|
|||||
|
التماس مع الرمل في السرّية المطلقة , لحظة غياب مكشوفة, واشتعال الأصابع بالدفء الإستوائي, فراشات تطير من خصر الصحراء, لتوقظ في الأوقات الطويلة للأقاصي أنداء الخصوبة وحنينا إلى مخاض الخليقة وارتعاشات البداية المكسّرة, كان أول ما في التكوين كثبانات من الكلام, من الماء ومن الصحراء, وكان أول ما في الصحراء بسيطة مترملة تتمتع بالفقدان, تنساب في توحشها المدهش لتتماهى بهدوء كامل مع ما يتدفق من جهة الريح والروح, تتوشح متغزلة بالتيه معزولة عن حميمية الخالق وعلاقته المصادقة للكائنات, كان الرمل أول عزلة, والنخلة أول من خسر رهان العشق وكانت الصحراء دائرة مغلقة خارجها تنمو الملابسات ولا تنبت داخلها إلا أسرار الكلام ومواسم الحديث الخاص... سيلفيان فيون غيتيراز(*), إحدى الفنانات اللواتي استطعن أن يحرقن أصابع الصباح بوهج مضيء يخرج من رماد الكوانين البرتقالية, وأن يقبضن دون كلل ميزان الطبيعة, ويعدن إلى لحظة إبداعها أراجيح الوجود ونواميس العرفان, لم تقدر وهي تشاكل في مخطوطاتها ألوان البعد والعمق والقدمة إلا أن تضيف مقاليد الخوف إلى مجاهل الولادة, وأن تدفع بنا نحو الأسئلة التي ترعبنا بعد أن نطرحها...كانت رحلاتها موجات تعبر مسافة أعمالها, وسفينة تترحل عبر موانئ الروح, حيث الجسد ليس سوى بحث عن الإنتماء إلى الأمكنة, والرغبة المحمومة في الخلاص... سؤالها المبتدئ في كل مراحلها الفنية ينبع من رمزية المكان, حيث تعود بأصولها إلى عائلة اسبانية, تتفتق كينونتها من إطلالة المدن الإسبانية على نسيم الصحراء الذي يهب من المغرب عابرا ذلك الفجو الأزرق من الماء, وذلك المتوسط في رحبة الهدوء من تجانس القارات, زياراتها المتكررة إلى البراري والمدن في إسبانيا لم تلهم نفسها إلا بالإصرار على العودة إلى نقطة اللقاء الأول بين زخرف الصحراء وأواني الشماليات, لهذا لم تجد نفسها إلا مهووسة بنسيم النخيل الساحلي ومعلقة على أستار المخيال المشرقي. كان لقاؤنا بها إحساسا ناعما بمناخات النشأة المتجددة, حين افتتحت عرضها بشارع ؛بولفار دي بوت)) بمدينة بوردو الفرنسية, فكان الحوار استدراجا ممتعا للخيالات نابعا من هذا الإحساس ومن هذا اللقاء, ومن هاته النشأة التي تتمتع بالسقوط في هاويتها الجميلة. ** الفنانة سيلفيان, هلا تحدثينا لماذا تميل أصابعك الفرنسية إلى استخدام ريشة مشرقية ? لا أعرف, لكنني أعتقد أن المشرق كثقافة إنما ينطوي على محمول رمزي ومتحرك أيضا عبر جميع المراحل الزمنية, ولهذا لا نستطيع تهميش ثقافة ديناميكية تمتد بأبعادها الدلالية ومحتوياتها إلى الأعماق, لقد عشت عطلي الصيفية في إسبانيا وهناك حيث الألوان صافية, بدأ إدراكي الفني بمفهوم الصفاء والضوء, تجلت أغلب الألوان أمامي, فلا شيء يغيب حين تحضر بقوتها تلك الشمس المضيئة, لقد أحسست أن لهذه الألوان محمولاتها وجيناتها أيضا, وأنها ليست سوى رمزيات متنقلة من أماكن أخرى عن هذا العالم, لقد بدأت من وقتها أتقاسم معها متعة المكان وصفاء النهارات الصيفية. ** هل نستطيع القول وفق هذا الاحساس إن استعمالك للألوان البنية والبرتقالية هي رمزيات العودة نحو المشرق الضائع? بالطبع? فالألوان المرحّلة من المشرق, هي الألوان التي اكتشفتها في المدارس القرآنية, حينما كنت في المغرب, لقد بقيت شهرا ونصف في أغورة الصيف الماضي, مما أتيحت لي الفرصة لزيارة المكتبات القرآنية والتي وجدتها جميلة جدا, إن هناك امتدادا روحيا نابعا من الألوان ذاتها, مثلما ينبع من الأرض, فلو تأملنا قليلا لوجدنا أن الألوان التي نعرفها إنما هي الألوان التي ولدت معنا من الطين, إنها ألوان الأرض, التراب والرمل, والنبل الذي به تنعت الأرض, كذلك به تنعت الألوان, فالنعت واحد والمنعوت متسع بين الجسد والروح, بين التراب واللون, وهو واحد أيضا ولكن باتفاق الاثنين. إن الثقافة المسيحية تحتوي على محمول مختلط من الألوان, أما المشرق فنجد ألوانه بسيطة تدعو إلى الإبداع , ألا ترون أن الألوان المشرقية مدعاة للتأمل والكشف, لهذا رغبت في السنة الماضية تحضير معرض فرنسي بالمغرب, وبالفعل, فقد ساعدني وجودي بالعمل على الثقافة البربرية, بالإطلاع المباشر على ما يحدث في الثقافة النومادية. ** أتذكر في هذا المقام قول أحد الشعراء الفرنسيين بأن أثر الإنسان من رمل, هل تعتقدين ذلك? وما تعليقك? لطالما اعتبرت الرمل مرجعيتي الأساسية, ولهذا فإن الصحراء تفتنني, وإحساسي بها يفوق التصور, لقد تعرضت الإنسانية إلى قمع غريب, يرجع هذا إلى تقوقعها داخل الأحادية والجمود, ومحاولة توقيف عقرب الساعة عن الحركة, فالمدينة أحد أكبر قلاع الانسانية, يمكن أن تنتهي في أية لحظة بينما لا يمكن أن نفكر لحظة واحدة أن الصحراء ستنتهي, لأن كل ما فيها متحول, وآثارها متحولة بالطبع, لذا فأصولنا من رمل متدفق على الدوام, عندما تتجول في القرى المغربية حيث الأرض تبدو ذات وجه محمر جد ا, تدرك بكفاية تام ة كيف تتحول القرى المنسية إلى غبار, وفي اندثارها تعود الأرض إلى الأرض, تنتهي إلى نفسها, إلى كينونتها الأولى, إنها دائما تلك الأغنية التي تقدس الفصول, وتمجد الخروج من الأرض والعودة إليها. ** هل تقصدين أن في الر مل وألوانه خلودا? ليس إلى درجة كبيرة, فمن الخطر أن تجازف بالبحث عن الخلود وحدك. لذا أكتفي بمحاولة أحس خلالها أنني أبني شيئا يبقى, أعتقد أن لذلك علاقة بإيمان معين, ففي أي عمل فني أو موسيقي, هناك بعد روحي, لا أحد منا يستطيع أن ينفي الله حتى وهو يكتب ضد ه, فأي عمل يشرع الفنان في خلقه, يحس في بدايته أنه ينقاد إلى أشياء معينة, أعتقد أنها مسألة إيمان ليس إلا. في أعمالي عموما, أحس أني أجمع شتات الأديان المتفرقة, عن الله وحده, ليس من الحق أن تتوزع في النصوص, فلهذا كان رفضي ماثلا حين حاولت جمع الخطوط والألوان من مختلف الأديان والأماكن لا سيما المشرقية, إنني كفنانة ومؤمنة, أعتقد أن من مهامي جمع شمل الإنسانية, فليس جيدا أن نعمل على التفرقة والتقسيم; لهذا أنا واثقة من حلول الرمل في كل مكان, إلا أن الألوان تتغير والطبيعة أيضا. قد نسمي هذا خلودا, ولكن خلودا جزئيا أي غير مطلق. ** يبدو أن لمرجعياتك بالتحديد أساس أنثروبولوجي, فأعمالك نابعة من سلسلة من التأثرات الفلسفية? لا أعتقد, فبيكاسو الذي كنت أظن أنه يؤثر علي , إنما هو الذي منحني الحرية والقدرة على الخروج من القيد, إن الرسام الحقيقي مثل إسفنجة ترتوي ولكن لا تأخذ الأشكال, فالرسام قد يتأثر بالفلاسفة والأدباء , لكن لا ينبغي أن يتأثر بالرسامين, يجب أن نبحث عن الأشياء ونفتش عن مدلولاتها ومحمولاتها خارج علاقات الرسامين, إنني أحس بامتلاكي لمرجعية طبيعية مرتبطة بالماء والصحراء. ** إن ما تقولينه يعيد أنطولوجيا الخلق نحو الواجهة? لا يهمني العمل من خلال العناصر مثلما يهمني أن أشتغل على كل ما هو مرتبط بالأرض, فالخزف المكسورالذي يظهر في بعض اللوحات إنما هي محاولة لتأكيد المحمول الرمزي للأرض, وهو أمر يتعلق بأن ما يمكن إخراجه من الرمل هو ما يمكن خلقه أيضا, إننا نأسطر أعمالنا عبر الرسم, نريد أن نلحقها بأسباب الوجود, فالألوان التي خلقها الله في الطبيعة, لا نستطيع إعادة خلقها إلا بالرسم. ويذكرني هذا الكلام بقصة خلاصتها انني حاولت تخيل أشكال خزفية ثم طلبت من صديق لي أن يصنعها, ثم قمت بعد ذلك بكسرها, ورسمتها مكسرة, فالخلق الذي نعيده, نحن مجبورون عليه, فالأعمال التي أقدمها أجدني فيها مجبورة على أن تكون مقصودة في نورها, إننا نفتش عن الأنوار, يا إلهي, كم هي خطيرة ومزعجة, حين نبدأ من النور راحلين تدريجيا نحو السواد, نبدأ من المعرفة والحكمة انتهاء إلى المجاهل والخوف, أليس ذلك دليل على أن اللون بداية خلق أيضا? أعتقد ذلك. ** رمزية التكسير لا سيما إذا تعلق الأمر بالطين, أية دلالة تحتويها? إننا لا نخلد, لا نبقى, لا نستمر, إن وجودنا مرتبط بالرحيل, بعدم البقاء, إننا كلما كبرنا كلما ابتعدنا عن الاستقرار, لا شيء اسمه خلود, لهذا كثيرا ما نجد الهنود الحمر يتركون الأشياء كما هي, تخلد إلى الفناء بمفردها, إنهم يعرفون مآل البقاء, لهذا فالموت فلسفة تنطوي على الاستسلام للطبيعة, اما الحياة فهي مقاومة تستمد طاقتها من حبنا للتغيير. ** إلى أي مدى يمكن أن يعبر حضور المادة في أعمالك التشكيلية المائلة نحو هندسة الأشكال عن سياق الغياب, الخلق وميتافيزيقيا الأشياء? إن عملي مع الأشكال الهندسية يتطلب القدرة على التعامل مع المادة, على خلاف ما كنت عليه مباشرة, فاليوم تميل لوحاتي نحو اقتسام ممتع مع أجزاء جمالية للطبيعة, حيث أقطع من أجنحة الفراشات, ومن السمك ومن الأفاعي ما يسمح بوجود لوحة لا تعكس كمرآة مكسرة الصور وإنما تمنح بعدا آخر للحياة, إنه مهم جدا أن نخضع للتجارب الصغيرة , لأنها تضعك في خطر, ولا تجعلك كمتلق آلي للمعلومات, وإنما تصبح مجربا بامتياز, فأنت حين تجرب, حتى وإن أخطأت, فإنك تتعلم, وتتعلم ما لا يجب أن تتعلمه, فما أقوم به إنما تجريب مستمر. هناك خطر يرتادك وشك يراودك حين لا تشتغل, فكما تخسر تلك العلاقة الانسانية التي لم تجربها, كذلك تخسر تجاربك وهمومك وأحلامك كفنان, إن الجديد هو ما يدعونا نحو التجريب, فأنا أفضل عملا جديدا بجميع خساراته وبكل ما فيه من إزعاج خارجي على أن أنجح في عمل وأبقى على ذلك منذ عدة سنوات, هذا لا يعني أنني أعتقد أن الخضوع للسلطة والمباشرة في رسم الحدود وتزيينها سيكون عملا جميلا, فأنت حينها تمنع الناس عن تصور آفاق مخيالية عما ترسمه أنت وتنسجه, إنك تمارس ضغطا على الوعي الفني عموما, فليس هكذا ننمو, أو نكبر, ثم إن المناهج التي يتفنن فيها بعض الناس بدعوى أنها تنتهي إلى خلق الجديد لا أظن أنها تساهم في إغناء مسار العمل الحر والمستقل; لأن التجديد رغم حداثته فهو قاصر, لا سيما التجديد المادي الذي يتسع لاحتواء هذا العالم. ** ما مدى البعد الذي به تحظى لوحاتك بعد استلهاماتك الواضحة -- والمقصودة حتما -- من النصوص المقدسة? إن ما أقوم به هو استعادة طبيعية للنصوص التي كتبت في الأزل, فأنا أعيد كتابتها, في سياق أننا لا نكتب إلا للأشياء المهمة, إن الكتابة امتياز إلهي وهي مذهلة, فموسى لما تلق ى اللوحات إنما تلقاها مكتوبة من عند الله, والحرف جزء من هذه الممارسة الخطية, فالحرف روحاني وممتلك ميتافيزيقي يفوق حدود الجسد الذي يسجنه, لذا أستعمل الحرف لا كجسد وإنما كمحتوى جمالي لوني لإيماني بأن اللون عصارة خالصة للضوء وأن الألوان لا تستطيع إفرازها إلا مجموعة من الأنوار, هاته التي تجسد ذلك العمق الروحاني للأشياء, وأستعمله داخل لوحاتي حيث ألملم شتاته من النصوص وأصنعه لا لينتهي نحو التفاهة والبذاءة وإنما ليرفع حقيقة الانسان نحو مستواها اللائق ؛هذا المخلوق المجموع« واقتسامي الكتابة بجزءيها الجسدي والروحي ينثني على امتداد أرضي ونزوع ترابي , فالله حين خلقنا, ساهم في كتابتنا بمداد الأرض, لهذا تستعمل الكتابة البشرية منطق ها على الطين, المادة التي منها و جدنا. ** إن ما تستخدمينه من الألوان في إلغاء الخط كوسيلة إلى إثباته بتجريده كغاية يعني أن للخط علاقة بمطلقه. أكيد, وربما أكثر من ذلك! ** كيف? عندما كنت في المغرب, لفت انتباهي ذلك الوشم الذي تزين به النساء معاصمهن وظهور أكفهن, وفي فرنسا كثيرا ما نصادف ونحن نعبر زقاقا سقفا مزينا بالأرابيسك يبدو ناعما ودافئا, فالوشم وتزيين السقوف بالألوان والخطوط المشرقية يوحي بمطلق هذا النوع من الخط ولونه, ثم أحسني في أواخر أعمالي أعود إلى نقطة البدء, إلى الحالة الأنطولوجية الأولى, إلى الأبعاد الجيومترية والبحث من خلالها عن معنى الألوان ورمزيات المادة, فالفن الإسلامي لا يمثل الإنسان او الشخص وحيثيات تفكيره وإنما يعبر عن ثقافة برمتها, فالزليج ليس سوى جيومتري الثقافة العربية, فإذا جر دناه من مكوناته فلن يبق إلا مهندسات ترسباته الجيومترية, هذه هي حقيقة الفن, أن ينتهي إلى مطلقه الرائع بتجريده, وثقافة لا تنتهي إلى هنا, ثقافة هشة وهزيلة; لهذا إذا جردنا الكتابة من معاني الكلمات, فستبقى مجردة, وهذا هو المهم, والأهم أن تستمر على هذا النحو. إن الكتابة العربية عجيبة وغرائبية, تتغذى من الممنوع وتنمو بماء المحضور في تربة الخوف والاندهاش, فالفنتازيا التي لطالما منعت في ممارسات الخطاب العام ولم تسمح بظهورها الثقافة العربية, وجدت في الكتابة وفي طريقة تعاطي الخط في تزخرفاته مع أشكال مختلفة من الحروف والكلمات, فلدي إحساس أن الخط يحرك الأوصال المقيدة, وينسج في خفاء مذهل علاقات ما بين الخطابات المحظورة, الجنس, الدين, وحتى الثورة. والحرف حياة, سيرورة لا تنتهي, انقطاع عن الجمود وانخراط كلي في عملية ديناميكية خالصة, قد يعود في اعتقادي إلى تقاسم الرمز والطبيعة هذه الحياة; هذا التغير والتجدد والنماء, فلطالما عبرت الحروف كرموز عن أشلاء الطبيعة, كما نجد ذلك عند اليونان والفراعنة والسومريين, ولطالما اتخذت الحروف كرموز عرفية كما هو الحال لدى الشعوب الأمازونية, وكرموز فنية للتواصل لدى القبائل البدائية. لقد التقيت بسيد مختص في طباعة الإنجيل, وقد قدم لي وثيقة مهمة حول تطور حرف الألف A في الخط اللاتيني, فقد انقلب بتدرج عبر مراحل طويلة إلى ما هو عليه الآن, فالخطوط تنمو مثلنا وتكبر وتعيش, والحروف أيضا, بل إنها أوسع منا على الإطلاق. ** هل يمكن أن تحدثينا عن تراكمات الخط الهندي في أعمالك? إن الهند بلد فيه جميع الأشياء, وحين تلج إليها, يتجلى المظهر الروحي بوضوح, فالمرأة المارة بشارع تذهب لقضاء حاجة وهي في أمر عاجل كما تبدو وإذا بها فجأة تقف لتصلي أمام الوثن, فهذا وفاء خالص لا نجده في الغرب, فمباشرة بعدما يخرج الناس من أماكن الصلاة, ينسون كل شيء, فلا أعتقد أن الأمور ت حل بهذه الطريقة, أذكر أنني ولجت مكانا للصلاة في معبد أرميتسار, وهناك بدأت أرسم بعض الأشياء على كراستي, لكن الهنود تفاجأوا جميعا واجتمعوا حولي, إلا أنه من حسن حظي, قادني حارس كان يحمل سلاحه وقال لي تعالي, وأخذني واختص لي مكانا خلف سي د كان يتعبد حتى لا يتم إزعاجي, وارتحت بعدها, واندهشت فعلا لذلك. إن ما أرسمه حقيقة آخذه من كتاب للصلاة الهندية, وأحس في هذا الرسم حميمية تشبه تماما حميمية الهنود وهم ينامون على الأرض, وهي نفسها التي يتقاسمها أبناء جنوب المغرب حيث ينام البعض إلى جانب الآخر بطريقة رائعة, وهناك يتقاسمون الخبز كذلك وهذا رائع, إنك حين تدخل مسجدا وترى الناس نياما بينما هناك من يتلو بصوت خافت القرآن على إيقاع جميل ومريح, تقول كم هو الإنسان طيب, إن الهند زخرفة متلائمة من الأديان, ولهذا أحلم بزيارة مكة وبيت لحم على أمل الإلتقاء بالبساطة والراحة. ** إن معرضك الأخير الذي على صداه نتحاور حاول أن يقدم مسارك الفني بخلاصة, هل تؤمنين كفنانة بأن إقامة معرض يضمن ممارسة مهمة وفعلية لجس النبض? إنني لا أعتقد أن بإمكان الناس جميعهم أن يحرقوا أعمالهم بعدما أبدعوها, فالفنان مهما كان, يقتدي بنفسه, يضيء عتمات الفراغ في دهاليز إرادته, يملك القدرة الكافية على الرؤيا, لأنه حر, وحريته تمنحه قوة تفوق قوة الرجال السياسيين والعسكريين, لهذا لم يشهد التاريخ -- إلا في بعض الحالات الإستثنائية -- موجة تدمير للأعمال الفنية ولا سيما الرسم, فالفاشيون حافظوا على الكتب وصانوها, والنازيون لم يحرقوا أعمال بيكاسو الفنية في الحرب العالمية الثانية رغم أنهم ينبذونها , بل أخذوها وعزلوها عن الضوء, لأنهم كانوا على معرفة تامة بأنها ستصبح مهمة ذات يوم. ومعارضي التي أقيمها, أعتبرها بمثابة كتاب جامع لأعمالي المرحلية, لا أعتقد أنني سأطبع كل هذه الكتب, لأني أعتقد أن الكتاب الذي يجب أن يبقى قيد النسيان, هو الذي يجب أن يكون منطويا على الحقائق الغريبة والتجارب المهمة, فالكتب التي جمعتها حول أعمالي, أريدها أن تحيا على رفوف عالية جدا وفي مكتبة قديمة في قرية ضائعة ومنسية, ببساطة, إن الناس الفضوليين هم من ينفضوا الغبار عن كتبي, فحبي مقرون بفضولهم وحبهم للإطلاع. إن المعرض مفتوح كتجربة تستعرض مجمل أعمالي, وهي تجربة لا يمكن أن نعيشها إلا بأن نقوم بمسحة بصرية كفيلة بأخذ خلاصة عامة, أما الكتاب فإنه يمنح ذلك الإحساس بالإشتراك مع العمل الثقافي وبتقاسم الهم الفني معا. هذا لا ينفي ضرورة إقامة معرض فالعمل سيموت في ورشته ولا ينفي أن أنعزل عن الورشة قليلا ولا أظل حبيسة له, فالفن حياة, وهو في حاجة إلى أن نقدم له نبضة متواصلة الدقات تحافظ على استمراره. ** سيلفيان, نشكرك على تقاسمك الحديث معنا على صدى معرضك الجميل. و أنا أيضا.
* تعمل أستاذة للفن التشكيلي في المجمع الثقافي لمدينة بوياك, من بين أعمالها التشكيلية والفنية: دراسات, فراشات, أسماك, هنود, كالا غرافيا, مذكرات, مزخرفات القرآن, شاركت في عدة ملتقيات ومعارض وطنية ودولية, وحاصلة على شهادة الإعتراف الدولي للفنون. |
|||||
|
|||||