|
|||||
|
مساء البداية : لو يلتفِتُ هذا الشاب الوسيم إلى الوراء, لاكتشف أن فوهة مسدس محشو بالرصاص والغضب تكاد تلامس ظهره. لكنه لن يلتفت, فهو منهمك في إصلاح وضع الخنجر العماني ليكون تماما في الوسط, ورش دهن العود على الثوب الم عد خصيصا للزفاف. ومن ثم, فإن الواقف خلفه تماما ويتظاهر بتنظيف <<البشت>> باليد اليسرى, بينما يمينه تصوّب المسد س خلسة للظهر ليس إلا حَمَاه. بتعبير أدق ليس إلا من سيكون حَمَاه فعليا بعد ساعة.. أي في تمام الحادية عشرة من مساء الخميس الموافق للتاسع من جمادى الأولى. وهي نفس الليلة التي يتوافق فيها - كما قال المطوّع علي بن ناصر - نجما الشاب الوسيم وعروسه ويستطيعان إتمام الزواج فيها دون عوائق.... ولقد انتظرا هذه الليلة ثلاثة أشهر وعشرين يوما, وأرسلا الدعوات الصادقة لله ألا يموت قريب أو جار لهما قبيل هذه الليلة أو فيها. تظاهر الحما - كبير تجّار البلدة - بإزالة العوالق من البشت, ومرّر يده على كتف الشاب الأيسر الذي ابتسم وقال دون التفات: - كيف تراني يا عمي?!! - زين.. وزين الزين. وبين السؤال والإجابة نما الصمت في القلبين, وسبح كل منهما في عالمه, بينما يد الحما اليسرى على كتف الشاب, ويده اليمنى تحمل المسدس يوشك أن يلامس ظهر البشت. مساء الشاب الوسيم: الآن يا كبير التجار?!.. الآن تقول لي: << زين.. وزين الزين>>?!!. ها أنت ترضى بالهزيمة, ولا حل أمامك إلا التسليم. أين رفضك لي?!!. ذهب أدراج الرياح. أتذكر يوم جئتك وأبي نخطبها منك?!. أتذكر ما فعلت بنا?!... قربت لنا التمر والقهوة, فيما أرسلت ابنك خلسة ليأخذ نع لي أبي ويريهما ابنتك. قال لها: << أنظري إلى نع لي من تريدينه حما لك. قيمتهما ريال واحد وتحملان نصف قاذورات شناص, والنصف الآخر في قلبه>>. من أين لابن لم يتجاوز عشر سنين من العمر أن يقول هذا?!. أنت علّمته وحفّظته ليقول.. وابنتك الفطنة لم تزد على أخذ النعلين وضربت بهما خدي ابنك.. فكأنها ضربتكما معا. الحُب يعمي يا كبير التجار. مالك الذي جمعته طيلة العمر لم يمنع ابنتك من الوقوع في غرامي. رفضت كل الذين تنافسوا عليها من تجار وضباط وأطباء ومهندسين وأصرّت على الاقتران بي فهل استطعت منعها?!. قلت لها: << سأقتلك>>. ردّت باستخفاف: <<افعل. لن أخسر شيئا. أنت الخاسر الوحيد>>. بالغت في المهر لتبعدني عن طريقك, فاستدانت واعطتني المهر. قالت لك: <<إن لم تزوجني إياه, سأهرب معه, وسأعقبك فضيحة ما بعدها فضيحة. سيقولون: ألهى التاجر جمع المال, فلم يؤدب بناته>>. حتما ستوافق. الحياة عندك صفقات, وفي هذه الحالة ستبحث عن أقل الخسائر: تزويجي. يدك التي تداعب كتفي ترتجف. لا تملك غير ذلك. ماذا فعلت بعد?!.. حر مت على أولادك اصطحابها لسوق الذهب, فأوقفت سيّارة أجرة وذهبت بنفسها إلى صحار. جهّزت نفسها دون مساعدة من أحد. ل م كل هذا يا كبير التجّار?!. ألانها أحبتني?!. ألأني لست صفقة رابحة كزيجات أولادك?!. أموالك التي تكنزها إنما تكنزها لغيرك. أشتهي لو أستل هذا الخنجر, فأغمسه في قلبك المملوء حقدا وغلا للناس. لكني لن أستعجل لأنك ستموت كمدا....ستموت وسيرثوك..سنرثك جميعا: أولادك وبناتك وأولادي وأنا.. إلي يا دهن العود.. تعال إلى عنقي وسج ل هذا النصر. مساء كبير التجار: طلقة واحدة وسأهزمكم: أنت وأباك وكل خيالات المتسل قين أمثالكما. طلقة واحدة وسينتهي الكابوس. زوّدت المسدس بكاتم صوت, كما زوّدت حزني وألمي بكاتم صوت طيلة أشهر. قبل سنين قالت أمك تمازح زوجتي: << ما أجملهما معا. ليتهما...>>, ولم تستطع الإكمال لأن النظرة الغاضبة لزوجتي آنئذ أخرستها. مرّة لمّح أبوك برغبته في التقرب إلي وملازمتي بقية العمر, فطردته من مكتبي. تواريتم زمنا وتظاهرتم بالنسيان, فنسيت. أخيرا جئت لتغوي ابنتي. في الأيام الأولى للتاريخ, كان عقل المرأة في (الجمجمة), ثم سقطت عقول معظم النساء, فصارت في قلوبهن. تبّاً لقلبها الساذج. أما وجدت من حبيب غير هذا العاطل, وزير النساء الذي لم تعرف البلد مثله?!!. مر على الأخضر واليابس. درس في الجامعة عشر سنين, حتى بعثت إدارتها برسالة تقول: <<نُعلمكم أنه تم اعتماد تخرجكم هذه السنة>>. راجعهم قائلا : <<لم أنه كل المقررات الجامعية بعد. يبدو أنكم أخطأتم>>. قالوا له: <<لا.. لم نخطئ. قررت الإدارة إهداءك النجاح في تلك المقررات خوفا من احتفالك بيوبيلك الفضي في الجامعة>>. تبّا لسذاجتها. ألم تجد غيره?!. إيه يا وجه كبير التجار المخضّب شيبا.. إيه يا وجه الوقار. هكذا حرصت كل العمر على حماية ابنتك من أي مكروه, فأورثتك مكروها. إيه أيها الوجه.. إيه أيها الشيب. الآن سأنتقم. انتظرت هذه اللحظة طويلا. أطول من مرور الأيام الفعلية. كل دقيقة بشهر. قلت: << سأبعث من يقتله قبل أن تتزوجه>>.. لم أبعث, لأن ذلك لم يكن لينتقم لكرامتي. يجب أن تموت بيدي, ويجب أن أتركها أرملة تموت ببطء قبل القضاء عليها نهائيا بحادث سيارة. الآن, يا زير النساء: رش دهن العود على عنقك وتجهّز لملاقاة ملائكة العذاب, فقد طال انتظارهم لك. مساء الاثنين: لو يلتفت هذا الشاب الوسيم إلى الوراء, لاكتشف أن فوهة مسدس محشو بالرصاص والغضب تكاد تلامس ظهره. لكنه لم يلتفت بعد, فهو مشغول بوضع اللمسات الأخيرة على عمامته الخضراء. تسارعت أنفاس كبير التجار وهو يستعد للضغط على الزناد. شعر الشاب الوسيم بحرارة الأنفاس على قفاه فتوجّس خيفة. أنزل يده اليمنى إلى مقبض الخنجر بسرعة وقرر الالتفات بكامل جسده ليواجه حماه وجها لوجه. |
|||||
|
|||||