ليس مهما أن ينفتح الباب

 

سليمان المعمري


لم يكن المشهد في الغريفة المطلة على بحر ينذر بموجة للأساطير, لم يكن يوحي بأن هذا الهيكل العظمي الذاهب في ذهب الخسارة سيمتلك قراره أخيرا وي قدم على الخطوة التي ستنقذه من جميع آلامه. أشد المتفائلين بالنهايات السعيدة, وأقل المؤمنين بالتراجيديا كان يمني نفسه بأن ثمة طفلا مزنرا بالنعناع سيكتب نهاية المشهد. طفل صغير, قادم لتوه من حديقة البراءة, ومطعم جيدا ضد الحصبة والأمنيات, سيطرق الباب. ليس مهما أن ينفتح الباب. بل الأهم أن يستشعر الرجل الآيل للسقوط بقرون استشعاره الجهنمية أن دمه مازال يعربد بشقاوة داخل ذلك الطفل. ستنفتح النافذة حتما بفعل الريح التي تصر دائما على دس أنفها في أدق الخصوصيات. وستنبح كلاب الشارع, لا بسبب العظمة التي ألقاها أمامها زعيم العصابة المستقيم جدا جدا, بل فقط بحكم العادة أو لتقول <<نحن هنا>>. لا أحد يعرف على وجه الدقة بم  يفكر الرجل الآن. أو هل يفكر أصلا وهو يرنو بعينيه الى المدى البعيد حيث اللانهاية تغفو هناك بتكاسل. لعله يفكر في الأسباب التي تمنعه أن يفكر في قريته المرمية كبسرة سقطت من العذق قبل أن تنضج , كان الحطابون وحدهم من يسمح لهم بحمل الفؤوس في اللحظات الشاعرية. ومع هذا لم يكن أحد ليتقيد بالتعليمات. وهذا بالضبط ما ذكرته البطة الخرساء في كتابها المهم عن أحوال القرية (والذي لم تنل عليه أية جائزة بسبب رفضها تقليد مشية الكنغر الذي لم تحبه في يوم من الأيام)  حيث قالت بالحرف الواحد : لا شيء يعادل متعة سن القوانين سوى كسرها. لم يكن في القرية بالطبع ناطحات سحاب. بيد أن هذا الأمر لم يكن بديهيا للرجل الذي لا يعرف أحد على وجه التحديد لماذا يوزع عينيه الآن في أرجاء الغرفة بضراوة, اذ كان عليه أولا أن يطير الى المدينة ليتلذذ بهكذا كشف. أعمدة المصابيح منتشرة في المدينة كالم سل مات. لدرجة أن هذا الرجل الخاسر كان كثيرا ما يشج رأسه بها حين يخرج من حانات الليل التي تبيع النسيانات بالجملة. ومع ذلك هو يدرك أن القرية كانت مضيئة أكثر. مضيئة الى درجة أن الثعابين تخرج من مخابئها ليلا لتلعب الشطرنج. وحين يموت الملك دون أن يتسنى له التلويح بيده مودعا تحاول الثعابين أن تقتل الوقت بسمها فتتسكع في الأحراش. في إحدى المرات شاهدت الناس مجتمعين صفا واحدا كأنهم بنيان مرصوص. كانوا يحاولون إخراج عظمة صغيرة نشبت في بلعوم شيخ القبيلة بعد وجبة سمك دسمة. أشد ما كان يرعب الشيخ هو أن تتأثر حباله الصوتية التي يعول عليها كثيرا في خطبه الرنانة, والتي ما عادت تفرق من فرط سرعة دورانها بين الثريد والهمبرجر. الرجل الذي يفتح أحد الأدراج الآن أضاع على نفسه فرجة مجانية بسبب عمله الجديد في المدينة. في تلك اللحظة بالذات كان يقف في حديقة القصر يشرح لابنة رئيس الشرطة معنى أن تذبل وردة قبل أوانها. استمر الحديث بينهما أكثر مما ينبغي لدرجة أن القمر هدل شفتيه تبرما وذهب لينام. أن تكون وظيفة المرء التي يعيش منها قطف الورود هو أمر يفوق الاحتمال. هذا ما باح به الرجل لزوجته قبل أن يسرقها السرطان تاركة له طفلا هزيلا, يحب القطط, ويكره لعبة العسكر واللصوص, وفوق هذا محصن ضد الحصبة. الجدات الطيبات اللواتي تساقطت أسنانهن بفعل الحكايات الخرافية هن الأقدر على تربية الأطفال اليتامى, أما الرجال الذين يسرق المرض زوجاتهم وهم يتفرجون فلا يليق بهم سوى الهروب الى مدينة قابلة للاشتعال كبغداد للموت هناك في ظروف نفسية جيدة. كانت الشمس تعلم كل شيء عن مخططاته رغم أنه لم يخبر بها سوى صديقته النجمة الذاهلة. قالت له : احذر اخوتك, واعلم أن البئر لن يستطيع احتمالك حتى يلتقطك السيارة لأنه ملغم بالنفط سريع الاشتعال. لم يكن اذن ذنب النجمة ولا الغيمة ولا بنات آوى ولا المحللين السياسيين الذين يبيعون المطر في السحابة أنه لم ينصت جيدا لنصيحة الشمس. لقد شاهد بأم عينه وأبيها وبنات خالاتها المقبلات على الحياة بشراهة كيف أن رصاصة واحدة قادرة على افراغ ذاكرته من ألف ألف بيت من الشعر. وكانت بغداد فتاة مغلوبة على أمرها زوجوها بعجوز طاعن في العمر, وفوق هذا مخصي. ماذا كان بوسعه أن يفعل سوى كتابة هرطقاته على الجدران المهترئة في الوقت الذي تباع فيه ذكرياته الحميمة في سوق النخاسة . 

 لم يجد شيئا في الدرج فتوجه الى النافذة. وقف أمامها منكسرا كموجة ذليلة وعيناه ترصدان المد والجزر لبحر لا يعترف بالطيبين ولا يقيم لهم وزنا. صحيح أن الباب ينطرق وأن ثمة صوتا طفوليا يتلألأ في الخارج كالموسيقى ولكن ما من دليل على ذلك ليفتح. سوء الظن عصمة, وما من أحد عليه أن يثق في أحد. البرتقالة يجب أن تأخذ حذرها من الفلاح. والساقية لكي تدور لا بد أن تتأكد من أن الثور أشبع رغباته مع بقرة الجيران. والجيران أنفسهم على المرء أن يستحم جيدا قبل أن يدخل بيتهم, هذا إذا قرر زيارتهم أصلا. وحتى عند الذهاب الى المقابر لقراءة الفاتحة على أرواح الشهداء عليه أن يحصي الشواهد جيدا ليتأكد أن  لا لص مر من هنا. هو يتذكر جيدا الآن كيف كانت رائحة المسك تعبق في روحه وهو يحمل تابوت الشهيد الذي أوصى أن  لا يدفن الا في تراب مدينته الوادعة. الحدود بعدد الذباب على طعام فاسد ولكنه كان واثقا من اجتيازها ما دام يحفظ كلمة السر. وهناك, في المدينة الوادعة فرش أهلها ملاءة ضخمة وضعوا عليها التابوت وحمل كل منهم بطرف : الجنرال, والشرطي, والمقاول, وتاجر الذهب, والمشعوذ, والشاعر, والممثل, والصيرفي, والقواد, والشحاذ, ولاعب الكرة, والصيدلاني, واللص, والمطرب الشبابي, وماسح الأحذية, والقاتل المحترف, ونافخ الكير

كلهم اتفقوا على الملاءة, ولكنهم اختلفوا على أيهم أجدر بإمامة المصلين في صلاة الجنازة. ظلوا طوال الليل يستعرضون مزاياهم, والسنتمترات القليلة جدا التي تفصلهم عن الله. وحين طلع الفجر فتح الشهيد التابوت ومضى وهو يقول مغالبا النعاس : <<من الأفضل لصحة الميت أن ينام في مكان هادىء>>.

 عاد الرجل يفتش في الأدراج بهمة وإصرار أكثر من السابق, والطرق الطفولي على الباب يتصاعد. ما لا يعرفه ذلك الطفل البريء الجريء المنذور وجهه لزمن من الخيبات, أن والده أيضا طفل مخضرم. له عينان من نار خمدت منذ أمد بعيد, وأذنان محصنتان ضد الانفجارات التي تأتي بلا استئذان, وضد طرقات الأبواب التي تزمجر أثناء قيلولة الروح. وله قلب واحد صغير كحبة كرز, ولكنه مع هذا قادر على إطعام كل الأحزان الجائعة القادمة من غياهب الأزل المضيئة. وذات مرة خرج حزن ضخم من كهفه الميتافيزيقي فالتهم حبة الكرز كلها رغم أنها لم تكن ناضجة كفاية. ولم يقو  الرجل على الاعتراض لأنه كريم جدا وينحدر من سلالة قبلية تعودت أن تقول لكل من يزورها: <<نحن الضيوف وأنت رب المنزل>>. وهكذا اكتشف بغتة وهو يستحم في نهر دجلة بأنه بلا قلب يمكن أن يبيعه في ساعات العسرة. فلم يزد على أن غطس في النهر كطير مذبوح. وحين صعد مغسولا مذهولا أخبرته الفراشة أن عليه أن ينتظر الى أن ي خرج ذلك الضخم الشر ه ما هضمه في الخلاء. ولكن اللصوص لم ينتظروا فخطفوا ملابسه وفروا بها وهم يتضاحكون. ولولا حيلته الذكية لاكتشفت الطائرة الشبح عريه من السماء  اذ لا شجر في النهر ليواري بورقه سوءته.  فما ان قال متصنعا عدم الاكتراث: <<أنا عار  بها وبدونها يا صحب فخذوها, ولكن اعلموا أنني جربان>> حتى أعادوها الى الشاطئ وهم يتصايحون :<<يا ويلتنا انا كنا من الظالمين>>. فشكرهم الرجل وأثنى عليهم ودعا لهم بمطر غزير يهطل عليهم هنيئا م ريعا طبقا غدقا , نافعا غير ضار, يدر به الضرع, وينبت به الزرع. وحين آنسوا اليه واطمأنوا حكى لهم حكاية الساحرة الجميلة  التي تبيع مادة تمكن كل من يلمسها من الاختفاء عن الأنظار لخمس دقائق فقط.  خمس دقائق كافية لتنظيف المصرف المركزي من دنس الدنانير التي لا تقوى على رفع رأسها أمام سيدها الدولار. فاستعطفوه واسترضوه وأغروه بالأحجار الكريمة التي سرقوها من متحف بغداد ليخبرهم بعنوان الساحرة . وحين رفض رشقوه بالأحجار البخيلة ومضوا.. كل ذلك والشمس ترقب ما يحدث وتضحك. والرعيان يسلون وقتهم بحكاية الفلاح الذي أسقط الطائرة ولا يعلمون شيئا عن الشاة التي خرجت عن القطيع. والشعراء الذين يتبعهم الغاوون والغاويات متشاغلون بكتابة القصائد العصماء التي سيلقونها في أعياد الميلاد. والجمل الذي سقط فانهالت عليه السكاكين قهقه بسخرية حين اكتشف أنها جميعها مثلومة. أما الرجل الذي وجد الآن ما يبحث عنه, فقد عثر على قلبه بالصدفة في صحراء الربع الخالي من المودة بالقرب من شاة نافقة. ولكنه كان معطوبا وغير قابل للإصلاح لأن الميكانيكي اشترط وجود فاتورة البيع التي أكلها التمساح. فما كان منه سوى أن دفنه هناك ومضى. وها هو يمسك بالشيء الذي أنفق الساعات في البحث عنه في الأدراج, وتحت السرير, وأمام المرايا, وتحت الستائر المسدلة. وهاهي نافذته يغلقها على منظر الشمس وهي تذهب لترتاح من عناء نهار شاق. الطرقات على الباب المصحوبة بالموسيقى الطفولية الناعمة تتواصل ولا يقطعها سوى صوت قوي يدوي من داخل الغرفة.


تصميم الحاسب الشامل