مرآة فان غوغ

 

جولان حاجي


لقد أضجرتنا الأبديّة.

ثملين بآلامنا

نبصر  السكاكين الكبيرة تسد  أبوابنا بالبروق

نقفز  عن قش  كراسينا

ننفض  عن أكتافنا

أهداب العيون التي تظلّل  رعبنا

ونسأل  ثانية :

متى ستجف  أكتافنا من حبر الملائك السهرانة?

ثم نرمي أحداقنا الثقيلة بين زبد البيرة

                كي ترانا

وقوارب  رؤوسنا المثقوبة

تتهادى وسط ضباب الغرف الموصدة

كيف سنخرج  إذن,

والسحب  لا تغسل نا إلا بدماء المجهولين?

نحن جبناء الحياة الوديعين

أجسادنا حفر  أمطرها الأرق  بالبرد

وصمتنا أقدم  من غبار  نسيتّه  الأخوات

                في شقوق المرايا القديمة

شاحبون وحمقى وجميلون

أجمل  من المنعطفات الم ميتة بين الجبال

وأهدأ من جوز  تسقطه  النسائم  على الصخر

ارتدينا الجلود التي تخلع ها الثعابين

                فجرا  في ظلام جحورها

وأصابعنا المحروقة  بالكستناء المشوي

تذوب  الثلج بالدبس

وحملنا على ظهورنا المحدودبة

صدفة أرواحنا الثقيلة  الخاوية

تحرسنا القطط  الجائعة في آخر الليل

والسماء  تلقي بفروها البارد على قلوبنا

صرنا الأصداء الصاخبة للشهب

تجول  في الشوارع الخالية

ظلالنا أطول  من صباحات الع طل الغائمة

ومفاتيح  غرفنا الممتدّة داخلنا

اختفت  في مرايا الباصات.

نصعد  يأسنا,

يمضُّنا العرقُ الذي ترشُه الأدراجُ على أنوفنا الكبيرة

والأوراق  اليابسة تخشخش  بين ضلوعنا

ونحن نعترف بأننا لا نحب  حياتنا

                وبأننا وحيدون وننتظر  اللمسة

نلبس  قمصانا  بلون النُّدوب القديمة

ونفرّق الهواء الأسود بجمر سجائرنا الرخيصة

ونهرول  مع القطط المبل ولة في رذاذ الخريف

إلى عتمات الغُرف المهجورة

لنتمسّح بأكياس العدس الثقيلة

ونغفو بين سلال الخبز اليابس

        وصناديق البصل المتعفّن.

تفقّدنا عيوننا في نوافذ الفنادق الرخيصة

وحصرْنا الألم في زوايا أرواحنا القاتمة

        حتى انفجر بنا

وتعق بتنا سيول  الحبر الهادرة  في الأزقّة والمنامات

أفزعتْنا الأناقة

والابتسامات  تأتلق  في شقوق الأبواب المقفلة

والأذرع  الممدودة  إلينا كصلبان  من لحم

حتى نفدت  دموعنا التي ادخرناها لآثامنا

تقرقع  عظام  جدّاتنا المعلقة  في مشاجب الخزانات

فتنقلب  رؤوسنا تحت المخدّات الباردة

ولا ننام  حتى الفجر

سرنا يلهبنا ولا نتكلم

نحلم  أن نعود نجوما  من نبيذ

تسبح  في أرحام أمهاتنا الضامرة

أناملنا مغموسة في حليب الجواميس السوداء

واليمام ينثر  غبار الزيتون على حواجبنا الغريقة

لكن  العالم مستقيم  كضربة الملاكم الأعمى

أسماؤنا تجف  على الشفاه المشق قة

وآذاننا قواقع يتردّد  في عتمتها صخب  الدم

اللهب  الثاقب  يسيل  من أحداق العابرين

        ويحرق  أقدامنا

        فنلتصق  وحدنا بصمغ الأرصفة

        متسوّلين فخّخوا موازينهم المعطّلة

        على حديد الجسور الزرقاء

        ظلالنا مقصوصة  من أعقابنا

ونظراتنا تتساقط بين أحذيتنا

معاطفنا المستعملة تحفظ برد أمنياتنا

وأقدامنا لا تعرف  متى ستركض

        كي تجرنا من حياتنا التي تمر

مثل أشجار  يلمحها ركّاب  القطارات الناعسون

        وتتأتئ

مثل بنت قذف بها الصرع  من أراجيح العيد.

ظلالنا المطحونة  تغادر  الحانات

وترفع وجوهنا المجهولة, زرقاء كشفاه المخنوقين

جواربنا المثقوبة  تتكور  على روائحنا

        تحت الأسر ة الضيقة

ونحن  نهوي عبر الدوائر التي يشقها

        في الهواء غرقنا

ونتفتت  في نفق قلوبنا الضيق,

الشقراوات  اللاتي ارتمي ن من القطارات البطيئة

                إلى زوارقنا

تلفحنا أنفاس  غرقهن  الصامتة

ونحن  أيضا, صامتون

وكأن اخوتنا قد ماتوا

أمام العربات المحطّمة

        المرمية على شفير الوديان

صدؤنا يشده  العشب  الى المنحدرات

ومفاتيحنا لا تحر ك شيئا .

الشوك تحت أظفارنا

ومآقينا تفلت  رمادها الهادئ

كي ننسى مصبنا

ونراك ؛فنسنت« في بئر نومنا,

الطلقة  ترقص  بين صدغيك النابضين

والنجوم  التي تناثرت  في لحيتك الحمراء

تبرق  في عيون المحتضرين تحت سماوات  غريبة,

تفرغ  جيوبك الممزقة من الغيوم والصلوات

ونجمة  المساء فوق السهوب السوداء

                تدنو من جبينك الملوح

نحن غرباؤك الدائمون

صواعق ك الناعمة تنفش  أرواحنا

كذيول القطط الغاضبة

نحن أحفاد  متاهات  اندثرت

ننتظر  شعاع النبيذ القاني ينبثق  من عينيك الحائرتين

ويدك الأخف  من جناح فراشة

كي تهز  مهد عيوننا

لكننا تغيرنا;

تطهرنا من الأمل

ولم تعد  وجوهنا بحيرات الشمس

حيث نعد   العجول المترنحة على أسنان أمهاتنا القوية

وننثر  التبن على شفاه الخيول المريضة

وصداع  المسمومين يخفق  في محاجرنا

تركنا أصواتنا تحت شواهد التلال المحروثة

لعلنا نحب  آباءنا

العماء  يدفئ جوع عيوننا

وخطواتنا تنسانا في الوحل

ونحن ننسل  بين الأكباش النائمة

لنصبغ بالحناء أثلام قرونها

ونرسم  بالفلفل الأسود

ملاكا  ينام  فوق رخام المنازل المستأجرة

نشرب  المجرات التي تترقرق  في كؤوس شاينا الثقيل

وننعس  فينسرب  النور  من راحاتنا المضمومة

والعصافير  السوداء تموت  في مداخننا

قبل أن تشحذ برد الأسلاك سيقانها النحيلة.

 

والآن, يسيل  غسق  وحدتنا إلى قلوبنا

بذورنا أتلفها النور

وألمنا أشد  صدقا  من الخبز السّاخن

وألسنتنا المدماة تتململ  بين أصابعنا الم شعرة

        ضامرة كذيول السحالي الهاربة.

ما عادت  نجوم  الشتاء القليلة  تتنقل  في أجسادنا

ولا قبلات  الأرامل الحارقة

تغوص  في جباهنا مرساة  من نور  هادئ

وأنت .. هاوية  زرقاء غرست  أمام المرآة

بين كفيك ترتجف

                أذن مقطوعة  تسمعنا

نلمسك:

        أنت ضفة مرآتنا

        وعسل  نظرتك عشاؤنا الأخير


تصميم الحاسب الشامل