قصائد راعشة

 

رياض العبيد


1

الهواء  العليل  ينقل  لي أخبارك كل يوم

بلغة الطير والإشارات الإلهية

لا بلغة الأخبار الجوية والسياسية والاقتصادية

عندها فقط أكون قد بلغت أعالي الصمت والحكمة

الماء  يُسمعني كل صباح  آخر أغنياتك

عن جوهر الروح في الأحجار الكريمة

التي ترتسم على شفتيك الشهوانيتين

لوزة ناعمة

عندها أكون  قد تجاوزت  مرحلة المسافات الطويلة

على نهج منطق الطير والملائكة

واختتمت جزءا  من تاريخ النجوم

التي أفنت عمرها الطويل

في تشكيل لوحة سوريالية عن الوردة

التي كانت وما تزال منحوتة

على نهديك المتآلفين

أوراق  الخريف المتساقطة

تلحّن  لي ما تيسر من أوركسترا عينيك الزرقاويتين

التي ابتدعها فصل  الشتاء الطويل

في زاوية  من الكون والسلام  البرتقالي

عندها أكون قد تشجعت

بارتشاف موسيقى يديك, فخذيك الراعشتين

وبدأت أقفز  في مرعى الأشواق  كالغزال.

 

2

 

تلك الغيوم التي رحلت عن الشتاء

محتجة غاضبة

خلفت وراءها خيطا  رفيعا  من الحزن

يكفي لتهدئة روع الشواطئ في الصيف

أو تهدئة أعصاب المجانين

الذين قبّلوا عشيقاتهم في الليالي الباردة

ثم سحبتهم عاصفة أمطار شديدة

تلك الغيوم التي لم تعرف الراحة طوال حياتها

من كثرة التنقل كالبدو  أو الغجر

من مكان إلى آخر

فقدت حاسة تأويل الزمن

وحين تراها وأنت تنظر في الأفق

البعيد صافنة حائرة

فستدرك في الحال

أنها تستنجدك متضرعة

إنقاذها من صراع الآلهة

أو حين تضع يدك على كتفها

وهي تميل إليك ميلا  خفيفا

كالعاشقة

فستدرك في الحال

أنها تريدك أن تتخذها زوجة أو حبيبة

لتنجو من طوفان الشكوك

تلك الغيوم  التي ترتجف كل لحظة

من الخوف أو الموت

لا تسمع نحيبها الدامي

سوى عيون الغرباء

 

3

 

المسافة التي قطعتها بين عالمين

آلمتها أن تكون علامة تعجب

في آثار خُطاك الحثيثة

وأحزنتها كثيرا

ما خلفته لها من فراغات متقاطعة

في رحمها الأنثوي

الذي انجرف حادا  إلى النسيان

المسافة التي أدركت منذ البدء

أنك ستغادرها إلى جهة ما خلف اللامكان

وفي عينيك قلق عليها

حاولت أن تكون متماسكة الأعصاب

عندما ودعتك وحيدة على الشاطئ

كي لا تبدو وردة رومانسية

تودع باكية فراشات الربيع الزاهية

لكنها بقيت تحتفظ طويلا

برائحة أحلامك الزرقاء

في رعش  حاجبيها الرهيفين

وتنتظرك وحيدة على الشاطئ الذي أضاع الذاكرة

 

4

 

الجدار الداكن الأبيض

يحلم أيضا  بإجازة سنوية إلى بلاد العجائب

فقط لكي يتخلص بعض الوقت من رائحة عزلتك

في الغرفة التي تسكن منذ سنين

غير آبه  بما تثور فيه من أحاسيس كامدة

كلما ضيقت عليه الضوء والرؤية في وضح النهار أو آخر الفجر

هو يدرك الحيرة التي تتركها تلتصق به

كصورة لمطربة فتنت حياتك وهي في عز شبابها

ثم انتهت إلى مشفى المجانين

لكنه لم يعد لديه صبر  طويل

على كل هذا الجمود الذي طليت به كل شيء من حولك

حتى الهواء  والكلام  البسيط

الجدار  الداكن  الأبيض

الذي عايش  احتفالاتك الجنسية الحمراء

بعينين ضاحكتين بريئتين وكأنه في نشوة خضراء

وكأنه يبتهل

رافعا  يديه للسماء بأن يستمر الجسدان المشتعلان

بلمس يديه الرقيقتين إلى جوهر العمق في اللا زمان

الجدران تعرف أصحابها

من وقع خطاهم على الأرض

ومن بهجة أنفاسهم حين يلتقون بالحبيبة الملاك الآسرة

إذا  ليس لديك الآن سوى

أن تُلقي بكل هيامات الكتابة واحتراق المستحيل

5

 

الزفرة الأخيرة

التي تطلقها بعد يوم ثقيل جدا

تتعربش على الأسطح والجدران كالعنكبوت

تلتصق بثيابك الداخلية كنهر يتصبب عرقا

من فرط  العواصف

لا تتركك تتأكد من الوجوه التي تمر أمامك

على نحو يدعو إلى الفرحة أو الارتباك

تنزع عنك غشاوة القيلولة أو النوم

الذي تود  أن تخنقه كعاشقة إلى أسبوعين في الفراش

الزفرة الأخيرة

ذات الأعراف الحادة

والآذان الطويلة

تترك بصماتها على الباب

حين تدخل إلى البيت أو تخرج منه

كجريمة لم تكتشف خفاياها بعد

أو كإشارة من عابرة جميلة في الشارع

لم تستطع أن تدرك ما تريده منك  تماما

لعل ها كانت تريد إغواءك بمفاتنها الساحرة

فقط لترضي نفسها بأنها من جميلات المستحيل

تلك الزفرة التي لا تترك حتى في الأزقة الضيقة

أو حتى بين الأفكار الطاحشة

وحتى في عمليات الجنس الخارقة للعادة

تطلق أخيرا  عليها الرصاص

6

 

الخوف الذي زرعه  في  حُراس القصر الكافكاوي

وسُجّانُ القياصرة الروس والرومان

وقراصنة  البحر المتوسط

الفينيقيين إلى آخر بطلهم الأسطوري هانيبال

إنه مملوك  لا يعرف  القراءة والكتابة

امتدت جذوره في شراييني

إلى درجة أنني لم أعد أتنفس سواه

أو أرى احدا  يُجالسني طوال الليل والنهار

دون أن يشعر  بالملل  والضجر

ذلك الخوف  الذي زوجوني إياه

دون  مهر  أو مفاوضات  عائلية

مستشارو الطغاة في أول الزمان وآخره

إنه بدا لي صديقا  حسنا

مع مرور الوقت الطويل

وبعد أن كسب ثقتي به

وتسليمي بالقدر الذي أهداه إلي

أحد  أولئك الطُغاة  دون  أي  سؤال  أو جواب

لذا فقد صار  ي صارحني بكل ما كان قد حدث  ويحدث  له

مع أولئك  الجبابرة الخصيان

وهذا ما جعلني أرتاح  قليلا

وأتخدر  كثيرا  بالتفاصيل

التي كان يق ص ها علي 

حول الجنس والعربدة الحمراء


تصميم الحاسب الشامل