|
|||||
|
( الأسطورة السومرية ) تحتل مسألة الخلق والتكوين في الفكر الاسطوري الشرقي القديم عمقا أساسيا في نمط هذا الفكر الذي يعرض علينا حكاية بدء الخلق والتكوين: وسنجد في متون الاساطير القديمة, ان معظم الشعوب والجماعات البدائية والقديمة قد أوجدت أساطيرها التي شكلت لديها بدايات فعلية جادة للتفكير, ما انفكت تتطور باستمرار الى ان بلغت أوجها في أساطير ما بين النهرين التي جسدت أولى مغامرات العقل البشري, وسنحاول في هذا السياق ان نتناول اشكالية المياه البدئية وصلتها بالرمزية الرحمية في اسطورة الاينوماأليش وملحمة جلجامش في بلاد الرافدين القديمة, وستكون على اية حال مقاربة أولية سنرمي من ورائها الى الكشف عن بعض المضامين والصيغ الذهنية البدائية الخلاقة المتعلقة بموضوع قصة الخلق كما بعثته الآلهة لأول مرة: وقبل أن نكشف عن اشكالية الصلة بين المياه البدئية والرمزية الرحمية في الاسطورتين القديمتين المذكورتين, لابد أن نبين على صعيد منهج التفكير <<الميثي>> خاصيتين أساسيتين رافقتا نشأة الفكر الشرقي القديم بصورة عامة: 1 - خاصية التماثل بين الذهني والمادي في الفكر الميثي القديم, اذ نجد في الاسطورة الشرقية القديمة تماثلا قائما بين ما هو مادي طبيعي وبين ما هو متخيل في سياق التطابق: أي بمعنى ان الميثي يفسر الطبيعي, والطبيعي يفسر الميثي ويتطابق معه, وبالتالي فان الظاهرة الطبيعية لا تنفصل عن الظاهرة الذهنية, فكلاهما يعينين طبيعة الفكر الاسطوري ويحددان طبيعته التماثلية. 2 - خاصية مركزية الدافع الجنسي كعنصر خلاق في الخلق والتكوين الالهي حيث نجد ان اشكال الخلق والتكوين الالهية, قد نشأت عن الاتحاد الجنسي بين آلهة الخلق, ومن عمق هذه المسألة تستمد الرمزية الرحمية وصلتها بمياه الخلق اذ نجد على سبيل المثال ان الزواج بين الآلهة البدئية يتماثل في نفس الوقت مع العناصر المادية الطبيعية, وتكاثر ذرية هذه الآلهة البدئية يتماثل أيضا مع التكاثر القائم للعناصر المادية في الكون: وعلى هذا الاساس يشكل الدافع الجنسي خاصية أساسية في البناء الملحمي الاسطوري, وهذا ما سنكشف عنه في سياق هذا الموضوع. لقد قرأنا في الاساطير الشرقية القديمة وفي الديانات السماوية التوحيدية ان الخلق لم يظهر عن عدم, وانما كانت له بداية <<هيولية>> ظهر عنها الماء الذي هو اصل كل شيء, فالاسطورة البابلية تقول: <<في البدء أو في الازمان الاولى لم يكن سوى المياه والضباب: وفي الديانة اليهودية يقول (التكوين-1), <<في البدء خلق الله السماوات والارض وكانت الأرض خربة وخالية وعلى وجه القمر ظلمة وروح الله يرفرف على وجه المياه>>: ونقرأ (في القرآن الكريم- سورة هود) <<وهو الذي خلق السماوات والارض في ستة ايام وكان عرشه على الماء>>: نلاحظ من خلال هذه الاقوال الاسطورية والدينية السماوية التي تعرض لموضوع المياه البدئية, أن في البدء كانت المياه ولا شيء سواها قد وجد في الكون, لهذا تقر الاسطورة والدين ان عن الماء قد نشأ كل شيء كما خلقته الآلهة الكونية لأول مرة: بل ان عن الماء ظهرت الحركة وتفتقت من قلب السكون وبالحركة ظهرت تحركات الموجودات البدئية, ثم ظهرت اشكال الوجود تباعا حسب مشيئة الآلهة, وستخبرنا النصوص السومرية عن كيفية خلق العالم الذي ظهر عن الاتحاد الجنسي الذي تم بين الآلهة البدئية عندما قررت الانتقال من حالة العماء والسكون الى حالة الحركة والصيرورة البدئية, وسوف ينبثق كل هذا الظهور الكوني البدئي عن المياه الاولى: تقول الاسطورة السومرية القديمة: في البدء كانت الآلهة <<نمو>> ولا احد قد و جد معها وهي تمثل المياه الاولى التي نشأ عنها كل شيء, (1) وفي لحظة الخلق الاولى التي انبثقت عن المياه, تناسلت الآلهة تباعا بواسطة ثنائية الاتصال الجنسي, فالآلهة <<نمو>> قد أنجبت ولدا وبنتا هما <<آن>> (اله السماء- مذكر) <<وكي>> (آلهة الارض- مؤنث): وكانا ملتصقين ببعضهما وغير منفصلين عن الام <<نمو>>: تزوج <<آن>> ب-<<كي>> فانجبا ولدهما <<انليل>> (إله, الهواء), ثم انجب <<انليل>> ولده <<نانا>> (اله القمر) الذي قد انجب بدوره ولده <<أوتو>> (اله الشمس): انطلاقا من هذا التحديد الاتصالي الجنسي بين الآلهة السومرية, نكتشف أهمية فعل الخلق وانبثاقه عن المياه الاولى <<نمو>> ولكننا نلاحظ ان الام الكونية <<نمو>> قد حبلت ذاتيا, وان كل المخلوقات لم تنفصل عنها وهذا ما يسمى <<بالحمل الذاتي>>, أو الاتصال الجنسي ذاتيا, فهي اذن أصل التخصيب الذكوري والانثوي معا: وبالتالي فان <<رحم>> الام الاولى <<نمو>> ليس رمزا للكثرة أو التعدد المنفصل, ذلك ان تعدد الخلق هنا يجري في <<الواحد>> الذي هو مبدأ كل شيء: وبمعنى آخر فان رحم <<نمو>> يشكل هنا المبدء الاول للخلق: كما نشير من جهة اخرى الى ان رحم <<نمو>> كرمز للاعماق المائية البدئية, يشكل ذات <<الواحد>> الذي ظهر عنه كل شيء, فالرحم هنا هو رمز للخصوبة والاتحاد الجنسي ذاتيا كبداية أولى نشأ عنها الخلق: أي ان الرمزية الرحمية والمياه البدئية, تتماثل ذاتيا وجنسيا كمبدأ كلي للخلق. ان الام الاولى <<نمو>> في الاسطورة السومرية قد اتصلت بذاتها وعن هذه الذات البدئية الخالقة تناسلت الآلهة الكونية دون ان تنفصل عن الرحم <<الأم>> وبالتالي لم يظهر الخلق عن فعل <<التواصل>> أو <<الاتحاد>> كما سنرى ذلك في الاسطورة البابلية, لهذا فان الأم الكونية <<نمو>> قد حافظت على نقاء رحمها الخالق, مما يعني هذا أن حركة فعل الخلق لم تنفصل عن الواحد كمبدأ للتأسيس: ويبدو من خلال هذا السياق الاسطوري السومري أن مرحلة الخلق التي باشرتها الآلهة <<نمو>> تتماثل على الصعيدين الاجتماعي والسياسي مع مرحلة السلطة الكونية الامومية للآلهة, بل وتسفر هذه النصوص السومرية عن مركزية هذه السلطة, ويشكل <<الحمل الذاتي>> للأم <<نمو>> واتصال ذريتها من الآلهة بالأم الأولى دالا أساسيا على مركزية السلطة الأمومية كما تكشف عنها بعمق معظم النصوص الاسطورية السومرية: وان هذه السلطة سوف تفضي مكانها تدريجيا للسلطة السياسية المركزية الابوية وتحديدا مع ظهور الإله <<مردوخ>> في الاسطورة البابلية: ان اشكالية الخلق والتكوين في الاسطورة السومرية لم تتم بواسطة الاتصال الجنسي بين إله مذكر وآلهة مؤنث, وانما تم هذا الفعل الخلق بواسطة الحمل والتناسل الذاتيين, اذ عن الوجود الواحد (نمو) سيولد التعدد <<تعدد الآلهة>>, وان مثل هذا التفكير الميثي المبكر سوف يشكل أول ارهاصة ذهنية لتحديد <<الواحدية>> كمبدأ أولي للخلق: فالواحد يعود اليه مبدأ الكثرة, وهذه الكثرة لا تنفصل مطلقا عن الواحد الذي يشكل سببها الأول, أي السبب الأول في الخلق. ومن جهة أخرى يمكن أن نلمس في اسطورة الخلق السومرية التجسيد الذكوري والانثوي في الواحد الكلي <<نمو>> كمبدأ فاعل في نشأة المخلوقات: فالآلهة <<نمو>> تمثل إله الخلق المذكر والمؤنث الذي, اتصل بذاته فجاء العالم الى الوجود. ان في رحم <<نمو>> قد تشكلت كل الموجودات, وهنا يمكن ان نكشف عن التماثل القائم بين الرمزية الرحمية والمياه البدئية, وان هذا التشبيه الرمزي تكشف عنه مماثلة أخرى قائمة بين مبدأ الخصوبة التي تجسدها المياه البدئية وفاعليتها الخالقة وانعكاسها في المخيال. يقول النص السومري: 1 - في البدء كانت الآلهة (نمو) ولا أحد معها, وهي المياه الاولى التي انبثق عنها كل شيء. 2 - أنجبت الآلهة (نمو) ولدا وبنتا, الأول (آن) إله السماء المذكر والثانية (كي) آلهة الأرض المؤنثة, وكانا ملتصقين مع بعضهما, وغير منفصلين عن أمهما (نمو). 3 - ثم إن (آن) تزوج (كي), فأنجبا بكرهما (إنليل) إله الهواء الذي كان بينهما في مساحة ضيقة لا تسمح له بالحركة. 4 - (إنليل) الإله الشاب النشيط, لم يطق ذلك السجن, فقام بقوته الخارقة بإبعاد أبيه (آن) عن أمه (كي), رفع الأول فصار في السماء, وبسط الثاني فصارت أرضا, ومضى يرتع بينهما. 5 - ولكن إنليل كان يعيش في ظلام دامس, فأنجب (انليل) ابنه (نانا) إله القمر, ليبدد الظلام في السماء وينير الأرض. 6 - (نانا) إله القمر أنجب بعد ذلك (أوتو) إله الشمس الذي بز ه في الضياء. 7 - بعد أن ابتعدت السماء عن الأرض, وصدر ضوء القمر الخافت, وضوء الشمس الدافئ قام انليل, مع بقية الآلهة بخلق مظاهر الحياة الأخرى. (2) من خلال هذا القص التماثلي الذي يعرض علينا قصة الخلق والتكوين, الى أي مدى يمكن أن نكتشف أهمية الدافع الجنسي كدافع طبيعي قد لجأ اليه الانسان الرافدي القديم كعنصر ذهني خلاق للكشف عن بدايات الخلق والتكوين الأولى? ان المتأمل في المدونة الاسطورية المصرية والرافدية القديمة, سوف يكتشف ان تقديس الدافع الجنسي في مرحلة تاريخية متقدمة من حياة تلك الشعوب, قد أصبح يمثل فعلا ديناميا في <<تفتيق>> ملكات المخيال الخالق عند المبدع الشرقي القديم: وان فعل <<الانجاب>> والتزاوج <<بز ة>> الام , انما يدل على اهمية الدلالة الرمزية للفعل الجنسي والزواج الذي كان يجري بين الآلهة عندما أخذوا يباشرون عمل الخلق والتكوين الذي كان نتيجة لأفعالهم الارادية المطلقة: وعلى نحو آخر نكتشف أيضا ان العمل الجنسي كدافع طبيعي يشكل فعلا أساسيا في العمل الذي باشرته الآلهة, (فنمو) الأم الاولى تتصل بذاتها جنسيا بواسطة مبدأ الازدواج أو الاتحاد الذكري والانثوي الذي تتشكل منه وحدة ذاتها الالهية, أما بقية الآلهة الآخرين من ذريتها فانهم يتابعون عمل الخلق والتكوين بواسطة الفعل الجنسي المنفصل من خلال التزاوج بين الآلهة المذكرة والآلهة المؤنثة مثل زواج (آن) (بكي). ان هذا المقطع من أسطورة الخلق والتكوين السومرية يكشف على الصعيد التحليلي الميثي التماثل القائم بين العناصر الفيزيائية المادية التي انبثقت عن المياه البدئية وجبابرة الآلهة الخالقة للكون كتعبيرات مخيالية تجسد عمل هذا الخلق: وحين ننتقل من القراءة الخطية الميثية لهذا النص الى القراءة الافقية العقلية, نكتشف ان شروط وخصائص الخلق المادية, انما تمثل انعكاسا موضوعيا للكائنات الذهنية الاسطورية, أي ان ما هو مادي بدئي يفسر ما هو ذهني ومخيالي, وعلى سبيل هذا التحليل يمكن ان نلمس قرابة واضحة بين التحليل المخيالي لقصة الخلق والتكوين في هذه الاسطورة السومرية وبين التفسير العلمي الحديث لهذا الخلق: فاذا أخذنا بتفسير (الانفجار العظيم) للكون والتحليل الميثي لهذا الموضوع في المقطع المذكور, سوف نكشف في هذا السياق ما يلي: التحليل الميثي 1 - في البدء كانت المياه الاولى (نمو) التي انبثق عنها كل شيء. 2 - انجبت الآلهة (نمو) ولدا (آن) وبنتا (كي) وكانا غير منفصلين عن بعضهما. 3 - تسلسل زواج الآلهة الذي يتماثل مع تشكل الكواكب وبقية الخصائص الفيزيائية للمادة وانفصالها البعض عن البعض الآخر. التفسير العلمي 1 - في البدء حدث انفجار في كل مكان وفي آن واحد فملأ الفضاء كله وهرب كل جسيم عن ما عداه. 2 - عند هبوط درجة الحرارة الى مائة مليار درجة مئوية تشكل ما يسمى بالحساء الكوني الذي يتكون من مختلف الجسيمات الاولية وتتألف منها المادة المضطربة. 3 - تكاثف الغاز المتشكل هنا وهناك تحت تأثير قوى الجاذبية أدى الى انهيار المادة على ذاتها لتكون مجرات الكون الحالي ونجومه وكواكبه. ان هذا التحليل المقارني للرؤية الميثية والعلمية الحديثة حول بداية الخلق تكشف لنا عن ان اشكالية الخلق واحدة عند الانسان الشرقي القديم والانسان العلمي الحديث, مع الاختلاف في درجة استخدام المخيال والعقل لديهما واختلاف وسائل وادوات العمل التقني لديهما: ولئن كان الانسان الشرقي القديم يستخدم شخصيات أسطورية مخيالية لتحديد الحقيقة المادية كأساس في بناء الخلق والتكوين ويمنحها اشباعا جنسيا اخصابيا كدلالة على الخلق والخصوبة والتكوين, فان الانسان العلمي الحديث, يفسر بداية ظهور الكون بوسائل نظرية عقلية وتجريبية علمية, ومع ذلك فالنتيجة النهائية واحدة: هي البحث عن اصل الموجودات والاشياء التي يتشكل منها هذا الكون الفسيح: وهذه الحقيقة يمكن البحث عنها في فضائين ماديين. الفضاء الاول: تمثله المياه البدئية كحاضنة كونية انبثق عنها كل شيء وهذه الحاضنة تتماثل على الصعيد الميثي مع (رحم) الآلهة (نمو) التي انجبت ذرية الآلهة وأنسالها اللاحقين. الفضاء الثاني: يمثله الفراغ الكوني الذي حدث فيه الانفجار العظيم ونشأت عنه جميع الموجودات المادية والمجرات والكواكب والنجوم, وهو يشكل الحاضنة المادية الكونية لكل شيء. ولكن مع أهمية الرؤية الميثية حول نشأة الكون عند الانسان الشرقي القديم, فان هذا البحث لا يتعدى المستوى المخيالي والسحري والطقسي للفكر الاسطوري, ففي الاسطورة السومرية, ترتد كل أشكال الخلق والتكوين الى المياه الاولى أي الى عنصر مادي واحد (الماء) في السياق الرمزي, وان اختيار الشرقي القديم للماء كعنصر مادي واحد انبثق عنه كل شيء, انما يعود في الحقيقة الى أهمية القدرة النمائية والإخصابية التي للماء, اذ هو يمثل مبدأ واصل الحياة: وقد بقيت هذه النظرة سائدة حتى عهد سقراط وفي جميع الاديان السماوية اللاحقة التي تقول جميعا ومن الماء جعلنا كل شيء حي. أما الانسان العلمي الحديث فانه ينطلق في تفسيره لنشأة الكون من تعددية العناصر المادية بخصائصها الفيزيائية والكيميائية ويتخذ من تشكلها وانفصالها ومن وحدتها وانقسامها وتجزئتها مبدأ أساسيا في البحث عن أصل الكون, وهنا يكمن الفارق الموضوعي بين النزعة التحليلية المخيالية عند الانسان الشرقي القديم والنزعة العلمية الحديثة عند الانسان العلمي الحديث. أسطورة <<الاينوما اليش>>: الانتقال من القول بالخلق الذاتي الى القول بالتعدد كأصل للكون اذا كانت المياه الاولى <<نمو>> لم تكن بحاجة لاتصال خارجي حتى تحبل بالمخلوقات ومن رحمها تتسلسل الموجودات والكائنات المادية تباعا, فان اشكالية الخلق في الاسطورة البابلية سوف تتخذ مسارا جديدا سيقوم على التعدد والصراع الذي سيحكم مجتمع الآلهة, وسوف يؤدي كل هذا التغيير الى ظهور المدينة الإلهية الكونية: وتمثل <<الاينوما اليش>> أي (عندما كان في الاعالي) النموذج الاكثر تقدما ووضوحا للرؤية المخيالية التي سوف تكشف عن واقع جديد سيفضي في النهاية الى انهيار المجتمع الامومي الذي سيقوم على انقاضه المجتمع الابوي بزعامة مردوخ: تقول هذه الاسطورة: (عندما كان في الاعالي لم يكن هناك سماء, وفي الاسفل لم يكن هناك أرض: لم يكن (من الآلهة) سوى (الابسو) ابوهم, (وممو) (وتعامة) التي حملت بهم جميعا: يمزجون أمواههم معا: قبل ان تظهر المراعي وتتشكل سبخات القصب قبل أن يظهر للوجود (الالهة الاخرى).(3) تكر س اسطورة الخلق في (الاينوما اليش) نفس اشكالية الخلق, اذ تشكل المياه البدئية العنصر المادي الذي سوف تظهر عنه جميع الموجودات, (فالآبو) يمثل (الماء الحلو) و(تعامة) تمثل (الماء المالح) اما (ممو) فهو يمثل عند بعض الباحثين في هذه الاسطورة البابلية (الامواج المتلاطمة) وعند البعض الآخر يمثل (الضباب) المنتشر فوق المياه. ان هذه العناصر المادية الثلاثة التي تحمل اسماء الآلهة (الماء الحلو, الماء المالح, الضباب) كانت تشكل الحالة السرمدية الساكنة التي تلف الكون, قبل الاتحاد الذي جمع بين (الابسو) (وتعامة) ويماثل هذا الاجتماع الفعل الجنسي, اذ ان الاتصال الذي سوف يجري بينهما سوف تحمل بفضله (تعامة) ذريتها من الآلهة, حيث سيولد لهما إلهان هما (لخامو) و(لخمو) وهذان الإلهان سوف ينجبان (انشار) و(كيشار) ومن اتحادهما يولد (آنو) اله السماء, وسوف ينجب (آنو) الآلهة (ايا) الحكيم إله الحكمة والفطنة الذي سوف يلعب دورا رئيسيا في مجمع الآلهة البابلية , وتكون له مكانة راجحة في بناء دولة (مردوخ) حيث سيصبح بعد مقتل (الابسو) اله المياه العذبة الباطنية. يكبر الآلهة الجدد ويدب الضجيج والحركة في الكون, مما يحدث هذا الوضع الجديد قلقا وامتعاضا عند (الابسو) الذي لا يقبل التأقلم مع الواقع الجديد, فيقر انهاء الامر والعودة الى حالة السكون السرمدية: وبالتالي يعزم على تصفية ذريته من الآلهة الشباب, فيعرض الامر على (ممو) (وتعامة) أمهم الكونية, لكنها بسبب نزعتها الامومية والصلة الرحمية التي تربطها بأولادها ترفض خطة (الابسو) الشريرة, وقد تعللت لديه بصغر سن الآلهة الاولاد, فأجابته, بأنهم عندما يكبرون سوف يكفون عن هذا الضجيج الذي أقلق (الابسو) وجعله لا يرقد نهارا أو ليلا. لكن خبر التصفية يبلغ مسامع الآلهة الشباب فيقررون وبنصيحة من الآلهة (آيا) قتل والدهم (الابسو), وكان ذلك بحضور امهم (تعامة) التي حسب بعض القراءات لم تحرك ساكنا وبقيت صامتة حيال القرار الذي تم اتخاذه بصدد قتل (الآبسو): وتروي الاسطورة ان الآلهة (آيا) ينفذ المؤامرة, فينزع العمامة الملكية عن رأس (الآبسو) ويقطع أعضاءه التناسلية. نلاحظ في سياق هذه الاسطورة ان حبل (تعامة) بذرية الآلهة قد تم بواسطة فعل خارجي, أي من خلال الاتحاد أو الاتصال (بالآبسو), اضافة الى وجود (ممو) (الضباب) الذي كان يفصل بينهما قبل فعل الاتصال, والدلالة الجنسية هنا واضحة من خلال عمل الحمل والانجاب, وعلى هذا الصعيد التحليلي لمضمون الاسطورة, فاذا كانت (نمو) قد حبلت ذاتيا وهي التي صدرت عنها الكثرة وتعدد العناصر وكل اشكال الخلق المادية, فان جوف (تعامة) في (الاينوما اليش) كان مخترقا بتعدد العناصر (الابسو, تعامة, وممو), مما يعني هذا ان أعماق تعامة كانت ملتحمة (بالابسو) أي أن الدلالة الجنسية واضحة هنا كعنصر فعال في ظهور الخلق: (وتجمع الصحب المؤلهون أزعجوا بحركتهم (تعامة) نعم لقد هزوا جوف (تعامة) يروحون جيئة وذهابا في مسكنهم المقدس).(4) ان (الجوف) في هذه الابيات يشير دلالة الى (بطن) (تعامة) وفي هذا (البطن) تشكلت خميرة الخلق الاولى, فجاء الآلهة الى الوجود, ودبت الحركة في الكون, وبهذا الفعل سوف تستمد الرمزية الرحمية كل دلالاتها التماثلية في عمل الخلق والتكوين, وفي هذا السياق يمكن ان نكشف من جهة اخرى عن اهمية القدرة الاخصابية وحيز الخلق الامومي الذي كرس سلطة النزعة الامومية, وذلك من خلال سعي (تعامة) الى الاحتفاظ بالسلطة وعدم العودة الى حالة (اللاشكل) التي كان (الابسو) يطمح بالعودة اليها, ويفسر صمت (تعامة) أو تواطؤها الفاضح لقتلة (الابسو), هذا التمشي, اذ هي تريد تحقيق مسعيين, في وقت واحد: أولا الاحتفاظ بالسلطة لا يتم الا من خلال استمرار ذريتها الآلهة الشباب, وثانيا رفض عودتها الى حالة العماء والسكون, مما يعني هذا رفضها لغزو رحمها أو جوفها مجددا بواسطة الفعل الجنسي, أي أن رفضها لاستباحة رحمها جنسيا يفسره احتفاظها بالسلطة وتمسكها بالذرية كرمز لانكفاء رحمها عن الاتصال, ان رفض (تعامة) قرار (الابسو) للعودة الى وضع (اللاشكل) أو (اللاتمايز) أي الى الحالة السديمية الاولى, انما يتنزل في رفضها (لتدنيس) صلة الرحم بواسطة القتل, ويعني هذا ان قتل (الابسو) للآلهة الشباب, يعني واقعيا ازاحة السلطة عن (تعامة) وتجريدها من نفوذها في مجمع الآلهة من خلال تدنيس (البطن) الذي أنجب الآلهة وكان سببا في إعمار الكون, ان (الابسو) بعد مجيء ذرية الآلهة الى الكون أصبح مجرد ذكرى عند (تعامة) اذ لن يعود قادرا على التحكم فيها جنسيا, لانها سوف تعشق أكثر, كل من حبلت بهم في جوفها ومنحتهم الوجود, فهم رجالها المستقبليون أي من بهم تحافظ على السلطة والنفوذ الكونيين: (فتح (آبسو) فمه, قائلا (لتعامة) بصوت مرتفع: لقد غدا سلوكهم مؤلما لي. في النهار لا أستطيع راحة, وفي الليل لا يحلو لي رقاد لأدمرنهم, وأضع حدا لفعالهم فيخيم الصمت ونخلد بعدها للنوم.. فلما سمعت (تعامة) منه ذلك, ثار غضبها وصاحت بزوجها صرخت وثار هياجها, كتمت الشر في فؤادها وقالت: <<لماذا ندم ر من وهبناهم, نحن, الحياة?).(5) ان قتل (الابسو) قد تم فعليا منذ لحظة الاتصال التي أدت الى حبل (تعامة) بالذرية, وبالتالي فان الحركة التي جمعت بينهما, قد وضعت حدا لأية عودة محتملة للوضع الساكن الذي كان يتحكم في امتزاج مياهيهما معا: مما يعني هذا أن السلطة الفعلية التي حصلت عليها تعامة لادارة الشؤون الكونية, قد بدأت بمجيء الآلهة الشباب الى الوجود. وتأتي عملية قتل (الابسو) كعمل طبيعي في سياق استكمال مشروع الخلق واستمراره من خلال نفوذ (تعامة) وهيمنتها على اشكال الخلق: ومن جهة أخرى كان لابد من التضحية (بالآبسو) لانه أراد الاخلال بنواميس متابعة الخلق والتكوين والعودة بالكون الى العدم أو اللاتمايز: وسوف يشكل عمل القتل أي قتل الآلهة (الأب المؤسس) أول (درام الاهي) ومن هنا فصاعدا سوف يستعاد هذا (الدرام) مع نشأة المقدس في كل الاساطير القديمة اللاحقة, خلال الاحتفالات السنوية التي سوف تذك ر البشر دائما بالزمن البدئي, وبالخطيئة الاولى التي ارتكبها (الاله الاب) في حق استمرار الكون كما خلقته الآلهة البدئية. لكن قتل (الابسو) لم يمك ن (تعامة) من الاستئثار بالسلطة الالهية المطلقة , لان (آيا) الحكيم هو الذي سوف يتربع على السلطة ويدير الحكم, ومع ذلك لن تفقد (تعامة) نفوذها وسلطتها على المدينة وذلك بوصفها الام الأولى التي حبلت بالجميع. لاشك أن (تعامة) سوف تندم عن سكوتها أو تواطئها مع قتلة زوجها (الابسو), اذ سوف ت ج رد لاحقا من الكثير من صلاحيتها ونفوذها في مجمع الآلهة, نظرا للنفوذ المطلق الذي كان يمارسه (آيا) في ادارة الحكم وبناء المدينة الكونية التي سوف يلعب الاله (مردوخ) دورا أساسيا في استكمال بنائها الكوني والاجتماعي والسياسي. لاشك ان التهتك الذي سوف يصيب جوف (تعامة) ونضوب حراكها الجنسي الاخصابي, هو الذي سوف يحرمها من هيبتها ويقلل من نفوذها في ادارة الحكم, ان رحمها لن يعود هو ذاته, بل سوف يحن الى عهد (الابسو) والى الاتصال من جديد بالمؤسسين من الآلهة البدئية, ولكن سيفوت الأوان, وتدخل (تعامة) في حرب خاسرة مع الآلهة الشباب, بل ان ابناءها سوف يتنكرون لها لانها في نظرهم قد خانت (الآبسو) وشاركت بصمتها في ارتكاب الجريمة. الإله (مردوخ) يثأر للسلطة الأبوية ويؤسس المدينة ان النظام الجديد الذي أرسى دعائمه الآلهة الجدد أخذ يهدد المصالح المرتبطة بالنظام الماترياركي التقليدي بزعامة (تعامة) وزوجها (كنغو) وبالتالي أخذ الصراع يشتد حول الاستئثار بالسلطة المطلقة بين الآلهة التقليدية والآلهة الشباب من ذرية (تعامة). ونتيجة لهذا الخطر الداهم, (اجتمعت الآلهة القديمة الى (تعامة) وحرضتها على اقامة الحرب ضد أولئك المتمردين على التقاليد الكونية والنواميس البدئية, فوافقت على هذا الامر, وشرعت بتجهيز جيش كبير قوامه أحد عشر من الكائنات الغريبة التي أنجبتها خصيصا لساعة الصدام).(6) في المشهد السياسي الجديد لنظام الآلهة الشباب, أخذ الاله (مردوخ) يهز عرش (تعامة) مما ادخل اضطرابا في الاعماق المائية البدئية, فذهب اليها أبناؤها ينتقدونها في ما آلت اليه الامور وليذكروها بالخيانة التي ارتكبتها حين تم القضاء على (الابسو) ولم تتصد لمشروع المتآمرين على السلطة: (مردوخ) الذي احدث الامواج فاضطربت لها (تعامة) قلقة صارت, تحوم على غير هدى والآلهة (الكبيرة) نسيت الراحة, في خض م العواصف اضمروا الشر في سرائرهم وجاءوا الى أمهم (تعامة) قائلين: <<عندما قتلوا زوجك <<آبسو>> لبثت هادئة دون ان تمدي له يدا وعندما خلق <<آنو>> الرياح الاربعة اضطربت أعماقك وغابت عنا الراحة تذكري زوجك <<آبسو>> تذكري <<ممو>> المقهور واندبي وحدتك | |||||