قصص

 

محمود الريماوي


                          كان عليه  

في وقت بعد الظهيرة, ومع السكون المخيم على البيت العائلي بعد تناول طعام الغداء وملحقاته, وإذ كان يتعين عليه أن ينال قسطه من القيلولة وكما هو دأبه ربما منذ ثلاثين سنة شمسية, وفيما كان يتصفح جريدة اليوم والصور المفزعة لحرب كل يوم, فقد شقت السكون فجأة صرخة قصيرة لكنها مدوية.. صدرت عنه.

الصوت أفزع الزوجة والأبناء الذين تقاطروا عليه وتحلقوا حوله وقد تولاهم الذعر والإشفاق. وكان عليه وقد أدهشه هو نفسه ما صدر عنه, أن يرسم على عجل ابتسامة مصنوعة على وجهه لإطفاء ذعرهم, لكن الابتسامة المرسومة غير المشفوعة بأي تفسير أو تبرير لما صدر عنه, ضاعفت من قلق الزوجة مخافة أن يكون الزوج العاقل المكتهل قد أصابه طائف من جنون. بهذا تفكر الزوجات وغير الزوجات في مثل هذا الموقف الصعب. لكن القلق لم يمنعها بل دفعها للمسارعة إلى تقديم كوب ماء له,وقد تناول الكوب بيد غير مرتجفة, وشرب الماء كله حتى شعر ببرودته تلامس أصابع قدميه.

كان عليه أن يشرح لهم أن غمامة ثقيلة سوداء أطبقت على صدره, بعد نهار لم يكتمل لكنه حافل بالعناء والرتابة, وأنه لم يملك سوى الصراخ لتبديد تلك الغمامة, وأنه كان يكتم حنقا  ويكظم غيظا ,وأنه يشكو جمودا  في أطراف جسده وشللا  في آلة التفكير لديه, وان شيئا  لم يحدث في واقع الأمر سوى أنه أطلق صرخة واحدة لم يطلق مثلها من قبل, بينما هناك من يقضون سحابة يومهم في إطلاق الصراخ لسبب ولغير ما سبب, وليس هناك من يلومهم ويستهجن سلوكهم.

كان عليه أن يفضي بما يعتمل في قلبه وما يجيش في سريرته, غير أن نازعا  لعله الكبرياء, منعه من الظهور بمظهر دفاعي أمام زوجته وأبنائه, الذين طالما رأوه مثالا  وع ل ما  للتماسك والثبات.

وقد أثقل ذلك عليه : أثقل عليه الإفضاء والكتمان, فعاوده التعب الذي أطبق عليه قبل قليل.. قبل أن يطلق صرخته, وحتى لا تبدر عنه صرخة أخرى, فقد استسلم لليد الممدودة لزوجته التي قادته إلى سرير القيلولة : سرير السلام الذي لم يلبث أن طار به بعيدا.

                     الساعة ذات الأذنين

انتبه فجأة للصوت المنتظم لقطرات الماء المتساقطة. كان يحاول عبثا  الإغفاء ومغالبة الأرق. فجاءه الصوت لكي يضع حدا  لدورانه في دائرة التفكير. تريث قليلا  ليتأكد من سماع الصوت,قبل أن يغادر دفء السرير صوب الحمام القريب. تفقد هناك الحنفيات ( صنابير المياه ) ولدهشته فقد وجدها جافة ومحكمة الإغلاق. فعاد إلى غرفة نومه المعتمة, وما أن وضع جسده على الفراش حتى انبعث الصوت مجددا. الصوت الرتيب الذي يوحي بنظام صارم, لكنه يتسبب بتشويش أفكاره وينذر بوقوع فوضى.

تردد في النهوض هذه المرة. ولكن أي المفر ? فإذا كان قد أصيب بالأرق لغير سبب محدد, فكيف مع الإيقاع المنتظم لصوت القطرات الذي لا يتوقف ?.

أسرع إلى المطبخ دون أن يضيء نور غرفته, كأن هدفه الواضح في ذهنه كفيل بإنارة طريقه. وفي المطبخ اكتشف أن حنفية الماء الساخن محكمة الإغلاق, أما الأخرى التي للماء البارد, فلم تكن مغلقة كما يجب. لم يسمع صوتا  لتساقط ماء لكنه اكتفى بهذا الاكتشاف, وأحكم إغلاق الحنفية وتريث لبرهة وهو يعاينها.

أطفأ نور المطبخ وعاد أدراجه في العتمة إلى سريره, وقد اصطدم اصطداما  جانبيا  خفيفا  بالحافة الخشبية دون أن يكدره ذلك كثيرا, فلكل شيء كما يقال وكما قال لنفسه ثمن. وقبل أن يستوي على فراشه كان الصوت الرتيب قد انبعث مجددا  مسببا  له الرهبة, ولوهلة في ظلام الغرفة التي ينام فيها وحيدا, شعر ان الأمر ينطوي على نذير ما يصدر من منطقة مجهولة, وأنه قد يكون كما في الأفلام البوليسية مستهدفا  من عدو غامض, يتربص به في مكان ليس بعيدا  عنه.

وها هو الأمر قد بدأ بإرباكه وإثارة أعصابه, وفي أجواء من السكون الذي لا يبعث السكينة في النفس. فكر بكل ذلك وعلى الوقع المنتظم للصوت الذي بدا له أشد إلحاحا. وإذ كان يعرف أنه يتمتع بخيال واسع, وأنه يتأثر بما يقرأ من روايات وما يشاهده من أفلام, إلا انه كان على قناعة بان الحذر واجب, وأن توقع أسوأ الاحتمالات ليس بالأمر السيء.

وقد لاحظ فوق ذلك أن وجيب قلبه بدأ يرتفع, بصوت ربما كان أعلى من صوت قطرات الماء, وبالتأكيد فإن هذا الوجيب اكثر إثارة للقلق.

نهض كالمفزوع إلى مفتاح النور وأضاء الغرفة, وقد كان عليه وهو يلهث أن يبتسم ساخرا  من نفسه ومشفقا  عليها : الجانب الاخر من السرير المزدوج فارغ كالعادة, منذ هجرته زوجته قبل سنتين لأتفه الأسباب, وقد بدا أشد اتساعا  تحت الضوء. ولم يعد هناك من يوقظه من نومه سوى تلك الساعة الصينية الرخيصة. وها هي هذه الساعة قد أيقظته قبل أن يتسنى له النوم, بعدما بدت دقاتها في مسامعه ويا للغرابة أشبه بصوت قطرات الماء. وقد كان عليه أن يتقبل هذه الدعابة بروح طيبة, بدلا  من الاندفاع لتحطيم الساعة ذات الأذنين, أن يتخذ من صوت دقاتها هذه المرة عونا  له على النوم.

                       بصريح العبارة 

لم يعد ذلك مفيدا.

ولم يعد ينفعه بشيء.

فقد نالت منه القذائف ورصاص الجند والقناصة , وتهدمت جدران روحه واقعا  وليس مجازا.

فقد اعتاد في البدء أن يغمض عينيه أمام هول المشاهد كما هو دأب الأطفال. على أنه وقد تجاوز الخمسين, أخفق في هذه المناورة السهلة. إذ كانت قوة خفية ونازع غلاب, يدفعانه إلى التلصص بطرف إحدى عينيه لاستطلاع المشاهد قبل أن ينقضي بثها, رغم إدراكه أن الرؤية تسبب له العذاب.

ثم عمد إلى الهرب بالانتقال لمشاهدة قناة تلفزيونية أخرى , تبث أي شيء باستثناء صور الفظائع , دون أن يفلح في تناسي ما رآه من قبل.

والأغرب منه أنه جعل بعدئذ يعمد إلى إطفاء شاشة التلفزيون حتى لا يرى شيئا  و؛يا دار ما دخلك شر« معاكسا  بذلك رغباته وفضوله. وفي كل مرة كان يحل محل الصوت والمشاهد المصورة , صمت  رهيب ملغوم بأصوات الانفجارات والانهيارات , وأنين المصابين وصرخات الاستغاثة والثأر التي تطلقها الأمهات.

بهذا لم تورثه محاولات الهروب أي سلام أو راحة. فقد بات يتعرض كل يوم من أحفاد ضحايا المحرقة- سواء شاهد نشرات الأخبار أم لا- لإطلاق رصاص غزير وقنابل غاز ودخان وحتى صواريخ تجود بها الطائرات المحلقة , حتى بات جسده مثقوبا  من جميع أطرافه وأنحائه , وهو ما كان يثير استغرابه وسخريته من نفسه. والفرق الوحيد أنه لم يسقط قتيلا  ولا جريحا  كحال الضحايا , ولم يتم زجه وراء قضبان السجن.

ثم بات يرى بيته الصغير على مبعدة أقل من مائة كيلومتر من ؛مسرح الأحداث«. بات يراه منتصبا  وسليما  ولكنه يتوسط مئات البيوت المهدمة التي يزداد عددها كل يوم. والتي تحولت إلى أنقاض وركام , دون أن يطرق أحد من المشردين في العراء باب بيته التماسا  لحاجة ما.

لقد كان عزوف هؤلاء وتعففهم عن طرق باب بيته يورثه مزيدا  من الألم , وذلك لما ينطوي عليه هذا العزوف والتعفف من عتاب وحتى من غضب مكتوم , فيما الجند والقناصة يرسلون ابتسامات باردة.


تصميم الحاسب الشامل