الصخرة

 

بيان الصفدي


إلى <<أبو علي مصطفى>>. .

 

نم  أيها الملك المُسجّى هادئا  ,

شيء أتى كالنوم ضمّـك  ,

ثم قادك في الممر المّر   ,

والطاغوت تابوت  ,

وقادك في الحرائق كي تضمّـك  . .

        كي تمد  لك اليدين . .

        وكي تقودك من هموم الواجب اليومي 

حتى تبلغ الكفن  - الخلود  !

نم  أيها الملك المكلل باللهيب وبالشرار

وبالحجار وبالحديد  .

فعلى يمينك يقطر القلم

الزوايا شاهدتك  , كأن   شيئا 

في هدوء ينسف الصمت المعبّـأ بالرعود

نم  يا أبي . .

نم  يا أخي . .

يا كل   أسرتي البعيدة والجديدة . .

يا خيوط الصبح

        في الفجر المكثّـف . . في وليد  !

***

لا تقرأوا ما خط  جسمي

ناثرا  أشلاءه قمحا  على الجدران ,

بل غطّـوه بالأوراق إن  بقيت  ,

        وبالأمطار إن بقيت  ,

وخلّـوا كل   شيء هادئا  . . .

ودعوا الهدية مثلما أحببت أن تبقى

لكي تصل الحفيد  .

***

        مُثِّـلتْ  لي أمتي في الماء والطين

وفي الصخرة . .

في الماء . . فلا أغرق  ,

في الطين . . فلا أنسى ترابي ,

إنما الصخرة فوق الظهر ,

لا أتركها تسقط نحو السفح ,

بل أمشي بها مستوحشا  ,

ما أطول المعراج 

- يا طيني . . ويا مائي -

إلى هذا الشهيد  !

***

هذا الفتى . .

مخضوضر  برماده

يجلو الظهيرة والبصيرة  جيدا  . .

بهدوء فلاح يعد  على أصابعه الغيوم ,

يسائل الأطفال عن بيت يراه  ,

لعله يبدو على مرمى الحجارة . .

إذ  يحث  الخطو

تبتعد الدروب إلى البعيد . .

        إلى البعيد . . إلى البعيد  !

***

يا سيدي !

يا مصطفى !

لو بحت  لانفرطت  على قلبي خطاياهم ,

إذا  . .

فليتركوا دمنا هنا

ليسيل عبر ممرّنا المسدود ,

أو فليتركوا هذي الخطا

        في الليل تبحث عن مهاويها . .

وما فيها ,

فقد يأتي الفتى

        ياسيدي يا مصطفى

ويراك ,

قد يقفو خطاك  ,

وقد يلوح هناك 

في أقصى المتاهة بيرق الآتين

يخفق فوق ليلي من جديد  !

***

        مُـثّـلتْ لي أمتي في كل شيء

        حيث ألقى قلبها ينبض في ناي النبي  ,

        جالسا  يبكي وصاياه التي ضاعت  ,

        ولم يبق  لدي

        غير  أحفاد كنمل زاحف 

                آت  إلي  ,

        وأنا في عتمتي يا مصطفى

        منتظر  خيل  البريد  .

***

مَنْ مَسّ  وحدتك الكثيفة يا أخي ?

فأضاء غرفتك الوحيدة بالشظايا ,

فانحنيت  على الخلود 

من مّس   عينيك اللتين

        تخبّـئان شعاع شمس 

                في محار الفجر ?

لا . . يا مصطفى

لا تحتكم  إلا لصخرة قدسك 

المنخوب بالطلقات  . .

سر  . .

أزهر  على الجدران غابات  ,

وفتّـح في البراري زعترا  . .

        أغنيَّـة  . .

        قمراً يضيء الدرب 

                        في ليل العبيد 

***

يا مصطفى !

يا جدول الجسد المبعثر . .

يا أبي . .

يا زيت زيتوني . .

ويا صور الحجارة والمنارة في العيون  ,

الآن نمضي ,

قال ليموني :

سنمضي نحو هذا الراحل . . الآتي .

فهيّـا احمل صليبك  . .

        واحتملنا

الآن  سر  في درب آلام الفلسطيني   ,

وانثر  فوق خطوتك الورود  .

***

        مُثّــلتْ لي أمتي ,

        فاجتزت  نحو الأم  هذا التيه ,

        خوَّضت  البحور  .

        كان جدّي وحده يرقد في الكهف ,

        وقد أثقله البعد 

فلا يلوي على شيء  ,

        يرى أحفاده قد كسّروا القارب والنجم 

وغابوا مثل غيم  يكسر البرق 

        على تلك الصخور  .

مُثّــلتْ لي أمتي في الماء والطين

        الذي يعجنه دمع العصور  .

فعلى الطين أرى وجهي

        على أيقونة ترشح بالحزن ,

وفي الماء أرى العشبة

        تمضي بي إلى أقصى الجذور  .

وأراكم قد سَدَدْتم ساحة  الأفق ,

نشرْتم كفني المورق  ,

والأم   التي ودّعتها

        إني أراها تمسك البحر بنهديها ,

وفي صحرائنا تلقي البذور  .

***

القدس قُـدَّاسي ,

فلا تتوقعوا إلا دمي ترتيلة  ,

من زيت آلامي تفت-  ح  أغنيات 

                في حجارتها ,

وتُعْـشبث كل  كف  أطلعت  قمرا  صغيرا 

                        في القيود  .

يا مصطفى !

شاهدتهم , ما غادروا عينيك  ,

كيف ستترك الموت  الذي يترصد الأطفال  ,

        يكسر عظمهم  . . أو حُـلمهم 

ويسد  صرختهم لتهمد 

        مثل نهر من جليد  ? !

يا مصطفى !

دمك البداية والنهاية  ,

والحكاية ضوَّأت  ليل  الفلسطيني 

                في قمر هوى . .

ليصير ملحمة هناك  ,

يصير نافذة تراك  ,

وأنت تبذر قمح  جسمك 

        للقريب . . وللبعيد  .

وغدا  تموت . . وبعده  ,

بالأمس مت  . . وقبله  ,

أنت احترفت الموت  . .

ثم تموت . . ثم تعود  . .

ثم تموت  . .

ثم تموت  . .

ثم أراك حيا

حيث تُبعث في رمادك من جديدْ!.


تصميم الحاسب الشامل