|
|||||
|
ألبرطو كاييرو داسيلبا, الن د الأول الذي خلقه بيسوا وأصبح معلمه ومعلم الانداد الآخرين, رييس, كاميوس, باشيكو, انطونيو مورا.. ولد في لشبونة يوم 16 ابريل 1889. ومات مسلولا في لشبونة ذاتها عام 1915. أمضى الشطر الأكبر من حياته القصيرة في ضيعة صغيرة واقعة على ضفة المجرى السفلي لنهر التاج قُرب العاصمة حيث تفرغ في عزلة كاملة, لتأمل الطبيعة, مهووسا عبر نثريّة أشعاره <<ببساطة>> و<<طبيعية>> كل تلك الأشياء التي <<يراها الانسان ولا يراها>>. قائلا عن نفسه: <<لست شاعرا: أنا أرى وحسب>>. تلامذته يعتبرونه <<شاعرا طبيعيا>> بيسوا يؤكد عدم تلقيه لأي تكوين دراسي لا متوسط ولا عال , ويقول عنه: <<انه يكتب البرتغالية بشكل سيء>>. أما ريكاردو رييس أقرب تلامذة بيسوا اليه والمؤتمن على أسراره فقد كتب مقالا طويلا جاوز العشرين صفحة مكرسا لدراسة شعر كاييرو بعد وفاته كان من المفترض أن تصدر باعتبارها التقديم الملائم لأعمال الشاعر التي تولى كاييرو أمر اخراجها للنشر.. ومما تضمنته تلك الدراسة النابهة: <<كاييرو مثل جميع الشعراء الكونيين, شاعر بساطة مطلقة, ليس كمثل أشعاره ما يحيا بمنأى عن المخترعين المحدثين للانطباعات, وعن صاقلي الأحاسيس البسيطة. وعمن يلوكون ويظلون يلوكون الروح ذاتها حتى اضاعتها: اضاعة اللباب الهلامي للأحاسيس اللامعينة. كل الشعراء الكبار بسطاء, واذ ما بدوا عسيري الفهم, فلأن بساطتهم تحوي مبادئ جديدة, تصورا جديدا عن الأشياء يمضي لجدته, ولا لغموضه, إلى ماهو أبعد من العادات الذهنية التي تشترط عملية الفهم...>>. راعي القطيع(1) -1- لم ارع قطعانا قط , لكن يبدو كما لو أنني رعيتها. روحي أشبه بالراعي تعرف الشمس والريح من يد الفصول تمضي ناظرة تواصل المضي. سلام الطبيعة بلا بشير إلي يأتي للجلوس بجانبي. لكنني إزاء التخيل أغدو حزينا مثل غروب شمس عندما يدب النشاط في أعماق البطحاء ويكون الليل قد تسلل مثل فراشة عبر النافذة. غير أن حزني كله هدوء لأنه طبيعي وصحيح ولأنه هو ما يجب أن يعتري الروح عندما تفكر أنها موجودة بينما يداي بلاوعي تقطفان أزهارا مبتهجة خواطري مثل جلبة أجراس فيما وراء منحنى الطريق. ما يحزنني فحسب هو معرفتي بابتهاجها. لأنها , لو لم أعرف, ستكون حزينة مبتهجة بدل أن تكون مبتهجة حزينة. مُزعج هو التفكير كالسير تحت المطر عندما تشتد الريح وهطول المطر. لا مطامح لدي ولا رغائب كوني شاعرا ليس مطمحي الخاص هو طريقتي في أن أكون وحيدا . إذا كنت ارغب أحيانا , بواسطة التخيل, في أن أكون خروفا (أو أكون القطيع بكامله حتى أمضي مبعثرا عبر المنحدر حاسا أنني مجموع أشياء كثيرة محظوظة في آن واحد) فلأنني فحسب أحس ما أكتب حال غروب الشمس أو حالما ت مرر غيمة يدها فوق النور بينما السكون يخترق العشب. حينما أجلس لكتابة ابيات أو, حينما أكتب, متجولا عبر الطرقات, أبياتا على ورق موجود في تفكيري, أحس عصا الراعي بين يدي وأرى لي وجها في قمة رابية , ينظر إلى قطيعي ويرى أفكاري, أو ينظر إلى أفكاري ويرى قطيعي, وهو يبتسم بغموض كمن لا يفهم ما يقال ويريد التظاهر بالفهم. أحيي جميع من يقرؤني نازعا قبعتي ذات الطرف الواسع عندما يقع بصرهم علي ببابي وأنا بالكاد أظهر سريعا على قمة الرابية أحييهم وأتمنى لهم الشمس, والمطر, عند الضرورة, وأتمنى لمنازلهم مقعدا وثيرا جنب نافذة مفتوحة , فيه يجلسون لقراءة أشعاري. وليفكروا, وهم يقرؤونني أنني شيء طبيعي تماما : مثل تلك الشجرة المعمّرة التي كانوا, يتهالكون صغارا , على ظلها, متعبين من اللعب, وهم يمسحون العرق من الجبين المتقد بك م السترة المخططة. -2- نظرتي صافية مثل عباد الشمس. عادتي السيْر عبر الطرقات والنظر إلى اليمين إلى الشمال على الوراء من حين إلى آخر وما أراه كل لحظة , هو ما لم أره قط من قبل, وهو ما أتأكد منه جيدا . أجيد الإحساس بدهشة الطفل أثناء الولادة, إذا تنبه حقا إلى أنه قد ولد. أحسني مولودا كل لحظة إزاء الجدة الأبدي ة للوجود. أؤمن بالعالم إيماني بأقحوانة, لأنني أراه. لكن بدون أن أفكره. لأن التفكير هو عدم الفهم. لم ي خلق العالم لنفكر فيه (أن أفكر معناه أن بي رمدا في العينين) ولكن ليرى ويتقبل... لا أملك فلسفة أنا أملك حواسا وإذا كنت أتحدث عن الطبيعة فليس لأنني أعرف ما هي, وإنما لأنني أحبها, أحبها لذلك بالذات, لأن من يحب لا يعرف أبدا ما ي حب, ولا يعرف لماذا يحب, ولا ما هو الحب.. الحب هو البراءة الخالدة, والبراءة الوحيدة هي عدم التفكير. -3- في المساء, وأنا أطل من النافذة, عارفا , مواربة , أن ثمة حقولا قبالتي, أقرأ, أقرأ كتاب ثيساريو ميردي حتى تضطرم عيناي لكم أرثي لحاله! قرويا كان يمضي سجينا بلا قيود عبر المدينة. غير أن الطريقة التي كان ينظر بها إلى المنزل والطريقة التي بها كان يراقب الشوارع ونمط الاهتمام الذي كان يبديه تجاه الأشياء, كانت مما يبديه من ينظر إلى الأشجار, ومن يخفض العينين, في الطريق الذي يسير فيه, م حدقا في الزهور التي في الحقول... لذلك انطوى على ذلك الحزن الكبير الذي لم يبُح به قط لكنه كان يسير في المدينة كمن يسير في الحقل حزينا كمن يضغط على أزهار في كتب ويضع نباتات في أوان ... -4- هذا المساء أطاحت العاصفة بمنحدرات من السماء السفلى مثل جلمود ضخم... كما لو أن أحدا من نافذة عالية نفض شرشفا , فأحدثت الفتاتات, وهي تسقط مجتمعة دويا لدى سقوطها, وقد أزّر المطر من السماء وسود الطرقات... عندما رجفت البروق الهواء وهوت الفضاء مثل رأس هائل يقول لا, لا أدري لماذا- ولم أكن فزعا - شرعت في الصلاة لـ سانطا باربرا كما لو كانت الخالة العجوز لأي كان... آه, ذلك أنني بصلاتي لـ سانطا باربرا أحسستني أكثر سذاجة مما أحسبني أحسستني عائليا ومنزليا أمضي بهدوء حياتي, مثل سور البستان ممتلكا أحاسيس وأفكارا مثلما الوردة تمتلك العطر واللون... أحسستني أحدا بمستطاعه الإيمان بـ: سانطا باربرا آه, من استطاعتي الإيمان بـ:سانطا باربرا (سيفكر بماذا ذلك الذي يؤ من بوجود سانطا باربرا? أسيفكر بأنها مشخصة ومرئية?) يا لها من خدعة ماذا تعرف الأزهار, الأشجار, القطعان, عن سانطا باربرا?... لو بوسع غصن شجرة أن يفكر, لما أمكنه البتة اختراع قد يسين ولا ملائكة... بوسعه أن يتصوّر الشمس إلها , والعاصفة حشداً من البشر الغاضبين فوقنا... آه, حتى أكثر الرجال بساطة مرضى ومرتبكون وأغبياء أمام ما يميز وجود الأشجار والنباتات من صحة وبساطة خالصة وبتفكيري في هذا كله, أحسست من جديد بأني أقل سعادة ... أمسيت كدرا مريضا وصموتا مثل نهار ينذر بقدوم عاصفة لكنها لا تجيء حتى مع حلول الليل... -5- التفكير في الله عصيان لله, لأن الله شاء ألا نعرفه, لذلك لم يظهر لنا.. لنكن بسطاء وهائدين مثل الجداول والأشجار, سوف يحبنا الله ويجعلنا جميلين كالجداول والأشجار, ويهبنا زهورا في الربيع ونهرا يحملنا عندما تنتهي حياتنا... -6- من قريتي أرى كل ما يمكن أن يرى من الكون في هذه الأرض لذا كانت قريتي كبيرة مثل أي أرض أخرى, ذلك أنني بحجم ما أراه لا بحجم قريتي.. الحياة في المدن أصغر من الحياة هنا في منزلي بأعلى هذه الرابية. في المدينة تغلق المنازل الكبيرة الرؤية بالمزلاج, تحجب الأفق, تدفع بنظرتنا بعيدا عن السماء كلها, تصغرنا لأنها تأخذ منا كل شيء حتى القدرة على النظر وتفقرنا لأن ثروتنا الوحيدة هي الن ظر. -7- راعي قطيع أنا والقطيع هو أفكاري وأفكاري كلها أحاسيس بالعينين أفكر وبالأذنين باليدين وبالقدمين بالأنف والفم أن أفكر في زهرة هو أن أراها وأشم ها أن آكل فاكهة هو أن أعرف معنى الفاكهة لذلك عندما أحسني حزينا في يوم حار , لاستمتاعي به زيادة على اللزوم, أرتمي بالطول على الع شب, وأغمض العينين الدافئتين, أحس بكامل جسمي ملقى على الواقع, أعرف الحقيقة وأكون سعيدا . -8- مرحى براعي القطيع, هنالك جنب الطريق, ماذا تقول لك الريح التي تمر? <<تقول إنها ريح تمر وقد مرت من قبل, وستمر من بعد. وأنت ماذا تقول لك الريح?>> <<أكثر من ذلك بكثير تقول لي. تكل مني عن اشياء كثيرة أخرى عن ذكريات ونوسطالجيات وعن أشياء لم تحدث قط>>. <<أنت لم تسمع أبدا مرور الر يح. فالر يح فحسب تتكلم عن الريح ما سمعته كان كذبا والكذب فيك وحدك أنت>> -9- ليت حياتي كانت عربة ثيران تأتي صارة, في غدية باكرة , عبر الطريق, وإلى حيث أتت , تعود من بعد, في الليل تقريبا على نفس الطريق. لن أجبر على امتلاك أمنيات - سيكون علي أن أملك عجلات وحسب... شيخوختي لن يكون لها تجاعيد ولا شعر أبيض.. عندما ينتهي دوري سينزعون العجلات لي وسأبقى مقلوبا مكسورا في قاع وهدة. وربما يصنعون مني شيئا مختلفا فلا أعرف شيئا عما سيصنعونه بي... لكن أنا لست عربة , أنا مختلف, بم أنا مختلف واقعيا , هذا ما لن يقولوه لي أبدا . بعدئذ ستنمو الأعشاب وستغطي بالكامل... ستمر الأشجار, وقد كففت عن الوجود, ستلتهمني الأرض, أنا الذي كنت حديدا وخشبا سأعود إليها, سأمضي رأسا إلى قلب الأرض مثلما الروح نحو المسيح. -01- أي خليط من الطبيعة في صحني أخواتي النباتات رفيقات الينابيع, القديسات اللائي لا أحد يصلي لهن ... ثم يقطعن ويؤتى بهن إلى مائدتنا. وفي الفنادق ثمة الزبناء الصاخبون الذين يصلون بأحزمتهم, يطلبون (سلاطة>> بلا مبالاة بدون أن يفكروا, في أنهم إنما يطلبون من الأم الأرض طراوتها وأبناءها الأوائل, الكلمات الخضراء الأولى التي تملكها, الأشياء الحيّة القزحيّة التي رآها نوح عندما انخفضت المياه وظهرت قمم الجبال الخضراء المغمورة بالفيضان وتبدّد قوس قُزح في الفضاء الذي ظهرت فيه الحمامة... -11- ليتني كنت غبار الطريق تدوسني أقدام الفقراء... ليتني كنت الأنهار الجارية, والغسالات منتشرة على ضفتي ليتني كنت شجيرات الحور في حواشي النهر وليس لي غيْر السماء من فوق والماء تحتي... ليتني كنت حمار الطحّان وهو يسوطني ويريدني... ليتني قبل ذلك أكون من عبر الحياة يمضي ناظرا خلف ذاته شاعرا بالغم ... -21- عندما يُطل القمر على العشب لا أدري بأيما أشياء يذكرني.. بصوت الخادمة العجوز ي ذكرني وهي تقص علي حكايات الجنّيات, وكيف كانت العذراء تسير في ثياب المتسوّل عبْر الطرقات تغيث المعتدى عليه من الأطفال. إن كنت فقدت الاعتقاد بحقيقة ذلك فلماذا يطل القمر على العشب? مريضا كتبت هذه الأغنيات الأربع. هي ذي مكتوبة لست أفكر إلا فيها. لنستمتع , إن استطعنا, بمرضنا. لكن لا نحسبنه أبدا صحة كما يفعل الناس عيب الناس ليس في مرضهم: بل في تسميتهم مرضهم صحة لذلك لا يبحثون عن العلاج ولا يعرفون, في الواقع ما المرض ما الصحة. ------------------------ 1 - هذه المختارات لم يسبق لي نشرها قط من قبل, وهي غير واردة في المختارات العامة من شعر بيسوا, الصادرة عن المجلس الأعلى للثقافة في القاهرة عام 1998. |
|||||
|
|||||