|
|||||
|
تلفت الصبي فلم ير أحدا وراءه, انسرب من سكة لأخرى,أسلمته الأزقة المظلمة للأشد إظلاما,اقترب من بيت العرس فدار حول نفسه فرحا بالأصوات والأنوار, التصق بالجدار سائرا على أطراف أصابعه مبتعدا عن مجلس الرجال المنفصل حيث فاحت روائح القهوة والحلوى الساخنة,اجتاز الممر المترب بين المجلس والحوش, تناهت إلى سمعه أصوات ضحك النساء وغنائهن, فتأكد أن الحفلة تقام في الهواء الطلق, وبدأ في تسلق الجدار. جسده الضئيل لا يشي بأعوامه الثلاثة عشر, أمسك طرف دشداشته بفمه وهو يتسلق الجدار بخفة, زحف بهدوء حتى سطح المخزن, دعس شيئا من الليمون المجفف هناك فلعن أصحاب الدار,ظل منبطحا على بطنه في حين أطل برأسه على حذر فلم ير غير منظر جزئي للحوش المضاء بمصابيح النيون, والمراوح المثبتة على الأرض بقواعد طويلة, وبعض النساء يخطرن حاملات صواني الطعام أو مجامر البخور أو مراش ماء الورد.الأغاني تملؤه, يعرف أنهن يرقصن الآن ولكنه لا يتمكن من الرؤية, تأفف, تلفت, ثم زحف بتهور من سطح المخزن إلى سطح المطبخ الأوطأ, ضاعت ضجة قفزته في الأصوات المختلطة, أصبحت حلقة الرقص على بعد أمتار قليلة, عيناه الضيقتان تتنقلان بحرية بين أجساد البنات الراقصة ووجوههن الفرحة, يهز رقبته وكتفيه, ويدندن بصوت خافت, يرسل بصره إلى صواني العيش واللحم, يتلمظ, ثم يعود ليتابع الخصور المهتزة في الفساتين المطرزة, ينظر إلى الجهة المقابلة فلا يرى شيئا من العروس المغطاة بالكامل, يهز رأسه مع الصوت الشجي :<<عند العصر يا الكوس هبي, والزين روح عني مغرب, ومن بعده ما صفا لي محب..>>, يرقصن فرادى ومجموعات, كلما تعبت واحدة عادت لتقعد وقامت أخرى غيرها, الصبي يصفر بمرح تصفيرا خافتا متقطعا, ويطأطئ رأسه بين الفينة والأخرى حذرا من ضبطه في هذا الكون الجميل المحظور. اتجهت إحدى البنات بخطوات راقصة إلى امرأة تجلس في طرف الحلقة وسحبتها من يدها, فألفت المرأة التي على حافة الثلاثين نفسها وسط الأجساد النحيلة الراقصة, أخذت تضبط إيقاعات جسدها الطويل المائل للامتلاء شيئا فشيئا, أبصرها الصبي في الحلقة بغتة فلم يبصر ما عداها, بهذا الفستان الفيروزي الطويل الأكمام, واللحاف اللامع, لم يرها وهي تنهض, لم يرها وهي تحاول ضبط إيقاعها, رآها وسط الحلقة, ترقص, مستغرقة في ذاتها, يداها مطوحتان في الهواء, وكل ذرة في جسدها منقادة بلا حول لإيقاع الغناء, أبصرها الصبي فحاول أن يتملاها, زحف على يديه وركبتيه غير آبه بأي عين طائشة قد تلمحه, أطل برأسه الصغير من فوق الحلقة تماما, بحث عن عينيها ولكنه لم يرهما, كانتا غائبتين, وكانت نهشة العشق الصاعقة قد أطبقت أنيابها على روح الصبي, وحدها كانت هناك, وحدها تهز كتفيها بهذا التناغم المدهش, وحدها يتمايل جذعها بلمح البصر, ووحدها دقت بأقدامها الأرض ففتت أصابعهما الحافية قلب الصبي, وحدها كانت, ووحدها ستظل إلى الأبد, والعالم كله قد تلاشى واضمحل ليبعث بين أصابع قدميها , مد الصبي جذعه للأمام, جف حلقه واللحاف يتزحزح عن رأسها شيئا فشيئا, انساب العرق من مفرق شعرها إلى رقبته, تفلتت الخصلات السوداء وتبعثرت, توتر جسد الصبي وتصلبت كل عضلة فيه وهو يرى خصلاتها تلتصق بجبينها ورقبتها, الرقبة الحليب, الرقبة الفضة, يلمع فيها العرق حتى يغسل حبة الخال أسفلها منحدرا إلى النحر, إلى النهر,تدور حول نفسها, تهبط متمايلة إلى الأرض, وترتفع مرتعشة إلى السماء, وحبة الخال تغتسل مرارا بخط العرق المتصل, الذهول يغيب الصبي كما يغيب عينيها, هتفت بنت بشجن:<< شفت غزيل شارد بين الغزلان..>>, حمل الغزال الصبي على ظهره وشردا معا, تسارعت إيقاعات المرأة وتثنت, كاد الصبي أن يبكي لمخالب الألم الصاعق من تموج جسدها, جسدها الماء, جسدها الموسيقى, جسدها النُّبل والنِّبال,جسدها الملتوي حول عنق الغزال,محكم الالتفاف عليه, خانقه, حتى ترنح متهاويا مسقطا الصبي عن ظهره محشورا بين جدارين موثقا بحبال العشق الغليظة. |
|||||
|
|||||