|
|||||
|
في غرفتي بالمستشفى, وأنا على سرير المرض, ظللت أياما وليالي.. أنتظر قدومه المفاجئ, لكنه لم يأت!! ومع ذلك توقعت قدومه في أية لحظة. في الليل قبل النهار. فهو لا محالة قادم لهذه الزيارة.. قال الأطباء: الأعمار بيد الله, لكن الداء استشرى داخل البدن, وفي التجويف الصدري.. والأمعاء.. إنه يسري كالأخطبوط!! وينتشر بسرعة عجيبة.. محال وقفه أو استئصال كل هذه الأعضاء من الجسم العليل.. ادعوا الله, اطلبوا له الشفاء, فلكل أجل كتاب.. انصرف الجميع, من حول الجسد الهزيل, الصديق القديم, ظل واقفا بجوار السرير, يشد من أزره ويواسيه ويعلن تبرعه بدمائه له, لأنهم طلبوا المزيد من الدم لهذا الجسد الضاوي. ولم يستطع إخفاء حزنه وآلامه.. واغرورقت عيناه.. وشد على يده الذابلة التي أضحت جلدا على عظم, طلب منه ان يكون قويا, متماسكا, فسبحان من يحيي العظام وهي رميم, فهذه شدة وتزول.. وستقوم كالفرس البري, تنطلق في السهول والمرتفعات وفوق الهضاب الخضر, تصول وتجول.. ولم يستطع الصديق مواصلة حديثه, لأنه أحس بالمرارة في أعماقه, بالحقيقة المؤلمة التي لا فرار منها. ابتسم العليل, من حديث صديقه الوفي, كالأحلام التي تحدث في رائعة النهار, أحلام عسيرة التحقيق والمنال. وحدّث نفسه, لقد انتهيت, وصلت إلى نهاية الرحلة الشاقة الطويلة.. فكيف لي بالانطلاق فوق الهضاب والمرتفعات. لقد سقط الجواد على فراش المرض والموت.. وفي انتظار الزائر الغريب.. قال الخل القديم : سأعاودك غدا في الصباح, لأراك.. وألبي مطالبك, لا تنكسر. فأنت لم تسقط أو تنهزم بعد, ولم تصل إلى المحطة الأخيرة.. ابتسم المريض, من صديقه الشاعر القديم, ابتسامة ذابلة في وجه تعلوه صفرة الموت, وقال بصعوبة كالغريق: أريد أن أراك غدا, لتكون آخر صديق وفي أراه في هذه الدنيا.. خرج الصديق الحالم, وتركني وحيدا, أعاني الحيرة والألم والضعف والمرض, وأسئلة حيرى تتخبط في صحن عقلي: هل يمكن أن ينكسر الإنسان, ولا ينهزم, أو يتحطم وينسحق?! كيف يظل الإنسان متماسكا حتى النهاية?!. الصديق الوفي لماذا خرج اليوم حزينا?! غادرني بعد لحظات وداع طويلة. هل أحس بشيء? أو عرف شيئا لا يود إخباري به? كنت أقرأ في عينيه أشياء كثيرة تقول: إنها الزيارة الأخيرة, الوداع.. ملامح وجهه تنطق بذلك, وإن كان يحاول التخفيف عني!! لا داعي لهذا التشاؤم, في الغد سوف يأتي لمجالستي كعادته, يقوم بسرد النوادر علي ويشد من أزري ويقوي من ضعفي وقلة حيلتي أمام المرض.. هيه!! مسكين أنت في هذا الزمان.. يا من تسافر في رحلة الأيام بلا رفيق ولا أنيس, أو جليس.. وانتظرت مرور الليل بفارغ الصبر, وترقبت النهار بشوق.. ليأتي مرة أخرى, لحظات قبل الوداع الأخير, على أمل أن أراه, أرى الطفولة البعيدة, البراءة المفقودة, التي عشناها معا طوال سنوات الصبا والشقوة والمذاق الجميل.استجمت في خاطري كل هذه السنوات, ليمر الليل ويأتي الصباح وأراه.. هل ينتظر ملاك الموت القادم من وراء الغيوم وبحر الظلمات لعودة الصديق والخل الوفي? هل يطلع علينا النهار ويشرق يوم جديد.. وغلبني النوم, فنمت.. من طول السهر والأرق. استيقظت ظهرا, أين هو? أين الزائر? أين الصديق والرفيق الذي يعاودني كل صباح?! لماذا تأخر اليوم?! لماذا لم يأت لزيارتي حتى الآن ? مذ رقدت على سرير المرض وهو لم يتخلف يوما واحدا عن هذه الزيارة. هيه. هذه ليست عادته!! ربما هناك أسباب أخرته, عذر طارئ مفاجئ حدث له هيه تمنيت أن أراه قبل وداع الدنيا ومفارقة الأحباب لكن هناك شيئا ما يدور بداخلي, يقلقني, يحيرني.. في المساء, جاءت الممرضة, للمريض العليل, القابع في انتظار الزيارة, جاءت لتخبره بشيء من الحزن والأسى, بأن صديقه الخل الوفي, قد رحل. مات. كيف حدث هذا ?! لقد غادرني بالأمس صحيحا معافى!! قالت مستدركة : لم يخرج في الصباح من مسكنه, وعندما تأخر كثيرا, على غير عادته, طرقوا عليه الباب, فلم يرد.. وبعد محاولات عدة, حطموا الباب.. ودخلوا عليه, فوجدوه ما زال في مرقده.. جثة باردة. لقد فارق الحياة ليلا, مساء, بعد عودته من زيارتك... هل أخطأ الزائر الغريب وذهب إليه هو ?! وكان من المفترض أن يأتي لزيارتي أنا?! لزيارة العليل المريض وليس لزيارة القوي المتين?! أيموت الصحيح ويحيا العليل?! يا سبحان الله !! قادر على كل شيء. رحل صديقي سليم البدن المعافى, رحل دون أسباب أو مرض أو شكايات من علل تؤلمه وتنغص عليه حياته. مات قضاء وقدرا. وأنا ظللت على سرير المرض والموت. لا أدري لمن كانت هذه الزيارة, لي أو له. بالأمس جاء يودعني وأودعه, ومضى في صمت!! سرت على قدمي من جديد. زاولت حياتي اليومية العادية. ومع مرور الأيام, أصبحت أركض كالفرس التي حدثني عنها في اللقاء الأخير تعبر السهول وتجتاز الفيافي والقفار. وأحلق في الآفاق, وعلى المرتفعات والهضاب. أقول شعرا ونثرا, وأكتب حكايا حزينة.. ومشيت إلى قبره.. وأنا أتعجب, هل كان من المفترض أن يكون العكس, يحمل هو الزهور إلي?! أو أن ما حدث هو المقدر والمكتوب, وأن راحتنا في الحياة الدنيا هو عدم معرفتنا لموعد الزيارة.. هذا السر الغامض المحير !! |
|||||
|
|||||