|
|||||
|
صباح كل اثنين وفي طريقي إلى محطة القطار يكون موعدي مع مستر والدن صاحب محل (زهور آدم) حيث أشتري من زهوره ما يشابه زهور العراق, الورد وفم السمكة والقرنفل. أنو ع الألوان والتشكيل في كل مرة, لكنها تظل ضمن مجموعة محدودة من الزهورلا أتجاوزها عادة. أنا زبونة المحل منذ اقل من سنتين, منذ تسلمت عملي الجديد في إدارة شؤون اللاجئين في منطقة فوكسهول, المنطقة التي تعج بالسير والمارة وتقطنها أغلبية غير ميسورة ماديا, باستثناء حوافها التي تطل على نهر التيمز حيث ترتفع فيها بنايات سكنية راقية, ومركز للاستخبارات البريطانية بمبناه ذي اللون المائل للخضرة. المنطقة التي أعمل بها غير مريحة للعين ولا للأذن, بزحمة مبانيها القديمة القاتمة, وتقاطع الطرق السريعة التي تمر قربها مرددة أصداء سرعة المركبات المارة, سيارات وحافلات ركاب وعربات قطار. داخل المبنى المرتفع التابع لبلدية المنطقة, خصص أحد الطوابق لإدارتنا التي تتعامل مع اللاجئين, مشاكلهم ومعاناتهم واحتياجاتهم المادية والمعنوية, مثل الدورات المتخصصة والمنح الدراسية. كل تلك المعلومات تزين الجدران بملصقاتها الاعلانية, وكتيباتها التي اصطفت على الأرفف, كتبت بأكثر من لغة كي يتمكن غالبية طالبي اللجوء المترددين على الإدارة من قراءتها. توجيهات لم تترك مساحة للوحة جميلة أو حتى لفراغ مريح للبصر. لهذا السبب أحمل زهوري صباح كل اثنين وأضعها في مزهرية شفافة كبيرة مخروطية الشكل. المزهرية التي نقلتها كثيرا في الغرفة إلى أن استقرت في مكان مثالي حسب اعتقادي: أولا يمكن أن أستمتع برؤيتها غالبية الوقت, ثانيا يمكن لزملائي الثلاثة الآخرين فعل الشيء نفسه, كما أن أي متردد على المكتب سيبتهج برؤيتها, وأخيرا ستكون جزءا من الكادر الذي يراني من خلاله الآخرون. محل (زهور آدم) يقع قبل محطة القطار تماما, في منطقتي السكنية التابعة لمقاطعة سري جنوب غرب العاصمة البريطانية, حيث اسكن منذ سبع سنين ومنذ أن حصلت على حق اللجوء في هذه المدينة. وهو يطل على حافة مرتفع يشرف على الطريق العام, ويعقب عدة محلات كئيبة لها علاقة بالمأكولات السريعة, وتصليح الكهرباء, وبيع الملابس الرخيصة. فجأة تظهر (زهور آدم) كهدية لعابر السبيل, نباتات صغيرة للبيت وباقات من الزهور بمختلف الألوان والأشكال, صفت على حيز ضيق من الطريق كي لا تزاحم المارة المسرعين إلى قطاراتهم عند الجسر المعلق بعد المحل بقليل. قبل شهور أطلت الوقوف أمام المحل, دخلت إلى المحل الضيق المستطيل وخرجت منه عدة مرات مترددة لم أحسم أمرى على نوع معين من الزهور. <<هل باستطاعتي أن أخدمك?>> سألني مستر والدن بتهذيب وحزم معا , كأنه ما كان مرتاحا من زبونة تقفز كنحلة بين زهوره من دون أن تستقر على أي منها. <<في الحقيقة لم أجد الزهور التي أبحث عنها>>. قلتها وشعرت بالندم لأنه قد يسالني عما أريد تماما, ولحظتها سأرتبك. بقي صامتا وراح ينقل نظره بين الأواني المعدنية التي وضعت داخلها الزهور, فلاحظت ان جفنيه يميلان إلى انتفاخ قليل كأنهما لرجل من القوقاز لا من انجلترا. كان ذا بشرة بيضاء تميل إلى إحمرار خفيف, ويحمل شعرا فقد لونه الأصلي ليصير ثلجيا اقرب إلى درجات الرمادي. ربما كانت أصوله من سهوب آسيا عبر الهجرات البشرية الكثيرة التي تمت على مر التاريخ, وقد حملت معها جيناتها علامة على ذلك الحدث البعيد. <<يبدو أنك تبحثين عن نوع نادر جدا?>>. علق بذات الصوت الهادىء الذي يتوقع حسما سريعا لوجودي في المحل, وشعرته يقولها بذات أسلوب حس الدعابة والتهكم المعروف عن الشعب الإنجليزي, الذي يميل الى الكشف عن المفارقات والتناقضات في الحياة, من غير ان يصدر الكلام عن ضحك او قهقهة. في تلك اللحظة دخلت إمرأة التقيها كثيرا في المحل وتبدو في السبعينيات من العمر, تكبره قليلا وربما أنها واحدة من قريباته أو أنها زوجته, اذ بدأت تتحرك بالمحل بحرية. كانت أنيقة وترتدي غالبا بنطالا وبلوزة يبرزان تناسق جسدها النحيل الطويل, قياسا بامرأة في سنها.. كان مستر والدن لا يزال ينتظر اجابتي فقلت له: <<في الحقيقة اعتدت أن أشتري زهورا تذكرني بموطني الأصلي, لكنني اليوم غير متحمسة لها>>. وأشرت ناحية أوان معدنية امتلأت بزهور القرنفل النحيلة والورود التي تحول بعض وريقاتها إلى اللون البني الخفيف. <<لكنك هنا ولست هناك!>>. أحسست بنبرته تقريعا, ثم جاءني صوت السيدة التي كانت جلست لتوها على كرسي إلى يمين المحل المستطيل الضيق. <<أوه يا عزيزتي هل ستبقين طوال حياتك اسيرة ما اعتدت عليه في بلدك. لماذا لا تجربين شيئا جديدا, الزهور الأخرى أيضا جميلة>>. ورحت أجرد المحل مرة أخرى بعيني لأتخلص من الإحراج بالعثورعلى ما يرضيني. دخلت وخرجت عدة مرات لأحصل على مبتغاي. ولاحظت أن الزهور الاخرى في غالبيتها جميلة وجذابة, لكن رغبتي في الزهور لا تتعلق بالجمال فقط. <<للزهور في بلادنا معان ودلالات. فالبنفسج مثلا يبهج الروح مع أنه زهر حزين, هكذا نقول في غنائنا, نغني للرازقي وهو من فصيلة الياسمين..>>. <<هل هو غناء باللغة الهندية?>> قاطعتني المرأة فكدت أضحك على الخلط الذي يقع فيه الإنجليز بين شعوب العالم مع أنهم استعمروا غالبيته في القرن الماضي. في تلك اللحظة اقترح علي صاحب المحل زهور التوليب التي كانت تصطف بألوان تتراوح بين الزهري والبرتقالي المصفر. <<نحن شعوب الشرق ابناء الشمس, لذا أفضل اللون الاصفر لأنه يضيء مثلها>>. ما كدت أنطق بالتعليق حتى مد مستر والدن يده إلى إناء باقات التوليب والتقط منها واحدة برتقالية راح يلفها بسرعة بورق من النوع الرخيص نسبيا. <<جنيهان ونصف>> قالها وهو يناولني اياها حاسما ترددي ووقوفي الذي طال في المحل. أحرجتني حركته فمددت يدي إلى حقيبتي لأدفع له المبلغ. ثم تركت المحل يرافقني تعليق مرح من المرأة العجوز <<حظا سعيدا مع شمسك>> مشيرة إلى الباقة التي امسكت بها للتو, عندها بدأت أشعر برابطة قوية تجمعني مع التوليب الذي أحمله بيدي. في طريقي إلى المكتب وفي الأيام التالية تردد في رأسي الحوار الذي تم في محل والدن, وشعرت بالخجل قليلا من ظهوري بمظهر المنغلقة على نفسها التي تأبى ان توسع من بؤرة عدستها لترى الواقع الجديد الذي تعيش فيه. كيف أكون كذلك وأنا أعمل ضمن فريق عمل لمساعدة اللاجئين على الاندماج في المجتمع الجديد? أبدو رافضة حتى لزهور المكان ? أنا التي اعشق الطبيعة وأعشق النباتات والزهور بكل اشكالها, حتى إنني أبحلق بالمقابرلأنني أجدها تزهو بألوان الزهور الكثيرة المزروعة في أرجائها, أو بتلك التي يحملها زوار القبور لأحبتهم ممددين اياها قرب جثثهم خارج القبر. ولطالما تساءلت: هل يشعر الموتى بزهورنا, هل يرونها, أو يشمون رائحة العطري منها? وعندما يقف القطار في محطة إيرلزفيلد ابحلق إلى المقبرة المجاورة من ناحية اليمين, وغالبا ما أجد بعض الزوار وقد جلسوا يرتاحون فوق المقاعد المتناثرة في المكان. اقول لنفسي إن الاحياء يحملون الزهور إلى المقابر كي يزينوا مكانا موحشا بما يرمز للحياة, ليعيدوا التوازن إلى مساحة خصصت لسكان الموت. وعندما ألحظ وجود بعض الزوار من كبار السن بمفردهم جالسين فوق المقاعد المتناثرة, صامتين مبحلقين في الفضاء الذي يلف المكان بخشوع, أتخيلهم يعو دون الروح على حقيقة لا بد آتية, مقنعين النفس أن المكان جميل مثل حديقة عامة ولا يبعث على الوحشة. لماذا اذن انحاز لزهور معينة دون غيرها فأشتري زهور الفريشيا برائحتها العطرة, وأتخيل أنها زهور القداح, تلك التي تتفتح من غصون البرتقال? ولماذا غرست في شرفة شقتي البسيطة اكثر من إناء ورد جوري ليس له رائحة ورد بغداد, ولا قدرته على مقاومة الريح وحرارة الصيف, ينفرط خلال أيام من زهوه بتفتحه!. مستر والدن ومساعدته لم يكابدا المنفى ليعرفا معنى أن يذكر المرء نفسه بأرضه الأولى, حتى وإن كانت الذكرى بنوع معين من النباتات. أم إنني أتحجج مرة أخرى بمبررات واهية كي أبقي بؤرة عدسة عيني في وضع الزاوية الحادة, ترى ما يريده لها حنينها أن تراه في مسقط ظل الزاوية? هما على حق وأنا أيضا, فلم لا نلتقي في منتصف الطريق? بعد هذه التسوية حملت مرة إلى مكتبي زهور الأنثاريوم الحمراء اقترحها والدن علي, غير إني وبعد أن وضعتها في المزهرية الشفافة تلبسني شعور بالذنب لأني وجدتها بشكلها الهندسي الاقرب إلى رسم حداثي, وملمسها الشمعي ولونها الاحمر, تصلح لصالونات راقية لا لمكتب بسيط يعنى بشؤون اللاجئين والمهجرين. ولاحظت مرة زهور القرنفل متفتحة نضرة في محله, ليست برؤوس كتيمة مكبوسة كما في أغلب زهور القرنفل الموجودة هنا, صرخت بفرح <<آه. هذه تذكرني بالعراق تماما>>. وحملت باقتين واحدة حمراء والاخرى بيضاء يعلو أوراقها خط خفيف بلون خمري. <<هل قلت العراق?>> سألت المرأة العجوز ثم وجهت حديثها لزميلها قائلة <<بيتر. والدك خدم كجندي في العراق منذ سنوات طويلة أليس كذلك?>> كانت تلك المرة الأولى التي اعرف فيها اسمه الأول, فمستر والدن متحفظ لا يتحدث كثيرا إلى زبائنه لولا توريطات مساعدته العجوز احيانا. لذا لم يعلق كثيرا على كلامها كأنما استاء من البوح بسر عائلي لا يعني غيره. اكتفى بهز رأسه مع دمدمة خفيفة <<نعم. كان ذلك في العشرينيات من القرن الماضي, لكنه عاش القسم الاكبر من وجوده هناك في منطقة تدعى (Marshes). الاهوار! بالطبع انها مكان ساحر. اعتقد ان لدي كتابا عن المنطقة هل تريد الاطلاع عليه?>>. <<ان كان ذلك لا يزعجك>>. لم تبد عليه البهجة ولكن نبرة الاهتمام كانت واضحة تماما في رده. الأمر الذي اسعدني أن شيئا مشتركا يجمع بيني وبين صاحب محل (زهور آدم) ومساعدته, شيء يكسر حدة الغربة بين مواطن ومهاجرة. كان ذلك في الأيام الأولى لاندلاع الحرب على العراق, عندما تصارعت في داخلي مشاعر متناقضة, فرحتي بموعدي مع مدينتي مرة اخرى, وقرب لقائي مع أهلي وأحبتي, وقلقي في الوقت نفسه مما ينهمر على البلاد من قنابل, ارضا وجوا. أقول لنفسي هل سيتبقى من الأحبة أحد بعد ذلك? وهل ستصمد الامكنة بانتظاري كي أراها كما تركتها قبل سبع عشرة سنة? و رحت أقلب في بعض ما حوت مكتبتي البسيطة من كتب عن العراق جمعها زوجي من مدن عديدة, أبحلق في الصور كأنما لأذكر النفس بما قد تكون نسيته, أو سهت عنه في معمعة الاغتراب الذي توزع على عدة مدن. هذا هو كتاب عن الأهوار. هل لا زالت هناك أهوار بعد ان جفف صدام حسين غالبيتها بتحويله لمجرى النهر? تذكرت وعدي لمستر والدن بعد أن انستني إياه تفاصيل القصف اليومي. حملت الكتاب لأريه أين خدم والده عندما كان في العراق. ولدهشتي تسببت بادرتي بفرحة لم أتوقعها انجلت عن ابتسامة بشوشة لم أرها على وجهه من قبل. <<هل لي أن أستعيره منك?>> وهل كان بوسعي أن أقول له لا.! كنت أريد أن يشاركني غالبية من أعرف مشاعري التي تتضارب في داخلي نحو العراق. فعلها والدن أخيرا عندما سألني إن كنت متوترة بسبب الحرب, وعما إذا كنت مع الحرب أو ضدها? وأضاف<<هل تعتقدين ان بريطانيا وأميركا اتخذتا الموقف الصحيح?>>. أسئلة كثيرة ما كان بائع الزهور لينطق بها تلقائيا وهو يتعامل مع زبونة تسكن بالجوار, امتزجت معها تعليقاته حول الأهوار مسترجعا كلام والده عنها <<ذكرني الكتاب بما قد نسيته. لقد كان يقول لنا انها مثل فينيسيا يتنقل الناس فيها بقوارب صغيرة. لكنها اكثر اثارة من فينيسيا. الناس هناك تعيش في بيوت من القصب فوق الماء. يا إلهي شاهدت كل ذلك في الصور التي حملها معه وبهتت تقريبا الآن>> وتوقف ليلتقط انفاسه وسألني <<هل تعتقدين أنني استطيع ان احصل على نسخة من الكتاب? هل لا يزال يباع في المكتبات أم أنه خارج العرض الآن?>>. وعدته أن أبحث عن الكتاب أو ما يشابهه في المكتبات التي أمر بالقرب منها. لكن تفاصيل الأحداث المتوالية بسرعة لجمتني إلى حد انني ما عدت أتوقف أمام محل والدن, كأنني لا أستحق ان أمتع النظر بالزهور, والمقابر الجماعية تكتشف الواحدة بعد الاخرى في العراق? خواء وفراغ خلفه غياب الزهور في ركني الدائم داخل المكتب, وكانت المزهرية تقف فارغة مثل شاهدة قبر. علق زملائي أنني قطعت عليهم عادة عهدوها مني ووعدوا أن يدعموني بثمنها إن كان المبلغ الذي أصرفه شهريا هو السبب. لم أتجاوب كثيرا مع تعليقاتهم. قد أكون ابتسمت بفتور, اذ ما عاد قلبي يحتمل الفرحة وأنا أتابع اكتشاف الجثث كل يوم. ثروة بشرية تخرج من الارض يوميا على شكل اكياس لحم. هل ستظهر جثة أخي الغائب في السجون منذ الحرب السابقة? هل يعود اخي على شكل جثة.. خرقة بالية لا روح فيها? الهاتف من أحد افراد عائلتي قال لي أن خالتي عثرت على جثة زوجها, وأنهم دفنوه في حديقة البيت رافضين فكرة نقلها إلى المقبرة. هلى تعتقد خالتي وابناؤها أنهم يعوضون الميت ويعوضون أنفسهم عن سنوات حرموا فيها منه, بأن يبقوه هذه المرة في مكان آمن تحت حراستهم لا يمسه سوء بعدها? بقيت فترة اسبوعين لا أقرب محل الزهور حتى لاحظت مرة اثناء مروري أن المحل مغلق. كان ذلك يوم الاربعاء, ولم يفتح مستر والدن حتى في عطلة نهاية الاسبوع. قلقت عليه وجال في خاطري انه ربما كان في حالة صحية سيئة او ربما ما هو اسوأ! يصعب التأكد من المعلومة, خصوصا وأن جيرانه في المحلات الملاصقة لا يعرفون عنه شيئا. صباح الاثنين اللاحق اطلت أواني الزهور من بعيد وأنا في طريقي الى محطة القطار, فابتهجت بعودته سليما, لكن علاقة الود التي خلقت بيننا بسبب كتاب الأهوار لم تزل حاجز الرسميات بيننا, كي أتطاول على خصوصياته وأسأله عن سر الغياب. كان يبدو من ملامحه ان شيئا ما غير طيب قد حدث في حياته, الا انه كعادته, كان منشغلا في المحل الضيق كأي رجل مخلص لعمله, وبدا كأنه امتلك فجأة حدبة أعلى ظهره. رمقني بنظرة سريعة ورد على تحيتي الصباحية باختصار. شعرت بالارتباك حيرى بين وجوب ان اقول شيئا للغائب العائد وبين ان اقرر ما أريد شراءه. سارع هو إلى انتشال باقة من فم السمكة البنفسجية التي كثيرا ما كنت اختارها, ولفها في ورق بلون البيج قائلا <<جنيهان وثمانين بنسا>>. كدت أقول له أنت بنفسك تناولني الباقة البنفسجية, رمز الحزن? لكن وجوم وجهه ردعني عن ذلك. عندما خرجت التقيت مساعدته العجوز وكانت في طريقها إلى المحل. لم اتمالك نفسي من معرفة سر اقفال المحل <<لقد قتل ابنه الجندي في جنوب العراق>> قالت وقد بدا عليها التأثر هي أيضا. <<الجمعة الماضي دفن مع زملائه الآخرين. كان القداس رائعا والصلاة على أرواحهم مؤثرة جدا, كان ذلك في كاتدرائية تشيشستر. ألم تسمعي عنها في الميديا?>> اجبتها بسرعة <<بالطبع سمعت>> ثم انعقد لساني ولم أنجح في إكمال الجملة, إنه لم يخطر ببالي ان ابن والدن مجند وأنه من بين القتلى. لم يكن صوت المرأة عاليا, بل كانت تتحدث بصوت خفيض كي لا يصل صداه إلى المحل القريب. رحت من ارتباكي أردد عبارة <<أنا آسفة لسماع الخبر>>. شكرتني المرأة بتأثر بعد ان أخبرتني أنها ابنة عم زوجته وتسكن بالقرب من بيتهم, وعبرت عن سعادتها لعودته إلى المحل الذي قد يخرجه من صدمته وصمته. مشت فتابعتها بعيني وهي تدخل المحل, ولاحظت فجأة ان زهوره غير نضرة, الشيء الذي لم يلفتني قبل قليل. فكرت أن أعود لأقول له شيئا يواسيه, وانتبهت إلى أن اللغة الإنجليزية لا تحمل تعبيرا يشابه العربية في العزاء <<البقية في حياتك>>. وخطر ببالي لحظتها أن اقول له <<على الاقل ابنك زار المنطقة التي أحبها جده, ورآها بعينيه>>. الا انني لم اكن واثقة ان كانت العلاقة بيننا تسمح لي بقولها بصوت عال. |
|||||
|
|||||