الصورة والنوع والمتخيل الثقافي قراءة في نموذجين نقديين لفريد الزاهي ونورالدين أفاية

 

شرف الدين ماجدولين


1 - 1 بين  ماهية الصورة ومعياريتها:

لا يمكن فصل الولع النقدي بدراسات الصور, عن الجدل المنهجي الذي ما انفك يتعاظم بصدد الأسلوب الأدبي ونظمه التخييلية, ومبانيه البلاغية; وربما بات تقليديا اليوم معاودة التفكير في المقولات المولدة لأنواع الصور, من قبيل: <<البيان>> و<<الخيال>> و<<التصوير اللغوي>> و<<المحاكاة>>... كما أضحى من الشائع في سياقي النظر والتحليل النقديين استعمال مقولات: <<الانعكاس>> و<<التمثيل>> و<<التعبير>> و<<التشخيص>>... المفضية كلها الى انتاج شتى الظلال المعنوية لمقولة الصورة. لكن تبقى ولا شك مآرب جليلة في التأني مجددا لحد <<الصورة>>, ليس على جهة التدليل على رجحان دلالاتها النظرية, في فهم الجماليات الأدبية والفنية, بل بوصفها معيارا ملتبسا مستعصيا على الضبط, ومولدا قدرا غير يسير من التعقيد, أو ان السعي لتقنين أدائها في الأنواع المختلفة, ورصد حدودها الانشائية والتشكيلية ومقدار ديناميتها في الإنجاز الجمالي.

هكذا سنحاول في حدود هذا المقال إعمال النظر في نموذجين نقديين مغربيين متجانسين موضوعيا, ومتنائيين من حيث ما ترتكزان عليه من خلفيات نظرية وإجراءات تحليلية; صدرا معا منذ قرابة سنتين, أولهما للناقد <<فريد الزاهي>> بعنوان: <<الجسد والصورة والمقدس في الاسلام>>(1), والثاني للباحث <<محمد نور الدين أفاية>>, بعنوان <<الغرب المتخيل: صورة الآخر في الفكر العربي الاسلامي الوسيط>>.(2) وقد عرضا معا لمفهوم <<الصورة>> من جهة اعتبارها تشكلا تعبيريا دالا, وكيانا رمزيا وجماليا وظيفيا, ووسيلة نقدية ناجعة في مقاربة وتأويل الخطابات والتخاييل الفنية والثقافية. هذا وسنعمل على ربط ما انتهيا إليه من استنتاجات نظرية ومحصلات نقدية بصدد معيار <<الصورة>>, وأنحاء تخلقها في الأنساق الخطابية التراثية بالأفق الرحيب للصورة الأدبية في علاقتها بالسياق <<النوعي>> المخصوص, وفي ارتباطها الجدلي بالمتخيل الثقافي.

إن <<الصورة>> احتمال مفتوح على التعدد الوظيفي, وإمكانية جمالية لا حدود لتجلياتها المظهرية واضماراتها الدلالية; ولا يخامرنا شك في أن أية محاولة نقدية للتخفيف من غلواء هذا التعدد, تبقى جديرة بالتأمل والتدبر, سيما إذا تأسست- مثلما هو حال النموذجين معا- على جدلية مركزية تزاوج بين محاولة البحث في ماهية الصور ومعياريتها النقدية, أو بين تجليها الموضوعي المتعدد الأبعاد (ما بين الذهني والجمالي/ الحسي والتجريدي/ الظاهري والرؤيوي) وبين فعاليتها التحليلية في التغلغل الى عمق عوالم الأسلوب والبلاغة والجماليات الفنية (اللغوية والتشكيلية), كما يرتقي هذا العمل مقاما رؤيويا شديد الخصوصية حينما يتعلق الأمر بوصل النظر التراثي لمقولة الصورة (بإبدالاتها المختلفة), بالحاضر الابداعي العربي في مجالات الصور, مع تقديم اضافات نظرية جديدة تسهم في تنوير مسلك دراسات الصور, ونحت مفردات ومجازات وطيدة الصلة بمعين التجربة التراثية, ومنشغلة في الآن ذاته بتشخيص انشغالات نقدية معاصرة وتقريب أسئلتها ونسقها الاستدلالي.

1 - 2 الصورة والجسد والمقدس:

وفي البداية نعتقد أن العمل الذي أنجزه الناقد فريد الزاهي, عن <<الصورة والجسد والمقدس في الاسلام>> هو من أدق المحاولات التحليلية لأنحاء تشكل الصورة, وصيغ تجليها, وأنساق تمثلها; ومجهود نقدي جليل في استيضاح طبيعة الجدل العميق بين طبيعة الصورة (الذاتية) وديناميتها التعبيرية, واجتهاد معرفي فعال في سعيه الى تقريب أوجه العلاقة بين كيان الصورة الجمالي ودلالاتها الثقافية, والربط بين ماهيتها الثابتة ووظيفتها المتحولة, بالنحو الذي يجعل تنويعات: <<المادي>> و<<البلاغي>>, و<<التخييلي>> و<<الموضوعي>>, و<<الرمزي>>, بمنزلة التجلي السياقي من المبدأ القاعدي, وتغدو- من ثم- صفات <<المظهري>> و<<التجريدي>>, <<الحسي>>, و<<الروحي>>, و<<المرئي>> و<<اللامرئي>>... سمات تشكيلية تحيل على مستوى التمثيل, ونوع التخييل, ونمط التأليف. وهو تخريج نظري سيفيد في تسليط الضوء على مقولة الصورة بما هي أداة وسائطية (لغوية وبصرية) في الآن ذاته الذي سيفلح في تبيان أسس تداولها الرمزي وعوالم تخلقها المعنوي في الذاكرة التراثية.

ولعل المفصل الأهم في المتن التحليلي للكتاب هو ذاك الذي يعالج فيه فريد الزاهي مفهوم <<الجسد>> في الأدبيات الكلاسيكية الممتدة بين المجال الفقهي والتشريعي, وتصانيف الأخبار والأسمار والتراجم, مرورا بالمؤلفات الفلسفية واللغوية, على نحو من البرهنة يتقصد الكشف عن ضوابط التشكل التخييلي, وأنساق التداول الخطابي للكيان الجسدي, ثم تمييز مستويات تمثيله الصوري في الثقافة العربية الكلاسيكية, وذلك في أفق استكناه طبيعة الجسد; باعتباره ماهية حسية أولا, ثم بوصفه تشخصا بلاغيا طاغيا في المتخيل المتواتر عبر النصوص العربية القديمة. وهي الاستراتيجية التي ستفضي بالباحث إلى رسم مدارات التعالق, والتماهي بين مفهوم الجسد من جهة, وبين ماهية الصورة من جهة أخرى, كما ستمهد له السبيل لتأثيث بعض الفراغ النظري المعتور لمقولة الصورة, وتطوير فعاليتها المنهجية في نسق الاستدلال النقدي. يقول في فقرة دالة من الكتاب:

<<[إن] البناء الثقافي للجسد وقضاياه الجمالية يصب صبا في الخيال والمتخيل, اجتماعيا كان أو فرديا. هذا بالضبط ما تختزله بشكل خاص مسألة الصورة في الاسلام. فليس اعتباطا أن يكون مفهوم الصورة ذا علاقة لسانية ودلالية وثيقة بمفهوم الجسد. كما انه ليس من قبيل الصدفة أن تكون المشكلات التي عانت منها الصورة تعود في جانب هام منها الى ما لها من صلة بالتجسيم والتشخيص. أي تصوير الجسد, سواء كان واقعيا أو خياليا>>.(3)

والحق ان التصادي الذهني المفترض بين الجسد والصورة في هذا السياق لا ينحصر فقط في المرجع الثقافي او السند الجمالي المسوغ لكل منها, ولا حتى في ارتباطهما الراسخ بوظائف التخييل وفعالية المخيلة, بل إن هذه الخصائص لا تكتسب دلالتها الفكرية العميقة إلا من الآصرة الذهنية التي تشج بين التخلق الكياني لكل من الصورة والجسد, وتسم تعقيدهما في التشخص الوجودي والذهني; فالصورة ماهية حسية بالإضافة الى كونها أثرا جماليا متوترا في المخيلة, ومثولها ممتد بين المرئي والغائب, بين اللغوي والتشكيلي, كما ان وقعها قد يكون نتاج انعكاس أو تأويل, وهي في النهاية تبقى ملتبسة بين حدود <<الذاتي>> الخاص بالناظر (القارئ), وبين حضورها المرجعي (أو التخييلي). وهي السمات التكوينية التي تكاد تنطبق على مجمل طبيعة الجسد وحضوره, حيث يظل مراوحا, في شتى الحالات, بين الذاتي والموضوعي, ملتبسا حضوره بين الحقيقة المرجعية والقيم الذهنية المضافة, فضلا عن كونه رمزا مرئيا او محجوبا, خاضعا أما للتعرف أو التأويل, بحيث يبدو في المحصلة كيانا ملتبس الحدود. وهي الخاصية الجوهرية في رسم مدار التعالق بين الصوري والجسدي; التي يكشف عنها الباحث بقوله:

<<إن عدم خضوع الجسد للوعي يؤكد مرة أخرى, لغزية الجسد من جهة لا تحدد وغموض الوجود ذاته, ذلك أن هذه الكتلة اللحمية التي تغدو موطن علاقة الذات بالعالم هي ذاتنا وأنانا الطبيعية وجسدنا الشخصي, وهي من ثمة مرآة وجودنا إلى درجة لا نعرف معها إن كانت هي قوى الجسد أم قوانا... ويؤدي بنا كل هذا إلى التفكير في الجسد لا كطبيعة وإنما كبنية متكونة من مجموعة من العمليات ذات الطابع الإدراكي الوجودي>>.(4)

إن إقرار الباحث بلغزية الجسد لا ينفصل عن افتراضه المبدئي بإشكالية الصورة, واستحالة الحسم في قاعدتها التكوينية; سواء بما هي معلول ثقافي, أو بوصفها مظهرا تمثيليا, ونسقا من الخصائص الخطابية المتعددة الوظائف. بيد أن ما يلفت الانتباه بقوة في النص المقتبس هنا, والذي يسري مضمونه في مجمل فصول الكتاب, هو الكشف عن مجاوزة الجسد (وكذا صورته) لماهيته الواقعية, وتحوله إلى معطى جمالي خاضع لسلطة الذهن, وإلى <<بنية>> خاضعة للوعي الجمالي ولطبيعة الإدراك الوجودي.

وبما أن الصورة - وفق هذا النهج من التناول- تكاد تنغمر بالدلالات الموضوعية للجسد وتتقاطع مع اضمامة كثيفة من تعيناته الظاهرة وإيحاءاته المجردة, فإن التشكل الخطابي لما يمكن أن تكون عليه تنويعات <<صورة الجسد>> في الأنواع التخييلية المختلفة, لن تنحصر في الإنجاز البلاغي الذي تحيط به قوالب المشابهة والمجاورة في التنظيرات البلاغية المأثورة, فسرعان ما تضحي مساحات التصوير التشخيصي لمكونات الجسد منفتحة على مجمل القيم التمثيلية للغة, مانحة من امكانيات الأداء الجمالي للخطاب الثقافي بشتى أجناسه التأليفية وأنواعه التعبيرية, وبمجمل أنماطه في الإحالة الذهنية على مراجع الحس والخيال. وبناء عليه لن تندرج صور الجسد- كما يكشف عن تجلياتها فريد الزاهي- في مبحث البلاغة, وإنما سيصير الحد البلاغي معيارا تصنيفيا لمستوى التمثيل الصوري, يقابله- في مدار المقاربة- الحد التداولي, وهكذا تغدو أضرب الأداء البلاغي سمة نصية جزئية, ومظهرا ثقافيا فرعيا, يمثل الشق الأسلوبي الدال على هيمنة التخييلي في بناء صورة الجسد, وذلك في مقابل المستوى التشخيصي المقتصد في أداء الوظائف الجسدية, والتداولي في نقل الأوصاف والأحجام والعلامات الحسية للمرأة والرجل. يقول الباحث في معرض تعقيبه على التحول الذي شهدته صورة الجسد في الثقافة العربية الإسلامية:

<<يتحول النموذج الجسدي, ببلاغته, إلى جسد متخيل, تمتلكه الذاكرة الإنسانية واللغة والرغبة, وتستحضره المخيلة لتعيش فيه باستمرار استيهاماتها الشهوانية والجمالية. إنه جسد من خلق مخيلة الواصف الناحت له, يمنحه من توقعاته وحساسيته كل ما ينقصه من الاكتمال والتعالي. وهو صورة أيضا, لأنه جسد يتم تجريده في الكثير من الأحيان من خصائصه الظاهرية  phenomenale , وعزله عن محيطه لإعادة تركيبه في متخيل اللغة وفق منظور يسلب منه طابعه الوجودي>>.(5)

يتحدث الباحث في هذا السياق عن الجسد الإسلامي كما أعادت تركيبه التصانيف الفكرية والأدبية العباسية أساسا, في مقابل الصياغات الشعرية الجاهلية والإسلامية الأولى, وهو التنميط الذي سيجاوز الطابع التداولي للجسد, إلى صياغة تجريدية يهيمن عليها <<البلاغي>>, و<<الاستحالة>> التخييلية; ولذا فإن التجلي الجمالي الذي تنهض به اللغة في هذا المقام لن يكون مجرد فضلة أسلوبية, أو قيمة مظهرية يمكن الاستغناء عنها, بل ستصير جزءا من ماهية الجسد, ومكونا لنسقه العضوي المشكل لغويا, ومن ثم فإن بلاغة الجسد لن تحيل على منظومة الكمالات الزخرفية وانما على الأساس التخييلي, بما يجعل حضور الجسد في التركيب النثري أو الشعري ممتلكا الوقع البليغ على جهة اللزوم, ما دام قد فارق حيز الإمكان إلى نطاق التخييل والايهام والتكييف اللغوي والتأويل الذهني. ومن هنا أيضا سيرتبط بمعين الذاكرة أكثر من تراسله مع معطيات الواقعي, وسيترجم سمات المزاج الناقل أكثر من تمثيله لبداهات الطبيعة المحايدة, مما يزيغ به عن نطاق المتعين والظاهر الى المطلق المتعالي.

ولعل في مطابقة الباحث بين صور الجسد البلاغي تلك, وبين ماهية الصورة, ما يسهم في تنوير جانب هام من الأساس النظري لهذه الأخيرة; فالصورة في أحد أوجه تجلياتها مفارقة للظاهر, وتجاوز للحسي الممكن, بقدر ما هي كون رمزي, وتأويل للوقائع والأفكار, وكشف جمالي ممعن في الخيال; وهي السمات المتصلة بالمستوى الأعلى للأسلوب التعبيري, الذي تنتمي إليه صور الجسد الموسوم بالبلاغي, بحيث يمكن الموازاة, في هذا السياق بالذات, بين الماهية البلاغية للجسد, وبين الوظائف التجريدية للصورة, وما يتصل بها من مقولات: <<التزيين>> و<<التعويض>>, و<<الإثارة>> و<<التكييف المظهري>>, و<<التنسيب السياقي>>, و<<الانزياح>>, و<<الإحالة الذهنية>>...

ولأن الصورة ماهية جمالية وتأليف خطابي, يمثل المرجعي (ومنه الجسد), بقدر ما يؤوله, وبما أن الجسد أضحى كيانا تخييليا أقرب إلى المعلول البلاغي منه إلى الحقيقة الحسية في أجناس التعبير العربي الإسلامي, فإن صورة الجسد في ديناميتها التمثيلية سرعان ما تتحول إلى <<نص ثقافي>>, يرتبط فهمه بإدراك طبيعة النسق القيمي الحاضن, ولا يمكن تمثل دلالاته إلا باستيعاب الصورة <<المشخصة>> لعناصره, بتنويعاتها المبثوثة في ثنايا الأساليب المتباينة, وبالنظر إلى سبل الإنجاز النوعي في <<الشعر>> و<<الاسمار>> و<<التراجم>> والمصنفات الفقهية والتفسيرية والكلامية المختلفة, ثم باعتبار النصوص المفردة وسياقها التاريخي والاجتماعي واللغوي. وبتعبير آخر فإن صورة الجسد لا يمكن أن تستوعب إلا بما هي سنن ثقافي منسجم, ونص كلي متعدد المنابع والفروع والتجليات. يقول الباحث:

<<إن الأمر يتعلق بجسد مرسوم ومختلق باللغة والخطاب والمقارنة التركيبية, فالجسد بمجرد ما تمتلكه اللغة والصورة يكف عن أن يكون جسدا واقعيا ليغدو جسدا ثقافيا بالدرجة الأولى. ومتى ما مس الوصف الجسد فإنه يتعامل معه انطلاقا من مخزونه الفكري وذاكرة اللغة وقيمها وأخلاقها, وأيضا من خلال الممكنات البلاغية التي تسجنه في الصورة. لذا يغدو الجسد بهذه العملية البلاغية الوصفية مثالا لغويا قد يحاكي أصوله المرجعية, غير أنه في هذه اللعبة التأملية يتحول الى مشهد للمتعة والتأمل الجمالي>>.(6)

تتشكل الصور - إذن - ضمن نسق معقد من المرجعيات, التي تبدأ بالذاكرة التاريخية ولا تنتهي بفضاءات التلقي, ولعل القيم التي تكتسبها من مجمل الإضافات الخطابية والنصية, أن تكتنز أكثر حين تربط بالمتخيل الجماعي ومكونات الثقافة, حيث يلتبس العقدي, بالفكري, بسلط التفضيل الجمالي, بأسلوب الفرد, بتقاليد النوع التعبيري. ولذا فان الصورة تضحى حاملة القيم الأصلية وتستحيل بالتالي إلى مرآة للمتخيل الثقافي. ولعل الجسد لا يشذ عن هذا المسار باعتباره صورة (أولا), ثم بما هو أفق موضوعي يهيمن عليه البعد الثقافي, فلا يغدو ممكنا تمثله إلا كما يتمثل النص التصويري عموما, ومثلما تؤول الأخطبة اللغوية المستبطنة لرموز الذات الإنسانية بتشكلاتها المرئية واللامرئية, ودلالاتها الحسية والتجريدية, وأنحاء تجليها للوعي الذاتي ولمتخيل الغير.

إلى هنا يتضح أن الإضافة النظرية التي يستثيرها كتاب فريد الزاهي <<الجسد والصورة والمقدس في الإسلام>> تكتسي أهميتها من مزجها الجدلي بين استخلاص مقومات النظر الثقافي العربي الإسلامي القديم إلى مقولات الصورة والجسد والمقدس, بمقصد التفكير في ماهية الصورة ومعياريتها النقدية, وذلك في السياق الذي يعمق مسار انشغال نقدي أصيل لديه بمبحث الصورة, يعيد النظر في مقولات <<الشكل>> و<<البلاغة>> و<<الأسلوب الفني>> و<<الجماليات النصية>> و<<المرئي واللامرئي>> و<<المتخيل>>, وغيرها من المفاهيم التي اضحت اليوم عماد مجمل المقاربات النقدية لفنون التعبير الإنساني.

2 - 1 صورة الآخر: المضمون

         المعرفي وضوابط التشكيل:

وفي مقابل هذا الفهم لمعيار الصورة بما هي وسيلة نقدية وآلية تعبيرية ومفهوم ثقافي نوعي, نجد مفهوم <<صورة الآخر>> - من جانب ثان- يشغل مساحة واسعة من الانشغال المعرفي بأنساق الخطابات الفكرية والنصوص الدينية والأساليب الجمالية; وتلتبس بسياقات إشكالية متفرعة عن مباحث إنسانية متنوعة, بالنظر لما تتضمنه من دلالات ثقافية وعقدية وسياسية متشابكة. وفي هذا السياق ليس من الغريب أن تظل <<صورة الآخر>> معيارا نسبيا, ملتبسا, وذا ابدالات مفهومية منفتحة الحدود, قد تبتدئ في مستوى ذهني (مبدئي) بـ: <<فكرة مجردة>>, أو <<نظرة كلية>> أو <<وعي جماعي>> عام, يتشكل انطلاقا من معطى موضوعي محدد, لا تلبث أن تخترقه الاستيهامات والأساطير والتخيلات العنصرية (العرقية/ الدينية/ القومية...). وقد لا تنتهي بالمستويات البلاغية والامكانيات اللغوية المحصورة, حيث تتحول من مضمون ذهني, ومعطى تخييلي مفارق, إلى وجود خطابي ومظهر من مظاهر الإنشاء التعبيري النافذ, (مثلما لاحظنا في اشتغال الناقد فريد الزاهي). وفي هذا المستوى لا يمكن النظر إلى صورة الآخر بوصفها معلولا ذهنيا لعلة واقعية أو فنطازية فحسب, بل أساسا بما هي تكوين قصدي, وتشكيل أسلوبي خاضع لسياقات التأليف الأدبي, ومحكوم بضوابط الزمن الحضاري والجغرافيا الابداعية والمجال المعرفي/ الإنساني.

بيد أن الخطوة المنهجية الأهم لا تكمن في مجرد الوعي النظري (التام) بالتباس المجال التداولي لصورة الآخر, بما هي تنويع جزئي على معيار الصورة العام, بل بمحاولة ترجمة ذلك الوعي إلى اجراءات نقدية تمكن المنشغل بالصور الغيرية- سواء كان باحثا في تاريخ الأفكار أو الانثروبولوجيا أو الأدب المقارن- من استثمار مدونة محددة من المرتكزات الخطابية والذهنية, والسمات التخييلية والموضوعية, تتسم بوضوح الحدود ودقة الوظائف, وحصرية المقاصد والأهداف, وما لم يترسخ هذا الوعي في مجال التراكم التحليلي فإن كل انجاز جديد سيعمق مساحة الالتباس المفهومي لصورة الآخر, ويهيل عليها ظلالا جديدة من الغموض والتعقيد.

2 - 2 الصورة والمتخيل والبناء النمطي:

في هذا السياق يمكن أن نرى في النموذج النقدي الثاني المتمثل في كتاب الباحث المغربي محمد نور الدين أفاية: <<الغرب المتخيل: صورة الآخر في الفكر العربي الإسلامي الوسيط>>, اضافة معرفية جديدة في مجال مراكمة <<مضامين>> صور الآخر (الغربي تحديدا), وخطوة أكاديمية جليلة في مجال تاريخ النظر العربي للغرباء المختلفين, ومحاولة جدية لفهم جانب من الوعي الإسلامي بالنقيض العقدي. وذلك في مرحلة زمنية محددة, وفي سياق جغرافي خاص, وداخل مجال ثقافي متداخل العناصر والأسس والتجليات. ومن هذا المنظور - بالذات- لا يمكن إلا أن تشكل أطروحة نور الدين أفاية لبنة أساسية في اعادة تشكيل تاريخ الفكر العربي الإسلامي, ومدخلا بارعا لدرس جديد عن تاريخ المثاقفة وأشكال الوعي بالغير. لكن هل يتخذ الكتاب القدر نفسه من الأهمية والخطورة بالنسبة لحجم الاضافة المنهجية لضوابط التشكيل الخطابي لصورة الآخر?. ذلك ما لا يمكن الاطمئنان إليه بشكل تام إذا فحصنا جملة من المنطلقات النظرية للدراسة وبعض خطواتها التحليلية.

ينطلق الكتاب- في البداية- من مفهومين مركزيين في مقاربة أشكال الوعي العربي الاسلامي بـ<<الآخر>> هما: <<الصورة>> و<<المتخيل>>, ومع الاقرار المبدئي للباحث بما يفترضه مفهوم <<الصورة>> من غموض, وانفتاح على دلالات موضوعية متباينة, وما يلتبس به من <<معجم ينفلت من كل تناول عقلاني دقيق>>,(7), فإنه لا يلبث ان يميز بوضوح بين الإنجاز التخييلي المرتبط بأنواع التشكيل اللفظي, والتأليف الأسلوبي, وبين المراجع الموضوعية, ومؤثرات الواقع الخارجي المباشر, وينتهي من ثم إلى خلاصة بديهية ترى أن:

<<ما يثير الانتباه في الاهتمام بموضوعات الصورة, في كل أبعادها وأنماطها وتمظهراتها, هو قدرتها على إرباك التفكير في الوقت الذي لا تبدو فيه وكأنها تحل محل الواقع, أي في الوقت الذي لا تكتفي فيه بالوظيفة الانعكاسية للواقع>>.(8)

وبغض النظر عن كون الاستنتاج هنا لا يقدم معيارا نظريا دقيقا, يفيد في تفسير إجراءات التحول من الوقائع الى التجليات الصورية, ولا يفلح, من ثم, في تبديد الغموض المكتنف لمراحل عملية التشكل والارتقاء التخيليين, فإنه يرسم المعالم المبدئية للنهج الفكري العام الذي يقترحه الباحث لتناول تنويعات <<الآخر>> في التراث الفكري المستمد من المجال العربي الإسلامي الوسيط, بحيث يسهل الربط بعد ذلك بين الدلالات النظرية للصور (المرشحة على الدوام لمفارقة الوقائع والزيغ بالحقائق وتحريفها), وبين فعالية المتخيل الجماعي, في مراكمة الاستيهامات العقدية, والجنسية, والإثنية, بنحو لا ينتهي, كلما تعلق الأمر بمجابهة ما بين الذات (العربية/ المسلمة) والغير الغريب.

لكن ما يسترعي الانتباه في هذا الربط أنه لا يكاد يخضع لتصور نظري خاص بالباحث, عن تداعيات التحول الخاص بصورة الآخر الغريب, التي تفارق بشكل موغل في الغرابة قيم الحقيقة التاريخية والجغرافية والإنسانية المعطاة. بقدر ما ينبني أساسا على اضمامة من التحديدات النظرية المستوحاة من اجتهادات فلسفية وانثروبولوجية غربية (فرنسية في الغالب) عن <<الصور الثقافية>> و<<الصور النمطية>> و<<الصور الأسطورية>>; من مثل تحديدات <<جيلبير ديران Durand>>, و<<جون ويرينبورجر Wurembutger>>, و<<سارتر>>, وخصوصا مقولات الناقد الفرنسي المقارن <<دانييل هنري باجو D.H.Pageaux>>, الذي يمزج بين القيم الإنشائية والإثنية في مقاربة صور الآخر, حيث يقول:

<<تتولد كل الصور عن نوع من الوعي, كيف ما كان مستواه, الذي تكونه الأنا قياسا إلى الآخر, في الهنا قياسا الى الهناك. الصورة هي نتاج الفرق الدال بين واقعين ثقافيين, أو بعبارة أخرى, الصورة هي تمثل لواقع ثقافي أجنبي يتمكن من خلاله الفرد أو الجماعة التي كونته (أو تقاسمته أو نشرته) من كشف وترجمة الفضاء الإيديولوجي الذي تتموضع فيه>>.(9)

ويقر <<أفاية>> بأن تعريف <<باجو>> (المقتبس هنا) يعاني من غموض ظاهر في تحديد المقصود بالصورة, إذ هو - أساسا - تعريف لقاعدة الوعي المؤلف للصورة, وأصلها التكويني, بما هي معلول ذهني/ ثقافي, وليس كيانا كيفيا, أو ماهية تمثيلية, أو نسقا من المكونات الوظيفية. بيد ان الباحث بالرغم من ذلك لا يقدم حدودا تدقق عمومية التعبيرات الواردة في الاقتباس, لذا فان تنبيهه إلى كون مثل هذه التعريفات قد تفتح آفاقا  للبحث تعوم الإشكال في مجالات معرفية بعيدة (كـ:<<دراسات علم نفس الشعوب>> و<<السيكو- انثروبولوجيا>>), سيكون محدود التأثير, سيما عندما يتم تطعيم نسق الاستدلال النظري للكتاب في مجمله بإحالات مستمرة على استنتاجات <<باجو>> وتخريجاته, وذلك قبل أن يتم حصر صنف الصور المقصودة بالتحليل في <<الصور النمطية>>.

يقول الباحث: <<سنركز في بحثنا على موضوع الصورة النمطية... (التي) تتضمن مفهوما وعقيدة وأسلوبا أدبيا... فتغدو هذه الصور وكأنها حارسة للذاكرة من تحولات الزمان, الأمر الذي يجعلها متموجة ولكنها حاضرة باستمرار, وديمومتها تعود الى كونها لا تتعرض للطعن في وجودها من طرف الواقع والتجربة المباشرة. فهي توجه تجاربنا بطريقة لا تسمح لنا, أحيانا, بالتساؤل عن الواقع وعن العالم وعن الحقيقة. وقد تتحول هي مع الزمن والتكرار الى حقيقة>>.(10)

ولعل أكثر ما يلفت الانتباه في هذا النص النظري الكثيف دلاليا, هو الاقتران المبدئي للصورة النمطية, في وعي الباحث, بمرتكز <<الموضوع>>, مما يفسر ذلك التحول السريع الذي تتخذه الوحدات الصورية من كونها دلالة على شكل <<مكتمل القيمة الأسلوبية>> على مجرد <<مظهري فكري>> أو <<قيمة ذهنية>> أو <<مضمون معرفي>>; وأن تتخذ بعدا يتصل بالمادة المرجعية, لا بالوسيلة التمثيلية للصورة وكنه تشكلها; وإن كان الباحث يعي هذا البعد الأخير, ويشير إليه تارة- كما في النص الحالي- ب-<<الأسلوب الأدبي>>, وتارة أخرى بمتنوعات مفهومية مختلفة تنتشر في مجمل فقرات الفصول التطبيقية للكتاب من مثل تعبيرات:: <<البلاغة>> و<<الوعي اللغوي>> و<<التمثيل>> و<<أسلوب التخييل>>, و<<مراتب الصور وأنماطها>>..., والتي تظل أسيرة الاستعمال السياقي المؤقت, ولا تخضع لاستراتيجية استدلالية كلية, تحولها الى معايير للقراءة وإلى حدود لضبط التشكل الخطابي.

إننا نفترض أن مبحث الصورة الذي يشغل الباحث يأتلف بشدة مع القصد الفلسفي الذي تكتنزه مقولة <<الصورة الذهنية>> الشائعة في حقول المنطق والنفس والظاهراتية, من حيث كونها قيمة تجريدية تجمع بين الإدراك والذاكرة والخيال, وتحقق التكامل البديهي في هيئة موضوعات ومراجع فكرية محددة(11). لكننا نزعم مع ذلك ان للصور الذهنية مظهرا انجازيا, وأنها حين تصنف, ويحدد لها وصف معياري من قبيل <<النمطية>> فذلك يصبح مدعاة لإعمال الفكر, ليس فقط في القيمة الموضوعية الحاضرة على جهة الضرورة, بل أيضا في الآلة المصاحبة لتشخص تلك القيمة, عبر المستويات الخطابية والنصية المنتجة لها. ولتوضيح الفكرة أكثر يمكن مثلا أن نرى في الباب الأول الذي يفرده الباحث ل-<<مرجعيات النظر العربي الإسلامي للآخر>> دليلا على طبيعة التحليل المنصب على المضامين الصورية, وعلى القيم التجريدية المحددة, دون التكوين الخطابي, وبذا يصير النظر النقدي منصبا على تحديد القيم ضمن وحدات موضوعية وفكرية محددة: ك-<<الدين>> و<<المقدس>> و<<الرمز>>, بوصفها أسسا لتشكل صور الآخر في الخطاب القرآني مثلا; ومن ثم فان أي فعالية للصور في هذا السياق المعرفي المحدد لا يمكن أن تزيغ عن تلك الأسس التي تحكم علاقات التنويع والابدال النصيين, ويسهل بعد ذلك الخلوص الى نتائج تصنيفية للتنويعات والابدالات بحسب تدرجها في سلم القيم الدينية والقدسية والرمزية المجردة, حيث يراوح الآخر بين: <<اليهود والنصارى>> و<<أهل الكتاب>> و<<المخلفون>> و<<المنافقون>> و<<الكفار>> و<<الذميون>> و<<الإفرنج>> و<<الصليبيون>>... وتراوح صورهم بين سمات: <<التخطيطية>> و<<الفقر>> و<<السذاجة>>..

والحاصل ان الصور يمكن ان تشتمل على قيم عقدية عرقية وثقافية, وأن تكرس ارادة الاستبعاد والانحياز الخطابيين, بأقصى تمظهراتها, في الآن نفسه الذي لا تتحول فيه, إجرائيا, الى مجرد سمات أو مراتب موضوعية, ففي عملية التمثيل المنحاز تبرز شتى وظائف الأسلوب في <<الإيهام>> و<<التكييف>> و<<التحريف>> و<<النقل>> و<<التزيين البلاغي>>, بنحو يجعل الحدود التكوينية ذات أهمية مركزية توازي- إن لم تفق- في خطورتها عملية استخلاص المراجع المحددة للرؤية القومية الخاصة. وهو ما سيغيب, إلى حد كبير, في تناول الكتاب لمسارات التحول في تجليات النظر الإسلامي للآخر, وتنامي الصور النمطية المكرسة عن الغرب; بدءا بالنص القرآني (الفصل الأول والثاني والثالث), وانتهاء بالخطاب الخلدوني (الفصل الثالث عشر/ الأخير) مرورا بالاجتهادات الفكرية المواكبة لمرحلة الفتوح (الفصل الرابع), فالسجال الكلامي من خلال أحد رواده البارزين: الجاحظ (الفصل الخامس), مرورا بالظاهرة الصليبية والاندفاعة الجهادية وما رافقها من تراجم, وسير, وتواريخ, ورحلات, تستدعي الآخر, وتمثل عقيدته, وترسم حدودا لكيانه الثقافي/ الجغرافي/ العرقي/ الديني (الفصول من السادس الى الثاني عشر).

هكذا يرصد الباحث تطور النظرة للآخر, في فصول الكتاب وأبوابه, من خلال اضمامة من النصوص والتصانيف الدينية, والفقهية, والكلامية, والترجمية, والجغرافية, المختلفة الأنساق الاستدلالية والخصائص البلاغية... بمعنى آخر انه يقوم باستخلاص أساس رؤيوي لصورة نمطية <<متجانسة>> من رصيد نوعي وخطابي غير متجانس, ومتباين المرتكزات التأليفية. لكن في هذه اللحظة, التي يطمئن فيها الباحث إلى إمكانية استخلاص صورة كلية من التعدد الخطابي, وايجادة وحدة رؤيوية متكاملة الحدود من التفريعات المعرفية وتنويعات النشاط الفكري العربي الاسلامي, ينبثق سؤال مركزي, في ذهن المتلقي, عن مدى مشروعية عمل توفيقي من هذا النوع: فهل يمكن فعلا الحديث, بإطلاق نظري, عن صورة نمطية (كلية/ موحدة) تتطور وتتشظى, في آن, الى عشرات التكوينات الصنفية, وتمتد عبر مستويات مختلفة من التعابير والتآليف النوعية والنصية والبلاغية?

إننا نعتقد أن أي حديث عن <<صورة نمطية كلية>> يظل ممكنا على سبيل التجريد المجازي, الذي يجب أن يستكمل بإيجاد أصول مرجعية فرعية, تتمثل في عينات الصور النمطية <<الجزئية>>, المتحققة في كل نوع تعبيري على حدة, وفي كل نمط من أنماط الخطاب. وهو الإجراء القاعدي (والتقعيدي) الأساس لإضفاء الشرعية على كل حديث عن التشكلات الصورية الكبرى, التي تتخطى الفوارق الخطابية وتتوجها. أما إذا تم التجاوز عن هذا الإجراء فان أي مجهود نظري يبذل بصدد الصور النمطية الكلية سيفتقد الى العمق المنهجي الضابط لمسارات الانتظام والتشكل الصوريين.

ولذا نزعم أن الاجتهاد التحليلي الضخم الذي بذله الباحث في تتبع مسارات تحول (وتنامي) صورة الغرب في المتخيل العربي الاسلامي الوسيط, لا يلبث أن يفقد الكثير من إشعاعه بمجرد أن يجد القارئ نفسه في نهاية المطاف أمام تعميم فكري يطمس تضاريس الأسلوب النوعي ويتخطى الفوارق بين الأصناف المتناولة من: قرآن, وحديث, وسجال كلامي, وسير, وسرود مختلفة. صحيح أن الباحث يفرد كل نوع من هذه الأنواع الخطابية بحيز تحليلي بارز, ينم عن وعي عميق بطبيعة الخطاب وجنسه الأدبي, إلا أن الاسئلة التي تروده في مقاربة الصور تظل رهينة البحث عن الصيغة الموحدة للنظرة, ومدى مطابقتها او مفارقتها للحقيقة الواقعية, فمثلا في الفصل المخصص لكتاب <<الاعتبار>> لأسامة بن منقذ, يقر الباحث بخصوصية النص (السير ذاتي) من حيث كونه ينتمي ل-<<فن في الكتابة>>.(12), حظي بمكانة إشكالية في السياق العربي الاسلامي, واتخذ تجليات شعرية ونثرية شتى, ساهم في صياغة تعددها علماء وفلاسفة ومتصوفة وفقهاء وساسة على امتداد حيز غير يسير من الزمن الثقافي; بحيث يمكن الحديث عن جنس أدبي قائم بذاته, ويتوفر على رصيد من النصوص الوافرة تمكن المحلل من استخلاص سمات ومكونات خاصة لصوره السردية. وهكذا فالمفترض أن أي تحليل لصورة الآخر في نص كتاب <<الاعتبار>> يجب أن يترجم التقليد اللغوي الحاضن, والامكانيات السردية الخاصة بالجنس التعبيري (السيرة الذاتية), ويصير المحلل ملزما- من ثم- بالانصياع لضوابط هذا الجنس في التأليف والتكييف البلاغيين لصور الذوات الفردية والجماعية, وفي ترجمة السمات الجمالية الخاصة بصور الوقائع والأفكار. إلا أن <<أفاية>> يختار منطلقا آخر حين يعرض لتحليل صور الآخر في كتاب <<الاعتبار>> يضمنه السؤال الآتي:

<<كيف يمكن الحديث عن الذات داخل مناخ ثقافي يعلي من شأن الجماعة ويعطي الأسبقية للكل على الجزء? هل تسعف الكتابة السير ذاتية على استجلاء صور الآخر في تجسيداته الواقعية أم أنها ترزح تحت ضغط المسبقات والأحكام المتخيلة والقبلية?>>.(13)

انطلاقا من سؤال من هذا النوع, (يتأسس على الانشغال المضموني), كان من الطبيعي أن ينتهي الباحث الى نتيجة ترى أن:

<<الصور التي صاغها حكي اسامة تكثف انطباعات واقع تميزت بحرارة ووهج روائيين لافتين, وبشحنة انفعالية اختزنت كثيرا من التبرم وقدرا كبيرا من الشتيمة, واللعنة, بدون أن يعني ذلك تعصبا أو رفضا للآخر>>.(14)

وما بين السؤال وجوابه لا ينشغل الباحث بإبراز فعالية الوظائف التعبيرية الخاصة بجنس السيرة في ترجمة <<الشتيمة>> و<<اللعنة>> , <<من غير تعصب>>,  بل هيمن المنظور التصنيفي الذي يتوخى تحديد طبيعة صورة الآخر: هل هي واقعية أم يغلب عليها الاستيهام?. والحق أننا نعتقد ان المنطلق التصنيفي (التقويمي) غير سليم من أساسه, بغض النظر عن كونه ذا رهان مضموني أو أسلوبي, فمدارات الصور التي يستثيرها الواقع هي مدارات ذات كنه إنساني تصوغه اللغة وتسربله صناعة الأسلوب, ومهما تكن المنطلقات الاجتماعية والنفسية والثقافية حاضرة, في مساحات الصور, فان ماهيتها تصير من صميم التخييل, حصيلة لفعالية المخيلة في ترجمة الخبرات الحسية والحدسية الى امكانيات جمالية متميزة باستقلالها اللفظي وفعاليتها التأثيرية. وهي بداهة لم تعد قابلة للارتياب (عند الحديث عن الخطاب السير ذاتي او عن مطلق الخطاب الأدبي المتصل بالتاريخ), بعد كشوفات <<فرويد>> و<<نيتشه>>, وتبلور التفسير النقدي الحديث للمعرفة. إن السيرة الذاتية تاريخ صاغته اللغة وكيفه سياق الجنس التعبيري الخاص وأخضع صياغته لصورة الآخر لطريقته السردية المميزة التي لا يمكن بحال من الأحوال اختزالها الى مجرد <<وهج روائي>> أو <<شحنة انفعالية>>. ومن هنا فلا يمكن أن نرى في ضابط <<الجنس السير ذاتي>> وسيطا محايدا لترجمة الموضوع الغيري في صورة, بل وسيلة ابداعية بليغة تختلف آلياتها التشكيلية والتأثيرية عن آليات الرواية والحكاية العجيبة والمقامة والرسالة الفلسفية... وتشكل صورة تمثيلية لقيم جمالية وموضوعية في بيئة وعصر محددين, وهي ليست معلولا لهما فقط.

تبعا لكل ذلك يمكن القول إن اجتهاد الباحث المغربي محمد نور الدين أفاية تمثل في استخلاص الموضوعات الغيرية, وتصنيفها, واستخلاص مرجعياتها الذهنية الخفية, ونقد نظرتها الخاطئة والمنحازة, ولم يكن هدفه بيان تشكيلات صور الآخر ومكوناتها الخطابية; وهو اجتهاد مشروع في العمق, وأدى الى نتائج ذات أهمية تاريخية وفلسفية على قدر كبير من الأهمية, بيد أنه حرم الكتاب من اضافة منهجية حاسمة في نهج دراسات الصور, تتمثل في استخلاص معايير التأليف الخطابي للصور الجزئية في الأنواع أولا ثم في النصوص ثانيا, وايجاد تصور راجح عما يمكن أن يشكل معايير بلاغة التمثيل العربي الاسلامي للآخر في العصر الوسيط.

3 - تركيب:

من خلال كل ما سبق يمكن الانتهاء الى أن المحاولتين النقديتين للباحثين المغربيين: <<فريد الزاهي>> و<<محمد نورالدين أفاية>>, بصدد معيار <<الصورة>>, في علاقته بمفاهيم <<الجسد>> و<<المقدس>> و<<الآخر>>, وفي جدله مع حدود: <<اللغة و<<النوع>> و<<البناء النصي>>, وتمثيله المختلف والمتعدد للوعي الجماعي والمتخيل الثقافي, قد أثبتا ضمنيا عبر خطوات التحليل المتباينة, ان الصورة امكانية ذهنية لا تفتقد الى مضمون واقعي أو متخيل, حسي أو تجريدي, وهو المضمون المستند الى خبرة وحدس معرفيين أو ان تجليه في هيئات فنية وخطابية شتى, وهي المحصلة المركزية التي تفضي بنا الى استيعاب الكون الصوري بوصفه معلولا ذهنيا منفتحا, وليس مجرد ماهية موضوعية, بل وباعتباره بناء كيفيا مميزا, وتشكلا نوعيا دالا, ومعيارا رؤيويا راجحا في استبطان الخطابات المعرفية والجمالية. فالموضوعات والأفكار والوظائف يمكن أن تتكرر, بيد أن الصورة التي تؤلف بين هذه المكونات جميعا في وضعية أسلوبية فريدة لا يمكن أن تنجز إلا مرة واحدة, وفي سياق واحد, عاكسة ثراء ممتدا من الرؤى والدلالات. وبناء عليه فإنه اذا كانت للصورة مثيلات توظف تلك المكونات ذاتها في سياقات نصية مغايرة فان الآصرة التي ستجمع بين الصور, في هذه الحال, لن تكون آصرة التطابق, وليدة التكرار, وإنما ستكون آصرة التجانس قرينة الانتماء الى سياق <<نوعي>> مخصوص, تتوسل فيه الصور بنفس وسائل التبليغ والتشكيل, وتترجم فيه قيما موحدة لمتخيل ثقافي فريد. هذه هي الخلاصة العامة التي تمدنا بها القراءة التركيبية للمؤلفين معا وهي الخلاصة التي تثري مراحل تحصيلها بكشوف ذهنية عذبة, وقلق وحيرة محببتين.

الهوامش

1 - صدر عن: دار إفريقيا الشرق, الدار البيضاء 2000.

2 - صدر عن : المركز الثقافي العربي, بيروت/ البيضاء, 2000.

3 - نفسه: ص146.

4 - نفسه, ص22-23.

5 - نفسه, ص87.

6 - نفسه, 87.

7 - نفسه, ص19.

8 - نفسه, ص19.

9 - نفسه, ص20.

01 - نفسه, ص21.

11 - لمزيد من التفاصيل بصدد مفهوم <<الصورة الذهنية>>, راجع:

- شرف الدين ماجدولين, بيان شهرزاد, التشكلات النوعية لصور الليالي, المركز الثقافي العربي, بيروت/ البيضاء, 2001, ص14 وما بعدها.

12 - الغرب المتخيل, ص209.

13 - نفسه, ص210.

14 - نفسه, ص234- 235.


تصميم الحاسب الشامل