أرض التاريخ..
أرض القصيدة
مقاربة لقصيدة
<<عبور الوادي الكبير>> لسعدي يوسف

 

بنعيسى بوحمالة


(1)

عند افتحاصنا لمنجز سعدي يوسف الشعري تتبدى لنا دواوينه الأربعة التالية: <<بعيدا عن السماء الأولى>> (1970), <<نهايات الشمال الإفريقي>> (1972), <<الأخضر بن يوسف ومشاغله>> (1972), ثم <<تحت جدارية فائق حسن>> (1974) بمثابة منعطف حاسم الإشارية في هذا المنجز أمكنه معه انتشال صوته الشعري, وذلك بشكل قوي ومقنع, من ذبذبة البدايات وتحرجاتها والعثور على جملته الشعرية المخصوصة التي لا مبالغة في القول بأنها تكاد تكون نسيج وحدها في الشعرية العربية المعاصرة, هذه الجملة التي سيكب  عليها بالإنضاج والتصليب, بالتشذيب والتأنيق, في غضون مشاريعه الكتابية الموالية موفرا لها أهلية الأداء الشعري والاقتدار على النهوض بشواغله التخييلية واحتداماته الرؤياوية, وأكثر من ذلك قابلية مواكبة تخطياته الشعرية المتواترة التي يخفرها, في وضعيته هو بالذات, ذهن مفتوح على المستجدات الإبداعية والمعرفية وحساسية متيقظة بإزاء اعتمالات الواقع وتحولاته العنيفة.

و إذن, وعلى سبيل التقريظ النقدي, الواعي والنزيه, لا مفر لنا من التنصيص على الجهد البنائي اللافت الذي ينم عنه, مثلا, ديوان <<الأخضر بن يوسف ومشاغله>> الذي تتلامح فيه القصيدة كما لو كانت <<.. عمارة قائمة على أسس وقواعد هندسية منضبطة جدا حتى ليبدو أن أي  خلل في قواعد هذه العمارة يعرضها للانهيار>>(1), وأيضا على الناجزية التخييلية والرؤياوية الوازنة التي استقطبها هذا الديوان مقايسة مع الدواوين الثلاثة الأخرى الآنفة الذكر. وما من شك في أن قصيدة <<عبور الوادي الكبير>>(2) تجسم أوفى تجسيم لا هذا الجهد ولا تلك الناجزية, أضف إلى هذا مخاطرتها, إن شئنا, على مستوى الموضوع الشعري وهي تشاكس المنطقة الأوجع في الذاكرة العربية, نقصد فاجعة سقوط الأندلس وتلاشي أسطورتها الحضارية المدوخة, مدمجة, عن ذكاء, تداعيات هذا الجرح الفادح في الراهن العربي القاتم تطلبا منها للحظة عربية أجمل وأبهى. فهي, أي القصيدة, <<.. واحدة من قصائده المهمة التي استمد مادتها من فكرة انهيار الدولة الأموية في الأندلس. وفيها ينو ع على موضوع واحد في تشكيلة درامية ثرة مستخدما الوصف والحوار والمونولوغ الداخلي, والقافية الحديثة والكلاسيكية والتضمين>>(3), بل وواحدة, دونما تزي د أو تهويل, من قصائد - درر <<لاب لياد>> الشعر العربي الجديد مثل <<أنشودة المطر>> لبدر شاكر السياب, و<<حب تحت المطر>> لعبد الوهاب البياتي, و<<حوار عبر الأبعاد الثلاثة >> لبلند الحيدري, و<<إسماعيل>> لأدونيس, و<<البحث عن وردة الصقيع>> لصلاح عبد الصبور, و<<مرثية العمر الجميل>> لأحمد عبد المعطي حجازي, و<<بول روبسون>> لمحمد الفيتوري, و<<شاذل طاقة >> لسامي مهدي, و<<عبر الحائط.. في المرآة >> لحسب الشيخ جعفر, و<<جدارية >> لمحمود درويش..

لهذا الاعتبار, وكذلك لما لموضوعها من اتصال وثيق وعضوي باللحظة التاريخية العربية المأزومة والمترهلة, فضلنا اتخاذها متخذ اقتراب ومحاورة نقديين جاعلين نصب أعيننا الطرح النقدي الصائب الذي يرهن نجوع أي ما مقاربة نقدية للتعبير الشعري, بما هو تعبير ملتبس وبالغ الشائكية, بمدى انحصار رقعته النصية, إذ الأولى أن يكون <<.. المتن الأدبي, قيد التحليل, الأكثر اتساعا والذي نقوى على الإحاطة به هو النص وليس جماعا من النصوص>>(4).

و دائما في علاقة مع موضوع القصيدة قد لا نجادل في أن القراءة الأولية لشعر سعدي يوسف, بعامة, غالبا ما تخلق ارتساما باستنكاف قصيدته عن الخوض في كبريات المعضلات التاريخية والحضارية والسياسية والمجتمعية, وذلك على شاكلة ما فعلته قصائد الشعراء التموزيين, كبدر شاكر السياب وعبد الوهاب البياتي وخليل حاوي وأدونيس ويوسف الخال وجبرا إبراهيم جبرا.. في فترة من سيرتهم الشعرية المتراكبة, وإدمانها, كنتيجة, تشغيل أسطورة عشتار وتموز البابلية وتنويعاتها السومرية والآشورية والمصرية القديمة والفينيقية والكنعانية والحثي ة والإغريقية حتى غدت النواة الصلبة لمتخيلهم ورؤياهم, وولعها, عكسا لذلك, بما يحفل به اليومي من تفاصيل وجزئيات, من محكيات ومجريات, مقتنصة, بنباهة سردية ووصفية عالية, وقائعه الدالة وتوض عاته السريالية ومفارقاته الساخرة.

ففي منظوره إن <<المبدع يتناول الواقع لا عبر تجريداته المسبقة وإنما عبر عناصره, عناصره الأولى, أساسا. إنه يفكك الواقع, ويعيد تركيبه, مستخدما العناصر الأولى ذاتها, مخضعا عمليتي التفكيك وإعادة التركيب إلى مجموع الطاقات الفاعلة, طاقاته هو, التي أسميناها, اختصارا, المخيلة. إذن تكون المادة الخام ميدان النشاط, في محاولة تطويعها من أجل الهدف الفني. بهذا المعنى, وفي هذا السياق, تكون اللغة الطبيعية هي الأكثر تمثيلا للمادة الخام (...) العملية الفنية تستخدم الملموس وصولا إلى المجرد(5). وإذا ما اختبرنا هذا الاعتناق, الذي بلورته جملة من التأثيرات وبوجه أخص تأثر الشاعر بتجارب الشاعر الإسباني فديريكو غارسيا لوركا والشاعر الشيلي بابلو نيرودا والشاعر اليوناني يانيس ريتسوس, فيما يخص تدبير الكتابة الشعرية وتصريفها معجما وتوليفات وأساليب ودلالات في ملموسية هذه القصيدة, بوصفها تعنينا قبل غيرها, فلن نحجم عن توصيف معجمها, مع الفارق بطبيعة الحال, بالسهل الممتنع الذي شكل بابا اصطلاحيا أساسيا في الأدبيات النقدية الكلاسيكية العربية, وتوليفاتها الجملية أو العباراتية أو المقطعية بالإسلاس والمرونة الأدائيين, وأساليبها بالجدة والابتكار, ودلالاتها بالتغور والخصب الترميزيين, ناهينا عن العاملية الإيقاعية التي لا تقتصر على إيرادات التفعيلة والقافية بل تردف إليها ما ترخيه دلالية الس جل اللغوي من تموجات إيصاتية, تقوم مقام تمفصلات إيقاعية, في النسيج النصي للقصيدة, بحيث <<إن إيصات القافية الموسيقي لا ينتج فقط عن الصوت كصوت وإنما كذلك عن دلالية المفردة اللغوية>>(6), بيد أن هذا المنظور وهذا التوصيف لا يمنعان أبدا انضواء الشاعر بمعية قصيدته, بهذا القدر أو ذاك, وذلك بقوة الأشياء إلى نفس الأفق الرؤياوي, أفق الأمل في وضع عربي مستحق ومؤنسن تتحرر فيه لا الذات ولا المجموع من شتى الأعطاب التاريخية والروحية والمعيقات السياسية والثقافية.

(2)

إن القصيدة لهي ثمرة تماس كياني مدمر مع المأساة الأندلسية في العقر من مهادها الأرضي والتاريخي, أي في إسبانيا التي أتيحت للشاعر زيارتها في أثناء إقامته بالمغترب الجزائري لكن كتابتها سوف تتم في بغداد عام 1972, كما قصائد أخرى يأويها الديوان, إثر عودته إلى العراق في كنف أجواء الانفتاح السياسي والثقافي التي أسفرت عنها المصالحة الوطنية التاريخية بين القطبين الإيديولوجيين: حزب البعث والحزب الشيوعي, وستلقى, أول مرة, ضمن فقرات مهرجان المربد الشعري لنفس العام, وذلك ريثما تنشر لاحقا في أحد أعداد مجلة <<الآداب>> البيروتية, فكان أن شكلت وقتها, بالنظر إلى ما تحلت به من عمق وحساسية واستبصار نفاذ, حدثا شعريا وإعلاميا سيهيمن على الساحة لأسابيع عديدة. نخلص من هذا إلى أنها, أي القصيدة, حر رت  على مسافة من الأرض والتاريخ موضع الكتابة والتخي ل, من سلطتهما وإغوائهما وهو أمر دال سيان من حيث المباعدة بين الذات الشاعرة وموضوعها أو من حيث طبيعة التمثل الشعري وحدوده, الشيء الذي سيخول للقصيدة إمكانية فعلية, ورمزية في آن معا, لاجتراح أرضها الأندلسية الخالصة ولملمة غصتها الأندلسية المحضة وإدراج كلتيهما في آليتها النصية والتخييلية والرؤياوية المواظفة لفائدة الماضي مواظفتها لصالح الحاضر.

و بتعبير رديف إنه, أي الشاعر, وهو ينأى بذاته وبفائض انفعالاته الجريحة, الأسيانة, جراء ضغط التجربة الإسبانية المعيشة وسطوتها من مجالها الفعلي المتعي ن إلى الركن الآخر القصي  من القارة العربية المتراحبة يوف ق, بمزيد من التحوط والحنكة, إلى ابتناء زاوية نظر متماسكة كفيلة بشعرنة موضوعه على نحو هادئ ومنتج مفو ضا لأناه الشعرية المنتدبة في فضاء القصيدة أن تنوب منابه في إعادة ترميم خبرة التماس تلك, تنقيتها وتنضيدها, وتقويل الأرض والتاريخ والانغمار, بالتالي, في لجة الماضي والحاضر الكارثيين, والمناورة بمحمولهما وتمرية هذا في وجه ذاك. وإجمالا يبقى عنصر المسافة أحد المقومات الفارزة في كتابة سعدي يوسف الشعرية, ذلك أن <<معظم القصائد التي كتبها في بغداد كانت تأتيه في مدن المنفى التي أحبها وتآلف معها (مدن المغرب العربي وإسبانيا ودمشق وبيروت... إلخ) في حين معظم القصائد التي كتبها في مدن المنفى كانت بغداد والبصرة حاضرة فيها. إنه محكوم بالحنين للمدن التي يسعى إليها ويضي عها>>(7) إضاعة الأسلاف لإسبانيا, عدن التاريخ العربي وفردوس فذاذته الحضارية.

كذا تحمل الأنا الشعرية القسط الأوفر من عبء التلفظ والإيهام الشعريين على مدى المسافة النصية والتخييلية والرؤياوية التي تستغرقها القصيدة, لكن تحل لحظات في زمنية القصيدة تأنف فيها من تأميم التلفظ والإيهام فيتراخى حضورها لينفسح الأمر لقناع فروسي يتولى زمام هاتين الوظيفتين في انتظار أن تعاود مباشرة نفوذها في فضاء القصيدة. وفي هذا الصدد حري  بنا أن نستحضر كون الشاعر سيشرع في التوسل بتقنية القناع في هذا الديوان بالذات, وحسبنا أن نتفطن إلى عنوانه, <<الأخضر بن يوسف ومشاغله>>, وهي التسمية المتخيلة, رغما من رنتها الجزائرية الواضحة, التي استحدثها, لتقنيع أناه الشعرية في إبان مقامه المغاربي, وسهر عليها بالتنشئة والإنماء حتى أمست واحدة من مبتكراته الترميزية, شأنها شأن أقنعة ذائعة الصيت في الشعرية العربية المعاصرة مثل <<أيوب>> لدى بدر شاكر السياب و<<عمر الخيام>> لدى عبد الوهاب البياتي و<<صقر قريش>> عند أدونيس و<<الحلاج>> عند صلاح عبد الصبور..

و عليه فأن يكون هذا القناع الفروسي من سلالة الفرسان العرب الأقحاح, فاتحين من قبيل موسى بن نصير وطارق بن زياد أو ملوك من طينة عبد الرحمن الداخل أو عبد الرحمن الناصر, أو من شجرة أنساب الفرسان الغربيين المتخيلين, المقدامين, ك <<سي د>> كورنيي أو <<دونكيشوت>> سرفانتيس, فإن ما يعنينا هو انبساط حاجة القصيدة الملحة, والمشروعة كذلك, إلى استرفاد موارد تناصية تعضد بها أداءها الشعري وتوسع بفضلها مدار تقبلها وتأويلها, هذا بصرف النظر عن ميسم المواراة الذي يطبع, عادة, إعمال الشاعر لانفعالاته القرائية في صلب نصوصه, ومن ثم <<.. ففي العديد من قصائد سعدي يوسف يبرز الوعي بالغياب كقيمة تشكيلية في النص, حيث ينبني النص على إيهام بأن نسق البنية الدالة للقصيدة لا يقدم سوى دلالته المباشرة, ولا يعد بأكثر من ذلك (...) وبذلك تكون القصيدة قد رسخت الغياب كقيمة في ممارسة إنتاج الدلالة(8). إن الغياب, سواء في هذا السياق أو في غيره, لهو عين الحضور والمحايثة ولا أدل على هذا من نعت مقترضات الكتابة بالنصوص الغائبة بينما هي حاضرة إن على سبيل الحذافيرية أو التحوير أو الامتصاص.. وفي هذا المنحى لا مندوحة لنا عن الإلماع, مثلا, إلى الاشتغال النصي الفاعل لمظان عقدية وتاريخية وشعرية عربية قديمة تثوي في لاوعي القصيدة.. لكن تحت إمرتها وفي تساوق مع مقاصدها وانتواءاتها المعلنة والمبي تة, أو ليس <<في مقدورنا نعت سلسلة الانزلاقات التي لا حيلة لنا في حبسها بلا وعي النص, وذلك باعتبار أن الانزلاق جزء لا يتجزأ من اللاوعي أصلا>>(9).

و بخصوص القناع الفروسي موضع الحديث في مكنتنا ترجيح أي  معادل فروسي كان للأنا الشعرية, سيان من المتخيل الفروسي العربي أو من نظيره الغربي, ما دام يستجيب لمواضعات اللحظة الشعرية, لكن والمقامية الدلالية للقصيدة تقتات من موضوع بعينه فإن هذا لمم ا يرجح حضور الدونكيشوت الذي وإن غابت قسمات بارزة من الرواية, التي هي مسقط رأسه الخيالي البدئي, يشخص, مع ذلك, في عرض القصيدة نثار من القرائن الآيلة إلى هذا الرمز الروائي, وفضلا عن هذا وبما أن الأمر يتعلق بأرض الفارس الفانطازي, الجوال, الحزين التي درع مناكبها بحثا عن متنفس لسؤاله العشقي - البطولي الفادح, سؤال دولسيني - إسبانيا القروسطوية, الرعوية, الحلمية, المعافاة من أدران العقلنة والمؤسسية والجشع التي استجلبتها الأزمنة الحديثة, أفلا يعد أولى من غيره, والتاريخ تاريخ ذويه هو أيضا, في درع أرض القصيدة هذه المرة برفقة أنا شعرية معنية, هي الأخرى بأندلس كوسموبوليتية, متعالية, بله مستحيلة, تصر على إغلاق بوابتها في وجه عاشقيها:

- إن كل المنازل مغلقة, فأمام الوجوه

الشريدة, لا يفتح الناس أبوابهم

قد نسينا بقرطبة الشرفة الأموية

و الطفل.. حين نسافر ننسى الحقائب

أو نتناسى متاعبنا وكتاب القصائد

يا أيها الفارس المستحيل: تظل المسافات

تنأى, وفي مقلتيك تغور الشواطئ

لا تكتئب فالحوافر فيها الشرار, وهذا

السبيل الحجار...

إن منتهى ما يمكن أن تسديه أندلس من هذا الطراز, إن لان جانبها, إشفاقا على القناع والمتقنع به, هو أن تفتح لهما كوة رمزية يطلان منها, ليس أكثر, على أندلس طارق بن زياد وعبد الرحمن الداخل وعبد الرحمن الناصر وأبي عبيد الله.. ابن باجة وابن طفيل وابن رشد وابن ميمون وابن زهر وابن حزم وابن عربي وابن الخطيب.. الرمادي وابن خفاجة وابن زيدون وولادة بنت المستكفي والمعتمد بن عباد وابن زمرك.. أندلس مدرسة الألسن بطليطلة وقصر الحمراء بغرناطة وقرطبة بجامعها الأعظم وحم اماتها الألف.. محفل السحنات والألسن والطباع والسجايا.. مدرج الحرية والاختلاف والتسامح والتعايش.. أندلس الانتشاءات الكبرى والغبطات النادرة.. قرية العرب واليهود والكاثوليك والغجر والسود.. أندلس صرامة الحياة وجودتها في آن معا.. دارة الكد المعرفي وأبهة العيش وبهجته وأناقته ومخمليته.. أندلس الملوك والر عاع.. الأميرات الباذخات والوصيفات المستعذبات.. النبلاء والدهماء.. العقلاء والحمقى.. التجار والدراويش.. المتكلمين والهراطقة.. الفلاسفة والشعراء.. الموسيقيين والمهرجين.. الحك ائين وقوافل منشدي التروبادور المرتحلين.. وفي كلمة  يطلان على الأندلس اللوركوية, اللمعة الهائلة في دياجير تبلد كوني عارم, السلوى الحضارية غير القابلة للتكرار, أندلس ما قبل السقوط والاندحار, ما قبل محاكم التفتيش وانطلاق تغريبة أبنائها الموريسكيين في المنافي والتواريخ.

من هذا الضوء نقول, وعبور الشاعر للوادي الكبير فعلي ما في ذلك ريب, إن القصيدة وهي تؤشر على رمزية عبور الأنا الشعرية للوادي, الشريان المائي الأزلي للجغرافيا الأندلسية الواطئة والنضرة, توسطا بميثاقية العنوان وعلى رؤيتها, ضمنيا, لما رأته, فالظاهر أن تمن ع الأندلس المستهامة عن الانبعاث ثانية من رحم الأرض محل الرؤية, على نحو ما ذكرنا, لا يبلبل الصدقية المحتملة لهذا العبور, بل يؤكدها وأكثر من هذا سيقو ي من حافزية هذا العبور التخييلية والرؤياوية, إذ سيتم الزج بهذه الأنا, وهو ما تسنده موحيات القصيدة التي هي مأوى النهر وعابره, في مثلث ترميزي تشيده هذه الأخيرة ويتألف من ثلاثة أركان مجازية ضاربة <<تفصح عن المسافة الفاصلة بين حرفية المعنى وافتراضيته وتضمر في نفس الوقت نظاما ثقافيا>>(10) برمته, عنه تصدر الأنا الشعرية وهي تتقر ى الأرض والتاريخ, مجالي عبورها المتحقق, وهي:

/ مجاز الديمومة ممثلا في النهر المتأبد جريانه واندفاقه, الشاهدة ذاكرته المائية الحية على ذاكرة التراب الخربة والزائلة, وإذ تعبره الأنا صوب الخراب فإنما هي تستقطر ذاكرته النشطة, تستنطقه, وتقتاده إلى برهة أنس وامتلاء غرناطية صميمة لينصب, عوضا عن البحر, في تلاوينها ومستدقاتها , وبالتالي إلى مرقى من مراقي الرؤيا الشعرية الشاملة:

- جوادي على الوادي الكبير, ورايتي

بغرناطة الأبراج, يكنزها الصخر

فلا تسألوا عني وعنها. فإننا

لها آخر العشاق. والهاتف السر

لقد كان لي فيها أنيس. وإن لي

أنيسا بها. حتى لو اجتاحها العصر

و غي ب ما بين القلاع وسهلها.

/ مجاز التصر م مجسدا في التاريخ المنذور للتفتت والانقضاء, للتحول والانمساخ, والآيل إلى الاختزال في مجرد معادلة مثناة طرفاها ما قبل وما بعد, ومن ثم لا غضاضة في أن ينسحب الفاتح العربي طارق بن زياد ويعود من حيث أتى ويحل محله الرحالة الإيطالي كريستوفر كولومبس وهو في طريقه إلى العالم الجديد, وذلك إرضاء لمشيئته الماكرة ومطاوعة لإملاءاته المزاجية, أفليس ناموسه أقرب إلى المسخرة منه إلى المعقولية:

- آخر رايات كولمبس المستدقة تبحر من برشلونه

و آخر أبراج غرناطة اقتحمته خيول الشمال.

تصير المسافات لي راية... إن أهلي بعيدون

لا تحمل الطير أخبارهم لي, ولا تحمل الطير

                      أخبارنا

لهمو.. يا جناح الليالي الطويلة, كن موطني

و الكتاب الذي ليس يطبع.. كن في مقاهي

                    المحبين

دورة شاي...

/ مجاز الفجيعة معب را عنه في كارثية السقوط ودموية الحاضر, في تتجير المعارك وشيم النبل والبطولة, في انهزام الذات والمجموع, في الخسران المطبق على الأبدان والأرواح والذي لا يترك للأنا الشعرية, أو لقناعها الفروسي لا فرق, من خيار سوى خيار الوحدة, بله الموت:

- قميص.. لكل المشترين أبيعه

و سيفي

و عينا جوادي.

أنا الآن منجرد بينكم

فاحملوا كل ما يشترى

- هل خسرت سوى عبء أغلالكم  ?

.................................

و اتركوني وحيدا

دعوني أقل ما أشاء

دعوني أكن ما أشاء

دعوني أمت. أو أعش نجمة

فغرناطة العشق عريانة وحدها

إن غرناطة العشق عريانة وحدها.

على أن عري غرناطة, درة النبوغ الأندلسي, ليس إلا  امتداد لعري رمزي كاسح تنضوي إليه كافة المدائن العربية البهية, دمشق الأموية.. بغداد العباسية.. القاهرة الفاطمية.. عري تجردت معه من امتلائها الإنساني الغامر لترتدي الفضيحة والعار وقتامة الدم, عين الدم المسيل في عروق غرناطة الفرانكوية, الفاشستية, الظلامية, التي هان عليها تقايض خرير ماء سواقيها المطرزة في بساتين الرمان والكرز والتوت.. في حدائق الأقحوان والنسرين والنيلوفر, بلعلعة الرصاص الحاقد والهمجي في الأزقة والباحات والضواحي, هوان الازورار عن ابنها فديريكو غارسيا لوركا, ذلك الشقيق الأندلسي, الفريد, التراجيدي, للأنا الشعرية, وصاحبها بالتبعية بحيث <<إن بين عالم سعدي يوسف الشعري وعالم لوركا, وكلاهما واقع مرئي, أكثر من وشيجة, بدت مبكرة ونمت شجرة, وأثمرت زهرا أبيض وأخضر وأصفر... ولكنه كله مضرج بالدم, دم الإنسان القتيل بشتى السبل وفي كل الأماكن...>>(11), ومن شدة معزته للوركا وانغوائه بعالمه الشعري سوف لن يتورع الشاعر عن تعل م اللغة الإسبانية كيما يستفيد منه, ويستمتع به أيضا, في لغته الأم.

في توض ع أليم, ممض , مزلزل, كهذا الذي انوجدت في معمانة الأنا الشعرية, ومن قساوة مراوحتها رقعة هذا المثلث الترميزي, المنفسح مجازيا فوق اللزوم والمتضايق كيانيا حد الاختناق لن تبطئ القصيدة في تحفيز العابر المأساوي على التحرك, مكوكيا, بين قطبي الماضي والحاضر, أي المزاوجة, لكن داخل هذه الرقعة وليس في خارجها البراني, بين الاستذكار والتحيين, ومن هنا له, بهذا المعنى, أن يرتجع كيانيا, تخففا من وعثاء اللحظة الشعرية, إلى أقصى تخوم الذاكرة, إلى مسقط الرأس, كما لو أنه <<ذاهب للبحث عن زمن مفقود يمكنه, لأن هذه هي رغبته, من إبطال خفقان الزمن>>(12) من الأصل, والاعتياش على نوستالجيا البصرة ونخيلها العدني, ولم لا أور, سويداء الجغرافيا الميثولوجية السومرية, وحيث لم ا تزل تسري في مسام أنقاضها المهملة أنفاس الملوك - الآلهة, وحيث يعانق اللاهوت الناسوت ويتناغم المقدس مع المدنس, أو سمرقند, هناك في ما وراء النهر, ثم يؤوب, من الفور, إلى عز  نهار العالم متخليا عن استذكاراته, المسقطة على ضمير مخاطب مؤنث, ويفرك عينيه حتى يبصر المنقلب البائس لبحر شاعري, باذخ, كالبحر الأبيض المتوسط كان أوان المجد الأندلسي بحيرة عربية مسالمة تمخرها السفائن والهامات العربية المتسامقة والثروات والأفكار بينما أصبح الآن مجرد مسبح بحري خلفي لبوارج الدمار الأمريكية. وإذ تصوغ الأنا الرائية بالسؤال ثم تتكفل هي نفسها بالإجابة تلتئم قدام ناظرها مشهدية مستهامة تتنازع مساحتها عتاقة الذاكرة العراقية وصفاقة الهيمنة الأمريكية لا تعمل سوى على تكريس يقينها في تلاعب التاريخ بالأفراد والأمم ومقامرته بالجغرافيات والمصائر:

- ها...

هي...

كواكب مائية في السماء التي تعرف الصيف والسفن

                                 الأمريكية الصنع,

في المتوسط لا تستحم الكواسج

هل تذكرين المنازل ?

تلك التي غادرتها السفينة  ?

لا.

حانة البحر في أور  ?

لا.

دارتي في سمرقند  !

لا.

(3)

إن نحن اعتبرنا بأن <<اللغة الشعرية ليست هي خالقة شعريتها الخالصة بقدر ما تستمدها من العالم الذي تضعه موضع تصوير>>(13) يبدو ألا  مندوحة لنا عن الإقرار بالمنسوب الشعري الهام الذي تحقق للقصيدة بفضل العالم الأندلسي الجميل, والمأساوي كذلك, الذي جعلته محط تخييل واستبطان وإسقاط. وإذن وهي تخترق الحيز الأعوص, الدامي, من الذاكرة العربية أمكنها ليس فقط تسجيل نقاط حاسمة على مستوى شعريتها, مبنى ومعنى, بل والارتفاع, لا واعية وبطريقتها الخاصة, وهو ما يتشبث به الشاعر, عن الملموس أو العياني إلى المجرد أو المتعالي الكوني, لا القومي, أي إلى المدرج الماورائي لفكرة السقوط بما سقوط للإنسان بالمطلق لا سقوطا للأمم والأوطان, وبحسبانه الموضوع الأثير والجوهري للشعريات الحقيقية وفي مقدمتها شعرية شارل بودلير الذي ستشكل <<.. أساطير الفردوس المفقود, الخطيئة الأصلية, والسقوط المستديم مادة أحلامه والتي سيعتبر تحيينها المتجدد واللامنقطع من صميم الطبيعة الشعرية>>(14). فسقوط الأندلس في ميقات تاريخي معلوم وانسياح أبنائها المقتلعين منها عنوة في جغرافيات الشتات ليس سوى المظهر المتشذر لسقوط أعمق, جذري, مريع يؤول إلى فجر الكينونة, يوم تدحرج الإنسان مرغما من الرحم الأولى إلى القعر من الوجود, من علياء النعيم إلى درك المشقة, وبهذا يكون الشاعر قد عبر الوادي الكبير إلى أندلس لا تعدو كونها بوابة أرض الشعر بامتياز, أرض التماهيات الرحمية والتشوفات العدنية التي يلتف بها الشعراء الأصيلون, الممسوسون بجمرة الشعر الوقادة, على لعنة الانهواء الآدمي المزمن إلى القاع من وجوده الأرضي, على مأساويتها المستنزفة لأجسادهم استنزافها لأرواحهم ومخيلاتهم إلى حد <<انتفاء الحاجة إلى اختبار آلام الشاعر لكي نغنم غبطة الكلام الذي يمنحنا إياه والذي يطغى على المأساة ذاتها>>(15).

و كما أبناء الأندلس الذين اقتلعوا من ذاكرتهم وطو ح بهم في أرجاء البسيطة سيكون من نصيب الشاعر, بل لنقل من حسن طالعه الشعري والرؤياوي, أن يقتلع هو الآخر من موطنه ليتيه في المنافي, إذ <<.. أصبح المنفى عندي, منذ 1957 حتى الآن, حالة مستمرة تتخللها أحيانا فترات عودة قصيرة ومحدودة, لكن الطريق الرئيسي فيها هو النفي (...) الآن أجد المنفى حالة طبيعية, لم يعد الوطن يمثل لي أرضا فحسب, إن الوطن الذي أحس بالانتماء إليه حقا هو ملكوت الحرية, وأنا أحرص على أن أصون هذا الملكوت وعلى أن أبقى حي ا فيه>>(16), ولأن <<أرض القصيدة هي اللغة ولا شيء غيرها>>(17), فإن هذه الأخيرة هي موئل حرية الشاعر اللامشروطة في أن يباشر مواطنته الحلمية ضدا على صنوف المواطنات الدنيوية المستلبة, الخنوع, المتيبسة, المغبرة, التي ترسخها تتاليات سقوط مكاني وتاريخي إن هي إلا  تنويع على بذرة سقوط إنساني جوهري يرتد إلى تلك اللحظة الكونية السديمية الباكرة.