رفرفة

 

بشرى خلفان


تفردهما, تحركهما قليلا,تضمهما ثانية, ثم تميل بعنقها فيتكئ رأسها على الجانب الأيسر, تغمض عينيها كمن آثر النوم, لكنها ما تلبث أن تفتحهما ثانية وتنظر صوب السماء الممتدة أمامها نسيجا  من الأزرق المنحل في تلاشي اللون نحو حلول العتمة, تتهادى باتجاه الحافة, تفردهما ثانية, يخفقان فترتفع, يخف الهواء فتعلو حتى تضيع نقطة  في الغياب.

خولة على السطح تراقب حركة الحمامة, يتملكها الخوف حين تتراجع الحمامة وتغمض عينيها, يهزها الطرب إذ تنطلق, تنتشي بتحليقها, طارت الحمامة, فتحت لها باب القفص فخطت نحو البيدر الكحلي, مابقي منها غير الظل في عين الشمس المنطفئة, خرجت من حيز القفص الضيق إلى رحابة المجهول, بحركة صغيرة تدفع بالقفص ليسقط على أرض السكة ويتناثر منه الحب ويندلق الماء صانعا بقعة صغيرة, يشربها التراب على عجل, تتسلل نقرات الدفوف إلى دمها إذ تفعل ذلك, تنبت في قدميها فتنة الرقص, تسري إلى كامل البدن حتى تمس النشوة رأسها,...طارت الحمامة وعندما ستعلم أمها بالأمر ستؤنبها كثيرا, لكنها ستخبرها بأن القفص سقط دون قصد منها وأن الحمامة شقت طريقها إلى السماء, وأمها  التي تكتشف بسهولة كذباتها اللائي بلون الملح وطعمه, ستعرف بأنها فتحت باب القفص, وأنها عن عمد أفلتته وستعرف أيضا أنها اهتزت طربا  وأنها :كادت, كادت.....

و ستندلق بتفاصيل الحكاية التي رددتها حتى كلت جدران البيت من الإنصات, كل التفاصيل الصغيرة الموسومة بالغضب والمرارة.

( كنت قد رجعت لتوي من المدرسة, عندما لاقاني وجه فرحانة, كان وجهها قد تخلى عن لونه الداكن وغشيته طبقة صفراء, بلون الكركم, سألتها ما بها, لم تجب ولكن عينيها أشارت إلى شبح أبي الذي توارى عند الباب, والذي استطال ظله على الأرض فجأة.

 - أنت اليوم عروس.

ظننت أنه يتحدث عن مريلة المدرسة الجديدة.

- ستصبحين أجمل عروس عرفتها البلد.

أحسست بالحمرة تحرق خدي, فضحكت, لكنه لم يضحك, بل حدق في وجهي طويلا , ثم استدار وخرج من الدار, نظرت في وجه فرحانة, فوجدته غائرا ,ملتبسا , وكأن تفاصيله قد محيت.

تم زفافي في اليوم التالي, قامت النسوة برسم نقوش حناء غريبة على كفي, أفهمنني أنها تعاويذ لحفظي من الجان, ألبست حلة من المخمل الأخضر الداكن, قالوا أصبحت عروسا , ضحكت, كنت سعيدة, أتلهى, كل ما كنت أدركه, هو البيت والمدرسة والشارع القصير لذي يصل بينهما.

عندما قالت أمي إني زوجت البارحة, فرحت, فالزواج كما كنت أعرف صهلة, وثوب جميل وحناء, ودقات طبول, وزفة, وفرح.

<<آه يا أمي, لو أنك لمحت تلك النظرة في عيني الحمامة, لو لمحت تجلي الشغف في خفقات الجناح, أو تلك الخفة...تلك الخفة التي سبحت بها, كان الهواء ناعما , أحسست به يداعب ريشها, أحسست به يداعب زغب البدن, وحتى النشوة التي أعترتها, كانت تسري في دمي كالموسيقى, كدقات الدفوف, كرنين الصاجات.>>

و أدخلت عليه, لم أكن قد رأيته من قبل, تخيلته قريب الشبه بابن عمي, وسيما , قوي البنية, رائق الضحكة, لكن الرجل الذي أدخلت عليه كان هائلا, مدبوغ الوجه, حاد التقاسيم, ميت النظرة, وتخيلته العفريت الذي رسمت النساء الطلاسم في يدي ليبتعد عني.

 أقفل الباب وتخلى الأهل, فمددت راحتي في وجهه, واجهته بالطلاسم, لكنه لم يختف , كانت ركبتاي ترتجفان, أغمضت عيناي لأتجنب نموه نحوي, وعندما فتحتهما, كنت ملقية على الفراش, وكان ثوبي قد انحسر إلى الأعلى, أحسست بألم حاد, تحسست جسدي فارتطمت باللزوجة الحمراء.

في الصباح جاءت فرحانة تحمل صينية الافطار, وجدتني على حالتي تلك فهرعت إلى أمي, كان النزف شديدا , جاء الطبيب, أمر بنقلي إلى المستشفى, لكن أهلي رفضوا; في نظرهم أي دم يخرج من جسد الانثى عار وجب تجاهله.

قامت العجائز برتق الثقوب وخياطة الجرح, كنت غائبة اطلق أنات صغيرة, لم أعرف مالذي فعله, أو من أين يأتي النزف تحديدا, لكن الألم كان حادا , أحسست بجسدي مجوفا وفارغا , وكأن بئرا  بلا قرار تخترقني, أحسست بالحرقة تتمدد في داخلي وطعم كالصديد يغشى لساني, طعم حاد, مر, طعم لم يزل مذاقه في فمي.

<< وعندما هاجمني البلوغ, أخضعتني للتحقيق, هل سقطت على الأرض?هل تقاطع ظل رجل مع ظلك وأنت عائدة من المدرسة, هل لعبت بخشونة في حصة الرياضة? أججت لاءاتي فيك الخوف, حتى تكرر الحدث, فعرفت أنه قد أصبح لخلخالي رنين, وأن الكحل في عيني لم يعد فقط لطرد الرمد.>>

انتقلنا للمدينة, تركت قرية اهلي, ولم أبك , كانت الدموع تنز على خد أمي, وكان كبرياء أبي يلجمها, أما أنا فلم يرف لي جفن, لا أدري.....بينهم تملكني إحساس طاغ بالغربة.

<<قلت أن هديل الحمامة مهما بلغ به الحزن فهو جميل, جميل حتى حافة الألم, لكن الشرخ امتد إلى صوتها, أصابها الوهن من ترديد نحيبك, فانقطعت عن البكاء, لجت عيناها بالسكون, ذلك السكون الموحش, الأقرب للعويل.>>

و في المدينة أصبحت جارية مطيعة, أعرف كل واجباتي ولا أسأل عن شيء, أقضي نهاري مترددة كالصدى في غرف الدار الكثيرة الموحشة, وفي الليل أهرع إلى فراشي متجنبة أصابعه التي تتوغل في أنيني فتكتمه.

و حملت بك, تسعة أشهر من النزف الأبيض والأحمر, تسعة أشهر من الغثيان الصديدي البشع, كنت أفرغ جوفي كل دقيقة, حتى استبد بي النحول, وخشي علي من الإجهاض, لكنك تشبثت بتلافيف رحمي, كنت تريدين الحياة بقوة, تمنيت لو تسقطين فتريحيني وترتاحين,لكنك أبيت إلا أن تكملي شهورك التسعة وتخرجي للدنيا مكتملة بعد مخاض طويل...طويل.

<<وكانت الحمامة إذ ما تزاوج الليل والنهار وأنجبا المغيب, تصهر ريشها الرمادي في أذيال الغيم المغموس في التبدل, ترتجف حتى يدركها الظلام, فيتحول هديلها إلى نعيق مبطن بالشوق, كانت السماء التي استحالت حزنا  واسعا وعميقا  تحتل عينيها, وكان القفص الذي منحته فريسة يتسلى.>>

تمنيتك صبيا , قلت لو رزقني الله صبيا  لهان البلاء, ولوجدت فيه العزة بعد الذل, والأمن بعد الخوف, كرهتك بادىء الأمر كما كرهت نفسي, لكنك خرجت للحياة ملفوفة في مخاطك اللزج وعندما جاء أهلي لزيارتي, وحضنك أبي, تبولت عليه, فقالت أمي هذه بشارة بصبي يأتي بعدها, بينما عبس وجه أبيك, وازداد سمرة, وغالبت أنا ضحكة مُرّة.

تعلمت محبتك منذ أن بذلت لك دمي ليسيل حليبا  في فمك النهم الصغير, أحببت صوتك الأقرب للثغاء, دبيب قدميك على الأرض, كلماتك المبهمة, عينيك المسكونتين بالدهشة, أحببت ارتماءك في حضني, واستسلامك الهادئ للنوم.

لم تحبي أباك قط, وكان هو عابس الوجه دائما , لم يحاول أن يداعبك, وأحيانا كثيرة كان ينسى وجودك, لم تكن لديك فرصة لمعرفته فقد ذهب, أخذته سيارة في طريقها إلى الشمال فهلك. حاول أهلي إرجاعي إلى القرية فرفضت, تعللت بك, وتجارة أبيك, كنت أعرف أننا إذا ما عدنا سيعودون إلى بيعي...بيعنا.

و تغيرت كفة الميزان, بعد موت أبيك ورثت كل شيء, أصبحت أملك المال والأرض والدور, حفظت لك كل شيء, لم أغير الدار, لم أفرط في مثقال ذرة, أردتك أن تكبري وتشدي عودك وتحكمي في مالك, علمتك كي تصبحي الصبي الذي لم أنجب, كي تتجاهلي ضعف النساء, وقلة حيلتهن, كي تكون لك كلمة.

<< هل كان للحمامة خيار عندما رأت الباب مفتوحا? كان خروجها في حد ذاته أمنية, كنت أرقبها تخطو في ترددها نحو الباب الضيق, تملصت, عرفت طريقها, كان كل ما فعلته اني فتحت الباب, أما هي فقد استجابت لغواية الأفق.. يا إلهي! كم كان الأفق مزهوا  بخفقات الأجنحة!>>

قالت لي فرحانة أن أبي خسرني في الرهان, تراهن أبي والرجل على من يسقط أكبر عدد من الحمام, الرجل راهن بمائة ريال, وأبي سكت لأنه لم يكن يملك المال, فسأله عندك بنات? قال له : لي بنت صغيرة, قال الرجل: إذا  الرهان عليها, وعندما فاز الرجل لم يصدق أبي أنه سيأخذني, قال له أني لم أبلغ مبلغ النساء بعد, لكنه أصر على أني سأنضج في فراشه.

كنت صغيرة عندما رحل, أحسست بباب يغلق وألف باب يفتح, لم تكوني قادرة على إدراك الأمر, ولكني وقفت في وجه الجميع, وقلت للمرة الأولى لا....لن أعود, وعندما مات أبواي انقطعت كل علاقتي بالقرية, لم أرغب في الزواج, لم يختلج جسدي رغبة في الحب, كنت أحس أن وجود أي رجل في حياتي هو طوق من نار, أنا وأنت وفرحانة شكلنا عائلة ولم نحتج لأي شخص.

<< بعد أن نفضت الحمامة ريشها من وهن الحزن, رأيت تلاشيها يصبح حقيقة, فهزتني النشوة, لا أخفي عليك , كانت النشوة صافية حتى أن دمي استجاب لها فغنى وتمايل جسدي فرقصت, وكان القفص حانقا  علي, كان ينظر إلي بغل  , فدفعته من فوق السطح واتبعت تناثره بضحكة شامتة  ترافق حطبه حتى يستحيل رمادا , رمادا  منثورا  في عين العدم.>>


تصميم الحاسب الشامل