|
|||||
|
الواحة نقطة كثيفة من الظل والاخضرار , جنة وارفة الظلال كثيفة الخضرة , تعيش وحدة متعبدة وسط محيط من تضاريس الهضاب الجبلية القاحلة . ولتعتاد العيش ضمن الإمكانيات الشحيحة التي توفرها الطبيعة القاسية في مثل هذه التضاريس , كان لا بد لها من أن تتحلى بقناعة المتصوفة وكفايتهم باليسير من الزاد فهي ترتبط ارتباطا مشيميا بخيط فضي من الماء ينحدر إليها من أحد السفوح القريبة يتهادى بقطراته الواهنة ليصب بعد أن تأخذ الشمس نصيبها منه بالتبخر في البساتين والحقول هو بمثابة قربة الماء التي تعتمد عليها الواحة. الحاجز يتمدد مستلقيا عريضا ضخما بجسمه الهائل الكبير عالقا هناك كأفعى عملاقة تقضي بياتها الشتوي يزاحم المكان بحجمه العملاق يسد المنافذ يحاصرها بحضوره الكثيف.. قبل ذلك قبل أن يفترش حيز المكان ويشغله بكثافته الثقيلة ويظل لابثا مهيمنا باسطا سطوته على روح المكان كان يمتد المكان فسيحا متمتعا برحابة تعانق الضفاف فكانت قبل ذلك هذه الضفاف شرفات غناء للحلم مسكونة بترديد أغنية الطير وصوت الثغاء وخرير المياه, لقد استيقظت الواحة ذات صباح على صوت البلدوزرات والآلات الثقيلة تحيل هدأة المكان إلى جوقة نشاز تضج بهدير المحركات وصخبها الذي يصم الآذان في الوادي قبالة الواحة, حيث شرعوا يصنعونه ينشئون بدنه جسما من أكوام التراب والكنكريت وألواح الخرسانة حاجزا يفصل الواحة عن فعل معانقتها الأزلي الحميم للوادي سورا أعلوه حتى عنان النخيل يكسر المعانقة بين الواحة والوادي, فتتوارى الواحة خلفه كسيرة القلب حزينة معزولة عن محيطها وواديها الدافق بالماء النابض بالخصب في رحمها, في المكان الذي كان مستقرا رحبا لجيران الواحة الصيفيين الذين يتوافدون في كل صيف إلى جوارها يستقرون في أكواخ من السعف على امتداد ضفة الوادي قبالة الواحة, واديها المتدفق المتفايض بالغدران وبرك المياه في مجراه , المشهورة به كعنوان جميل حل هناك جسما بشعا ثمرة سفاح الهندسة والحلول الفنية الغائية مع الطبيعة وبكورتها التي لا تقبل المساس والتدخل إلا في أضيق الحدود لقد صنعوه عجلا له خوار, أشادوه وأعلوه وعمدوه بالإسفلت, فإذا به يستحيل حية تسعى بالشر تزنر الواحة تخفر بالموت . الرحلة عندما يحل الصيف الحار يغدو المكان بجوار الساحل صعبا لا يطاق من أثر الرطوبة الخانقة التي تحل بكثافة خلال الصيف بطوله, عند ذاك يستبد بنا حنين مشبوب إلى ظلال واحات النخيل في الداخل المنزرعة هناك وسط الهضاب الجبلية لسلسلة جبال ع مان, النابتة على ضفاف الأودية الخصبة المنحدرة من أعالي هذه الجبال, يستحثنا الحنين كلما أتى الصيف إلى هناك تقودنا حاجتنا إلى الاصطياف والهرب من الحرارة الخانقة في هذا الفصل الطويل الشديد الحرارة, ننتقل بعد أن تكون المدارس قد أوصدت أبوابها بنهاية العام الدراسي على مشارف الصيف, في هجرة تأخذ على مجرى العادة السنوية لعائلات كثيرة تقطن الساحل, هجرة موسمية لها طقوسها الاجتماعية والاقتصادية وليس انتقالا مجردا فحسب من مكان إلى آخر, بل أن هذه الهجرة التي تعود ممارستها كاعتياد موسمي إلى قرون طويلة من الساحل إلى مناطق جبال الحجر هي في أعماقها ومضامينها كظاهرة اجتماعية مازالت تتواصل وتسجل حضورا لافتا , تعد شكلا من أشكال التواصل والتكامل الاقتصادي والاجتماعي والسكاني في المجتمع العماني ما بين إقليمين مختلفين متمايزين في تركيبتهما السكانية والنشاط السكاني, واختلاف التضاريس والطبيعة والبيئة لكل أقليم. بعد أن نفرغ من كد الاختبارات المدرسية في آخر العام ومع ظهور بوادر الصيف بشكل محسوس حيث ندخل معاناة النهار الصعبة مع شمس لاهبة تنسكب بأشعتها المحرقة فوق الرؤوس واشتعال الجدران والحوائط والسطوح وكل جسم بالحرارة الشديدة في أرجاء المكان, مع كثافة شديدة من الرطوبة التي تكتنف المكان وتحيله أشبه بحمام بخار, مع ظهور هذه البوادر لغلبة الصيف وتمكنه واستوائه في مكانة راسخة في الجو يستحثنا ذلك استحثاثا ملحا يدفع إلى مغادرة المكان في هجرة صيفية يقوم بها بالأخص النساء والأطفال وصغار السن من الأسرة ويظل الرجال لمتابعة أعمالهم ومتطلبات تحصيل الرزق اليومي. فكان التجهيز لهذه الهجرة يأخذ متعة خاصة لدينا نحن صغار السن وذلك بمشاركتهم في توضيب الأمتعة وإحضار الأغراض والمتطلبات الأخرى التي تكون الحاجة إليها ضرورية في مكان انتقالنا والتي جلها في الحقيقة كميات من الأسماك المجففة والمملحة وهي تعد وجبة ضرورية في الصيف فيجري حمل كميات منها ليس بقصد الاستعمال وحده فحسب لكن ولأنها وجبة صيفية فانها تشكل هذه الأسماك من الهدايا المناسبة التي نحملها معنا في انتقالنا إلى الواحات فيجري تقديمها إلى الأهل والأصدقاء هناك وهم يتقبلونها بامتنان كبير في انتظار الفرصة للرد على هذه الهدية في مثل ثمانتها وقدرها. كان أمر الهجرة هذه تتحدد الحماسة إليها من عدمه انطلاقا من كثافة الأمطار والسيول والأودية التي حظت بها مناطق الواحات في الداخل , في الموسم الشتوي ومظاهر الخصب التي باتت تخلفها هذه الأمطار والسيول هناك , إذ تتحدد الهجرة حسب توافر هذه المظاهر من الخصب في نطاق الواحات وفي مجاري الأودية وضفاف مجاري السيول فتتخم عند ذلك بفعل موسم شتوي مطير قنوات أفلاج الواحات والأودية والضفاف بالمياه الغزيرة المتدفقة وسط البساتين الخضراء في الواحات وفي مجاري الأودية على شكل برك عميقة وغدران جارية على طول مجرى الوادي, مما يشكل كميات هذه المياه المتدفقة الغزيرة عاملا ملطفا مهما لحرارة الصيف الشديدة والقاسية التي تسكن الجو والذي يكون مظهره(الصيف) الحاد والقاسي هناك في الواحات الهواء الجاف الشديد السخونة بالإضافة إلى الشمس المحرقة التي تسلط سياط أشعتها المحرقة على النهار بطوله, فيغدو خلو المكان حينها من هذه المسطحات المائية المتدفقة, محرقة حقيقية يطال لهيب نارها الحيوان والبشر والشجر والحجر, فيصبح عندها مناخ الساحل برغم رطوبته الخانقة أكثر احتمالا أو أسهل للتكيف في تحمل حرارة الجو فيه. كانت تشكل لنا هذه الهجرة الصيفية نحن الأطفال نزهة ممتعة نقضي خلالها إجازتنا الصيفية, ننتظرها بفارغ الصبر بعد قضاء سنة دراسية كاملة من كد الدرس والفروض والواجبات المدرسية حيث كانت تحركنا لواعج شوق ولهفة لمسارح اللعب والعبث البريء هناك كنا نصرف جل النهار له هانئين جذلين بهذا اللعب والعبث بين الغدران المائية المتدفقة والبرك العميقة في الوادي وبين بساتين وحقول الواحة التي تنتشر فوق رؤوسنا بنخيلها وأشجارها الوارفة مظلة كبيرة تحجب لهيب الشمس وتلطف الجو الحار. بالإضافة إلى ملاك المقاصير والبساتين في الواحة الذين يسكنون الساحل والذين يحافظون على اتصال وتواصل مع مناطقهم الأصل (البلاد) والذين يعتبرون الصيف فرصة لتنفيذ هذا التواصل وتجديده اجتماعيا, حيث يسكنون وسط مقاصيرهم وبساتينهم كل الفترة التي يمضونها من الصيف, هناك القادمون للاصطياف هربا من شدة حرارة الصيف على الساحل من سكان الساحل أصلا والذين لا يمتون بصلة بمجتمع الواحة, يلجأون إلى الواحات في الصيف ويكون مستقرهم في الأغلب على ضفاف الأودية قبالة الواحات, حيث ينتشر تواجدهم في أكواخ من السعف مؤقتة تقام على عجل, مشكلين بذلك مجتمعا صغيرا بجانب مجتمع الواحة, تمتد مرافق سكناه على طوال ضفة الوادي وهم في أغلبهم الأعم من الأجيال الذين يمتازون بجدة ارتباطهم بالساحل أصلا , القادمون عبر البحر من ناحية الشرق, وهم بحكم هذه الجدة تنطق عادات الموطن الأصل في أفعالهم وممارساتهم أو تغلب عليها غلبة طاغية وكذلك هم في حديثهم, إلى جانب العربية لهم لسان موطنهم الذي قدموا منه ونظرا لاعتياد لجوئهم إلى الواحة في كل صيف فأنهم باتوا يرتبطون مع سكان الواحة بارتباطات وأواصر علاقة اجتماعية قوية فهم بطبيعتهم طيبون واجتماعيون . وقد أتاح ترحيب أهل الواحة بهم وتقبلهم المضياف لهذه الجيرة الموسمية الطيبة لديهم أن تثمر ناحية الارتباط بالمكان ارتباطا حميما , فبعض منهم من العائلات بعد طول تردد في كل صيف خلال سنوات متوالية طويلة للاصطياف في الواحة, استقر بهم المقام بشكل نهائي و اصبحوا مشاركين مشاركة متكافئة للسكان الأصليين في امتلاك مقاصير وبساتين وبيوت خاصة بهم رسخت مكانتهم الاجتماعية في أذيال النسيج الاجتماعي لمجتمع الواحة الصغير. هجرة الصيف هذه التي كانت ديدن أهل الساحل حتى منتصف ثمانينات القرن الماضي في حرص على الاعتياد بشكل ثابت في الانتقال مع قدوم الصيف من الساحل إلى ريف الواحات من المناطق الجبلية في داخل عمان, كانت ممارسة بذلك الزخم وتلك الكثافة, لأن مكانة الواحة والمجتمع الريفي بشكل عام لم تتضعضع بعد بالنسبة للإطار العام للسكان وفقا لشكل الحياة المستقرة عليه عادات المجتمع وحراكه الاجتماعي ونشاطه الاقتصادي الممارس وفقا لهذا الحراك و الناتج عنه كإفراز طبيعي, فقد كانت الواحات ومجتمعاتها الريفية والعادات والشكل الاقتصادي الزراعي المرتبط بها, تشكل مكانة راسخة في المجتمع العماني قبل أن يتعرض هذا المجتمع في بناه وتركيبته السكانية لمتغيرات اجتماعية واقتصادية متسارعة نحت به إلى أن يتحول إلى الشكل المديني على الأقل على مستوى الوظائف والأعمال الحكومية التي اتجهت إليها الأكثرية الغالبة من السكان واعتمادهم عليها في مقتدراتهم الحياتية الأمر الذي أدى بالتالي إلى أن تأخذ المدينة في مقابل الريف ومجتمع الواحة محور استقطاب لا يقاوم له مغريا ته , مشكلا هذا الاستقطاب نزيفا يسفح قطاعا واسعا ومهما من التركيبة السكانية في الواحات , ناحية المدينة , وضمورا بالتالي لأشكال النشاط الزراعي الريفي التقليدي الممارس والمهن التقليدية المرتبطة به وضمورا في الأخير نتيجة لذلك الاقتصاد الزراعي الريفي المرتبط بهذا النشاط . |
|||||
|
|||||