|
|||||
|
هذا المتصوف الزاهد في محراب الثقافة وهو يخطو الآن في العقد الثامن بعد أن ملأ خزانة المكتبة العربية بروائع الثقافة , فقد عشق الأدب وتزوج من الفلسفة وتناسخت روحه في ترجماته الرائعة التي كانت ومازالت جسرا يصل الشرق بالغرب ,فلن ينسى القارئ العربي أن د.مكاوي هو الذي قدم له برتولد بريشت كاتبا مسرحيا وشاعرا و ايضا جورج بوشنر الذي اعتبره شقيق روحه بالإضافة إلى هيلدرين , أما ثورة الشعر الحديث 1972- 1974 فكانت حدثا كبيرا في ذاكرة الشعر العربي المعاصر من خلال المقدمة والنصوص .. فمن أين أبدأ حين احاور هذا الصرح الثقافي العملاق .. من أستاذ الفلسفة ربيب أفلاطون وهيجل وهيدجر وكانط وهوسرل ونيتشه وكامي أم من الكاتب المسرحي والأديب والمترجم وكاتب القصة..? سوف أبدأ من الطفل الذي كان يجوب المقابر بحثا عن أخويه, فقد و لد د. مكاوي ثالث ثلاثة. وآثر ضلعا المثلث أن يتركا أضعفهما وأكثرهما هزالا بعد الشهر الثاني من ولادتهما, ولقد طارده الشعور بالذنب نحو الشقيقين طيلة حياته منذ أن سمع القصة من فم أمه وشقيقته الكبرى, فكان يطوف المقابر وهو لم يتجاوز العاشرة بحثا عن قبري الصغيرين المسكينين وعن الشبر الباقي له هو والذي أعده المقرئ واللحاد ليسع الجسد الثالث النحيل.(جسده هو) إذ كان المقرئ يظن بان الطفل الثالث سوف يلحق بأخويه ويشاء القدر أن يبقى بعد المقرئ والأم والأب, ولكن الذنب الميتافيزيقي لم يفارقه وظل يسأل نفسه لماذا عشت أنا?, بل وصار يكتب ويعمل ليبرر وجوده ويطلب المغفرة منهما. - سألته في البداية عن هذا الطفل وجولته اليومية في مقابر المدينة وهل هي التي حددت طريقه إلى الفلسفة فيما بعد وخاصة الفلسفة الوجودية? فقال:لازمني إحساس مزمن بالمأساوية وتراجيدية الحياة والقدرية,فأنا ريفي والريفي مسحوق بالقدرية وهي تحيط به كما تحيط (الخيّة) برقبة المشنوق فما كنت أفعله في طفولتي نوع من الإحساس التراجيدي المتمرد على الحياة والثائر على الظلم وعلى مآسي الوجود وشقاء الإنسان وظلمه, واستدرك وأقول إنها ثورة إنسان مكتومة تفصح عن نفسها في بعض القصص والمسرحيات والكتابات النثرية فيما بعد,ورغم هذا مازلت إنطوائيا وسلبيا من ناحية الكفاح. - سوف أختلف معك فالإيجابية تتجلى فيما تكتب أليس كذلك..? لكي أخرج من الاكتئاب كنت أكتب وهذا نوع من العدم , وأنا أقصد المعنى المباشر للسلبية فلم أشارك في مظاهرة إلا كمتفرج أو في الصفوف الأخيرة كمن يمشي في جنازة, فلم أكن أيدولوجيا أو كفاحيا فعالا أو ثوريا بمعنى الانخراط في منظمة, كنت ومازلت خجولا وبعيدا عن الكفاح المباشر. - بدأ د. مكاوي حياته شاعرا وذلك خلال دراسته في المدرسة الابتدائية في (بلقاس) مسقط رأسه وهي مدينة تتبع محافظة الدقهلية, وأيضا بعد انتقاله إلى المدرسة الثانوية في طنطا وفي القاهرة قرر التوقف عن كتابة الشعر والاتجاه لكتابة القصة القصيرة.. كيف حدث هذا ولماذا.? في طفولتي بدأت بالتعرف على الشعر من خلال قراءة الرافعي و جبران والحكيم والمنفلوطي وغيرهم , ولكن حبي للشعر جاء من خلال بائع دخان اسمه رشاد,كان يطوف القرى هو وحماره يبيع الدخان وتوطدت صداقتنا وكان شاعرا جميلا و يحفظ الكثير من الشعر العربي لشوقي وحافظ والمتنبي وكنا نتطارح الشعر أنا وهو في المقابر حيث كنت أطوف كثيرا هناك أو في الحدائق وكان محصوله من الشعر أكثر مني, وفي تلك الفترة كتبت قصائد عارضت فيها شوقي والمعري, وهذا يدلك أنني عندي عيب كبير وهو أنني أتأثر أكثر مما ينبغي..وأعتقد أنني ظلمت نفسي حين قلت أني ظل ولست أصلا, صدى ولست صوتا. - سوف أعترض على هذه النقطة وأقول لك أنه أمر طبيعي يحدث في البدايات دائما وسرعان ما ينتهي. وما أود معرفته لماذا قررت التوقف عن كتابة الشعر.? قررت هذا بعد علاقة حب فاشلة, فكنت أقرأ شعري للمحبوبة وكانت لا تفهم شيئا, فهي لا تحبني ولا تفهم شعري, والحقيقة أن إيماني بعبقرية صلاح عبد الصبور بعد أن عشنا سويا جعلتنى أعرف أنني لست شاعرا . - في كتابة د.مكاوي بدا الحس الشعري موجودا بل وطاغيا في القصة والمسرح والدراسات الفلسفية وحتى في الترجمة وهنا يمكن القول بأنك تخليت عن الشعر في إحدى صوره..? بالفعل فالشعرية تسكن الإنسان ولا تفارقه فهي تسكن اللحم والعظم, وكأن هناك جنيا شعريا يسكن الإنسان كما قالوا قديما, ففي أحيان كثيرة أ تهم بأنني أكتب الفلسفة بعقل شاعر والقصص بروح فيلسوف وقال أحدهم أنني أديب الفلاسفة وفيلسوف الأدباء, وهذا يقلقني أحيانا. - لا أعرف لماذا القلق من هذه المقولات لأنه لا يوجد فصل حاسم أو حدود صارمة بين الأنواع الأدبية والفلسفة , فأنت تعلم أن سارتر في مسرحيته الشهيرة (الذباب) وضع منهجه الفلسفي بكامله فيها فهي على المستوى الفني والبناء الدرامي مسرحية مكتملة وفي نفس الوقت طرح من خلالها رؤيته للوجود والعدم, وهكذا فعل ألبير كامي في روايته (الغريب) والأمثلة كثيرة..! نعم هذا حدث وأقول لك مع السن اكتشفت أن الأدب لا يبدأ بالفكرة و إنما بالصورة أو الموقف أو بالكلمة التي تهز الإنسان. الفكر يجب أن يكون أشبه بالدم الذي يسري في الكائن الحي,بحيث أنه موجود ولا نراه, مثلما كان يفعل ديستوفسكي وتولستوي والمعر ي الذي ظل شاعرا ولم تفسده الفلسفة فعبر عن الحس المأساوي بالحياة بلغة في بعض الأحيان تكون مجردة ولكن لا تشعر أنك أمام فلسفة بل شعر وذلك ينطبق أيضا على المتنبي. وأول من علمني التفكير بالصورة هو جبران خليل جبران حين قرأت له الأرواح المتمردة والأجنحة المتكسرة وأعتقد أنه لا شعر بغير صورة, فلوركا ولد شاعرا لانه يفكر بالصورة وأيضا شكسبير سيد الصورة. - على الرغم من البدايات الرومانسية والحياة مع الأدباء لماذا اخترت الدراسة في قسم الفلسفة.? كان من المفترض أن التحق بقسم اللغة العربية أو الإنجليزية أو الفرنسية ولكن الفضل يرجع إلى د. عبد العزيز المليجي الذي درس لي الفلسفة في المرحلة الثانوية (وفيما بعد أصبح من أبرز علماء علم النفس التحليلى في أمريكا)فقد بهرني وسحرني في قدرته على توصيل رسالته. وفي تلك المرحلة بدأت علاقة حميمة بينى وبين أفلاطون حين قرأت المحاورات,فقد كان شاعرا أكثر منه منظرا وهو من الأدباء الفلاسفة ويقوم في داخله صراع بين المنطق والأسطورة, بين الفلسفة والفن, وفي النهاية عبر عن نفسه في شكل محاورات, وكما قال شيشرون أن هذه المحاورات كان تمثل في العصور الوسطى على خشبة المسرح. ولم أندم على دخولي قسم الفلسفة فقد درس لي زكي نجيب محمود _ يوسف مراد -مصطفى حلمي - أحمد فؤاد الأهواني - عبد الرحمن بدوي. وكان بدوي لايسمح بالحوار أو السؤال, ومع هذا كان في أعماقه طفلا عنيفا متمردا, ولكن هذا جزء من فلسفته التي طرحها في الزمن الوجودى وهو أن يكون الانفصال لا الاتصال بينه وبين الآخرين فهناك دائما فجوة بينه وبين الآخر, كنت أذهب إليه وكان يقرأ باهتمام شديد ما كنت أكتبه آنذاك ولقد استفدت منه ومن زكي نجيب محمود وكل أساتذتي في تلك المرحلة. - ولم يستطع د.مكاوي أن يقتل الشاعر بداخله في تلك الفترة وأعتقد حتى الآن !, فكان يتسلل من قسم الفلسفة إلى قسم اللغة العربية لسماع شوقي ضيف وأمين الخولي وهو يتحدث عن المتنبي لدرجة أنه قال له: (ياولد انت ماجبتش البحث ليه) فقال له د.مكاوي: أنا يامولانا في قسم الفلسفة.. فدعاه لحضور ندوة الجمعية المصرية الأدبية المصرية والتي كان من بين أعضائها صلاح عبد الصبور وعبد الرحمن فهمي وشكري عياد وعز الدين إسماعيل وفاروق خورشيد والذين صاروا أصدقاء العمر فيما بعد. ثم سافر إلى إيطاليا في منحة ثلاثة أشهر لدراسة اللغة الإيطالية وهناك تقابل والشاعر الإيطالي المصري أنجارتي (حيث ولد وعاش في الإسكندرية إحدى وعشرين عاما ) والذي ترجمه إلى العربية منذ سنوات قليلة حيث تعلم هناك الإيطالية. ثم جاءت محطة هامة في حياة د. مكاوي حيث تم تعيينه في دار الكتب في قسم الفهارس ولم تكن الوظيفة هي الحدث بل لقاؤه برئيس دار الكتب وكان توفيق الحكيم. وسألته: قرأ لك توفيق الحكيم في تلك الفترة قصتين ونصحك بالابتعاد عن الجامعة والتفرغ لكتابة القصة فلماذا لم تفعل هذا.? ربما لأنني شعرت بالاختناق والملل في دار الكتب فما أبشع التكرار اليومي في فهرست الكتب دون قراءتها وفي تلك الفترة جاءت المنحة إلى ألمانيا بفضل أستاذي الذي رعاني وهو فرتس شتيبات (f.steppat) في جامعتي فرايبورج وبرلين الحرة وكانت الدراسة الأساسية هي الفلسفة أما المساندة فهي الأدب, وهناك تعرفت على عظماء أمثال هوسرل وهيدجر الذي سمعته يحاضر عن اللغة وإلى جانب الفلسفة درست الأدب الألماني في العصر الكلاسيكي والمعاصر وهناك تعرفت جيدا على توماس مان وبشنر وجوته وهلدرلين. - في طفولتك تعرفت على الأدب الألماني وقرأت آلام فيرتر ترجمة أحمد حسن الزيات وفي سن العشرين تعلمت اللغة الألمانية على نفقتك الخاصة,ثم غرقت في ألمانيا في بحور الأدب الألماني والفلسفة أيضا . ثم كانت أطروحتك في جامعة فرايبورج لنيل رسالة الدكتوراه هي المحال والتمرد عند الفرنسى ألبير كامي..كيف تفسر ذلك..? يبدو الأمر غريبا , ولكني كنت أتمنى أن اقدم هذه الرسالة في فرنسا ولكن المنحة جاءتني إلى ألمانيا, وكامي بالنسبة لي نموذج وقدوة للأديب الفيلسوف والمفكر الأخلاقي, وكنت قد درست في جامعة القاهرة على يد أستاذ قد درس لكامي في الجزائر وهو Gan Grenier وكان مهتما بالوجودية, وحدثنا كثيرا عن هيدجر وكارل ياسبرز وكامي الذي درس له, وكنت قد قرأت معظم رواياته ومسرحياته قبل السفر إلى ألمانيا, ولم أجد ممانعة حين اقترحته, وخاصة أنه في أسطورة سيزيف وجه نقدا لاذعا للفلاسفة الألمان أمثال هيدجر وهوسرل, لأنهم تجاوزوا أسرار المحال وهو يرى أن الحياة ماهي إلا محال..عبث LصAbsurde وكان نقد كامي للفلاسفة الألمان جزءا مهما في رسالتي وهذه كانت أول رسالة بعد رسالة سابقة لها في فرنسا عن فلسفة كامي, وحاولت بلورة اللحظات الفلسفية في أدبه.. من خلال المحال من ناحية وأيضا التمرد وهما لا ينفصلان ودائما في حالة جدل. - بعد العودة من البعثة قدمت للقارئ العربي كاتبين من كبار كتاب المسرح الألماني بل والعالمي وهما جورج بشنر وبرتولد بريشت وأيضا الشاعر هلدرلين والثلاثة ينتمون للمدرسة التعبيرية وإن كان بريشت كان ينتمي إليها في بدايته.. فلماذا الانحياز لهؤلاء والتعبيرية.? أنا أحب التعبيرية,ونحن كعرب نميل دائما إلى المطلقات, ولم نتعلم بعد الاهتمام بالتفاصيل والدقائق إلا قليلا عند نجيب محفوظ ويوسف إدريس و إدوار الخراط , فمازالت تغلب علينا التعبيرات اللفظية الرنانة المطلقة, وتغيب عنا التفاصيل التي يتعلمها الإنسان من خلال العلم والفن, فعلى سبيل المثال يمكن أن يصف توماس مان أوجونتر جراس بابا أو نافذة في صفحة أو يصف ملامح وجه في صفحات, ونحن عندنا نكتفي بأن نقول وجه متجهم وكفى, فنحن لم نتعلم بعد كيف نبصر. وكلاهما بريشت وبشنر خاض معارك حقيقية وثورية, وكنت قد بدأت قبل السفر إلى ألمانيا قراءة أشعار بريشت وبعد أن سافرت ترجمت له عشرين قصيدة وأرسلتها للدكتور حسين فوزي ونشرها على الفور, ومن الطريف أنه عندما تحدد موعد الامتحان كان لابد من اختيار العصر الكلاسيكي مع الإلمام بالعصر الرومانسي وبعد مناقشات كثيرة اخترت كافكا وبريشت. - كيف وكلاهما يختلف عن الآخر تماما .? نعم.. ولكن أحدهما يوافق طبيعتي الإنطوائية وهو كافكا بكوابيسه وأحببت أسلوبه الموضوعي وكأنه أستاذ فيزياء وأديب في آن, على العكس من بريشت فهو بعيد عن الباطن تماما ومهتم بإيقاظ الوعي واهتمامه بالمسرح التعليمي وثورته على الأوضاع القائمة, فالطرفان جزء من طبيعتي الثورية والمحبطة, فتجدني الآن محبط وغاضب من كل ما يحدث لنا كعرب فنحن نذبح مفتوحي الأعين, وفي نفس الوقت نسينا ما يسمى بالغضب حتى المثقفين لا يمكن تبرئتهم, والشعوب العربية لا حول لها ولا قوة فهي عجينة يمكن أن تتشكل من خلال الساسة, أسأل نفسي كثيرا أين الغضب وخنزير بري مثل شارون يذبح شعبا عربيا, فهذا شيء مهين, وأنا كمثقف أشعر بالإهانة وأنا لست من أنصار الثورة الفوضوية لأي غرض فقط أؤمن برأي ديستوفسكي الذي أكده كامي.. وهو أن العالم كله لا يستحق أن يموت من أجله طفل بريء, والعالم العربي أصبح مقبرة جماعية,لأننا أصبحنا سماسرة.. سماسرة لكل شيء حتى للعلم والفن, نحتاج علما حقيقيا وفنا حقيقيا. - قبل أن نترك جورج بشنر وبريشت لدي بعض الأسئلة أولها.. لماذا قلت في الدراسة التي كتبتها عن بشنر حول مسرحه أنه شقيق الروح.? لانه ثوري محبط مثلي وعدمي مات ضحية الثورة من أجل الشعب المسكين, وأدان المثقفين الذين يتحدثون عن الحرية والمساواة في حين لا يجد الفلاح البطاطس ليقتات بها ولا يجد اللبن لطفله, وكان يقول هؤلاء بعيدون تماما عن الشعب. وهنا أود أن أقول لكي نكون ثوريين بحق لابد أن نهتم بالبنية التحتية, فمن الصعب أن يكون الإنسان ثوريا أو وطنيا وهو لا يمتلك قوت يومه.. لابد من تحقيق أدنى الشروط الإنسانية ثم نتحدث فيما بعد عن الوطن. - وهنا أتذكر ما قاله بشنر وهو على فراش المرض في رسالة بعث بها إلى صديقه أوجست شتوبر يقول فيها : الظروف السياسية تكاد تصيبنى بالجنون. الشعب المسكين يجر في صبر العربة التي يمثل عليها الأمراء و أدعياء التحرر ملهاتهم.. نعود إذن إلى بريشت وأسأل د. مكاوي الذي قدم بريشت للقارئ العربي لماذا لاقى مسرحه الملحمي والتعليمي صدى طيبا لدى القارئ أو المثقف العربي وتأثر به الكثير من كتاب المسرح العربي? أعتقد لأسباب عديدة منها أن المسرح الملحمي أو السردي قريب من المأثور الشعبي العربي وأيضا يعطي بريشت من خلال المسرح الملحمي والتعليمي شكلا يتيح للكاتب الهروب من المسرح التقليدي وهذا يعطي للكاتب حرية دون إعفائه بالطبع من المفردات الأخرى مثل الصراع والحدث.. أيضا يعطي فرصة للخروج عن النص وكأنه يعطي فرصة للعقل أن يكون نقديا وكأنه يقول هذا الواقع الذي نراه لا يجب أن نرضى عنه ويجب أن نثور عليه - هل حقق بريشت هذا في كل مسرحه.? لا أعتقد ذلك فهو حقق هذا في بعض المسرحيات, مثل الاستثناء والقاعدة وغيرها, أعود إلى تأثيره على المسرح العريي, ربما لحاجتنا لشيء من النقد لظروف حياتنا وعدم الرضا الموجود في تراثنا, وبرشت يلبي هذا والذي أثر على فنه أنه حول الماركسية إلى فن ولم يكن ماركسيا, حولها إلى مسرح وجعل فلسفته تتخذ ثوب شخصيات مسرحية وهو الذي تشرد كثيرا في المنافي وحين عاد إلى ألمانيا كان يسكن في نفس المسرح والذي كان يطل على مقبرة هيجل وأوصى أن يدفن إلى جواره وهذا ما حدث , وكان دائما يقول على الكاتب أن يسأل نفسه, ماذا سيكون رد فعل القارئ على هذه العبارة أو تلك وهل ستدفعه إلى تغيير الواقع, أو في أضعف الإيمان تغيير وعيه, فإذا كان الرد بالنفي فلاداعي لنشر هذه العبارة. - كتب د. مكاوي العديد من المسرحيات ومنها: الانتهازيون لا يدخلون الجنة - الموت والمدينة - المرحوم - الكنز - السيد والعبد - ملحمة جلجامش - الطفل والفراشة.. وغيرها ورغم أنك الذي قدمت بريشت ودرسته جيدا لم يتأثر مسرحك به إلا في أحيان قليلة.. لماذا.? على الكاتب أن يكون نفسه أولا, وربما يرجع هذا إلى حبي للمسرح الكلاسيكي مثل جوته وشيلر وبالفعل أغرى المسرح الملحمي الكثير مثل عبد الرحمن الشرقاوي وسعدالله ونوس وسعد وهبة ويوسف إدريس وألفريد فرج وغيرهم. وربما أيضا يرجع هذا إلى أنني رجل عاطفي ومنابعي رومانسية ولا أستطيع أن أتنكر لها وأخيرا أنا أعيش في محيط اجتماعي ولحظة تاريخية مختلفة وبالتالي مسرحياتي ستكون مختلفة. - يبدو أنك لم ولن تتخلى عن الشعر ويبدو أن شيطان الشعر الذي يسكنك لم ولن يفارقك إذا تجلى هذه المرة في كتاب ثورة الشعر الحديث من بودلير إلى عصرنا الحالى والذي كان هو بمثابة ثورة في الأوساط الثقافية وخاصة بين الشعراء (1972-1974 ) من خلال الجزء الأول الدراسة والثاني النصوص..ما أرغب في السؤال عنه هو أن ثورة الشعر الحديث في أوروبا ارتبطت بثورات أخرى في شتى مفردات المجتمع..فماذا كنت تتوقع بعد صدور الكتاب للشعر العربي في واقع مختلف تماما.? في أوروبا كلمة التنوير أنتجت عصر التنوير, فحين حدثت ثورة الشعر في أوروبا سبقتها ثورات متعددة الجوانب فمع الثورة الصناعية انهارت أنظمة ميتافيزيقية ومنطقية ودينية بل وانهار نظام العقل نفسه, وخاصة بعد الحرب الأولى.. نعم حدث تنوير للعقل الأوروبي وعرف مبادئ الحرية والمساواة, وإذا قارنا بعالمنا العربي سنجد أنه لم تكن لدينا ثورة صناعية بل مصانع مستعارة وقس على هذا في كل شيء , وأقول لك أن هناك ثورات شعرية فردية في عالمنا العربي مثل الجواهري والبردوني والبياتي وصلاح عبد الصبور ومحمود درويش والسياب وغيرهم ولكنها كما ذكرت ثورات فردية وأيضا الاستجابة ضعيفة لأن الأديب العربي يصرخ في البرية وصوته لا يؤثر في بنية المجتمع.. لماذا.? لأننا دائما نصطدم بسلطة لا تحب التغيير ولا تريده حتى للأفضل لمصلحتها وهذا يعكس المصير الذي آل إليه الشعب العربي. - من الفلسفة الإغريقية إلى المثالية الألمانية مرورا بالوجودية رحلة طويلة ممتعة وشاقة قطعها د. عبد الغفار مكاوي تلميذا ومعلما وشارحا ومترجما ومحللا.. فماذا فعلوا بك وكيف وجدتهم.. فهل وجدت ثوريا محبطا اعتبرته شقيق روحك مثل بشنر أو شبيهك مثل هلدرين..? هيراقليطس هو الأقرب إلى قلبي وأكاد أقول أنه هو نيتشه القرن التاسع عشر واسميه الفيلسوف الباكي, ثم أفلاطون صاحب الشخصيات المتعددة فهناك أفلاطون في محاورات سقراط وهي مرحلة الشباب ثم أفلاطون الوسط والكهولة والشيخوخة فهو نفسه تطور جدلي إذا صح كلام هيدجر عنه إذ تمت على يده النقلة الصعبة من التفكير في حقيقة الوجود إلى العقل.. العقل الإنساني الذي أصبح المحك في التمييز بين الصواب والخطأ على أساس قياس كل شيء ناقص في عالمنا على الأصل وهو المثل, وقد عشقت أفلاطون لأنه يمثل الصراع بين الفلسفة والفن.. فالفلسفة عنده طريق وليست هدفا نهائيا. وهناك نيتشه وكانط أما هيدجر فلا أجد له نظيرا في استيعاب الفلسفة, وأقول لك أنني لا أملك قدرة التنظير,فقط التعاطف مع النصوص وشرحها للطلبة..كيف يفهمون أسلوب التحول فالفلسفة فن طرح الأسئلة. وأثناء قراءتي للفلسفة أفكر في تحويلها إلى أعمال فنية والآن أنا مشغول ببعض القصص عن حياة ومواقف بعض الفلاسفة. - وليس غريبا أن يصف د. مكاوي علاقته بالنصوص الفلسفية بالتعاطف معها أو التفكير في تحويلها إلى قصص تتناول حياة ومواقف الفلاسفة, فهو يعتبر أن الترجمة المبدعة الموفقة نوع من الفعل الصوفي أو التضحية بالذات في سبيل الآخر - وهو النص الأصلى وعالمه- وأنها كما يقول شبنهور: نوع من تناسخ الأرواح. وسألت د.مكاوي عن المناهج الفلسفية الجديدة والتي رفض أصحابها إطلاق صفة الفلسفة عليها مثل البنيوية والتفكيكية وموقفه منها.? فقال: بكل صدق أحسست أن البنيوية جاءت بعد أن كبرت في السن وتم تكويني, قرأت فيها ولم أتحمس لها.أما التفكيكية راجعت بعض الأبحاث فيها فوجدت أن جاك دريدا رجل مسفسط,ربما يكون أديبا ولكن بالنسبة لي فهو مخرب. وأنا لست ضد معرفة أي إنسان ولكن علينا أن نحكم عقلنا النقدي. - سؤال قديم جدا ولكن لابد أن أسأله للدكتور مكاوي عن الفلسفة العربية التي لفظت أنفاسها الأخيرة في كتاب تهافت التهافت.. فلماذا كان ابن رشد آخر الفلاسفة.? إغلاق باب الاجتهاد, وانهيار الدولة الإسلامية إلى دويلات كان له التأثير الأكبر, وأنا لست مع هذا الرأي أي سؤالك, فمن يسأل هذا السؤال يتوقع أو يتخيل فيلسوفا كبيرا بالمعنى الشامل وهذا انتهى مع هيجل فهذا النوع لم يعد مطلوبا أو ممكنا, ولدينا اجتهادات كثيرة فهناك فؤاد زكريا وزكي نجيب محمود وعبدالرحمن بدوي والجابري. - في ظل هذه الأوضاع كيف ترى مستقبل الثقافة العربية.? البداية الحقيقية أن نؤمن بضرورة الثقافة وأنها مسؤوليتنا جميعا وليست ديكورا أو ضوضاء ومؤتمرات كما يقولون ويفعلون أيضا..إنها عطش حقيقي وجوع حقيقي للحرية والعدل والثقافة هي طوق النجاة الوحيد - وأخيرا سألته من هو الإنسان..? قال لي هذا سؤال الأسئلة..الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يقاوم الموت بكل أشكاله وهو الإنسان الذي يواجهه الموت بكل أشكاله المختلفة, ويؤكد مجد الحياة والعقل والحرية لما يبنيه من حضارة وما يبدعه من فن وأدب وكأنه كائن يتحدى الموت دائما وكأنه يقول للوجود إذا كنت سأنتهي للعدم ولكنني لست عدما وسأترك ما يدل على وجودي. |
|||||
|
|||||