محمد السرغيني
من عاب تصويف الكتابة الشعرية زمن سيادة الالتزام,
عاد إلى هذا التصويف زمن انحسار هذه السيادة

 

تقديم وإعداد: حسن الغرفي


تقديم

محمد السرغيني علامة بارزة في حركة الشعر المغربي المعاصر, وواحد من أهم الأسماء الشعرية العربية في حداثتها الراهنة, باعتبار أن منجزاته من أهم التجارب الشعرية في الوطن العربي.

فمنذ بواكيره الاولى, تلك التي تعود الى نهاية الأربعينيات وبداية الخمسينيات, ابتدع الشاعر محمد السرغيني صوته الخاص, ومضى جاهدا في سبيل تطويره عبر تجربته التي امتلكت منذ البدء خصوصيتها وريادتها. ومن ثم كان - ولا يزال- صوتا مغايرا لكل الاصوات الشعرية التي جايلته أو جاءت بعده.

وفي الشعر كما في باقي كتاباته, يظل النص الذي يكتبه محمد السرغيني عصيا متمردا لا يسلس القياد للقارئ وللناقد معا إذا لم يكونا على بينة من مفاتيح مغاليقه. من هنا فإبداعاته شائكة ومشاكسة, وتحتاج الى قارئ من نوع خاص مدجج بمعرفة شمولية, لأن ابداعاته- بشهادة الجميع- في غاية الثراء وعلى مستوى فكري بالغ العمق.

في هذا المجال, نسجل أن محمد السرغيني كمثقف من طراز خاص, استطاع باقتدار كبير تحقيق تلك المعادلة المفقودة بين الشعر والفكر, وذلك منذ اقتحامه لمناطق الفكر الشعري التي هي مناطق نادر من اقتحمها في شعرنا المغربي المعاصر.

أمام تجربة عريضة وعميقة كهذه, وسواء أكان ذلك على مستوى الرؤية أم على مستوى الكتابة, فإن قراءتها ومقاربتها ليستا بالأمر الهين, ذلك انهما تتطلبان كثيرا من الجهد والروية والدراسة العميقة, من اجل ادراك بعض أبعادها الفنية وقيمتها الجمالية ورموزها الحضارية ادراكا لا يخطئه الاستيعاب.

وفي هذا الاطار فاننا نعتقد أن مجالسة الأستاذ الدكتور محمد السرغيني وفتح حوار/ حوارات معه, تصبح ولا شك ذات فائدة كبيرة, من أجل هذا كان هذا اللقاء معه فرصة سمحت بالإصغاء إليه والاقتراب منه وهو يلقي بعض الضوء على مشروعه الشعري المتميز البالغ العمق والتركيب, كما وهو يدلي بالعديد من الآراء ذات الأهمية الخاصة, لعلاقتها بمتونه الإبداعية وبالواقع الأدبي/ الفكري المعاصر.

مقدمة بقلم الشاعر:

أعتقد أنه من الأليق أن أبدأ بالحديث عن مشكلة تخصني بالدرجة الاولى وهي أن الذين يقرأون شعري يجدون عنتا  كبيرا  جدا  في التوغل في مضامينه وفي فهمها. ويرجع ذلك الى سببين: الاول هو انني باعتبار تكويني الفلسفي السابق, لا أرى فصلا بين ما هو شعر وما هو فلسفة. والثاني هو أنني إزاء هذا الوضع الذي انحدرت إليه اللغة العربية في الكتابة, (هذا يخص جميع الأجناس الأدبية) أجد أنني مدعو إلى احترام هذه اللغة عن طريق احترام قوانينها ومعاييرها. ولذلك عزوت استعصاء فهم ما أكتب من لدن قرائي الى انجذابهم إلى تيار العجمة, ذلك الذي كان بتأثير أساليب اللغات المعايشة للعربية الآن. لذا اعتقدت انه على الانسان أن يكتب بلغة تستمد من القديم مقوماتها ومن الحديث كل قدراتها. فإذا استطاعت هذه اللغة ان تزاوج بين الحسنيين, فان الأمر يكون جيدا. وفي هذا المجال بالذات, إذا حاول الانسان أن يحصي على الذين يكتبون بالعربية الآن في المغرب (دون تعميم لأن فيه مجافاة للمنطق) ما يقعون فيه من الهنات ومردها الى تأثرهم باللغات الأجنبية تأثرا  دالا على انهم ألفوا هذه العجمة حتى استحال عليهم ان يتوغلوا في مقروئهم العربي فيفهموه, كما جعلهم اذا أرادوا أن ينقلوا عن غيرهم ان يتوخوا دقة النقل. وليكن ذلك على الأقل في البنية العامة للغة, تلك المتعلقة بنظام الجملة فيها, فالكتبة في كثير من الاحيان يلغون نظام الجملة العربية ويتبنون نظام الجملة في اللغات الاجنبية. فهم يعيدون الضمير على متأخر لفظا ورتبة, وهو شيء غير وارد في اللغة العربية, ويعطفون اسم الموصول ولم يسبقه اسم موصول يصح عطفه عليه. (Et qui) إنني أتوفر على جرد كبير بهذه الاخطاء التي يقع فيها هؤلاء الناس منساقين الى مظان تأثرهم.

هناك نقطتان اثنتان هما عقلنة الشعر ووجدنة الفلسفة, أحاول احترامهما وأصوغ ما أصوغه على هدييهما بطريقة توطد العلاقة بين هذين المحورين المتعارضين. لقد مر ذلك الوقت الذي كان الناس فيه يعتقدون أن جميع أنواع الشعر تمتح من الوجدان لا من غيره. لكن جاء الوقت الذي نعلن فيه بالفم العريض أن الشعر يمكن أن يمتح من العقل. وهذا لا يعني استبعاد الوجدان بصفة نهائية, بل يعني تزاوجا بينهما تكون فيه نسبة العقل اقوى من نسبة الوجدان. نعم, كيف يمكن أن يقع التزاوج بين هذين المتعارضين? هنا يكمن اساس المعادلة, وهو أن يكون الانسان ملما بأحوال الشعر قديمه وحديثه, وأن يكون كذلك ملما بالأهم من الاتجاهات الفلسفية, وهذا الالمام المزدوج من شأنه مع الممارسة أن يمهد الطريق أمام الشاعر. وبصفة سريعة, يلتقي الشعر بالفلسفة فيما يأتي: في المحاكاة, في المسافات, في المساحات, في الكثافات. إنني لا أقصد بالمحاكاة معناها الاغريقي عند ارسطو وافلاطون, في حين أقصد بالمسافات تأرجح الشعر بين المحسوس واللامحسوس, وبالمساحات الظاهر والباطن, وبالكثافة القول والتصور. وتتم المحاكاة عبر المقولات الارسطية وهي الجوهر والكيف والكم والعرض والفعل والانفعال والزمان والمكان والملك. لاحظوا معي جيدا كيف أن هؤلاء الذين يتشدقون بالبنيويات من العرب المعاصرين, وهي نوعيات وأشكال, يستغلون كثيرا من هذه المقولات لكنهم لا يشيرون إلى أصلها الارسطي, وذلك بجعل هذه المقولات تنصرف الى الواقع والى الممكن والى المتخيل, كما تنصرف الى هذه الأشياء بواسطة الحس أو بواسطة الحركة أو بواسطة النقلة Le deplacement أو بواسطة الاحتياز في المكان أي في التمكن فيه.

وفيما يتعلق بالمسافات فان هناك منها مسافة المحسوس ومسافة اللامحسوس ومسافة الحقيقة التي لا أعني بها مدلول La verite بل أعني بها مدلول الحقيقي Le sens propre وهو ما يقابل المجاز. وتكون مسافة المحسوس متقطعة, لأن المدرك حينما يدرك بحواسه شيئا فان ذلك الشيء له بداية ونهاية يسترسل ما دام مبتدئا وينقطع ما وصل الى نهايته. أما مسافة اللامحسوس  فهي ممتدة دائما وتدرك عن طريق التقابل بالمقابلات المعرفة في المنطق الارسطاطاليسي, كالتضاد والتناقض. ولولا أن الوقت لا يتسع لهذا, لأمكننا أن نفصل الكلام فيه. أما مسافة الحقيقي فتبتدئ من المحسوس ويكون آخرها أول مسافة المجاز الذي لا نهاية له. وبالطبع, فحين يقتحم الشاعر هذا العالم, لابد من استعانته بكثير من هذه النظرات العجيبة التي تحفل بها بلاغتنا العربية القديمة, كقضايا المجاز والاستعارة والكناية وشروط هذه جميعا, مما له مساس بالقرينة, تلك التي تسوغ للشاعر الانزياح (وإن كنت أفضل على هذا المصطلح مصطلحي العدل أو العدول) أما المساحات فهي أولا مساحة الظاهر وتتعلق بسطح المعنى, وهي ثانيا مساحة الباطن وتتعلق بما تحت المعنى او ما فوقها Le surrealesme . وهذا يعني أن كل ظاهر له تحت وفوق, كما له قبل وبعد. كما يعني أن اللغة اليومية التي نتعامل بها لا قبل لها ولا بعد, لا فوق لها ولا تحت, لا طول لها ولا عمق, لأن معانيها تدل على مسمياتها بالضبط لا تزيد عليها شيئا. هنا نفتح هلالا فنقول: ان الظاهر والباطن لهما مدلول فقهي وكلامي, (ابن حزم وأهل السنة) لكنهما عند المتصوفة يعنيان شيئا آخر. كما أن لهما في الثقافة الغربية مداليل عجيبة, Esoterisme جعلت فرويد ينحو بهما منحى نفسيا أدى به الى اكتشاف اللاوعي La subconscience . وهناك معنى آخر لهما, وخاصة بالنسبة الى الشعر في أوروبا بصفة عامة. والحقيقة أن الباطن لا يقف عند حدود المجاز بمستوياته كلها, بل يتجاوزها, ومن ذلك الباطنية الرامباوية, وهي باطنية حروفية, إذ المعروف فيها أن بعض الشعراء كان يلعب بالحروف, مثال ذلك انه كان يبدأ البيت الأول من بعض قصائده بحرف من كلمة معينة يبدأ البيت الثاني بحرفها الثاني, وهكذا دواليك الى تمام الكلمة عند تمام القصيدة, مما يجعل الحروف <<الاول>> في بداية الأبيات ذات معنى اذا قرئت عموديا. أما الباطنية التي أقصد إليها فتأخذ من كل ما ذكرته مما يخدم مصلحتها, وتطرح ما يجعلها منتسبة الى معنى فقهي او كلامي أو صوفي أو فلسفي أو نفسي أو بروطوني او رامباوي. أنتقي من كل هذه ما هو بعيد من الدلالة عليها, واحتفظ منها بما يساعدني على اتخاذ سبيل خاص بعيد عن الزج بي في متاهة هذه العلوم وتلك الاتجاهات, أي انني استعمل منها المشترك العام واستبعد منها ما هو خاص بها. ان هذا التصرف واضح جدا في أعمالي الشعرية.

ومهما يكن الأمر, فان آخر نقطة في التقاء الشعر بالفلسفة تتجلى في مسافة الروحي, وهي مسافة لها علاقة بالجانب الصوفي الذي يعنى بتقليص المسافة بين المادي والروحي عن طريق تغليب الثاني على الأول في عملية تدجين قائمة على التزام صارم. نجد أمثلة لذلك عند المعري, وخاصة في قصائده التي كتبها بعد رجوعه من منفاه البغدادي, وعند الشاعر هولديرلن, ذلك الذي ترجم شعره الى العربية, فهو ميسور يمكن الرجوع إليه.

أما مساحة المادي , فهي على العكس من مسافة الروحي, إذ أنها لا تربط الروحي إلا بالوجدان ولا تذهب به الى الحد الاقصى من الشفافية, على أساس أن  بالمادي قوام الحياة. يتجلى ذلك عند المتنبي الذي دارت كل حكمته حول أناه كأنها محور الأشياء, كما نجدها عند نيتشه في شذرياته الفلسفية النثرية القريبة من الشعر, فكلها ذات اشعاع يشيد بالمادة وبالمادي, وهذا واضح في كتابه; هكذا تكلم زرادشت الذي جميعه رموز وكله تكثيف.

وهناك مساحة اخرى هي مساحة الانطولوجي (علم الوجود بما هو موجود) تلك التي تبدو في المساءلة الدائمة, ذات الصدى المتقطع. مساءلة الكون, مساءلة الإنسان, مساءلة الماضي, مساءلة الحاضر, كل ذلك من أجل استشفاف المستقبل, وهو ما نجده عند كل من هايدجر وهيجل, وخاصة فيما يتعلق بهذه الثنائية, ثنائية الصورة والظل, ذلك ان كل حد من حديها وجوده مرتبط بوجود الحد الآخر.

وهناك أيضا مساحة الفكري, وهي تلك المساحة الشاسعة التي تجعلني أرى- وقد أكون مخطئا, لكنني لحد الساعة مقتنع بما أقول - وجوب وقوف الشعر عندها, لماذا? لسبب بسيط هو ان هذا الشعر لم يوجد عبثا, لم يوجد لبكاء على ميت أو على طلل دارس, وإنما وجد لغرض ذوبان الذات في الذات, أي أنه تصوير للذات الجمعية من خلال الذات الفردية. إذا كان الشعر بهذا الحجم من الأهمية, فلا بد من تدخل الفكر فيه بدل محايثته. وهناك مساحة اخيرة هي مساحة التداعي, ونعني بها أن الآني يستدعي تصور شيء آخر مناقض له, وقد يعني تصور شيء يستحضر شيئا آخر طلبا للكثافة, تلك التي تتعلق بالقول وبالتصور, وبتدرج الفعل الشعري في التنامي, وبكثافة استعمال اسلوب المصادرة على مطلوب, وبكثافة حرق العادة الذوقية والمعجمية والأسلوبية, وبكثافة الغموض, وبكثافة الإبهار, وبكثافة العلامات اللغوية الاخرى. وأعني بالكثافة ان يكون القول محكم البناء وفقا للأصول التي درجت الاجيال على احترامها. وأعني بها تدرج الفعل الشعري من الجنينية الى استواء الخلق, مما يشي بتكونه ثم ميلاده ثم ترعرعه ثم وصوله الى مرحلة النضج, وهذا ما يصور السيرورة الشعرية عامة او خاصة تصويرا يسهل وضعها في نسق عام او خاص. وأعني بها مصادرة على مطلوب أن تكون غير خاضعة الى قوانين الطبيعة بالتعبير عنها بما هو مألوف في اللغة, بل ان تعمل على بحث العلاقات التي تربط بين مفردات اللغة مما حدده القدماء, وتحاول تجاوزها. إن هذا الكلام لا ينافي ما سبق أن قلته من أن كثافة القول تقتضي احترام القواعد, لأن بنية اللغة تقوم على مثل هذا الاحترام. ومن ان كثافة المصادرة على مطلوب تتعلق بكيفية استعمال اللغة, ومن ان كثافة خرق العادة تعتمد قانون التجاوز وتطرح قانون الثبات, إذ يمكن أن يقال: وضعت الشجرة بعد مخاض, رغم أن الوضع والمخاض راجعان الى المرأة. لا ينافي كل هذا ما سبق وان قلته عن وجوب احترام المعايير  اللغوية, ذلك أنني أقصد بالمعايير المعايير الاساسية, اما المعايير الثانوية فهي التي ينبغي تجاوزها بجميع أنواع الكثافة.

وهناك اخيرا كثافة الغموض, اذ منها الرديء ومنها المستحسن, فهي إذن نوعان: غموض مجاني يميل إليه المبتدئون لانهم يعتقدون أنهم عبره يستطيعون ابهار المتلقي. اما النوع الثاني فهو ذلك الغموض الذي هو جزء من بنية القصيدة, بحيث لا تكون إلا به. روي عن بعض الشعراء القدامى حين سئل عن غموض صوره, لم تكتب ما لا يفهم? فأجاب: لم لا تفهم ما يكتب. وبيكاسو نفسه حين طلب منه في مرحلته التكعيبية: ماذا تعني هذه الاشكال التي ترسمها? أجاب: <<لا يتطلب الرسم الفهم بل النظر الثاقب>> الذي يكتشف الانسجام بين  العناصر المكونة للوحة, اذ به تحدث الفائدة. ان قضية الغموض حقيقة قديمة وجد شائكة, ولا يمكن أن ترى إلا من خلال النوعين معا. من القدماء من كان يتكلف الغموض, ومنهم من كان غموضه جزءا من بنية قصيدته, ومؤدى القضية من جهة اخرى ان الشاعر الذي يركز في قصيدته على صورة واحدة ينوعها في كل أبياتها, هو شاعر مصاب بإسهال كتابي, ذلك ان المفروض في القصيدة ان تتحرك ضمن مجموعة لا متناهية من الصور تخدم غرضها العام. كيف ذلك? هناك طريقة سهلة يلتجئ كثير من الشعراء إليها, وهي الاكثار من أدوات العطف للتوصل الى الانتقال من صورة إلى أخرى , وهذا يسقطنا في الغموض الاول اي الغموض الناتج عن التمطيط. أعتقد أن أعدى أعداء الكتابة الشعرية القومية هو الالتجاء الى حروف العطف وإغراق المكتوب الشعري بها. يمكن تفادي هذه الحروف بالتقليل من استعمالها او بعدم استعمالها بالمرة, عن طريق وضع بعض الصور بين هلالين كبيرين أو بين سطرين صغيرين, أو أن يترك الأمر على حاله بدون عطف, والقارئ اللوعي يحاول باجتهاده وبما له من دربة على قراءة الشعر أن يكتشف العلاقة بين الصور المتلاحقة التي تخلو من حروف العطف او من أي رابطة لغوية أخرى. على ان هناك حقيقة كما تنصرف الى الشعر المعاصر, تنصرف الى الشعر القديم, وهي أن كل نوع من الشعر له نوع خاص من قرائه المقبلين عليه التاركين لغيره. ينال الشعر ذو  المأخذ السهل من القراء اولئك الذين معارفهم جد متوسطة, وهم كثر, وهذا شأن قراء نزار قباني. وهناك الشعر المحكم المحكك الذي يتطلب في قارئيه معرفة اوسع وتدبرا أكثر, فهم قلة من الذين تمرسوا بقراءة الشعر وفهمه, إذ لهم من الحس ورهافة الفهم ما يستطيعون به ان يصلوا الى مغاليقه. وهنا لا يجب أن نعطي لمدلولي الانبهار والابهار ذلك المعنى المجاني, ولكن نعطيهما معنى الصراع الذي يجب أن يكون قائما بين الشاعر وقارئه, وهو صراع سلمي مأتاه أن الشاعر يريد أن يتعب قارئه قبل ان يصل هذا الى فك رموز القصيدة. ان قراءة الشعر المحكم المحكك تستلزم هذا الصراع الحيوي الذي يجمع بين الشاعر وقارئه.

وهناك كثافة العلاقات اللغوية التي يتيحها الشاعر تمكنه من اللغة التي يكتب بها وحسن استغلاله لها. وبالنسبة الى اللغة العربية, فانها تتمتع بما لا يحصى من هذه العلاقات لاتساعها وغناها المعجمي, وهذا شيء ينبغي أن ينو ه به. ان جودة استغلال الامكانات اللامحدودة لهذه اللغة, تلك التي يتيحها للشاعر تعدد اشكال بنيات الجملة تلك التي تتيحها وفرة المترادفات الدالة على الشيء الواحد في أطواره المختلفة, تلك القابلية العجيبة التي تمتلكها العربية, قابلية التكيف مع الجديد بسبب من اتساع باب الاشتقاق.

الحقيقة أنني بهذه المقدمة حاولت أن افتح باب الحوار في وجوهكم, وحسبي  أنني عبرها قد استطعت وضع اليد على مكامن فهمي للشعر وعلى طريق ممارستي كتابته. فهل يمكن أن يكون ما قدمته لكم مقدمة لما تريدون طرحه من الاسئلة المتعلقة بما قلته او بما كتبته. ولكم اوسع النظرة.

الحوار:

* : . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

*: ان هذا التصور في الحقيقة كما ينصرف الى الشكل ينصرف الى المضمون. وفي بدايتنا يوم كنا في سن الزهور أي في سنكم, أي في منتصف الاربعينيات وبداية الخمسينيات, كان شعر المهجر هو اقوى ما حققه الشعر العربي المعاصر من التطور, وكان المغاربة مقبلين عليه قراءة وتفهما وكتابة, وما ديوان <<أحلام الفجر>> إلا دليل على هذا. ولم يقتصر الميل الى الشعر المهجري على المغاربة وحدهم, بل امتد حتى شمل العالم العربي كله. جماعة ابوللو في مصر, ابراهيم العريض في البحرين, عبدالكريم بن ثابت وعبدالمجيد بنجلون ومحمد الصباغ وعبدالكريم الطبال وغيرهم. لكن لا بد من التمييز بين هؤلاء, بين جماعة ثقفوا العربية فقل التقليد المهجري في شعرهم, وجماعة لم يكونوا على إلمام باللغة وأدواتها فكثر ذلك التقليد. والحق أن شعر المهجر يقوم على دعامتين اثنتين: الانسان والطبيعة. الانسان في علاقاته بالانسان وبالله وبالدين. والطبيعة ذات الفاعلية في الانسان المتكيفة مع أحزانه وأفراحه.ففيما يتعلق بالانسان نلاحظ الأثر المسيحي واضحا, الى درجة ان ايليا ابوماضي وميخائيل نعيمة وجبران كانوا يدعون الى الحلول, وهو ما دعا إليه سفر التكوين من أن الله خلق العالم على صورته. وفيما يتعلق بالدين, كان هؤلاء المذكورون يؤمنون بتعدد الطرق الموصلة الى الله, فكل يتخذ له طريقا منها, وهكذا فالاديان جميعا تنتهي عند قطب واحد. وبالنسبة إلي  شخصيا, كان هناك منزلق يقع فيه من قلد الشعر المهجري, هو أن يحذو حذوهم في رؤيتهم للدين وللانسان وللطبيعة, وشعورا مني بخطورة هذا المنزلق, فقد عوضته بالتأمل في حالة المغرب وقد كانوا يومئذ مستعمرا, لذلك انصبت وجدانياتي على الوطن في علاقاته بالحزبين السياسيين اللذين صنعا استقلاله, وفي علاقاته بالكوني بصفة عامة, كل ذلك تم عن طريق الترميز حينا, وعن طريق المباشرية حينا آخر.

في هذه الفترة , كان هناك شعر بهذا المعنى, وكان هناك شعر رياء أثرى به بعض الاشخاص الذين احتضنتهم الحركة الوطنية في أول الأمر, أي من الاربعينيات الى مطالع الخمسينيات. وحين ذهبت الى باريس أخذت اكتشف ما حولي, فوجدت ان مثل هذا الشعر لم يعد صالحا للتعبير عن راهنية الذات الشاعرية في هذا الكون, ذلك ان مجموعة من المشاكل تصطرع داخله, ومجموعة من الايديولوجيات تقترح لإنهاء ما يصطرع فيه. ولذلك, اصبح من الضروري البحث عن طريقة للكتابة الشعرية تقوم على التعريف بالانسان الذي يصارع من أجل البقاء. يصارع النظم السياسية التي تسير في اتجاه معاكس لطريق التقدم, يصارع المستغل. فكان ان دخلت بهذا الى مرحلة واقعية من سوء الحظ مسطحة نزل فيها الشعر عن كثير من رؤاه حين تنازل عن المجاز والانزياحات اللغوية والدلالية وهما رافداه الأساسيان وصار يكتب بلغة نثرية هي الى اللغة اليومية أقرب منها الى اللغة الشعرية. ولعل هذا التسطيح كان ناتجا عن ضيق الأفق المعرفي في هذه الفترة.

وهنا ينبغي القول ان هذه المرحلة عاشها الشرق العربي نفسه بما فيها من تسطيح نظرا  لشيوع فكرة الالتزام وفرضها بقوة الارهاب. على أن هذا الالتزام لم يكن ليعمر طويلا, فقد بدأ يخبو أواره شيئا فشيئا, وذلك حين خف الصراع البارد بين المعسكرين الشرقي والغربي. وكان هذا ما رجع بالشعر الى استعادة امكانياته, لكنه لم يعد إلى الفترة الوجدانية السابقة, بل انه اجتهد في تحقيق المواءمة بين حسنات الفترة الوجدانية وحسنات الالتزام, الشيء الذي تمخض عن ميلاد فترة ثالثة أدت الى اعتبار الشعر ربيعا للفكر, فكان لابد من أن يتعايش فيه عنصرا الشعر والفكر رغم ما بينهما من تناقض.

* : . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

*: انه من الصعب ان يقدم الإنسان تعريفا جامعا مانعا للإيقاع. ذلك أن Henri Meschonnic في كتابه: Critique du rythme ذكر في مقدمته <<ان الايقاع هو كل شيء ولا شيء في الآن عينه>> لماذا? لأن تعريفه غير ممكن. نعم يمكن الحديث عن ايقاع بالنسبة الى اللغة, ويمكن الحديث عن إيقاع للشعر, ويمكن الحديث عن الإيقاع بالقياس إلى الفنون  جميعها, وعلى الأخص منها التشكيل, لكن كل ذلك لا يلمس غير الشكل الظاهر, مع العلم أننا نحس أن هناك في الباطن إيقاعا نعجز عن تلمسه وتحديده. فكيف إذن يتحدد الايقاع في اللغة? يتحدد على مستويات تأليف الأصوات في الكلمة الواحدة, وتأليف الكلمات فيما بينها في التعبير, ألا ترى أن البلاغة العربية رأت الفصاحة في الكلمة المركبة من حروف لا تنافر بينها, ولذلك عابوا استعمال كلمة (الهعخع) لما جمعته من حروف الحلق التي لا يتم النطق بها مجتمعة إلا بإتعاب الحبال الصوتية. ورأتها أيضا في الكلام في حسن تأليفه حين حددت مواطن الوصل ومواطن الفصل, وحين ألحت على العناية بالأساليب وورودها على سنن كلام العرب.

أما الإيقاع بالنسبة الى الشعر, فهناك إيقاع شكلي ملموس ومقنن, ويتعلق بقولبة القصيدة في ايقاع عروضي إن كانت عمودية, أو في إيقاع تفعيلي إن كانت تفعيلية. لكن إذا كان الأمر يتعلق بقصيدة النثر, فان إيقاعها نسقي, بعضه مستمد من اللغة وبعضه الآخر مستمد من الموضوع نفسه. إن الايقاع في قصيدة النثر يفترض الكثافة أكثر من أي عنصر آخر من عناصر القصيدة. على أن النبر L`intonation ليس ايقاعا بالنسبة إلي, ذلك أنه لا يعني غير الضغط صوتيا على بعض حروف الكلمة, وهو ما يقابل المد في العربية. إنه بضاعة غربية تجدها في الشعر الانجليزي بصفة عامة, وتجدها في الشعر الفرنسي بصفة خاصة (ثيوفيل غوتيي). وهو كما حدد, يختلف من منشد للشعر إلى آخر. إذا أنشد منشد قصيدة ضغط على بعض حروف كلماتها, فإنني إذا أنشدت نفس القصيدة, من الممكن ألا أضغط على نفس الحروف التي ضغط عليها المنشد الأول.

ولعل المصري تمام حسان كان من القائلين بوجود النبر في العربية, في كتابه: العربية مبناها ومعناها, وحدده بمفهوم انجليزي, وحين أتى بأمثلة له من العربية, طلب أن تقرأ هذه الأمثلة من اليسار الى اليمين كما لو كانت العربية لغة انجليزية, وهذا غير وارد. على أن في العربية شيئا غير النبر, حتى ولو انتهى الى التنبير. هناك إدغام المتماثلين, كشد  وعد , وهناك فك الادغام في مواطن محددة كشددت وعددنا, ولم يشدد ولم يعدد, وهناك قصر الممدود ومد المقصور للضرورة الشعرية, وهناك حذف ياء المنقوص مع التنكير في درج الجملة رفعا وجرا, وذكرها في درج الجملة نصبا, وفيها كسر الساكن الأول إذا التقى مع ساكن آخر. (إن ساكنان التقيا اكسر ما سبق, وإن يكن لينا فحذفه أحق= ابن مالك في ألفيته) هذا هو ما يوجد في العربية مما تتوسل به الى إحداث الانسجام في النطق وفي الانشاد. إنني شديد الإيمان بأن لا نبر في العربية, وإذا اخطأ في تعريفه انسان من وزن تمام حسان, فإن ذلك لا يعني إلا تعسفا بمقتضاه يثبت لهذه اللغة ما ليس لها.

وهناك الايقاع في الرقص ويعني تساوق حركات الجسد مع الموسيقى المواكبة. وهناك الايقاع في الفنون التشكيلية, وهو ألا تشكل ألوان اللوحة مظهرا ناشزا يسيء إلى انسجام جميع عناصرها من ضوء وظل ولون ومساحة وكم وكيف وخط ومحيط. ذلك أن لكل لون انتماء الى عائلة تضم مستويات من هذا اللون, بحيث إذا وضع الوردي بجانب Le violet فان الأقوى في اللونية منهما يطغى على الآخر. إذن لا بد من إيجاد نسق يربط بين أفراد العائلة اللونية الواحدة La game des couleurs. وعلى كل حال, فالايقاع هو كل شيء ولا شيء في الآن عينه.

* : . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

*: إذا كان النبر غير موجود في العربية, فإن فيها ما يقوم مقامه من الترقيق أو التفخيم في بعض حروف بعض الكلمات, فإن قلت على الله تفخم اللام وإن قلت بالله ترققها, ويبدو التفخيم والترقيق بوزن صوت اللام في هاتين الكلمتين بآلة وزن الصوت. هذا موجود ولكن غير الموجود أن يبحث عن النبر في لفظة (كتب) هل هو على الكاف أو على غيرها من الحرفين الباقيين, وهذا هو المثال الذي ساقه تمام حسان للنبر.

إنني أحفظ بيتا من الشعر الفرنسي هو ل- G.Apollinaire وهو الآتي:

Sous le pond de Mirabeau coule la Seine et nos amours  بعضهم حين انشاده يمد ضمة الكاف في Coule , كأنه يضع I`Accent chapeau على (O) أو (u), في حين أن ذلك غير وارد في شأن هذه الكلمة خارج الانشاد.

ومن الوجوه التي يمكن أن تذكرنا بالنبر في اللغة العربية بالإضافة الى الترقيق والتفخيم والإدغام والفك وطريقة ضمان التناسق في حالة التقاء الساكنين, نذكر كذلك ادغام غير المتماثلين في حالة تنوين يليه ميم, (وأمم ممن معك= وأمممممعك= قرآن كريم بقراءة ورش) وذلك لاحداث مثل هذا التناسق حال القراءة.

وعلى كل حال, فالذين يهتمون بالحث في اللسانيات المعاصرة لو صح لهم التمكن من قديم النحو والصرف والبلاغة بأشكالها, وصح لهم العلم باللسانيات المعاصرة, لأفادوا اللغة العربية المعاصرة, ولما وقعوا في مثل ما وقع فيه تمام حسان. لماذا? لأنهم يجمعون بين القديم والحديث جمعا يؤهلهم إلى اكتشاف جوانب القوة- وهي كثيرة- وجوانب الضعف في اللغة العربية- وهي قليلة-. ومن الأمثلة على ذلك أن كمال أبوديب لم يطلع على القديم بالشكل الدقيق, ولذلك جنى على العربية عامة وعلى العروض الخليلي بصفة خاصة, جناية جعلته يرميه بالقصور ويستبدله بمعطيات الشعر المقطعي الغربي, بحيث انحرف به عن ايقاعيته الذاتية الى ايقاعية مقطعية, حتى انه عمد الى أطروحة العراقي طارق الكاتب, تلك التي تغيت ادخال العروض هذا في الحاسوب, وتمكن من ذلك حين بسط القول في <<نظريته الثنائية>> فتبناها أبوديب لنفسه وبنى عليها خاطئا كثيرا من الفرضيات اللسانية, ولم يكتف بذلك, بل عاب على صاحبها ما لا يستحق أن يعاب عليه, دالا بذلك على سوء فهمه وإرادته اسقاط مفاهيم غربية على هذا العروض. كل ذلك في كتابه: <<البنية الايقاعية في الشعر العربي...>>.

أعتقد أن العلم سلسلة متراصة الحلقات تربط الحاضر بالماضي, لتشكل منهما المستقبل الشاهد بما حصل عليه هذا العلم من التطور, ولذلك, فكل بحث يهمل الجذور لا ينال السمت العلمي المراد.

 : . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

*: يشير ديوان الكائن السبائي الى الاسطورة المعروفة, وهذا الكائن هو الفأر المسؤول عن انهيار سد مأرب اليمني. الفأر الذي لو سئل عن حقيقة عمله لأجاب بأنه الهدم والتقويض. إذن, فالكائن السبائي هو ذلك الذي يهدم لمجرد الهدم, وله أنواع كما جاء في الديوان: كائن سبائي سياسي جعل نفسه في خدمة التخلف لأن وجوده به, وكائن سبائي تاريخي حاول توجيه التاريخ نحو الخراب والهدم, وكائن سبائي أجنبي سعى بالاحتلال الى طمس معالم البلد الذي احتله, وكائن سبائي أسطوري رمز الى كل هذه الأنواع, وتأسطر بسبب من طغيان الكائنات- الحشرات على الأرض لامتلاكها لا لاكتشاف ما تدخره من أسرار مما ينفع الناس. وعليه, فالكائن السياسي هو المستبد برأيه المتيقن من أنه لا رأي بعده ولا قبله, والكائن التاريخي هو الطاغي السفاح الذي ملأ الأرض دما بدلا أن يملأها عدلا وإنصافا, والكائن الأجنبي هو الجنرالان <<ليوطي>> و<<فرانكو>> اللذين فتحا أبواب المغرب أمام فرنسا واسبانيا الاستعماريتين, والكائن الاسطوري هو الخلاصة المركزة لكل هذه الكائنات السابقة الذكر: لقد تأسطر أوفقير والحجاج وليوطي وفرانكو, فغدو رمزا للطاغوت.

* : . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

*: يكتب الآن في فرنسا شعر <<انزياحي>> على كل المستويات, وخاصة على مستوى الايقاع. هذا الشعر الانزياحي انطلق مبدئيا من القصائد ذات الكثافة العالية, تلك المستفادة من <<الهايكو>> الياباني, ونجد اصداء لها فيما يكتبه الشعراء الشباب في المغرب. على انه ينبغي التمييز بين شعر شذري وآخر منتسب إلى <<الهايكو>>. الشعر الشذري أساسه التأمل الشبيه بشعر الحكم, أما <<الهايكو>> فهو يتناول الواقع بجميع مستوياته. أما ايقاعه فليس ظاهرا أي شكليا كما هو الحال في العمودي والتفعيلي, ولكنه مضمر عبر عنه بعضهم بأنه داخلي يحس به النقاد العرب يمتحون من كتاب Suzanne Bernard المعروف, مع العلم أن النتائج التي توصلت اليها هذه الكتابة كانت بفعل نظرها في الشعر الفرنسي ابتداء من بودلير, فكيف يمكن أن يتعسف الانسان تطبيق ما توصلت اليه الكاتبة هذه على شعرنا المعاصر (قصيدة النثر) لأن الشعر الذي درسته يملك خصوصيات معينة لا يملك مثلها شعرنا. المهم أن الانزياح في هذا الشعر الذي يكتب الآن يمارس على جميع الأصعدة. هذا ويمكن القول إن قوة الايقاع في هذا الشعر ترتكز على الكثافة الدلالية, وعلى الكثافة المعجمية ووراء الكثافتين معا مجال واسع للقراءات وللتأويل.

* : . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

*: تستطيع أن تجد من بين قراء القصيدة الواحدة المحبذ وشبه المحبذ, وتستطيع أن تجد من بينهم في نفس الوقت من يحكم عليها بالبوار والثبور. السبب في ذلك أن أذواق الناس تختلف, وتبعا لذلك, يختلف مأتى الحكم عندهم. وبالنسبة إلي, هناك معياران اثنان, الأول شكلي وهو توفر القصيدة على احترام المعايير الاساسية للغة, مما يولد التعاطف مع شكل القصيدة, على انه في بعض الأحيان يكون الشكل جيدا والمضمون فارغا. والثاني مضموني, وهو أن تتوفر القصيدة على مضمون يمس الشغاف. على انه يحدث أن يكون الشكل غير جيد والمضمون جيدا. وفيما يتعلق بهذا المضمون فإنه لا يمس الشغاف إلا حيث يكون جديدا. والحق أن الجدة مجال واسع لا يحدد بشكل حاسم تبعا لاختلاف الاذواق وتباين الاتجاهات من متلق الى متلق آخر.

أما فيما يتعلق بالشطر الثاني من سؤالكم, وهو مدى الاستفادة من المرجعية الصوفية, فان ما يجب أن نعرفه, هو التفريق في الصوفية بين الممارسة الطقوسية والاستفادة من التراث الصوفي. الممارسة تتجاوز المكتوب الى الطقوسية حين تزج بالجسد في ممارسات من الذكر والشطح. هذه الممارسة لا علاقة لي بها اطلاقا. لكن الشيء الذي ينبغي التنبه له, هو أن العلاقة بين الشعر والتصوف علاقة قديمة, إذ أن كثيرا من المتصوفة المسلمين أثر عنهم شعر, أو كانوا شعراء لهم دواوين, كابن عربي والحلاج وابن الفارض والششتري, وهذا حتى بالنسبة الى متصوفة مسيحيين كالقديسة طيريسا الابيلية Teresa de Avila , فهذه لها قصائد مشهورة وبعضها منحول عليها او منحول لها. وكذلك المتصوف المسيحي يوحنا الصليبي San Juan de la Cruz والقصي-دة الت-ي مطلعها vivir Quiero morir para (أريد أن أموت لأحيا) منسوبة لطيرسا وليوحنا معا. وهذا أيضا حتى بالنسبة الى الشاعر اليهودي <<أبينصور>> المتصوف الفاسي الذي له قصائد عبرية كلها ابتهالات.

ولا يقف الامر عند هذا الحد, بل يتعداه الى شعراء هاموا بالشرق بسبب من نفحاته الروحية, كرامبو الذي ذهب الى شيبام في اليمن, وغوته الذي كتب ديوانا هو الديوان الشرقي للشاعر الغربي, إذ كان شديد الولع بالروحانية الفارسية, وبوشكيين الذي كان يحن الى أصوله الافريقية الاسلامية. والأمثلة على هذا كثيرة إذا أردنا استقصاءها.

والحقيقة أن التراث الصوفي الاسلامي كان وضيء الاشراق من ناحية اللغة ومن ناحية المضمون الذي يغذيه خيال خصب في غاية العمق والتجلي. نستطيع أن نمثل لذلك بالمواقف والمخاطبات للنفري, ورسائل ابن عباد الرندي وحكم ابن عطاء الله السكندري وبما تركه ابن عجيبة التطواني وابن العريف الصنهاجي الطنجاوي صاحب محاسن المجالس. (هذا الكتاب من أمتع ما يقرأ) كل ما ذكرته يعرب عن التماعات مسبوكة سبكا دقيقا من حيث اللغة ومكثفة من حيث المضمون ودالة على مخيلة تتجاوز حدود الممكن. لماذا لا يقرأ الشاعر هذه الآثار وهي بهذا الثراء? على انه يجب الدخول الى هذا الثراء من باب العقلانية التي تنخل, فلا تأخذ بغير الرائع المخصب للخيال وللذاكرة. واذا كان يقال إن عقلية الصوفي تجريدية ومطلقية, وعقلية الفيلسوف حسية ومادية, فان الشاعر إذ يدخل الى عالم التصوف شاعرا بهذا الفرق بين العقليتين, فانه يجد فيه العجب العجاب, ولهذا فلا يصح اتهام شاعر اقتحم هذا التصوف بأنه صوفي, والحال انه يرفض مطلقياته ان هو اعتنق إبداعاته.

يستفيد الشاعر من قراءته للتصوف مجموعة من الأشياء, منها التكثيف, ومنها الايمان بقصور اللغة عن الاحاطة بالفكر والتخييل والتعبير عن الخوالج, (هذا ما دعى السورياليين الى البحث عن لغة فوق الواقع, في مقابل ما دفع الصوفية الى البحث عنها في الماوراء= كلما اتسع المعنى ضاقت العبارة) ومنها ألا تغدق على اللغة القداسة, بل أن تغدق عليها كل الصفات التي تجعل منها كائنا كلما راودته عن نفسه تأبى. وتعني مراودة اللغة عن نفسها محاولة خرق العادة وتجاوز ما قننه المعياريون القدماء, فلا تبحث للتشبيه عن مبرر مادي يسهل مهمته ويجعلها سائغة, ولا تجهد نفسك في مواءمة المجاز لقرينته التي تجعله مقبولا عند القارئ, ولا تبحث عن ذريعة في هذين أو في غيرهما, كالتعابير المسكوكة التي أمن عليها القدماء. بهذا تتحقق الكثافة. هذا والمتصوفة يملكون من العبارات ما لو عرضته على البلاغي لحكم بمجافاته للقواعد, ذلك انهم كانوا يجعلون خصوبة مخيلاتهم فوق المعيار الى حد خروج الأشياء عن نطاق العقل. شأنهم في ذلك شأن الذي يأخذ بسريان مبدأ الإمكان على الكل, تطويعا للغة وخروجا بها الى فضاء الحدس الواسع. ومنها الاستفادة من التراتبية الصوفية La hierarchie mystique لا بمعناها الطقوسي, بل بمعناها العملي المتجلي في جعل فقرات القصيدة متراتبة بطريقة متوالية دلالية . D`une maniere chronologiquement semantique لاحظوا أن التراتبية الصوفية تبدأ بالمريد ثم الشيخ ثم الولي ثم القطب, كذلك القصيدة تبتدئ من الكائن الجنيني فالوضع في حالة لاواعية فحالة الاستواء ثم تنتهي في حالة واعية, السابق هو السابق واللاحق هو اللاحق. هذا هو الجانب المنطقي المعقول الذي على أساسه تبنى القصيدة بناءها العقلي, مما يمكن أن ينحو بالشعر الى العقلانية التي لا تفرط في مقابلها الوجداني.

على أن هناك منحى آخر يستفيد منه الشعر من التصوف, ذاك هو الاهتمام بحيوات المتصوفة الذين عاشوا لحظات مأساوية كالحلاج. وبالطبع لا ينبغي استغلال هذه المأساوية استغلالا خطابيا مجانيا, بل يجب أن تمزج مزجا دقيقا بموضوع القصيدة, فكأنها لها لحمة وسدى. لقد استفاد كثير من الشعراء العرب المعاصرين من حيوات المتصوفة كالحلاج والسهروردي, وكان بعضهم سطحيا يكتفي بالإحالة على التاريخ أكثر من إحالته على دلالة المأساة بالنسبة الى ما يكتبه, في حين ضمن بعضهم الآخر للمأساة أن تتأسطر فتغدو رمزا لشبيهها في كل زمان ومكان. كان هذا البعض هو الذي شعرن هذه الحيوات.

واذا كان هذا الذي ذكرناه منسحبا على الشعراء العرب المعاصرين, فما انسحب من التصوف على الشعراء الغربيين يعني شيئا آخر. هؤلاء الشعراء الغربيون استمالهم التصوف بسبب من روحانيته الشرقية, (غوته ورامبو واندريه بروطون) ورغم ان هؤلاء كانوا منتمين الى روحانية مسيحية, فان ضغط الحضارة الصناعية عليهم فيها جعلها باهتة في دواخلهم, لذلك بحثوا عن البديل في روحانية الشرق. من ذلك ان بروطون اتخذ لسورياليته سلسلة اسنادية نظير ما هو معروف في رواية الحديث, ونظير ما هو معروف عن بعض المتصوفة الذين كانوا يثبتون سندا لطرقهم الصوفية. فاذا علمنا أن بروطون هذا ابتدأ سلسلته بهرم المثلث بالحكمة كما فعل ابن سبعين, واذا علمنا أنه ذكر فيها اسم المتصوف المسيحي ريموندو لوليو (ثقف العربية وتأثر بابن عربي وابن سبعين وعاش في تونس) فإن كل هذا شكل تأثيرا بالروحانية الشرقية لدى هذا الشاعر, رغم أن تأثره بها كان سطحيا, إما لعدم إلمامه بالعربية, وإما لأن هناك سببا آخر لا أعرفه. إن هذا يدل على أن استفادة الشعراء العرب المعاصرين من التصوف تميزت عن استفادة الشعراء الغربيين منه. وهذا لا يعني أن هذا التمييز امتد الى ان جعلهم قداسيين اتخذوا من التصوف ذريعة للهروب من مشاكل الحياة واستبداد الحكام, ومن فهم لأسسها. إنهم بدل ان يعبروا عن سخطهم بدال مساو رياضيا للمدلول أي بلغة الحديث اليومي, فهم قد التجأوا الى الترميز والتلميح في عصر ألجمت فيه الأفواه. ومما يلاحظ في هذه القضية, ان كل من عاب تصويف الكتابة الشعرية زمن سيادة الالتزام, عاد الى هذا التصويف زمن انحسار هذه السيادة.

* : . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

*: حدث أن قسمت في بعض دروسي في السلك الثالث بكلية الآداب الجسد حسب ما تعاقب عليه من الاسقاطات وما نظر إليه به من مختلف الزوايا: هناك إذن الجسد الفقهي والجسد الغريزي والجسد الطبي والجسد الصوفي والجسد الروحاني: فالجسد الفقهي عبارة عن جسد واحد يسقط عليه كثير من الاحكام الفقهية, أو عن جسدين يتألفان بطريقة قانونية يحددها الفقه, وذلك من اجل استمرار النوع الانساني. وفي حالتي الافراد والتثنية, هناك قوانين تؤهل هذا الجسد للعبادة كالاغتسال مثلا. أما الجسد الغريزي فهو ما يؤجج الغرائز في الجسدين المغايرين, عن طريق التبرج أو العري, مما يظهر المفاتن التي هي محط الشهوة. ولقد استفاد التشكيل من هذا الجسد حين ألح على اظهار حركاته ودقائق تركيبه الفيسيولوجي. أما الجسد الطبي, فهو ذلك الهيكل المتكون من مفاصل وأعضاء وعظام ولحم وألياف وأعصاب. ويحدد الطب مجال عمل هذه المكونات ومجالي صحتها وفسادها. وأما الجسد الصوفي فمنه المادي وهو الآكل الشارب اللابس المتعبد. غير ان الصوفي الحق من يقلل من حاجة الجسد الى هذه الأشياء, فيكتفي في الأكل بما يقيم الأود, وفي اللباس بقليله الخشن (المرقعة= الخرقة= La guenille) الذي يحفظ من تقلبات الطقس ولا يكون داعيا الى البذخ, ويكون ذلك كله مدعاة الى التكثير من العبادة, تلك التي تجعله يتنامى روحيا, فإذا كمل نموه الروحي هذا أصبح جسدا روحيا, وهو النوع الثاني منه, وتدرج في المراتب الصوفية من جسد مريد فشيخ فولي فقطب فإنسان كامل يصل الى مرحلة الكشف التي تتجلى فيها كل الحجب. أما الجسد الروحاني, فهلامي, بمعنى انه غير متشكل, لانه لا يتحقق إلا بفساد الجسد المادي, ولذلك اعتبر الصوفية الجسد سجنا للروح. وهو آخر مرحلة من مراحل الجسد الصوفي, تلك التي فيها يصل المتصوف الى مرتبة الانسان الكامل, فيعرج الى البرزخ حيث الأرواح الناجية من أجسادها. والحقيقة أن هذه الاجساد باستثناء ما هو علمي منها كالطبي والفقهي, من شأنها أن تشحذ نظر الشاعر من أجل ان يستشف ما وراء القشر, مما هو ابعد من العظام والألياف والاعصاب. II y a toujours un sens esoterique هناك إذن معنى باطني كلما شف البصر, استطاع أن ينفذ الى ما وراء القشر, وفي هذا يختلف شخص عن شخص آخر.

أن الجسد المادي يصبح باهرا حين يلتجيء الى المحسنات كاللباس الأنيق واستعمال أدوات التزيين فيبتعد عن الجبلة الأولى, الى حد ما هو أبعد من الجسدية Extracorporel , وإلا فالرسام الذي يرسم الأجساد العارية من مايكل انجلو الى رودان, يهتم بالتقاطيع الجسدية البارز منها والضامر, ولكنه لا قدرة له على ابراز الشفافية الكامنة وراء القشر. على أن الرسام الذي يرسم جسدا عاريا بصفة توحيشية او تكعيبية او تجريدية, يمكن أن يقنعني بهذه الشفافية الماورائية.

* : . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

*: إذا فهمت الذات فهما فلسفيا, يمكن أن يقال إن بينها وبين الروح فرقا, وكذلك إذا فهمت فهما لغويا, غير أن النفس والروح تأخذان معنى واحدا عند من أرخوا للفلسفة الاسلامية. ومن جهة أخرى فالذات فلسفيا تقابل الجوهر, وهذا كما يعرفه الفلاسفة هو الذي لا يقبل الانقسام لا طولا ولا عرضا ولا عمقا بعكس الذات التي تقبل الانقسام الى هذه الثلاثة. غير أن الذات والجسد بالمعنى اللغوي لا فرق في مفهوميهما. ولقد جرت العادة أن يوضع للذاتي مصطلح Subjectif وللموضوعي Objectif , إذن فللذات بهذا المعنى مفهوم Concept, والجسد بالمعنى السابق اسم لمسمى.

* : . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

*: لا يمكن ان يتحدث عن الحداثة إلا من يصنعها, والذي يصنعها هو من ابتكر الحاسوب ونفذ الى عمق أسرار الالكترونيات. لكن يمكن ان نقول إننا نعيش عصر الحداثة ونستفيد منها. نستعمل جميع مبتكراتها ولا ننتجها, وفي بعض الاحيان نستعملها لتثبيت تخلفنا. إن وصفنا بالحداثة أو بما بعدها وصف غير دقيق, وهذا لا ينافي ميلنا اليها واعتقادنا بضرورتها. يجب أن نفهم الحداثة انطلاقا من وضعنا, وهو وضع حرج, أي وضع الذي يجنح الى التقدم والنمو وتقف في وجهه معيقات القوي المستمد قوته من ضعفنا. انه يرغمنا على استعمال الحداثة تابعين لا أندادا له. وفيما يتعلق بالشعر, أنا مع الحداثة بدون قيد ولا شرط, حتى ولو تطلب الأمر أن أكتب قصيدة سبيرنتيكية Cybernetique كما حلى لبعضهم ان يقول عن كتابته. إن من يكتب قصيدة بهذا المعنى وهو منتم الى بلد متخلف, هو من يعتقد صواب ما يفعل, إذا اصبحت السبيرنيتيكية معطى عاما قابلا للتطويع وللتطبيع بحيث يقع الاجماع عليه ويستقر لدى الاذهان. لكن, أية حداثة نريد? هل التي تستورد لتربتنا من تربة مغايرة, او التي نخلقها بارادتنا وانطلاقا مما عندنا? نجيب فنقول: انها تلك التي هي على مقاسنا, تلك المنحدرة من تراثنا والمتشكلة مما نلحقه بهذا التراث من التطور والتجديد.

* : . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

*: هذه هي المفارقة التي أردت أن أشير اليها باعتبارنا أمة تنتج الشعر المعاصر (لقد سمعت أن الأستاذ سبيلا وضع عن الحداثة كتابا لم يقع بين يدي لأقرأه) إن المعادلة التي تجعل حديها في التراثي وفي المكتسب هي التي نسميها حداثة, وبالطبع, لا يمكن أن نخلق حداثة بمعزل عما يروج حولنا في العالم الآخر, إننا بالاحتكاك بالوجه المضيء من هذا العالم الآخر, نستطيع أن نتوفر على حاسة نقدية بها نسد النقص البادي في هذه المعادلة. (المتحرك من التراث والفاعل من المكتسب الراهن) والآن, ويمكن أن أكون مخطئا فيما أقوله, فان هذا الجيل المغربي الشاب الذي يكتب الشعر متقارب من حيث السن متباعد من حيث الاتجاه, ذاك يصطنع منهجا أمريكيا وهذا يسير وفق منهج فرنسي, وثالث... وهكذا دواليك. إن مفتاح القضية لا يوجد إلا في العثور على قاسم مشترك أعظم يجمعهم جميعا, وبذا يستطيعون أن ينتجوا حداثة منسجمة ان فرقت بينها الثانويات فالأساسيات تجمعها. وهذا ما جعل الحداثيين فيما بينهم تعتقد كل فئة منهم صحة ما هي فيه وفساد ما عليه الفئات الأخرى. ليس من الصعب الوقوف على أرضية واحدة مستوية Une plate forme ننطلق منها لانتاج حداثتنا. وبما أن هذه الأرضية لم تتحقق بعد, فاننا لا يمكن ان نتحكم في وضع استراتيجية معينة لهذه الحداثة. انني أعتقد حسبما أقرؤه في ملحقات ثقافية لبعض الجرائد لقلة من الشعراء (دون ذكر أسمائهم) انهم يكتبون قصائد جيدة تدل دلالة قاطعة على أن لهم عزما وقوة سيدفعان بهم الى الأمام, ولكن لسوء الحظ, فإن آخرين وهم كثر ينشرون قصائد في حاجة الى أن تتوفر على الأوليات. هناك اذن موجة عارمة من كتبة الشعر يحترق في أتونها الاخضر واليابس.

* : . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

*: لماذا الحداثة? إذن أنت تضع هذه الحداثة موضع مساءلة. الحقيقة أن مأساتنا جميعا في غالب الأحيان هي أن نأتي بأفكار تجريدية وننتحلها ونعطيها قوة الأفكار الموضوعية العقلانية المادية. أعتقد أن مثل هذا المدلول La modernite المستعمل في كل من فرنسا واسبانيا, اللتين ولدتا منه مصطلحا آخر هو La poste-modernite أي ما بعد الحداثة, تراشقنا به الى حد أن أخذ من أذهاننا حيزا كبيرا نقله من التجريد فالقوة فالفعل. اننا عوض ان نبحث في دلالة هذا المصطلح نفسه, عن اسبابها وعن وسائل ترسيخها او ابعادها, نضيع كثيرا من الجلبة والصخب في الوقوف عند ظاهرها. ولقد كثر اللغط فيها الى درجة أن تحول المصطلح هذا من لفظة معجمية الى مفهوم, ومن حسن الحظ أن الأفكار التي راجت حول هذا المفهوم فيها بدون شك دعوة الى التقدم, لكن, أين نحن منها ومن التقدم الذي تقترحه علينا? نرجع الى سؤالك, إذا كان المقصود بالسياسة هو التهريج Le jonglage وبالسياسي هو Le jongleur ف-أن--ا أن--زه الشع-ر ع-ن أن يسق-ط الى هذا ال-درك, Durant tous les siecles, le Poete n~a jamais ete un jongleur كيفما كان حاله مداحا أو هجاءا او راثيا او مفتخرا. ويبدو الأمر في الوقت الراهن اكثر عنفا منه في الماضي, ذلك ان السياسة في بلدنا وفي غيره من البلدان النامية او المتخلفة او الصناعية, ليست غير تهريج يجعل السياسي ينتقل من اليمين الى اليسار ومن الوسط الى اليمين المتطرف بمثل السهولة التي يغير بها قمصانه كلما كانت في حاجة الى غسيل. يجب ألا يقع الشاعر في هذا الفخ لأنه ذاكرة الاجيال. نعم عليه أن يكون في صف الايديولوجية الهادفة الى النماء والتطور, وهذه الايديولوجية ليس من الضروري أن تنتظم في اطار سياسي بمعناه الرديء. لقد تعودنا منذ الثورات القديمة ان الجهة التي تدافع عن حق الضعاف في العيش, حين تعرب عن نفسها على شكل ثورة, تتعرض للقمع. في صف هذه الجهة يتخذ الشاعر لنفسه موقعا في الصدارة, ذلك انه مع هذه الجهة لا يمارس السياسة التهريجية, ولكنه يمارس السياسة الهادفة الدفاع عن أناس هم في حاجة الى إنصاف.

) : . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

): لو كنت الآن وجدانيا كما كنت في بداياتي لكان من الممكن أن تكون لدي طقوس, مثل بعض الرومانسيين الذين إذا أرادوا أن يكتبوا شعرا يتخيلون امرأة تحمل ابنها وتتباكى, مما يسمح للشجية أن تنطلق بدافع هذا المنظر الحزين. أنا الآن أكتب الشعر Le plus materiellement du monde كما لو كنت أكتب أي كتابة لا يتخير لها الكاتب وقتا بعينه: عندي مفكرة صغيرة أسجل فيها رؤوس أقلام تعني لي في مختلف حالات حياتي في البيت او في غيره, في السفر او في الحضر, في النوم أو في اليقظة, وعندما أجلس الى الحاسوب في كل يوم, أفتح مذكرتي وأبدأ بأول ما خططته فيها, وهنا تتوارد الأفكار مقترنة بإيقاعاتها. وكلما أنهيت عملا شعريا أمزق الورقة التي نقلت منها ما نقلت. هذا عمل أولي  لكتابة القصيدة, بعده يأتي دور التحكيك والمعاودة, ولا يأتي إلا بعد مرور زمن يطول أو يقصر على الكتابة الأولى للقصيدة. يتم التحكيك كما تتم المعاودة بعد عدة قراءات لما كتبته, قراءات يكون فيها للوعي سلطانه وسيادته على اللاوعي الذي تمت فيه الكتابة الأولى. إن الذين يكتبون الشعر على طريقتي مدفوعون الى عقلنة حركاتهم وسكناتهم بحيث يجتنبون الحالات الوجدانية للبكائين بالمناسبة. وعليه, فالطريقة التي أكتب بها الشعر لها من الاندفاع الباطني ما يجعلها غنية عن البحث عن المحفز La motivation الذي لا يستعصي علي كلما طلبت حضوره, دغدغة واحدة مني له تجعله صاحيا كأتم ما يكون الصحو. إنني أؤكد أن الاشخاص الذين يلحون على توفر طقوس معينة تسمح لهم بكتابة الشعر, إنما يحاولون بذلك لفت النظر إليهم معتقدين أن الطقوسية من مستلزمات النجومية. أنا لست كما يقول الشاعر: (ولعله نزار قباني) <<أكتب الشعر كما يمشي مريض في سبات, فإذا سودت في الليل تلال الصفحات, فلأن الشعر هذا الشعر بعض من حياتي>>. لا أتقيد بزمان ولا بمكان, ولذلك فالشعر كل ذاتي كل كينونتي.

* : . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

*: إن الشاعر بالنسبة إلي لا يجب أن يغالي في الاتكاء على هذه الطريقة المختبرية التي تجنح الى الكتابة في كل الأحوال وتحت إلحاح كل الشروط, ولكنه في الآن عينه لا يجنح الى الطريقة الرومانسية التي لا يوقظ الكتابة فيها إلا الحافز الحزين. بل لابد من محاولة المزاوجة بينهما بكل تخفيف, فلا ينتظر حافزية الحزن حتى يكتب, ولا يتعمد الجلوس بشكل منتظم وإرادي لهذه الكتابة. الاغراق في الطريقة الأولى فيه افتعال, والإغراق في الطريقة الثانية فيه تثبيط للقريحة التي هي المسؤولة عن وصف الشاعر بالمقل, إذ أن كثيرا من هؤلاء الوجدانيين لم يتركوا وراءهم غير النزر القليل, ولو كانوا تخلوا عن قانون الحافزية لكانوا اكثروا من الابداع. ولذلك فالطقس النفسي لا يخطئ الطريقة الأولى وإن كان هو المهيمن على الطريقة الثانية. والحق أن حافز الاكثار من الكتابة الشعرية جد متوفر لشاعر ينتمي الى بلد مختلف, حيث لا يرى إلا الأسوأ. وفي كثير من الأحيان يتوفر الطقس النفسي وتضعف القريحة عن ملاحقته, فإذا كتب شعر في هذه الحالة, فلن يكون إلا تمطيطا وتنويعا لنغمة على وتر واحد. وقد حاول كثير من النقاد المحدثين والقدماء أن يبرئوا الشعر من المعرفة, وكانت محاولتهم فاشلة, إذ أنه لا يوجد شعر لا يرتكز على خلفية معرفية. والمعرفة بالنسبة الى الشعر نوعان: نوع يتعلق بالفعل الشعري عبر اللغة, وهذه معرفة خارجية على الشاعر أن يلم بها. ونوع آخر يتعلق بمعرفة عامة شاملة لا يند عنها أي علم مهما كان مخبريا, ومهما بلغت درجته من التوغل في دقائق الانسان والكون. ولا يتحقق هذا إلا بإدمان القراءة في مختلف فروع العلم. إنك لا تستطيع أن تمنع شاعرا من استغلال معارفه في كتابته الشعرية, بحجة أن العلم غير الشعر. يجب أن تعلم أن قلة رواج الشعر المعقلن لا يعتبر حجة على بوار سوقه. أنا أقبل  أن أكون محدود الرواج, فهذا لا يشكل بالنسبة إلي عقدة على الاطلاق لأن ذلك يتيح لي قلة من المتلقين ذوي فهم ووعي بالجيد من الشعر. فإذا قلت لي إنني بهذا أسقط في فخ وجدانية من نوع آخر, فإنني أقول لك إن الوجدانية بهذا المعنى تروقني, لأنها دليل قاطع على أنني إذ أكتب ما أكتبه لا يطاردني عنف القارئ ولا وداعته, ذلك أن الذي يكتب وشبح القارئ أمامه, كثيرا ما يسقط في فخ المراقبة الذاتية التي تسيء كثيرا الى الكتابة الشعرية.

* : . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

*: لنفتح هلالين فنقول إن جميع الروائيين الممتازين الذين يعتبرون محطات في تاريخ الرواية العالمية, أتوا الى الرواية عن طريق الشعر. هذه مسألة مفروغ منها. إنني من خلال <<وجدتك في هذا الارخبيل>> أردت أن أكتب نثرا ما عجزت عن كتابته شعرا. لقد كتبت هذه الرواية في وقت ساد فيه الحديث عن تقنين الكتابة السردية. ولأنني كتبتها على ما جاءت عليه, فإنني بذلك أردت أن أقول للذين قننوا الكتابة السردية حقيقة واحدة هي أن تقنيناتهم لا يمكن أن تنسحب على كل الذين يكتبون الرواية, لسبب بسيط هو أنهم طبقوا قوانينهم على عمل واحد مطواع استجاب لما خططوا قبل أن يأخذوا في البحث والتنقيب. كذلك, أردت بفعلي هذا أن أبين لهم أن الروائي يستطيع أن يحكي حكاية بكل أنواع الأساليب وبشتى طرق الايصال حتى ولو كانت بما فوق اللغة. ماذا كان سيكون الأمر لو طلب من روني جيرار ان يطبق قوانينه على <<عوليس>> لجيمس جويس, أو على <<بحثا عن الزمن الضائع>> لبروست, حتما لن يستطيع ذلك, لأن الروايتين من الثراء الجامع لأساليب جميع الأجناس الأدبية, بحيث يستعصي على الناقد الاحاطة بكل وجوهها.

لعل القراء الذين وقعت بين أيديهم رواية <<وجدتك في هذا الأرخبيل>> يتسمون بضيق النفس, فهم قراء يريدون الحصول على المتعة من دون بذل أي جهد ذهني ونقدي في الآن عينه. لست فرحا بمقروئيتيها من لدن هؤلاء وهم كثر, ولكنني فرح جدا بمقروئيتها من لدن الذين يقرأون باتزان وترو, فلا تقف صعوبة بنائها في وجه فهمهم. هؤلاء وهم قلة, هم من يفرحني تواصلهم معي. إنني تعمدت في كتابة هذه الرواية ألا أهتم بتسلسل الأحداث بل بعثرت الزمان والمكان فيها, فهي شرائح Sequences غير منتظمة على القارئ الرزين ان يرجع كلا منها إلى مكانه. الأول آخر, واللاحق سابق, وبينهما يتدخل الشعر والتمسرح والنثر العلمي, وقد قصدت إلى ذلك قصدا لاستفزاز القارئ بالمعنى الأول.


تصميم الحاسب الشامل