اذا كان <<الصراع>> هو سمة <<الإنسانية>> على طول التاريخ, وليس في الأمر تناقض لغوي أو حتى فكري.. فالتاريخ الحربي للإنسان هو القادر على كشف الحقائق, وصراع الشعوب من أجل حياة أفضل, إلا أن هذا التاريخ لم يسجل بعد !!. حرص الحكام قديما على تاريخهم الشخصي فحفروا على جدران المعابد ونقشوا أسماءهم على كل ما أمكنهم أن يسجلوا عليه من فخار وجلود وغيرها.. بينما رصد التاريخ الحربي وحده سوف يقف إلى جوار العامة والشعوب.. والحقيقة. إن عمر الحرب يكاد أن يناهز عمر الإنسان على الأرض, منذ قابيل وهابيل وحتى الحرب العالمية الثانية.. وما استتبعها من حروب إقليمية تكاد تغطي سطح الكرة الأرضية. وربما نضيف الآن الحرب ضد الإرهاب, بل وأفاعيل العمليات الإرهابية/ المقاومية ذاتها (حيث اختلطت القيم والمعاني, بل والتعريفات الاصطلاحية بعد الحرب الأمريكية الإنجليزية على العراق في مارس 2003م). ولا يبدو زوال أسباب الحروب أو الصراع بكل أشكاله في المستقبل. ما الإرهاب? إذا كان <<العدوان>> هو ظاهرة التعبير عن الصراع, سواء الصراع الداخلي (بين الأفراد ودخائلهم) أو الصراع الخارجي (بين الأفراد والجماعات والبلدان والأمم).. في مواجهات تتسم بالعنف. فيتبدى ذاك الصراع معبرا عن نفسه على شكل معضلات وأزمات نفسية وقد تصل إلى الانتحار, كما يعبر عن نفسه من خلال الحروب. وصور العنف العدواني كثيرة ومتعددة, منها: السب, التهكم والسخرية, الشماتة, الغيرة, البغضاء, الكراهية, ثم المقاتلة. وللعدوان وظائف.. منها البغيض والكريه, ومنها الواجب والمشروع.. فالعدوان من أجل الاستيلاء على الأرض والثروات وغيرهما أمر بغيض, بينما السلوك العدواني في الطفل يعد محاولة للاستقلال وبناء الشخصية. ويمكن إجمالا القول بأن سمات السلوك العدواني تتسم بالآتي: إذا كانت نوايا المعتدي.. تبطن شرا, <<هجومية>>, تكون نتيجتها مؤلمة للغير. قدم <<بارون>> تعريفا موجزا للعدوان يقول:<<انه أي شكل من أشكال السلوك يوجه مباشرة, بهدف إلحاق الأذى والضرر بالكائنات الحية>>. البحث في موضوع <<العدوان>> دوما يلحق به البحث في بعض المصطلحات الملحقة به..العدائية وهى العدوان دون إلحاق الأذى بالآخر, وان سوى البعض بين العدوان والعدائية.. كذلك الغضب,الغيرة, الحقد, الحسد, التوتر, الإحباط.. ثم التطرف والإرهاب. أما الإرهاب.. هو عملية متعمدة من الإيذاء المادي الصريح, لإثارة حالة من الترويع والقهر للآخر.. تمارسها جماعات بهدف تحقيق هدف سياسى/أيديولوجي معين. شاع مصطلح الإرهاب في العقدين أو الثلاثة الأخيرة من القرن العشرين, وقد بدت ذروة تأثيره ووضوحه بعد عملية اقتحام طائرتين مدنيتين لبرجين شاهقين (ناطحات سحاب) أسقطتهما بمدينة نيويورك الأمريكية في سبتمبر 2001م. يمكن القول الآن أن <<الإرهاب>> أصبح شكلا من أشكال الحروب في عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية(انتهت في 1945م), مع بعض الإضافات على أرض الواقع.. حيث تلاحظ أن بعض الدول تمارس الإرهاب وليست جماعات صغيرة, كما أصبح الهدف منها ليس التأثير المؤقت المؤلم.. اقترب من مصطلح <<الحرب>> الصريحة. ولم يعد للإعلان عن جماعة ما أو هدف ما أو حتى لتحقيق ألم محدد ومحدود.. اتسع المفهوم الآن. الإرهاب هو.. استخدام متعمد للعنف أو التهديد بالعنف, من قبل جماعة ما أو دولة ما.. من أجل تحقيق هدف/أهداف استراتيجية.. أو حتى حالة من الرعب والتأثير المعنوي الذي يستتبع بمزيد من العنف. الإرهاب هو.. نوع من أنواع العنف المتعمد, تدفعه دوافع سياسية, موجه نحو أهداف غير حربية, تمارسه جماعات أو عملاء سريون لاحدى الدول. (وهو تعريف وزارة الخارجية الأمريكية - في العقد التسعيني من القرن العشرين). الإرهاب هو.. القتل العمد المنظم الذي يهدد الأبرياء ويلحق بهم الأذى, بهدف خلق حالة من الذعر من شأنها أن تعمل على تحقيق غايات سياسية, لكن المشكلة.. أنه أحيانا ما توصف بعض العمليات الثورية من أجل التحرير والتغيير بصفة العمليات الإرهابية.. كما فعلت وسائل الإعلام الغربي مع العمليات الفدائية الفلسطينية. وكذلك اعتبرت حكومة <<ريجان>>.. <<الكونترا>> في نيكاراجوا مقاتلين من أجل الحرية على العكس من الاتحاد السوفييتي (في حينه). وهو الأمر الذي يكشف البعد الأيديولوجي الكامن وراء مفاهيم وتعريفات وأشكال الإرهاب (تعريف الباحث الأمريكي <<كوفيل>> عام 1990م.) ما المقاومة? تقع <<المقاومة>> بين <<الحرية>> و <<العدوان>>.. حيث الحرية هي المسعى الواعي للتخلص من <<الأضرار>> (فالعطس مسعى بيولوجي, ولا إرادي للتخلص من أضرار مسببات الأمراض في الجهاز التنفسي.. بينما الفعل الحر يتسم بالإرادة الواعية لمواجهة تلك الأضرار). وحيث أن العدوان يبدأ من التهكم والاحتقار حتى الإرهاب بكل أشكاله والحروب النظامية. فالفعل الواعي الحر المناهض للفعل العدواني هو الفعل المقاوم. إذا كان سلوك الإنسان يحدده الخصائص الوراثية التى تعود إلى تاريخ تطور الجنس البشرى, والى البيئة التى تعرض لها بوصفه فردا.. فان البحث العلمي يرجح كفة السبب الثاني. وإذا كان الوعي الإنساني بمفاهيم الحرية والعدوان معززا للاستجابات الصحيحة, فستكون هي <<المقاومة>>. إن الكفاح في سبيل الحرية هو نتيجة اغراءات أو معززات اجتماعية عندما يصل التحدي إلى أقصاه وربما إلى حد الحروب, وقد يكون الكفاح بلا معززات اجتماعية مباشرة, فيسعى المرء إلى التمرد أو إلى حياة الاكتفاء الذاتي. لذلك تمثل <<المقاومة>> الرابط الموضوعى بين العدوان والحرية. فلا مقاومة غير مدعمة بمفاهيم الحرية لمجابهة العدوان, ولا حرية بلا مقاومة في مواجهة عدوان ما. يزداد الصراع كلما قويت المقاومة, لكن هذا الفعل القوي قد يعبر عن نفسه بالعنف, واذا اتجه هذا العنف إلى <<الذات>> أو <<الأنا>> أساسا.. تكون المقاومة السلبية, وإذا اتجه العنف إلى <<الآخر>> أساسا.. تكون المقاومة الإيجابية. ولكليهما دوره وتأثيره. فالمقاومة السلبية هي أقرب التشبيهات إلى تجربة الزعيم الهندي <<غاندي>>, بينما المقاومة الإيجابية هي الأقرب إلى الأذهان, وهى الجانب الإيجابي والمرغوب من <<العدوان>>. إن الفعل المقاومي هو.. فعل العنف, المدعم بالوعي, والنابع عن إرادة موجهة (دفاعا عن قيم عليا) موجها إلى الآخر العدواني بكل السبل حتى يتحقق الهدف الأسمى. وقد يتجه هذا الفعل المقاومي العنيف الواعي إلى <<الأنا>> أو إلى <<الآخر العدواني>>.. وفى الحالتين بهدف الدفاع عن حق ومواجهة باطل إلا أن الموجه إلى الأنا أساسا كون حجم الأضرار المباشرة السريعة نحوه أقل حجما.. لذا تحتاج المقاومة السلبية إلى زمن أطول لتحقيق الهدف.. (أحيانا). ما الحرب? الحرب هي قانون أثبتته الأحداث والتاريخ على أنها أزلية, يعبر عنه صراع الجماعات. لكن الصراع وحده لا يكفي, انه تابع ارادة وادارة سياسية تسبقه.. فالحرب تلي فكرة الحرب. الحرب هي البديل عن عدم وجود تشريع قانوني قوي قادر على حل النزعات بين الجماعات والدول, وبالتالي فالحرب مسعى (غير واع ربما) لفرض قوانين بعض الجماعات (الدول) على أخرى أو لفرض قوانين جديدة. الحرب هي النزوع إلى العنف النفسي, فالعنف أو الميل إلى السلوك العنيف كما هو في الأفراد يوجد في الجماعات والأمم. الحرب هي العقد العنيف لتحويل بعض الدول والأمم إلى سوق تجارية لدول أخرى, أو لجعلها مصدرا لمواردها الخام. الحروب هي صوت مرتفع في مقابل عجز صوت الحكمة. وتلقى <<فكرة الحرب>> اهتمام كل الأديان السماوية.ففي <<اليهودية>> إقرار بشريعة الحرب والقتال في أبشع صور التدمير والتخريب والهلاك والسبي.. كما جاء في سفر التثنية, الإصحاح العشرين, عدد 10 وما بعده: <<حين تقترب من مدينة لكي تحاربها استدعها إلى الصلح, فان أجابتك إلى الصلح وفتحت لك, فكل الشعب الموجود فيها يكون لك بالتسخير, ويستعبد إلى يدك, فاضرب جميع ذكورها بحد السيف, وأما النساء والأطفال والبهائم وكل ما في المدينة, كل غنيمتها فتغتنمها لنفسك, وتأكل غنيمة أعدائك التي أعطاك الرب...>> وتوجد فكرة الحرب في المسيحية, ففي عهودها الأولى كانت رافضة لفكرة الحرب:<<.. من ضرب بالسيف سيهلك أو يجن.. .>>. ثم تبنى القديس <<بولس>> فكرة الدعوة إلى احتمال استخدام القوة (مع زيادة عدد المسيحيين). ثم كان القديس <<توماس>> صاحب فكرة <<الحرب العادلة>> أي من أجل قضية عادلة.. والآن تعلن الكنيسة أن عدالة الحرب تحددها عقول أصحاب الرأي الراجح بالمشورة. أما الإسلام فكان لفظ <<الجهاد>> بديلا للدلالة على الحرب كلفظة شائعة. وفى بداية الرسالة كان التوجيه الإلهي إلى الرسول (ص) في مكة هو <<واصبر لحكم ربك فانك بأعيننا>> سورة الطور آية (48). وفى المدينة تقرر الإذن بالقتال حين يطبق الأعداء:<< أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وأن الله على نصرهم لقدير.. >> سورة الحج,آية (39). وفى السنة الثانية من الهجرة, فرض الله القتال وهو كره للمسلمين:<< كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبو شيئا وهو شر لكم, والله يعلم وأنتم لا تعلمون>> سورة البقرة آية (126). إذن فالحرب هي أعلى صور العنف/ الصراع الشرس/ المقاتلة/ التعبير عن النزعات الشريرة / التعبير عن عجز القانون المنضبط الضابط/ الرغبة في فرض إرادة على إرادة أخرى /.. هي كل ما سبق وغيرها من أجل.. .. .. ?? وهذا هو السؤال الذي حاولت الإبداعات والآداب الإجابة عليه !! تعريفات.. اصطلاح <<أدب المقاومة>> أكثر شمولا وتعبيرا عن مصطلح <<أدب الحرب>> عما تعيشه الثقافة العربية, وعما يعانيه الواقع العربي الآن من انقلابات أيديولوجية وفكرية, وسط عالم يموج بملامح تقنيات علمية جديدة استفاد منها <<الآخر>> في مجال <<الهيمنة>> أو <<الاستعمار الجديد>>. والخلط بين المصطلحين خطأ شائع الآن. فقد ولد المصطلح بعد معارك العدوان الثلاثي عام 1956م بمسمى <<أدب المعركة>>.. ثم استخدم المصطلح فيما بعد في لبنان, وفى عام 1967م كان مصطلح <<أدب الحرب>>, وان بدأ مصطلح <<أدب المقاومة >> في التداول للدلالة أو الإشارة إلى مجموعة الأشعار الواردة من الأرض المحتلة بفلسطين, من <<محمود درويش>> و<<سميح القاسم>> وغيرهما. ومع معارك أكتوبر 1973م استجد مصطلح <<أدب أكتوبر>>, إلا انه لم يصمد طويلا, كما لم يعد مصطلح <<أدب المعركة >> يستخدم الآن. وهنا نسعى للتمييز بين المصطلحين, حيث أن <<أدب المقاومة>> أكثر شمولا. أدب الحرب هو.. جملة الأعمال الإبداعية المعبرة عن تلك التجربة الخاصة/ العامة <<تجربة الحرب>>. فالنفس البشرية جبلت على حب الحياة, والجماعة تريد بطلا, الفرد المعايش للتجربة الحربية يعيش وطأتها.. هذا التناقض الظاهري/ الباطني لا يمكن الكشف عنه وتبريره أو حتى إدانته إلا ب-<<الخيال>> القادر على تجاوز الآني, والتحليق إلى آفاق جديدة. وقد يعبر عن تلك التجربة من عايش أهوال ميدان القتال أو من عايش أصداء تلك الأهوال. تلك الأم والزوجة والطفل القابعون في انتظار الابن/ الزوج/ الأب المقاتل.. تعد تجربة إنسانية كاملة لا تقل قيمة عن تجربة المقاتلة, وقادرة على التعبير عما يمكن أن تطرحه القضية كلها. ربما التحفظ الأساسي في هذا الخصوص.. هو ضرورة معايشة التجربة (من أي موقع, وعلى أي لسان).. وبذلك لا يحدث الخلط بين أدب الحرب والأدب التاريخي. فتناول الحروب الصليبية (مثلا) في رواية لا يعد من <<أدب الحرب>> وانما <<أدب تأريخي>>. و<<أدب الحرب>> من حيث هو التعبير عن الجماعة والمدافع عنها.. سواء كانت الحرب عادلة أو غير عادلة, قد يقع الكاتب بسببها في استخدام الصوت المرتفع الزاعق على حساب الفن, وقد يحرص الكاتب على التسجيل غير الفني لابراز الجانب البطولي الذي ترعاه الجماعة, كما قد يتورط الكاتب في مأزق البعد <<الأيديولوجي>> المناسب للسلطة على حساب البعد الإنساني/الفني. أما <<أدب المقاومة>> فهو.. ذاك الأدب المعبر عن <<الذات الجمعية>> الواعية بهويتها, والمتطلعة إلى الحرية.. في مواجهة الآخر العدواني. على أن يضع الكاتب نصب عينيه جماعته/ أمته ومحافظا على كل ما تحافظ عليه من قيم عليا.. وسعيا للخلاص (ليس الخلاص الفردي, وانما الخلاص الجماعي) و الحرية. لعل أهم ملامح <<أدب المقاومة>> هي: التعبير عن الذات الجمعية والهوية.. أدب الوعي والتخلص من الأزمات (اضطهاد-قهر-حروب.. .).. كما يتسم بالسعي لمعرفة الآخر العدواني وكشف أخطائه وأخطاره.. هو الأدب المعبر عن الذات من الوعي بالذات الأصيلة والهوية.. للفظ العدوان واقرار استرداد الحقوق.. انه أدب إنساني من حيث هو أدب تعضيد الذات الجمعية في مواجهة الآخر العدواني. إذا كانت <<الحرية>> قضية تثيرها النتائج البغيضة للسلوك, فأدب المقاومة هو المعبر والكاشف عن تلك النتائج البغيضة. وقد يتضمن عرض صورة الآخر المعتدي وأحواله التي قد تبدو أكثر حرية وتحررا ورفاهية. أدب المقاومة هو الذي يحث الناس على الهرب والنجاة ممن يحاولون فرض السيطرة عليهم بالإكراه, والجيد منه لا يعنيه رسم السبل أي سبل النجاة أو الهرب, بل يكتفي بالرصد ثم الإيحاء الفني. أدب المقاومة لا يعلم الناس السلوك الحر, بل يحثهم على العمل من أجل.. .?! أدب المقاومة كمصطلح قد يتداخل ويتبادل (أحيانا) للتماس الواضح مع مصطلحات <<الأدب الملتزم>>, <<الأدب الثوري>>, <<الأدب النضالي>>.. إلا أنه أشمل وأكثر رحابة وفنية. أدب المقاومة يسعى في النهاية إلى تهيئة الرأي العام لفكرة <<المقاومة>>. يسعى أدب المقاومة إلى تحقيق أهدافه من خلال عدة محاور هي: .. التركيز على الظروف البغيضة التى يعيشها الناس, وربما بمقارنتها بأناس آخرين أكثر حرية, وأفضل حالا. .. تحديد <<الآخر>> الذي يجب على المرء (الجماعة) أن ينجو (تنجو) منهم.. الذي يجب عليه اضعاف قوتهم. .. يقوي أدب المقاومة دعوته بحث الناس على العمل, ووصف النتائج المتوقعة, والاستشهاد بالتجارب والنماذج الناجحة. .. واجب أدب المقاومة تغيير الحالات الذهنية والمشاعر, دون الوصية بإجراء عمل معين بذاته يكفي أن يكون المرء على أهبة الاستعداد.. باليقظة. .. ربما الهدف الأساسي لأدب المقاومة هو وصف كل سيطرة على أنها خطر, بهدف تحديد وتحليل أنواع تلك السيطرة التى يتعرض لها الفرد/الجماعة/ الدولة/ الأمة.. ثم التمهيد للتخلص من تلك السيطرة. .. ترجع أهمية أدب المقاومة إلى أهمية إزكاء روح المقاومة لدى العامة والخاصة. .. يخطئ الكاتب في موضوع أدب المقاومة إذا ما جعل <<الحرية>> حالة ذهنية ومشاعر دون أن يتجاوزها إلى الإيحاء بالوسائل (الفنية) لتحقيق الهدف. والآن ترى هل نتناول أدب المقاومة وكأنه أدب المدينة الفاضلة??!.. ربما, ولكن زمرة وجماعة, من أجل الخلاص الجمعي. للحرب طقوسه وموضوعاته.. تعامل الإنسان مع فكرة الحرب وصنع تاريخه, فكانت له طقوسه الخاصة قبل وأثناء وبعد المعارك, لعله بذلك يبث روح المقاومة ويذكيها. على مر التاريخ حاول الإنسان تلك المحاولة, حتى قبل أن يعرف حروف الكلمات ولا يعرف التدوين, والى أن عرفت الطباعة شرائح الكمبيوتر. مازالت جدران كهف <<التاميرا>> باستراليا تحفظ لنا أول محاولة للإنسان بالتعبير عن مقاومته, وان كانت مقاومة لعناصر الطبيعة من حوله.. حيث رسم وحفر الثور مقوس الظهر والبطن, لقد نجح في ترويض الثور الهائج هناك وقيده على جدران الكهف, ليراه ليل نهار مقيدا أمامه!! وترسم لنا الملامح والأساطير أبعاد تلك الروح المقاومية وترسم ملامح ذاك الصراع الملاصق للوجود الإنساني على الأرض. وقيل أن الميثولوجيا الهندية <<البراهما>> تتسم بمزاج حربي وتميل إلى العنف, ويمكن أن يقال أن كل أمة من الأمم لها مزاجها الخاص تجاه العنف.ففي الميثولوجيا الصينية ميلا إلى السلام, ربما بتأثير التعاليم البوذية. لقد جرت العادة في كل الحضارات القديمة المعروفة على طقوس شبه مشتركة في مواجهة <<الحروب>>, مثل تقديم القرابين قبل الحروب وبعد النصر, والطريف أن تكون تلك القرابين أحيانا من الأسرى والأسلاب التى حصلوا عليها, وسط تهليل وفرحة الجميع وعطر البخور سواء داخل المعابد أو خارجها. ففي دراسة أنثروبولوجية لقبيلة <<شاكو>> الهندية بقلب أمريكا الجنوبية رصد العلماء ما يمكن أن نعتبره نموذجا لجملة الطقوس التي اتبعها الإنسان (في الغالب) قبل وأثناء وبعد المعارك. فقبل الهجوم ترسل القبيلة بعض الشباب لجمع المعلومات ودراسة نقاط الضعف والقوة على الطرف الآخر. في ضوء ما تتجمع من معلومات يكون قرار رئيس القبيلة وخطته الهجومية. وتبدأ عملية الاخفاء والتمويه. وفى الليلة السابقة لعملية الهجوم يقضي الجميع ليلتهم في الرقص والغناء, مع الموسيقى والكلمات الحماسية, وتلوين وجوههم باللون الأحمر, مع تقديم الأطعمة والشراب وكأنها ليلة عرس! أثناء المعارك تتقدم المجموعات, ولكل مجموعة قائد, ولا تنتهي المعارك إلا بالموت أو الانتصار. وقد لاحظ العلماء أن للرايات دورها الهام, فهي بيضاء في حالة الانتصار, كما أن حملها مسؤولية قائد كل مجموعة. وبعد المعارك, وفى حالة الانتصار, يعودون بالأسرى والغنائم. غالبا ما يكون الأسرى قوة يدوية للأعمال الشاقة تنفذ تحت سطوة السلاح للقبيلة المنتصرة. كما تقام حفلات الرقص والغناء, ثم توزع الغنائم على الجميع. ولعل أول من حاول تقنين فنون الحرب عن خبرة عسكرية وفكرية, هو الصيني <<صن تزو>> في كتابه <<فنون الحرب>> منذ الفين وخمسمائة سنة. من أشهر مقولاته وأهمها: .. <<إن الهدف الأبرز في الحرب هو قهر العدو وإخضاعه دون اقتتال>>. .. <<اعرف عدوك, واعرف نفسك, وبإمكانك أن تحارب في مائة معركة دون ان تهزم.. >> .. <<إن هدف الحرب هو السلام>> كما يرى أن المخبرين هم أهم عناصر القوات المتحاربة, ويقول:<< جيش بدون مخبر مثل إنسان بدون أذنين أو عينين>>. وقد تناول العديد والعديد من فنون الحرب وأسرارها, مع جملة أفكار راقية ومدروسة. ومن المدهش اللافت للانتباه أن يبقى للحرب طقوسها ومراسمها حتى الآن, فقد حلت الأوسمة والنياشين محل الغنائم التى توزع على أفراد القبائل, وأن يكون للتكتيكات والأفكار العسكرية القديمة وجود حقيقي, وهو المعروف بأسلحة الاستطلاع والاستخبارات العسكرية وغير ذلك من الملاحظات التى لا يخطئها المتابع. أما أن تظل تلك التقاليد والمراسم على شكلها القديم على الرغم من مرور السنين والقرون, كما في حالة دولة كبرى مثل اليابان, فهو جد مدهش! فقد عرف عن المقاتلين اليابانيين خلال الحرب العالمية الثانية, ومع كل مهمة عسكرية انتحارية.. يذهب المقاتل إلى المعبد مرتديا الملابس البيضاء, وفى جلسة خاصة مع رجل الدين يتسلم المقاتل <<مرمدة>> خاصة به (وهي ذاك الوعاء الذي يحفظ فيه رماد المتوفى بعد إحراق الجثة حسب الشريعة الدينية عندهم). وفى صباح اليوم التالي يذهب المقاتل لتنفيذ مهمته بعد أن اطمأن على مشروعية ما سيقوم به, وقد استلم بيده المرمدة الفارغة الخاصة به, والتى من المفروض أن تعبأ برماد جثته فيما بعد !! أما موضوعات <<الحرب>> التى تعالجها الفنون والآداب فهي عديدة وخاصة (على عموميتها) بالتجربة الحربية.. وهي ما سيتم تناولها تفصيليا فيما بعد. للمقاومة حالاتها وموضوعاتها.. الكلمة فعل تحريضي, وقادرة على التحفيز.. هي دعوة للخلاص, وليس للخلاص الفردي في مقابل قسوة الواقع المعاش والتجربة العدوانية.. يسعى لابراز مبدأ الدفاع عن حق الحياة الكريمة أو الحياة الفاضلة.. وأدب المقاومة وحده القادر على الوعي بالذات الجمعية لتعضيدها وبالآخر العدواني وكشفه.. هو القادر على كشف هول تجارب القهر والاضطهاد والاستغلال والحرب وابراز قسوتها وبالتالي بحث إمكانية وضرورة تجاوزها.. نظرا لقصور كل التقنيات الحديثة للوصول إلى أغوار النفس البشرية التي هي جوهر اهتمام أدب المقاومة, يصبح أدب المقاومة في موقع متقدم بين المنجزات الإنسانية في الكشف عن حقيقة جوهر <<الوجود>> بالمعنى الفلسفي.. يعد أدب المقاومة <<وثيقة>> بمعنى ما, يمكن الرجوع إليها, والباقي وقت أن يذهب الجميع. لكل تلك الأسباب يعد <<أدب المقاومة>> أدب إنساني.. موضوعه وهدفه <<الإنسان/الفرد>> و<<الإنسان/ في جماعة>>, ومن أجل الحياة الأفضل. صحيح أن تاريخ المقاومة بدأ منذ أن كان الإنسان من سكان الكهوف وأعلى غصون الأشجار, وصحيح لم ينته الصراع فكانت المقاومة (الفردية) و(الجماعية), ليس في ذروة أشكال الصراع ولا أعني الحروب فقط, بل مناحي الحياة كلها.. من أجل حياة أفضل. فعلاقة الأنا بالآخر(العدواني), ومحاولة تشييد ملامح اجتماعية جديدة أكثر تقدما.. كما في علاقة المرأة بالمجتمع, إذكاء روح البطولة والثقة في الذات باستنهاض الإنجازات التراثية, وحتى الدعوات الإصلاحية واقامة العدل الاجتماعي.. كلها وغيرها كانت وستظل من محاور وحالات أدب المقاومة. أما وقد استجدت حالة خاصة جديدة من واقع الأحداث والتجارب المعاشة في عالم اليوم, وخصوصا مع أعتاب القرن الواحد والعشرين. وهى الإنجاز التكنولوجي الهائل الذي تملكه القليل من دول العالم (وخصوصا في مجال التسليح), وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية, وهو ما اتضح مؤخرا في حربها مع العراق. وبنظرة متأنية للتعرف على حجم هذا الإنجاز الهائل, وهو ما عبر عنه أحد خبراء الاستراتيجية الحديثة إن حرب الخليج الثانية (على الأرض الكويتية) قد أثبتت <<أن تأثير 03جراما من السيلسيوم في حاسوب يفوق كثيرا تأثير طن واحد من اليورانيوم>>. لكي نكشف عن أهمية وخطورة هذا الإنجاز نعرض لبعض المقارنات : عندما هاجم الأسطول البريطاني مصر, في عام 1881م, أطلقت المدفعية ثلاثة آلاف قذيفة على الإسكندرية, وقدرت أن الإصابات المؤثرة بعشرة في المائة فقط.. وفى حرب فيتنام حاول الطيران الأمريكي تدمير جسر <<تان هوا>> في 800 طلعة فاشلة, فقد خلالها عشر طائرات. بينما استطاعت أربع طائرات من طراز <<اف4>> مجهزة بالأسلحة الذكية من تدميره في أول محاولة. وبعد حرب الخليج تقرر شراء 300 الف حاسوب توزع على الجنود حتى قيل أن عدد الحواسب سيفوق عدد البنادق .. وهو ما تلاحظ بالفعل في الحرب ضد العراق! ولا يبقى إلا إعادة النظر في مفهوم وحالات أدب المقاومة, وذلك بالنظر إلى: ان هناك خللا ما أصاب اكبر مؤسسة في العالم تعنى بشؤون السلم والحرب, وهى هيئة الأمم المتحدة (يتابع أحداث الحرب العراقية في مارس 2003).. هناك اضطراب في تطبيق قواعد القانون الدولي, وربما يلزم إعادة النظر إليه أو تطويره مع توفير آليات لتطبيقه.. بروز وجه العنف من مصطلح غير عنيف وهو <<العولمة>> بكل ما استتبع من اتفاقات وإجراءات على الأرض لتطبيقه.. الفارق غير المتناسق والهائل بين دول العالم في القوة (بكل معناها) حتى أن أصحاب العولمة, نزعوا صفة <<الدولة>> عن أكثر من دول العالم !!.. وغير ذلك من الشواهد كثير, وتعد أيضا من موضوعات أدب المقاومة (مستقبلا). لكل ما سبق يلزم إعادة النظر إلى أدب المقاومة.. بترسيخه أولا, ثم عدم قصره على انه معني بالتجربة الحربية فقط. هناك خطأ شائع !! حان الوقت الآن إلى تصحيح الخطأ الشائع ب | |||||