قبل <<أولاد الذوات>> الا ان الفيلم الثاني سبقه الى العرض في 14 مارس عام 1932 في سينما رويال بالقاهرة, بينما عرض <<انشودة الفؤاد>> في 13 ابريل في سينما ريالتو بالاسكندرية ثم في سينما ديانا بالقاهرة في اليوم التالي. تذكر سعاد ابيض في كتابها <<جورج أبيض>> عام 1970: في يونيو عام 1931 حضر ادمون نحاس وأخوه جبرييل والاستاذ انطون خوري اصحاب شركة <<نحاس فيلم>> لمقابلة الأستاذ جورج ابيض, ووقعوا معه عقدا لبطولة اول فيلم عربي غنائي ناطق <<انشودة الفؤاد>> وهي قصة دراما وطنية اجتماعية مصرية عن مأساة عنيفة تدور حوادثها في وادي النيل تأليف الأستاذ ن.لازار ووضع السيناريو والقصائد خليل مطران ولحن الاغاني فيها الأستاذ زكريا احمد وقام بالتمثيل جورج ابيض وأميرة الطرب السيدة نادرة وعبدالرحمن رشدي واخراج ماريو فولبي الايطالي, ص272, 273. وفي نفس الكتاب تذكر سعاد أبيض ان الفيلم نجح وأدى نجاحه الى عرض الافلام 4 مرات في اليوم بدلا من مرتين لأول مرة في مصر ص275. وفي مجلة <<الكواكب>> الشهرية عدد فبراير 1949 نشر زكريا احمد مقالا تحت عنوان <<فشلت كملحن ونجحت كممثل جاء فيه انه في عام 1931>> زارني صديقي المرحوم الأستاذ عبدالرحمن رشدي وتحدث معي عن مشروع اخراج اول فيلم غنائي مصري, تشترك فيه اميرة الطرب- حينئذ- السيدة نادرة, والاستاذ جورج ابيض بك, وطلب مني أن اقوم بتلحين أغاني الفيلم, وحدد موعدا أقابل فيه المنتج الأستاذ نحاس. وجلسنا نتحدث عن الأغاني المطلوبة وتلحينها, ثم جاء دور الكلام في الأجر, فعرض المنتج أن يدفع لي اربعة جنيهات ثمنا لكل أغنية اقوم بتلحينها, فدهشت لجهله بحقيقة ما كنت أتناوله من أجر, وفقدت أعصابي فثرت عليه ثورة عاتية, وأشبعته كلاما شديدا. وكان مخرج الفيلم <<ماريو فولبي>> حاضرا, فأعجبته ثورتي, واذا به يعرض علي ان اقوم بتمثيل شخصية الرجل المكروه في الرواية.. وكان هذا العرض مفاجأة لي, لأنني لم امثل من قبل, ولم افكر يوما أن أكون ممثلا, فرفضت معتذرا بجهلي بالتمثيل. ولكن جورج أبيض بك وعبدالرحمن رشدي ألحا علي وعرضا عروضا مغرية لكي أقوم بتمثيل الدور, خصوصا بعد أن فشل الاتفاق مع الأستاذ احمد علام. وقد وافقت مبدئيا, ولكنني عندما قرأت الدور وجدته طويلا جدا, فراجعت نفسي, واعتذرت عن التمثيل مكتفيا بالقيام بتلحين الاغاني في نظير مائتي جنيه. وفي خلال قيامي بالتلحين, كان الزميلان الكبيران يلحان علي ويحاولان اقناعي بالتمثيل أيضا, وقد عرفت اننا سنسافر الى باريس حيث نقضي شهرا ونصف في اعداد الفيلم, فشجعني ذلك على القبول في النهاية, وهكذا انتهيت من تلحين الاغاني في القاهرة, وتحفيظها للسيدة نادرة, ثم انقلبت الى ممثل.! وبدأ التقاط المناظر الخارجية في القاهرة, فكنت أطلب من جميع اصدقائي الممثلين ان يوجهوني لأنني اجهل الناس بالتمثيل, ولكنهم كانوا, وعلى رأسهم المخرج, يثنون على طريقتي الطبيعية في التمثيل. وسافرنا الى باريس لتصوير المناظر الداخلية باستوديو جومون, ولما انتهينا منها بدأنا في تسجيل الاغاني, وكان علينا ان نسجل اغنيتين هما: <<آه يا بحر النيل يا غالي....>> وأغنية <<يقولون ليلى بالعراق مريضة....>>. وكانت صدمة عندما تبينت انه لا يوجد في باريس موسيقيون يستطيعون الاشتراك معي في تسجيل هذه الانغام الشرقية. وعثرت أخيرا على الشابين الناشئين <<عبدالحليم علي>> و<<عبدالحميد عبدالرحمن>> وكانا في بعثة حكومية لدراسة الموسيقى, فاشتركا في التسجيل بالعزف على الكمان. وجلست في الاستوديو مهموما ضيق الصدر, لعدم وجود تخت كامل, فقد كان التخت كله عبارة عن العود الذي أعزف عليه وكمنجتين. وبدأت السيدة نادرة تغني, ولكنها لم تتبع تعليماتي, فانفجرت تأثرا, وحطمت عودي, فأصيبت يدي اصابة استدعت نقلي الى المستشفى, ثم خرجت وسجلت الاغاني وأنا غير راض عنها. وجاءت ليلة عرض الفيلم في سينما ديانا بالقاهرة, وجلست أشاهد زكريا محمد احمد الممثل, واستمع الى زكريا احمد الملحن. واعترف انني أحسست بمرارة الفشل كملحن, ولكنني رأيت نفسي كممثل لدور الشرير, فدهشت لنجاحي في تمثيله. وقد خرجت مشيعا بسخط الجمهور, وكانت الشتائم التي صبها على رأسي شهادة ناطقة بنجاحي في تمثيل هذا الدور>>. نـــــــادرة كانت نادرة (1907- 1990) من كبار مغنيات عصرها حتى اطلق عليها أميرة الطرب, وكانت صورتها في <<انشودة الفؤاد>> أول غلاف للاصدار الاول لمجلة <<الكواكب>> كملحق لمجلة <<المصور>> في 28 مارس عام 1932. وقد ولدت نادرة في بيروت, وتزوجت في دمشق عام 1927, وطلقت بعد شهور, وجاءت الى القاهرة عام 1928, وعاشت فيها حتى توفيت. غنت نادرة اكثر من 300 اغنية من 1928 الى 1960, وقال الزهاوي في استقبالها عند زيارتها للعراق عام 1934: ما انت الا نادرة, في كل فن ساحرة للسمع أنت نعمة, ومتعة للباصرة وقد مثلت نادرة وقامت بالغناء في ثلاثة أفلام: <<انشودة الفؤاد>> و<<شبح الماضي>> اخراج ابراهيم لاما عام 1934, ثم <<انشودة الراديو>> اخراج توليو كياريني عام 1936. وكانت الافلام الثلاثة من الافلام المفقودة حتى عثر على <<انشودة الفؤاد>> فأصبح الفيلم الوحيد المتوفر من أفلامها, والوحيد المتوفر من الأفلام الناطقة الأربعة الاولى عام 1932, والافلام الثلاثة الأخرى <<أولاد الذوات>>, و<<سعادة كشكش بك>> اخراج استيفان روستي, و<<تحت ضوء القمر>> اخراج شكري ماضي. الاخوة نحاس اما الاخوة نحاس, وهم من لبنان أيضا, فهم من مؤسسي السينما في مصر, وقد وضعوا كل ارباحهم منها في بناء ستوديو نحاس الذي تغير اسمه بعد تأميمه في الستينيات الى ستوديو النيل. ماريو فولبي ومثل اغلب المخرجين غير المصريين الذين عملوا في السينما المصرية لا تتوفر اية معلومات عن المخرج الايطالي ماريو فولبي الذي اخرج في مصر ستة أفلام من 1932 الى 1937 (انشودة الفؤاد 1932- الاتهام 1934- الغندورة 1935- ملكة المسارح 1936- ليلى بنت الصحراء 1937- الحب المرستاني 1937) وكلها من الافلام المفقودة ما عدا <<ليلى بنت الصحراء>> الذي اشتركت في اخراجه منتجته بهيجة حافظ, و<<انشودة الفؤاد>> بعد العثور عليه. وقد منع <<ليلى بنت الصحراء>> من العرض, وربما كان ذلك وراء توقف عمل ماريو فولبي في الافلام المصرية, وخاصة ان فيلمه الاخير في مصر <<الحب المرستاني>> عرض بعد بدء عرض <<ليلة بنت الصحراء>> بأسبوع واحد (الأول في 28 يناير والثاني في 8 فبراير) مما يعني انه انتهى من اخراج الفيلمين معا في يناير 1937. المصريون والأجانب هل عرف يوسف وهبي موضوع فيلم <<انشودة الفؤاد>> فاختار ان يعالج نفس الموضوع في فيلم <<أولاد الذوات>> ام انها محض صدفة ان يتناول الفيلمان نفس الموضوع, وهي العلاقة بين المصريين وبين الاجانب. روع المجتمع المصري في يوليو 1923بمصرع علي فهمي بك على يد زوجته الفرنسية مرجريت بعد شهور من زواجهما, وكما نشر في مجلة <<اللطائف المصورة>> عدد 23 يوليو 1923 انفق علي فهمي 02 الف جنيه في تأثيث القصر الذي بناه على النيل في الزمالك (مجمع الفنون الآن) عشية زواجه من ماري في فبراير بعد ان اسلمت واطلقت على نفسها اسم منيرة, وابتاع لها في باريس جواهر بمبلغ 200 الف فرنك أمنت عليها بمليون ومائتي الف فرنك, ووصفت المجلة صورة مرجريت بانها <<صورة الشيطان في جسم ملاك>>. يقول لويس عوض في سيرته الذاتية <<اوراق العمر>> عام 1989) بعد جرائم ريا وسكينة (1920) وجرائم ادهم الشرقاوي (1921) كانت هناك جريمة روعت الرأي العام في 1923 وظلت حديث الصحافة والناس لسنوات طويلة, وكانت هذه جريمة مرجريت فهمي التي قتلت زوجها (الوجيه) المصري علي كامل فهيم بك في فندق من فنادق لندن الكبرى. وكنت يومئذ قد تجاوزت الثامنة من عمري, وكنت اتابع كل ما تكتبه الصحف والمجلات المصرية عن هذه القضية, ولذا بقيت ملامحها العامة في عقلي ووجداني اكثر من ستين عاما حتى كتابة هذه المذكرات. ولكني كالعادة, رجعت قبل التدوين الى كتاب كنت قد قرأته منذ ثلاثين عاما اسمه <<مرافعات مارشال هول الشهيرة>>. والسير ادوارد مارشال هول هو المحامي الانجليزي الشهير الخطير الذي ترافع في لندن عن مرجريت فهمي واستخلص لهذه القاتلة المتلبسة أغرب حكم في تاريخ القضاء وهو البراءة>>. ويقول لويس عوض <<فلم تمنع جريمة مرجريت فهمي العديد من الشباب المصريين من الزواج بالاجنبيات>>, ويقول <<من يقرأ صحافة العشرينيات والثلاثينيات وأدبهما, بل من يقرأ الصحافة والأدب منذ <<عيسى بن هشام>> و<<زينب>> حتى بداية الحرب العالمية الثانية, يجد فيها مناظرات لا تنتهي بين الفتاة المصرية والفتاة الاوروبية>>, وان الانتصار للفتاة المصرية تعاظم مع انتشار تعليم البنات ومع اتساع الطبقة المتوسطة حتى غدت صورة الزواج بالاجنبيات شبيهة بالوباء القومي, وحتى تعالت الاصوات بحماية بناتنا من هذه المنافسة غير المشروعة وطالبت الاصوات الحكومة بحماية بناتنا كما تحمي الصناعة الوطنية>>. ويختتم لويس عوض هذا الفصل من مذكراته قائلا <<وقد كانت أهم ثمرة في أدب المسرح لتعاظم هذه الحملة على الزوجة الاجنبية هي مسرحية <<أولاد الذوات>> التي كتبها ومثلها يوسف وهبي (عام 1930) وهي تصور وجيها مصريا اغتر بالنشرة الحضارية البراقة التي تتميز بها المرأة الاوروبية فتزوج من فتاة أجنبية بددت أمواله وخربت بيته واكتشف انها تخونه. وقد كنا نتندر ونحن صغار بذلك الكريشندو الذي بلغه يوسف وهبي وهو يصيح في زوجته الاجنبية قبل ان يطلقها <<يا امرأة الكل يا مزبلة>>. ويبدو ان <<أولاد الذوات>> كانت الرد الميلودرامي على قضية مرجريت فهمي وعنصرية مارشال هول من وجهة نظر مصرية. بعبارة أخرى: إذا كنتم تصفون كل الأزواج المصريين بأنهم جلادون يسحقون زوجاتهم, فنحن أيضا نصف كل الزوجات الأجنبيات بأنهن ساقطات يخن ازواجهن, ونبقى خالصين, والبادي أظلم. وهذه التعميمات في الحالتين سذاجات لا تليق بالمتحضرين>>. أولاد الذوات وعن مسرحية <<اولاد الذوات>> كتب يوسف وهبي قصة وحوار الفيلم الذي اخرجه وكتب له السيناريو محمد كريم بنفس العنوان. وملخص قصة الفيلم من واقع ما نشر عنه: يخون حمدي زوجته المصرية مع فتاة فرنسية, ويسافر معها الى باريس, وهناك يكتشف انها تخونه, فيقتلها ويقتل عشيقها, ويحكم عليه بالسجن. يعود حمدي الى مصر يوم زفاف ابنه ليجد ان زوجته قد تزوجت من ابن عمها بعد ان تصورت انه توفي في فرنسا. ومن دون ان يعرف نفسه يتقدم حمدي نحو ابنه ويقدم لها التهاني, فيتصور الابن انه شحاذ ويعطيه بعض المال. يغادر حمدي المنزل وينتحر. يذكر محمد كريم في مذكراته ان جريدة <<لابورص>> الفرنسية هاجمت فيلم <<اولاد الذوات>> ونشرت جريدة <<المقطم>> ترجمة عربية للمقال في عدد 30 مارس 1932 جاء فيها <<اذا تركنا جانبا الوجهة الفنية التي عمل عليها فيلم <<اولاد الذوات>> وهي تعد عتيقة مضحكة, فنحن نجد ان هذا الفيلم هو على مثال أفلام روسيا الشيوعية التي تترك الفن للفن وتقصد الدعاية, فقد أرادوا به ان يروجوا الدعوة لدى المصريين لكراهية المرأة الاوروبية وخاصة الفرنسية, فهي تخرب البيوت وتقود الرجال ضحيتها الى الدمار والى الجريمة والى الموت. ولكي يستكملوا المظاهرة وأمنعوا بطريقة كلها عبث اطفال جميع الرذائل وضروب الخسة في شخص تلك المرأة وعهدوا بها للمدموازيل كوليت درافي التي قامت بالدور عن طيب خاطر وهو موضع العجب>>. ويستطرد كاتب المقال <<وليس من شك ان الكثير من الناس الطيبين قد صدقوا ان هذا هو حال المرأة الاوروبية. ولا حاجة للقول ان شخصية دافاس انما هي كاريكاتورية بل وكاريكاتورية مشوهة, فقد جمعوا فيها كل شيء ليجعلوها رمز رذيلة الغرب في مقابل فضيلة الشرق. وكان هذا منهم عملا رديئا. كما لو انهم مثلوا في اوروبا عصابة يبدو فيها شاب مصري يخدع امرأة, فمثل هذا الفيلم يضيق به الناس لانه ينطوي على الحقد, ولكن ما من أوروبي صنع ذلك الفيلم, فكيف يخرجون في مصر فيلما كهذا مبنيا على التعصب من دون ان يكون حتى على شيء من الفن>>. ويقول محمد كريم <<ثم نشرت <<المقطم>> النبأ التالي: قدم بعض الاجانب شكوى الى وزارة الداخلية في فيلم <<أولاد الذوات>> وقالوا ان فيه تعريضا وأسبابا للنفور فندبت الوزارة جناب المستر جرايفز ومعه اعضاء اللجنة المختصة بهذه الامور فذهبوا يوم الاربعاء الى سينما متروبول حيث عرض الفيلم عليهم فحكموا بان ليس فيه ما يستحق الاعتراض او المؤاخذة على المرأة الفرنسية, واكدت اللجنة اجازة الاستمرار في عرضه على انظار الجمهور. وكان قد حدث على اثر هذه الحملة ان أوقفت وزارة الداخلية الفيلم في اول يوم من عرضه الثاني في سينما متروبول في الحفلة الصباحية, وحدثت في البلاد هزة كبرى لهذا المنع أفادت الفيلم فائدة عظيمة, وصادف عرضه اقبالا كبيرا. أنشودة الفؤاد يختلف <<انشودة الفؤاد>> في نظرته الى الاجانب اختلافا تاما عن <<أولاد الذوات>>, ففيه نرى الاجنبية الشريرة ميريل, والاجنبية الطيبة آن, وهي المربية التي قامت بتربية ليلى, والتي تتبادل الحب مع رئيس الخدم في قصر الباشا, وهو مصري رقيق العواطف يبدو اقرب الى شخصية سيرانو دي برجراك, ويعبر المخرج عن هذا الحب في محاكاة ساخرة لمشهد الشرفة الشهير في مسرحية <<روميو وجولييت>>. ولاشك ان هذه النظرة الانسانية الى الاجانب, واعتبارهم مثل أي مجموعة بشرية في أي مكان فيهم الصالح والطالح, ترجع الى ان مؤلف القصة (ن.لازار) اجنبي, وكذلك المخرج (ماريو فولبي). ولكن هذه النظرة تعبر أيضا عن نظرة الغالبية من المصريين في المدن وحتى في القرى حيث تعايشوا مع جاليات أجنبية كبيرة العدد وخاصة من اليونانيين والايطاليين عشرات من السنين. ونفس النظرة الانسانية يعبر عنها ماريو فولبي تجاه المصريين, فكما يوجد الشرير والطيب بين الاجانب, يوجدان بين اهل البلد أيضا. بل وتمتد هذه النظرة الى العلاقات بين الباشا الثري وبين الموظفين الذين يديرون اعماله, والفلاحين الذين يعملون في أرضه. ليس هناك صراع بين الطبقات, وانما بين الخير والشر في ميلودراما مستمدة من المسرح الفرنسي مثل <<أولاد الذوات>> وغيرها من مسرحيات وأفلام العصر. وقد كان المسرح الفرنسي المؤثر الرئيسي على المسرح العربي منذ بدايته في منتصف القرن التاسع عشر الميلادي, كما كان المؤثر الرئيسي على السينما العربية منذ بدايتها في العشرينيات من القرن العشرين. مثل كل الافلام الناطقة الاولى بما في ذلك الفيلم الامريكي <<مغني الجاز>> اول فيلم ناطق في عام 1927, لم يكن <<أنشودة الفؤاد>> ناطقا في كل فصوله, وانا في بعض هذه الفصول. ولذلك كانت الافلام الناطقة الاولى تعرض تحت شعار <<ناطقة مائة في المائة>>. ويبدو أسلوب السينما الصامتة بوضوح في استخدام لافتات الكتاب التي تقطع الأحداث لتشرح ما لا يمكن شرحه بالصور فقط, كما يبدو في أداء الممثلين والممثلات الذي كانت تسوده المبالغات في السينما الصامتة حتى يتمكن الممثل من التعبير من دون استخدام صوته, وفي المشاهد المسرحية الكثيرة حيث عادت السينما الى التأثر بالمسرح مع بداية النطق بعد ان تخلصت من كل آثاره في روائع السينما الصامتة. ولكن أسلوب ماريو فولبي في اخراج <<انشودة الفؤاد>> يتميز بمفردات سينمائية كثيرة اهمها استخدام العودة الى الماضي مرتين: المرة الاولى عندما يطلب عمر من نادرة ان تترك زوجها وتعود معه الى البادية, ونراهما في الصحراء, ونعرف انهما من أصول بدوية, وكانت تربطهما قصة حب من طرف واحد قبل ان تتزوج نادرة من حسني. والمرة الثانية عودة الى الماضي من داخل الفيلم ذاته عندما يعترف عمر للقاضي بحقيقة ما حدث, وانه القاتل وليس ابراهيم. وفي النسخة التي شاهدناها من الفيلم اغنيتين لنادرة تأتيان في موضعهما, ويتم التعبير عن معانيهما بالصور وليس بتثبيت الكاميرا أمام المغني, وهما أغنية القطن واغنية النيل <<شد الجلوع يا ريس>> قبل عقد قران احمد وليلى. غير ان اهم ما يميز اسلوب الاخراج وما يجعل الفيلم من الوثائق الهامة عن الحياة في مصر وقت تصويره المشاهد التسجيلية التي تكاد تشمل مصر كلها من الاسكندرية الى سوهاج مرورا بالقاهرة, وهو اول فيلم مصري صور في سوهاج, وآخر فيلم حتى الآن. ففي البداية قبل ان يلتقي أمين باشا مع ميريل في فندق مينا هاوس بالجيزة, نرى الاهرامات وابو الهول والنيل فضلا عن الفندق الشهير. وفي جولة أمين باشا مع ميريل في القاهرة نرى ميدان الاوبرا وحتى القلعة, ويبدأ المشهد بمنظر عام للمدينة. وعندما يأخذها معه الى بلدته سوهاج نرى المدينة, ومشهد تسجيلي طويل لمحلج القطن الذي يملكه أمين باشا ويديره عمر. وعندما يتم القبض على حسني ينطلق صوت اذان الصلاة الاسلامية,ونرى مشاهد للمآذن في كل مكان, والناس يصلون حتى في الصحراء. وعند وصول احمد من اوروبا بعد ان انهى دراسته يصور فولبي ميناء الاسكندرية. وعند نزهته مع ليلى في الاقصر نرى تمثالا مينون والعديد من الآثار الفرعونية, بل وهناك أيضا بالتصوير في سيوة عندما يروي حسني كيف هرب الى الواحة المعروفة في الصحراء الغربية, ولكن ليس في المشهد ما يدل على التصوير في صحراء سيوة. وفي النهاية هناك مشهد تسجيلي لموكب الملك فؤاد في الشارع مع صوت السلام الملكي وابراهيم يهتف يعيش الملك. ويفهم من هذا المشهد ان عنوان الفيلم <<انشودة الفؤاد>>, تحية الى الملك فؤاد, أو يتضمن هذه التحية على الأقل, والمعروف أن كلمة الفؤاد تترادف مع كلمة القلب. |
|||||
|
|||||