الأدب المقارن في عصر العولمة:
تساؤلات باتجاه المستقبل

 

 حسام الخطيب


أولا  : قلق ومنازعات وتحديات

يستقبل الأدب المقارن القرن الحادي والعشرين (قرن العولمة) بتساؤلات ومجادلات صاخبة حول تحديد منهجه ومنطقه ومنطقته ومستقبله وأدوات بحثه وعلاقاته بالأنظمة الأخرى, ولا يكاد يضاهيه في ذلك أي نظام معرفي آخر, في دنيا العلوم الإنسانية بوجه خاص, ودنيا العلوم بوجه عام.  وقد يرجع ذلك إلى حداثة هذا النظام وتفجر الخلافات والنزاعات في داخله وحوله من قبل أن يبلغ رشده ويشتد أزره.  ولكن قد يكون ذلك ناجما  أيضا  عن طبيعة امتداداته المنهجية والمعرفية إلى مختلف أشكال المعرفة المعاصرة, بحيث تهتز جذوره وأغصانه بقوة مع الاهتزازات الكبرى التي تتعرض لها الأنظمة المجاورة له عضويا  ولاسيما النقد الأدبي ونظرية الأدب.

وتدل المؤتمرات الحديثة للرابطة الدولية للأدب المقارن, وكذلك الرابطة الأمريكية للأدب المقارن بوجه خاص, على قلق بشأن مستقبل هذا النظام المعرفي ومقدرته على التجاوب مع المتغيرات الكبرى للعصر مثل: تفش ي الثقافة التكنولوجية, وثورة وسائط الاتصال, والكتابة الحاسوبية والنص المفرع والإنترنت, والواقع الافتراضي والفضاء الافتراضي, وحقوق الملكية الأدبية, ومسائل الأيديولوجيا الجمالية المعاصرة, وطغيان التخصصات المتداخلة والمتقاطعة (وهي ظاهرة ذات طابع مقارني), وكذلك تأثير الانتشار المذهل للغة الإنجليزية في فعالية الحاجز اللغوي للمقارنة (الذي على أساسه قام الأدب المقارن), وعلاقة الأدب المقارن بالأدب العالمي, وأخيرا  تأثير الثورة التكنولوجية والمعلوماتية في تدريس الأدب بوجه عام, والأدب المقارن بوجه خاص. (1)

وتنشر يوميا  في الغرب دراسات وكتب تتعرض للأدب المقارن بالنقد الذاتي وتدعو إلى التجاوب مع المستجدات الحديثة, وتعرض نظرات أو نظريات متضاربة ومتفاوتة بين التفاؤل والتشاؤم بمستقبله, ومن جملة هذه العناوين مثلا  , مقالة لماري آن كاوس: <<ما الذي نسعى إليه? دعوة إلى النقد الذاتي>>(2).  وأخرى لإيفا كوشنر: <<هل الأدب المقارن جاهز لاستقبال القرن الحادي والعشرين?>>(3).  ومن ناحية الكتب ربما كان الأهم والأشمل هو كتاب كلوديو غيين المترجم إلى الإنجليزية عن الإسبانية: <<تحدي الأدب المقارن>>, من منشورات جامعة هارفرد.  وهو كتاب شمولي يفتح ذراعيه لكل ما يخطر على بال في دنيا الأدب والثقافة تحت عنوان الأدب  المقارن.(4)

ثانيا  : مؤشرات واحتمالات باتجاه المستقبل

وانطلاقا  من هذا التمهيد الموجز, يمكن مناقشة مستقبل الأدب المقارن من خلال الاحتمالات الرئيسية الثلاثة التالية:

- استمرار حالة الجدل والنقاش والاضطراب حول طبيعة الأدب المقارن وهويته.

- التحويل الكامل أو شبه الكامل لوظائف النظام المقارن وأهدافه إلى الأنظمة الأخرى المشرئبة للمنافسة.

- التطوير الجذري ولكن ضمن الإطار المسمى بالأدب المقارن.

أ.  استمرار حالة الجدل حول هوية النظام

والاحتمال الأقرب إلى الواقع هو أن تستمر حالة الجدل والنقاش حول طبيعة الأدب المقارن ووظيفته وأهدافه ومصيره على طول المدة المنظورة من سنوات القرن الحادي والعشرين.  ذلك أن اختفاء الأنظمة المعرفية أو تغيرها وتحولها, تماما  مثل انبثاقها وظهورها, أمور لا تتم بقرار رسمي أو بضربة حظ أو بخبطة مفاجئة, وإنما تتم نتيجة صراعات وتفاعلات وعمليات مخاض صعبة تقررها عوامل داخلية intrinsic وعوامل إطارية external , بعضها متعلق بتداخل الأنظمة المعرفية وبعضها متعلق بالإطار الاجتماعي الخارجي, أي أن هناك أربع دوائر تتحكم بمصير أي نظام: الدائرة الداخلية أو الذاتية, تداخل الأنظمة المعرفية والثقافية وتفاعلها, المؤثرات العالمية والتفاعل مع الآخر, وذلك كله في دائرة الإطار الاجتماعي الأوسع بالمفهوم العام.  وفي حالة الأدب المقارن بالذات يظل للعامل الخارجي النصيب الأوفر من التأثير في مصير هذا التخصص وتطورات طبيعته ووظائفه وأهدافه, ونعني بذلك الإطار العالمي سواء من ناحية المناخ العالمي الخاص بالأدب المقارن نفسه أو من ناحية المناخ الأوسع أي المناخ الثقافي والأدبي السائد عالميا  ولاسيما في عواصم البث  الثقافي المهيمنة , لأن له بدوره ضلعا  فعالا  في تطورات الأدب المقارن في أي بلد من بلدان العالم.  وهكذا تستمر  وتتعدد المحاولات والتعقيدات التي تدخل في تحديد مصير الأدب المقارن من داخل البيت المقارني, وهي بالطبع لا توحي بأية احتمالات من قريب أو بعيد يمكن أن يفهم منها أن هذا النظام المعرفي المهم معرض للانهيار أو الذوبان أو التقلص , إلا إنها تميل بقوة إلى التشكيك والسلبيات, وبعضها يفتقر إلى الحد الأدنى من الحرص على استمرار النظام.

ب. التحول إلى الأنظمة المنافسة

على أنه, من جهة أخرى, لا ينبغي عدم الاستهانة بالمخاطر التي تتهدد استمرار الأدب المقارن من خارج البيت المقارني.  إذ تشير الدلائل إلى انه سيبقى عرضة لموجات متعاقبة من المنافسة تطلقها أنظمة تتقاطع معه في المنطق والمنطقة, بعضها قديم متأصل متمكن مثل نظرية الأدب (عملاق الأدب كما يسميها ?ايشتاين), وبعضها حديث متوثب مثل الدراسات الثقافية والدراسات الترجمية, وبعضها حديث متعدد الأنظمة ومتشعب الاهتمامات وعريض الادعاءات بحيث ينطلق من منطلقات معرفية وسوسيولوجية أوسع بكثير من منطلقات الأدب المقارن والنظام الأدب بوجه عام, مثل النقد البنيوي, وما بعد البنيوية, والسيميائيات, ونظريات ما بعد الحداثة على اختلاف فيما بينها.  والملاحظ أن الجيل الجديد نسبيا  هو الذي يحمل لواء المعارضة للأدب المقارن ويحاول إما إبداله  وإزاحته من قائمة معارف المستقبل, وإما تقزيمه وإتباعه للأنظمة المشرئبة كالدراسات الثقافية أو الأنثوية أو الترجمية بل أحيانا  لمقرر جامعي اسمه الأدب العالمي, وإما - في أحسن الحالات - فتح أبوابه لكل أشكال المقارنات دون شروط أو حدود, مما يهدد بضياع شخصيته وكيانه.

على أن مثل هذه الدعوات تمثل تحديا  قويا  ولكنها يصعب أن تكون ذات فاعلية حاسمة, ولاسيما في حالة وجود اتجاه ثالث يدعو إلى النهوض بالأدب المقارن وتطويره جذريا  بحيث يواكب المتغيرات الثقافية والأدبية في عصر الاتصال والعولمة.

ج. التطوير الجذري

ولابد أن يكون هذا الاحتمال هو البديل المنطقي لمواقف التشكيك في الأدب المقارن أو الاستبعاد أو حالة الركود ولاسيما في المؤسسة الجامعية خارج الغرب, وفي الوطن العربي, مع استثناءات قليلة.  ويتمثل في اتجاه الأدب المقارن إلى استواء هويته والتغلب على مشكلاته الداخلية وعقباته المنهجية والنظرية وانطلاقه نظاما  معرفيا  قادرا  على تجاوز كهف الآداب القومية ولاسيما المغلق منها, وكهف النظام الأدبي المتخلف عادة عن تطورات المعرفة العلمية ومغامرات الممارسة التكنولوجية, وكهف الإلغائية والترفع عن الأنظمة المشابهة والمجاورة, وأخيرا  قادرا  على التجاوب مع موجات التفكير الثقافي السائدة عند إطلالة القرن الجديد والتي يلخصها العارفون بالعناوين  التالية: العولمة, الانفتاح الإعلامي, المعلوماتية والحاسوبية, التخلص من آثار الكولونيالية, الديمقراطية والتعددية, تداخل المعارف, تداخل الثقافات, وأخيرا  جدا  بروز النظرة الأنثوية للمعرفة من خلال الدراسات الأنثوية Feminine Studies.

وقد حملت مؤتمرات الأدب المقارن ودراساته ومناقشاته في العقد الأخير من القرن العشرين مؤشرات إيجابية قوية بهذا الاتجاه, أي أن المشكلة تجري معالجتها بجدية, ويشارك فيها باحثون من الجيل القديم والجيل الحديث, ويبدو أن التطورات الثقافية والأكاديمية الراهنة تدفع دفعا  بهذا الاتجاه.   ولكن هذه الحقيقة ينبغي ألا تدفع إلى الاستهانة بالعقبات الداخلية التي قد لا تجعل التجاوز سهلا  وقد تمد من أجل الصراعات والاضطراب.

وتسود في ساحة الأدب المقارن شكاوى وانتقادات ذات طابع سلبي (من داخل البيت نفسه) أكبر بكثير مما يقدم من اقتراحات إيجابية للخروج من المعضلة التي أوقع الأدب المقارن نفسه فيها بطريقة مازوشية تستحلي تعذيب الذات, ولا يكاد يوجد لها نظائر كثيرة في الأنظمة المعرفية الأخرى, أي أن الأنظمة المعرفية الأخرى لا تتساءل كل يوم عن حقيقة أهدافها وطبيعة مناهجها وحدود علاقاتها بالأنظمة المجاورة, وإنما تمضي قدما  في عملية تطور متفاوتة الوتيرة حسب طبيعة كل نظام, مع حد طبيعي من المراجعة وإعادة النظر.

ويلاحظ انحسار نسبي في عدد الباحثين المتحمسين حقيقة لنظام الأدب المقارن والراغبين في دخول مناقشات لتوضيح جدواه وآفاقه المستقبلية على نحو ما فتئ هنري رماك ينادي به طوال العقود الأربعة الأخيرة من القرن العشرين.  ويكاد يحس الإنسان في السنوات الأخيرة من القرن العشرين بشيء من فتور الحماسة للأدب المقارن التي كانت متأججة في السبعينيات وظهرت فيها نصوص تبشيرية في الأدب المقارن مثل دفاع فرانسوا جوست المتألق عن الأدب المقارن:

<<يمثل الأدب المقارن فلسفة للآداب, يمثل نزعة إنسانية جديدة.  ويقوم منطلقه الجوهري على الإيمان بكلية الظاهرة الأدبية, ونفي مواقف الاكتفاء الذاتي في الاقتصاديات الثقافية, ويترتب على ذلك الحاجة إلى سلم قيم جديد.  إن الأدب القومي لا يستطيع أن يؤسس حقلا  دراسيا  جليا  بسبب منظوره المحد د بطريقة تعسفية: إن السياقية الأممية في التاريخ الأدبي والنقد أصبحت قانونا .  إن الأدب المقارن يمثل أكثر من مجرد نظام أكاديمي.  إنه نظرة شمولية للأدب, لدنيا الأدب, إنه (تبي  -ؤ إنسانوي a humanistic ecology - نظرة عالمية Weltanschauung) ورؤية للكون الثقافي تضمينية وشمولية, ... إن الأدب المقارن هو النتيجة المحت مة للتطورات التاريخية العامة>>.(5)

وبالطبع ما عدنا نسمع مثل هذا الكلام التبشيري في السنوات الأخيرة بل انتقل الموقف التبشيري إلى كثير من الناطقين باسم الأنظمة المشرئب ة, الذين يتحدثون حديث المتحمس والداعية ويربطون دعواتهم بقضايا إنسانية مثل التخلص من المركزية الأوروبية, ورعاية الثقافات التي اضطهدتها أو طمستها الكولونيالية, وتلقيح الفكر الغربي (الذي هو مركز الأدب المقارن, شئنا أم أبينا) بأفكار وتجارب من حضارات بعيدة عن التجربة الغربية مثل إفريقيا المحلية (غير الكولونيالية) والصين وشرق آسيا بوجه عام, وربما قبل ذلك كله مناصرة قضايا المرأة وتصحيح فهم أدبها وإسهامها وصورتها في الثقافة الإنسانية بل إعادة النظر في مجمل الحضارة الإنسانية التي قامت على التصور الذكوري للكون, وكذلك إنعاش ثقافات أولئك الذين كانوا دائما  ضحايا التمييز العنصري أو التعصب الإثني أو التطهير العرقي (كالهنود الحمر وأيضا  السود في أمريكا).(6)

ولكن - مرة أخرى - يلاحظ أن الأدب المقارن اليوم يتمتع أفقيا  باهتمام متزايد ليس في الغرب فحسب ولكن أيضا  في مناطق أخرى مختلفة من العالم, ولاسيما في الصين واليابان والوطن العربي, على مستوى المؤسسات الجامعية وربما أيضا  في حقل النشاط الأدبي العام.  ويبدو أن تطورات العولمة المقبلة ستحمل للأدب المقارن تحديات جديدة وفرصا  متجددة, يؤمل أن يتضح تأويلها في النقلة التالية.  مع التذكير أن محصول الإنتاج المقارني التطبيقي الذي نشر خلال العقد الأخير من القرن العشرين بوجه خاص يوحي بانتعاش فائق, وإن كان ينبغي أن ينبه المرء دائما  إلى تجنب الاغترار بالتقدم الظاهري للأدب المقارن, حسب مقولة رينيه ولك المشهورة.

وفي هذا المجال, يمكن الوقوف قليلا  عند كتاب ستيفن توتوزي دو زبتنك الذي صدر تماما  عند نهاية عام 1998 في كل من شقّي المحيط الأطلسي بعنوان : << الأدب المقارن: نظرية ومنهجا  وتطبيقا>>(7).  ويعد هذا الكتاب الجاد الشامل آخر كتاب نظري متكامل يظهر بالإنجليزية (وربما بغيرها من اللغات) قبل أن يسدل الستار على القرن العشرين.  ولهذا الكتاب أهمية تاريخية لا تنكر, وذلك على الرغم من المراجعات القليلة والسلبية التي صاحبت ظهوره(8) والتي يمكن أن تكون أخف وطأة  على مؤلفه من الصمت الذي رافق ظهور الكتاب.  ومن عوامل أهمية الكتاب (باختصار):

- أن موضوعه يشمل النظرية والمنهج والتطبيق, ويلتزم بالأدب المقارن الخالص, ويقدم نظرية جذرية لتطويره.

- أن مؤلفه دو زبتنك يعتبر راهبا  من رهبان الأدب المقارن, وهو مرجع معلوماتي بل حجة في ببليوغرافيا الأدب المقارن, وهو صاحب أوسع ببليوغرافيا عالمية ظهرت حتى نهاية القرن في هذا المجال.

- أن مضمونه مبني على متابعة الأدب المقارن بالإنجليزية وبلغات أوروبية أخرى, أبرزها الألمانية والهنجارية, كما أنه يتابع الأدب المقارن في مناطق أخرى من العالم خارج إطار الغرب, وقد بنى نظريته على أساس هذه الإحاطة العالمية.

- وهو مشفوع ببيان صارخ (مانفستو) يتألف من عشر نقاط تحاول أن تشق للأدب المقارن طريق سلامة في هذا القرن المتلاطم.(9) ويمكن تلخيصها على الوجه التالي :

1. نقل تركيز التساؤل في الأدب المقارن من << ماذا>> إلى << كيف>>.

2. الموازاة بين مرجعية الأدب المقارن القائمة على الحوار والتبادل بين اللغات والآداب والمعارف المختلفة من جهة وبين مرجعية الآداب القومية التي تركز على التفرد والاستبعادية.

3. إتاحة الفرصة للتوازي بين القومي والمقارن في التقرب الفكري وفي البنية المؤسسية وفي الممارسة الإدارية على المستوى الأكاديمي.

4. حل مشكلة التسارع في توسع الأدب المقارن من ناحية المقارنة المعرفية مع مختلف الفنون والعلوم إلى درجة اهتزاز بؤرة الارتكاز فيه وصعوبة حصوله على الاعتراف الفكري والقوة المؤسسية في الإطار المعرفي العام.  وينتج عن ذلك عادة  تقزيم أقسام أو برامج الأدب المقارن مقابل ما تتمتع به الآداب القومية من قوة ومكانة.

5. مواجهة طغيان اللغة الإنجليزية وتحولها إلى لغة وسيطة lingua franca في معظم أجزاء العالم تمثل مركزية أنجلوأمريكية جديدة وقد تهدد المقارنة اللغوية في صميمها. وتقع هذه المواجهة بالدرجة الأولى على عاتق المقارنين الناطقين بالإنجليزية.

6. مواجهة تحدي الدراسات الثقافية التي تتهدد كيانات الأدب القومي بتركيزها على البنية الثقافية أكثر من الآداب, بل تهمش دراسة الأدب وعلاقاته مقابل التداخل المتشابك للعلاقات الثقافية داخل كل أدب قومي وخارجه.

7. ضرورة وضع طرائق منهجية واضحة لمبدأ الإدخال (inclusion) الذي يفتح الباب على مصراعيه لكل آخر شاملا  بذلك الشكل والمضمون.

8. ضرورة تنظيم المنهجيات الثلاث القائمة في الأدب المقارن وهي المنهجية الداخلية في نطاق الإنسانيات intra-disciplinary , والمنهجية التعددية المعتمدة على باحث واحد يتنقل بين تخصصات مختلفة, والمنهجية الجماعية التي يمثل أعضاؤها عدة أنظمة معرفية.(01)

9. مشكلة التعارض بين موقفي العولمة والمحلية.  إذ بينما تطغى موجة العولمة على مستويات المعرفة والاتصال والصناعة والتقانة وغيرها من جوانب الحياة يبقى انطلاق تخصص الباحث المقارن معتمدا  على نقطة ارتكاز الأدب القومي, ومنه ينطلق إلى الأدب المقارن.  وقلة هم الذين ينطلقون من مناهج إنسانيات عالمية مع تركيز على الأدب.(11)

01. وأخيرا  هناك تبقى المطالبة الصعبة في الأدب المقارن وهي تعميق المعرفة الثقافية والأدبية من خلال تقر ب متعدد الواجهات ومستند إلى رصانة بحثية ومعرفة متعددة المستويات واللغات والالتزام في الوقت نفسه بمنهجية دقيقة.

وهنا يستعير المؤلف منهجيات وفلسفات نقدية ألمانية وهنجارية وبولندية وأوروبية بوجه عام إضافة إلى المنهجيات الأنجلوسكسونية بحيث لا يترك شاردة ولا واردة إلا أدخلها في الجسم النحيل للأدب المقارن.

ثالثا  : رؤية عربية باتجاه مستقبل الأدب المقارن

أ. حول دور المنهج المقارني في عصر العولمة

ويبقى أكبر عامل مشجع في استمرار الأدب المقارن وتطوره, أن القرن الجديد الذي بدأت تخوض البشرية بواكير تجربته يمكن أن يعتبر بالضرورة عصر مقارنة.  ذلك أنه مع التطورات الكبرى باتجاه العولمة, ومع ازدياد الوعي الثقافي لمعنى المقارنة, ومع ازدياد فرص المقارنة بنتيجة تقلص الحواجز والمسافات المادية والمعنوية والنفسية, تتجه المقارنة اليوم لأن تصبح نظاما  من التفكير مبنيا  على الوعي بذاته وربما بضرورة بناء المقارنة على أسس عقلية جديدة تحليلية, أي الانتقال بها من مرحلة الممارسة شبه العشوائية إلى الممارسة المسلحة برؤية لشروطها الإجرائية وأهدافها النوعية والعامة.  فالمقارنة الثقافية مثلا , وهي التي تعنينا في المناقشة الحالية, تفهم اليوم على أنها طراز من التحليل يبدأ من نقطة محددة, ولتكن حالة ثقافية ما, أو ثقافة قومية بأكملها, أو عملا  أدبيا  أو فنيا , أو إنتاجا  عاما  لكاتب ذي امتدادات خارجية أو عالمية.  وتعتبر هذه النقطة أساسا  للانطلاق إلى النظير أو النظائر الأخرى التي يشتبه بوجود تماثلات أو تبادلات معها وربما أيضا  وجود فروق واختلافات.  ومثل هذا التحديد كفيل بنقل المقارنة إلى مستوى فكري خلاق ومتعدد الأبعاد من شأنه أن يضعنا في الإطار الصحيح لفهم أسرار تطور ثقافة الإنسان وإبداعه على امتداد التاريخ ماضيا  وحاضرا .

ويستفاد من هذا التحديد أن وجود أساس للطرف الأول من المقارنة يقتضي دراسة هذا الطرف والتعمق فيه جيدا , لأن المقارنة مهما اختلفت أهدافها لابد أن توحي ب / أو تستند إلى / وجود مقياس أو طراز أو مستوى مقبول صراحة أو ضمنا .  فمثلا  عاشت المقارنة الفكرية والحضارية والأدبية والاجتماعية على القبول تصريحا  أو تلميحا , وعن وعي أو لا وعي, بأن الحضارة الأوروبية الغربية هي نقطة الانطلاق لأية مقارنة شاملة.  وكان مفكرون أوروبيون, مثل نيتشه وكنط وهيجل وماكس ويبر وشعراء مثل روديارد كبلنج, قد وضعوا أساسا  فكريا  لمفهوم المركزية الأوروبية, التي اعتبرت الحضارة الأوروبية مركز الإشعاع العالمي والنموذج الذي يجب أن تحتذيه سائر البشرية لتنتمي إلى العالم المعاصر.  وعلى الرغم من الحملات القوية التي قام بها مفكرون أوروبيون وغير أوروبيين لتقويض هذا المبدأ المقارني, ابتداء من ايتيامبل وانتقالا  إلى مكسيم رودانسون, وانتهاء بتشومسكي وإدوارد سعيد, وعلى الرغم من أن تقويض المركزية الأوروبية أصبح اليوم شعارا  على لسان كل مثقف حر في العالم داخل أوروبا وخارجها, فإن التطورات الاقتصادية والمادية والاتصالية والبحثية والفكرية والعلمية, إلى جانب مستوى المعيشة والتفوق المالي والعسكري, والتفوق التعليمي والتفوق في صناعة الثقافة, كل هذه العوامل تجعل نداءات المثقفين البريئة أقل تأثيرا  مما ينتظر لها.  وأسوأ ما في الأمر أن مفهوم المركزية الأوروبية, يتطور الآن إلى مركزية غربية, أو مركزية شمال الأطلسي, بقيادة الثقافة الأمريكية التي كان ينظر لها في الماضي على أنها دون ثقافة أوروبا, ولكنها اليوم أصبحت نموذجا  يحتذى حتى في أوروبا نفسها, واتخذت لها شعارا  براقا  هو نشر الديمقراطية التعددية, فكأنها وريثة شعار المركزية الأوروبية القديم وهو << عبء الرجل الأبيض Whitemans burden>>.

على أنه ينبغي الاعتراف بأن الذي تغي ر اليوم هو الوعي العالمي العام بأن النموذج الغربي, متفوق حقا  في مختلف مجالات الثقافة والعلم والإنتاج والقوة المادية والاتصال وغزو الفضاء, ولكن له مشكلاته ونقائصه وتناقضاته ولاسيما بين المثل الأعلى المعلن, والمثل غير الأعلى للهيمنة والسيطرة والاستلاب, ولذلك ينبغي أن يكون الموقف منه حذرا  وانتقائيا  وغير مبني على الانبهار والتسليم الأعمى.  كما أن هناك شيئا  آخر مهما  قد تغير في مجال المقارنة مع المركزية الأوروبية, وهو الاعتراف الضمني أو الصريح بعظمة حضارات العالم القديم في إفريقيا وآسيا, والتسليم بما قدمته هذه الحضارات ومنها الحضارة العربية الإسلامية من إسهام مباشر أو غير مباشر في مسيرة الحضارة الإنسانية.  وهنا أيضا  يقتضي الإنصاف الإشارة أن عددا  لا يستهان به من مثقفي الغرب وعلمائه وأدبائه أسهموا في دعم هذه الفكرة ونشرها. والى جانبها فكرة أصالة الإنتاج الفني والأدبي الراهن في بلدان العالم القديم (أو بلدان الجنوب), وضرورة وضعه في واجهة لائحة التثقيف اليومي للأجيال من جهة, والاستعانة به من جهة أخرى لترسيخ النزعة الإنسانية والفطرية لدى جمهرة المتلقين في العالم.  ومثال ذلك رسالة منظمة اليونسكو ولاسيما في مجال إحياء الثقافات المستضعفة, وإعادة بناء قائمة الروائع الأدبية العالمية بحيث تشمل منجزات العالم القديم (الثالث).  وكل هذه التغيرات تصب في صالح المقارنة لتجعل منها رافدا  فعالا  من روافد الصبوة العريقة للاتجاه نحو بناء حضارة إنسانية منسجمة مع ذاتها ومث لها وغير قائمة على التناقضات والتمييز بين الأنا والآخر.

ومن الواضح أن عملية المقارنة في القرن الحادي والعشرين ستكون أكثر تعقيدا , وأكثر وعيا  لذاتها وأهدافها وطرقها الإجرائية ونتائجها, وستصبح أكثر فأكثر هي الأسلوب المعتمد للتأكد من الحقائق والتصنيفات العامة والأذواق وربما المعتقدات الشاملة.  كما أن مادة المقارنة ومجالاتها ووثائقها وأدواتها ووسائل تفحص نتائجها وتقييمها ستصبح أكثر وثوقية وأكثر استنادا  إلى ترجيحات معللة, بفضل تقدم وسائل البحث وتوفر موارد المعلومات, والاتصال المباشر بين الدارسين, وأنظمة العمل الجماعي.

وهكذا يمكن القول إن المنهج المقارني يثبت بالتدريج أنه أساس مكين من أسس التفكير الحديث في جميع الحقول المعرفية.  وفي العصر الحديث لا يمكن أن ينمو بحث أو فكر أو علم أو أدب دون منظور مقارني.

ومع ذلك يظل صحيحا  أن الأدب أولى من غيره بأن ي درس من خلال منظور مقارني بل إن فهم الأدب وتذوقه وإبداعه, كل ذلك يظل   ناقصا  إذا لم يجر تناوله من خلال مبدأ المقارنة أو منهجها.  ويصعب أن يتصور المرء كيف يمكن أن يفهم نفسه وتفكيره وإبداعه إذا اقتصر على مرآته الخاصة ولم يلق نظرة على مرآة الآخر أو وسع مرآته عولميا  إلى حد  ي عشي بصره وبصيرته ويخرجه من إهابه, كما هو واضح من التأثيرات الحالية والمرتقبة لاستيلاء اللغة الإنجليزية على لغات العالم, ومن ضمنها اللغة العربية.

وفي حالتي البحث عن الخصوصية الأدبية أو التطلع إلى الشمولية الإنسانية يبقى المنهج المقارن هو الوسيلة السليمة للتوصل إلى الغاية المنشودة.  فمن جهة يساعد الأدب المقارن بشكل أفضل على تحديد ملامح الخصوصية النوعية للإنتاج الثقافي والأدبي في حدود معينة للغة أو الأمة أو الإقليم أو الفترة التاريخية أو الظرف الاجتماعي أو المنحى الفردي, أو الجنس الأدبي أو غير ذلك.  ومن جهة أخرى يكفل لنا الأدب المقارن أسلم طريق لتشكيل صورة عن تلك المنطقة المشتركة لبني البشر حيثما كانوا وأيا  كانوا, في طريقة التفكير والإحساس النفسي والتذوق الجمالي وتجربة الحياة بوجه عام, وأساليب التعبير المشتركة بين كل تلك النواحي, مع ما تستتبعه أيضا  من تنويعات وفروق وش يات  خاصة, وتطلعات للأفضل والأجمل.

ب. حول المهمات المستقبلية للأدب المقارن

قد يبدو مصطنعا  التركيز على مصير الأدب المقارن أو أي نظام معرفي عند انثناءة قرن من الزمان وإطلالة آخر, والتقويمات الزمنية يمكن ألا تكون أكثر من رموز قائمة في الفراغ الكوني, ويصعب أن تتمتع بدلالات مقنعة ما دامت هي علامات اعتباطية لقياس الأيام والليالي.  ومع ذلك فإن الدلائل تشير إلى أن هذا القول على صحته لا يمنع من الشعور بأن السنوات الأخيرة من القرن العشرين والبوادر المبكرة التي تلتها من القرن الحادي والعشرين تبشر أو تنذر - حسب الموقع الذي يرابط فيه الإنسان - بتغيرات مذهلة على المستويين المعرفي والعملي للبشرية أجمع, مع تفاوت بالدرجة بين العالم المصن  ع والعالم المضطه د.  وكل هذه التغي رات تنطوي على إمكانات هائلة بل خيالية لتجاوز الحدود والسدود والحواجز, مما يجعل الأدب المقارن مرشحا  أكثر من غيره من صنوف المعرفة الأدبية للإفادة من هذه القفزات لأنه أصلا  مبني على فكرة تجاوز الحدود اللغوية والثقافية والقومية والجغرافية والمعرفية, فهل يكون العالم المقبل عالما  مقارنيا  ? ويبدو أن ذلك أفضل للبشرية بكثير من المؤشرات الحالية للعولمة التي قد لا تكتفي بتجاوز الحدود إلى أقصى درجة, وإنما هي عملية اختراق نوعي وإزالة لكل حدود.  وهذه القضية ذات صلة عضوية خاصة جدا  بطبيعة الأدب المقارن ووظيفته وفيما يلي تأويلها:

أولا : يبدو المناخ العام مناسبا  لنهوض نسق معرفي مثل الأدب المقارن يستهدف في وقت  واحد مضاعفة الاهتمام بقضايا تجاوز الحدود على اختلاف أشكالها من جهة, ومن جهة ثانية احترام ما قد يبقى في عصر العولمة من الحدود التي تحفظ لكل شعب ولكل صقع من أصقاع الأرض هويته التاريخية والقومية والمعتقدية ولونه الخاص في الفكر والأدب والفن, وبذلك يكون الأدب المقارن فن المؤتلف والمختلف في آن واحد, إذ لا يمكن أن تكون هناك مقارنة إذا لم يكن هناك اختلاف جزئي أو كلي.  والعولمة أو التسوية الشاملة قد تعني انتفاء وظيفة المقارنة, إلا أن مثل هذا الطموح صعب التصور.  ولكن هذا الأمر يتطلب انتفاضة قوية قد يكون من الأفضل أن يترك تحديدها للمجتهدين المنتظرين من الجيل المتحفز, ولكن ربما كان من أبرز شروطها تعديل الكفة بين الدراسات التطبيقية المزدهرة والدراسات النظرية المستحيية, بحيث تتضافر جهود المنظرين للإجابة على كثير من الأسئلة المقلقة التي تعترض مسيرة الأدب المقارن, وحبذا لو تركز مؤتمرات الأدب المقارن على هذه الناحية في محاولة للتوصل إلى حد أدنى من الرؤية المشتركة.  مع اعترافنا طبعا  بوجود نفور بل أنفة مستمرة من الخوض في النظرية المقارنية في أوساط أهل البيت المقارني ولاسيما في الجناح الغربي من العالم.

ثانيا : ومن هذا القبيل, لابد أيضا  من مضاعفة الحصاد النظري للنتائج الغزيرة المتنوعة التي تسفر عنها جهود التوسع الفائق في الممارسة المقارنية التطبيقية التي دخلت خلال العقدين الأخيرين من القرن العشرين مناطق معرفية مجهولة وتجاوزت مختلف الحواجز القومية والجغرافية واللغوية والمعرفية والثقافية, وتركت ركاما  هائلا  من المعلومات والتحليلات والاستنتاجات والاجتهادات الكفيلة بإغناء المعرفة الإنسانية, وتعميق فهمنا لنفسنا وللظاهرة الأدبية وامتداداتها ولاسيما من خلال ثنائيات الأنا والآخر, والمحلي والعالمي, والمؤتلف والمختلف.  إن هذه المتابعة النظرية هي الجديرة بتنظيم هذا المحصول التطبيقي الوفير وتوظيفه لتدعيم رسالة الأدب المقارن وتقريبه من أهدافه الإنسانية الشاملة, ربما دائما  في نطاق جدلية المختلف والمؤتلف, وبذلك يتم فتح قناة غنية بين الأدب المقارن والأدب العالمي, بحيث تعطي منهجية الأدب المقارن لعالمية الأدب مصداقيتها ومسوغاتها المفتقدة.

ثالثا : وبالطبع يصعب أن تحقق هذه المراجعة النظرية من خلال الانكفاء المعرفي والتقوقع داخل الأسوار, ونحن نعيش في عصر الأنظمة المتداخلة والأنساق المتعددة.  ولذلك, وعلى الرغم من أن الأدب المقارن يبدو كأنه الضحية أمام الهجمات والانتقادات المتكررة من الأنساق المجاورة, فلابد له من العمل على مواجهة المنافسة التي تطرحها في وجهه هذه الأنساق المعرفية الجديدة المشرئبة وتحويل العلاقة إلى نوع من التساند والتبادل. 

ولا يستطيع إنسان أن يزعم أن الأدب المقارن لا يستفيد حاليا  من هذه الجهود, ولكن المطلوب طبعا  العمل على تغيير منحى المنافسة إلى نوع من التفاهم والتفاعل والانفتاح ولتكن عملية جدلية نزيهة.

رابعا : وإذا انتقلنا من المناخ الأدبي إلى المناخ الثقافي العام, فإنه يحسن بالأدب المقارن إظهار مزيد من الاهتمام بالقضايا الإنسانية الكبرى التي تشغل ساحة الدراسات الأدبية الجديدة مثل مضاعفة التصدي للمركزية الأوروبية والغربية وخليفتها الهيمنة الأمريكية (المتصاعدة في القرن الحادي والعشرين), والتخلص من امتدادات الكولونيالية, والسبق إلى الإسهام في بناء مسار سليم لموجة العولمة الثقافية المشرئبة, ومكافحة التمييز العنصري الثقافي بكل أشكاله وتمثلاته, والحيلولة دون انقسام العالم ثقافيا  إلى طبقة فائقة الغنى والموارد, ومقابلها طبقة مدقعة تحت حزام الفقر, كما هو منتظر.  ويتبع ذلك تأكيد التواصل العالمي وكشف الغطاء عن الثقافات المقموعة وتهوية تجاربها, والإفادة من جميع ثقافات العالم في شتى أنحائه من أجل إغناء الفكر الإنساني, ويصعب اتهام الأدب المقارن بأنه مقصر في هذا المجال ولكن يصعب كذلك اعتباره رائدا .  والمطلوب من الأدب المقارن أن لا يكون أقل من الأنساق الأدبية الأخرى تركيزا  على هذه الموضوعات الإنسانية المعاصرة.

خامسا : وعلى أية حال, تقتضي كل هذه الأهداف النبيلة نوعا  من التأسيس المعرفي والعلمي بحيث لا تتخذ شكل أهداف أيديولوجية مسقطة على النظام المعرفي وعرضة للمزايدات الفكرية والعاطفية أيضا .  وإذا تم ذلك بشكل أو بآخر أي بفعل تطور طبيعي في النظرية وتسلسل تراكمي في الممارسة, فإن انخراط الأدب المقارن في هذه القضايا المعاصرة يمثل إحياء لرسالته ودعما  لها ودفعا  لتمهيد المناخ المعرفي لقيام جدلية مستمرة أو توازن خلاق بين الثابت والمتغير, وبين الموضوعي والذاتي, وبين المعرفي والأدبي الجمالي, وأخيرا  بين القومي والإنساني أو الخصوصي والعام.  ونعترف أنه من السهل التلذذ بهذه الكلمات البراقة, ولكن ليس من السهل تأسيسها على قواعد تتمتع بحد أدنى من التماسك.  وبمثل هذا المحتوى والهدفية للأدب المقارن يمكن لهذا النظام المعرفي أن يبشر بحملة أدبية واسعة تهدف إلى إسهام باتجاه إيجابي في مناخ العولمة المطل على القرن الحادي والعشرين, وربما إلى تصحيح مساره باتجاه أكثر إنسانية وأكثر ديموقراطية وأكثر تمسكا  بتراث القيم الإنسانية العليا, بحيث تتيح عملية ذوبان الحدود في عالم الغد فرصة مساواة بين مختلف مناطق العالم - إن كان لها أن تتم  - وفرصة ايجاد جو  موات  لتفجير الإبداع الإنساني المشترك.

وقد تكون كل هذه التصورات نوعا  من الأماني الخ ل بية, وقد تكون اجتهادات ذات أساس, ويصعب الاعتقاد بأنها غير ذات أساس.  وفي جميع الأحوال يجب الاعتراف بأن تحقيقها لا يتم في طرفة عين, ولكن لا يجوز في الوقت نفسه إنكار وجود مؤشرات مشجعة على الأفقين الشرقي والغربي, ولاسيما في مجال التسارع الكمي في الدراسات المقارنية وتوسع الجامعات في برامج الأدب المقارن.

رابعا  : لمحة حول الأدب العربي المقارن

بقيت كلمة أخيرة لابد منها حول الأدب العربي المقارن. إن هذا الحقل المعرفي الجديد يواجه مهمات كبرى حتى يستطيع الانتساب الحقيقي وليس التابع إلى الموكب العالمي الجاد للأدب المقارن, وهذا الموضوع له جوانب كثيرة, ونؤثر الاكتفاء في المجال الحالي بتأكيد ضرورة الالتفات إلى النواحي التالية:

الأولى: انتقال التأليف العربي المقارن من المدرسية والتكرارية إلى الابتكار ومن السكونية إلى التحليل والاجتهاد والرؤية.

الثانية: متابعة التطورات العالمية من خلال الانفتاح على مختلف وجهات النظر المطروحة في ساحة المعرفة الغربية وكذلك في الساحات الأخرى من العالم غير الغربي ولاسيما المنطقة الإسلامية المجاورة ومنطقة الشرق بمفهومها الأوسع.

الثالثة: البحث عن حلول ومخارج من خلال الجمع الواعي بين مواكبة التطورات النظرية والتطبيقية للأدب المقارن المعاصر على المستوى العالمي من جهة, والسعي من جهة أخرى للإفادة من التجربة الأدبية العربية, بل والتجربة العلمية والحضارية في التلاقح والتواصل والتكيف مع الظروف الخارجية وعمليات التبادل والتفاعل بين المركز والمحيط, وكذلك بين المحلي والخارجي على امتداد التاريخ العربي في الماضي وكذلك بدرجة أقوى وأكثر تنوعا  ووضوحا  في الأدب العربي الحديث. وكلها تجارب عربية معرفية غنية كفيلة بأن تثري مسيرة الأدب العربي المقارن لو أحسن توظيفها لهذا الغرض من خلال أفق متفتح رحب.(12) ولعله من المفيد أن نضيف هنا أيضا  أهمية الموقع الجغرافي للوطن العربي بوصفه كان دائما  جسرا  بين الشرق والغرب, وبوصفه أيضا  من خلال أطرافه المتعددة شديد الاتصال المباشر الروحي والثقافي والحضاري والبشري مع أجزاء كثيرة من العالم ولاسيما قارات آسيا وإفريقيا وأوروبا, إلى جانب حركة الهجرة البشرية التي تمثل حالة مقارنية شديدة الغنى والتنوع.

الهوامش

1 . انظر مثلا  جدول أعمال مؤتمري (2000 , 2003) على التوالي للرابطة الدولية للأدب المقارن:

ICLA Bulletin, Vol. XX, No 1, 2001, Brigham Young University: 111-112   . ICLA Bulletin, Vol. XVIII, No 1-2, 1998-99, Brigham Young University: 5-30.

2 . انظر ص ص 106-115 من :           Mary Ann Caws. ((What are

 We About? For Personal Criticism)). In: Comparative Literary History

   as Discourse, in honor of Anna Balakian, edited by Baldes, Javitch

and Aldridge. Bern, Berlin, Frankfurt, New York, Paris, Wein, 1992   .

3 . الكتاب السابق : 129-139.

       Eva Kushner.  Is Comparative Literature Ready for the Twentieth Century?.

4 . انظر :

                                                                        Guillén, Claudio

        Tr. By Cola Franzen, Harvard University Press, 1993.

                              The Challenge of Comparative Literature    .

5 . جوست : الأدب المقارن: 29-30

                                                                                Jost, Francios.

          Perspective on Literature: Approaches to Theory and Practice

      Introduction to Comparative Literature: 29-30,  in: The Comparative

6 . والملاحظ أنه لا أحد يذكر الفلسطينيين بكلمة, وهم الهنود الحمر الغائبون الحاضرون.

7 . انظر:

                                                           Steven T?t?sy de Zepetnek.

     Comparative Literature  Theory, Method, Application. Amsterdam

                                                      and Atlanta, GA: Radopi, 1998.

8 . انظر مثلا  مراجعة الكتاب من باحث مقارني في جامعة برنستون:

                                                                      Theodore Ziolkowski.

      ((Comparative Literature: Theory, Method, Application)), in World

                                               Literature Today, Summer 1999: 608

9 . انظر شرح هذه المبادئ العشرة في : حسام الخطيب : الأدب المقارن من العالمية إلى العولمة, الدوحة , المجلس الوطني للثقافة والفنون والتراث , 2001: 270-276 .

10 . كما هو شائع في بعض الجامعات الأمريكية, وبصراحة لم أتبين موضع المشكلة في هذا الشأن.

11 . يقصد هنا الانتساب في ألقاب التخصص إلى أدب قومي معين أولا  ينطلق منه الأدب المقارن, فلقب المقار ن العربي هو : أستاذ الأدب العربي والمقارن, إلا إذا كان متخرجا  في قسم من أقسام اللغات الأجنبية. وبالمناسبة لقب إدوارد سعيد الأكاديمي هو : أستاذ الأدب الإنجليزي والمقارن.

12 . أصبح ضروريا  للأدب المقارن العربي العمل على توظيف ثمرات التجربة العربية الفكرية والعملية والحضارية القديمة لخلق أساس لما يمكن أن يكون اللون المحلي الخاص بالأدب المقارن العربي.  وتمكن مراجعة بذور هذه النظرة في الفصل الرابع ولاسيما ص: 77-88  من:

~حسام الخطيب: آفاق الأدب المقارن , دمشق ,  دار الفكر , ط2 , 1999.


تصميم الحاسب الشامل