|
|||||
|
استيقظ شاغر الصقر ذات ليلة على قرع على باب بيته يعلو ويهبط مثل صخرة تنزلق من فوق منحدر فانتابته رعشة خوف واكتست ملامحه علامات من ترقب للقاء لم يحلم به قبلا وتناثرت على مسامعه شظايا لزجاج نافذة مكسورة ثم تخيل اليه كمن يرى ايتاما يتابكون خلف جنازة بيضاء لا تحمل احدا ثم ازداد خفقان قلبه وهو يتراءى له نحيب كلب أبيض وعندما اشاح اللحاف عن وجهه رأى الظلمات تحيط به من كل صوب فتساءل في حزن: ان هذا الليل لم يكن بهذه الصورة من قبل ثم التقط انفاسه وتلمس زوجته بيده اليسرى حتى ارتمت على نهديها فأعادها وحك شعر رأسه في قلق وحملق في زوجته وهي تغط في السبات فبدت له مثل جثة غريق لفظه البحر وقال في نفسه: اني احلم.. انه حلم اللهم اجعله خيرا , وعندما عاود النوم اعاد الطارق قرع الباب بلطف فلم يلبث شاغر ان ازاح اللحاف ونهض بتثاقل نحو مصباح الحجرة منزلقا من فراشه حتى كاد يسقط في حضن زوجته مرعوبا, كان السرير في وسط الحجرة الممتلئة به فتلمس بيديه السرير في شيء من الحذر وراح ينساب خطوة اثر اخرى نحو الجدار الذي التصق به مثل ثعبان لتصل يده الى مفتاح المصباح الكهربائي القريب من الباب, أضاء المصباح المعلق على الحائط فتناثر حول الحجرة ضياء خافت يشبه تصدع بدايات فجر في العتمة, أغمض شاغر عينيه هنيهات ثم فتحها وهو يرى اشراقة تفاصيل حجرته بوضوح وايقظ زوجته بصوته المتحشرج الا تسمعين يا امرأة طرقا على الباب, تثاءبت زوجته مثل خيل جموح اتعبتها المسافة وردت عليه وهي بالكاد تفتح عينيها: لا اسمع طرقا .. ربما انك تحلم, لكن شاغر جلس قبالتها وانثنى على ردفيها بكلتا يديه وهزها برفق حتى جعلها تتكئ على مسند السرير ثم مسحت وجهها في كسل متعب وقالت: أنت تحلم.. لست بسامعة طرقا على الباب, قال شاغر: استيقظي يا امرأة كوني واعية, استمعي الآن, الا تسمعين طرقات على باب البيت.. انزلقت صباح في السرير وغطت رأسها باللحاف وهي تغمغم: لا اسمع طرقا على الباب, اذهب وانظر من الطارق, ربما انها الريح.. واعاد شاغر ما قالته صباح وهو ينظر الى جسدها المسجى مثل كفن وقال: ربما انها الريح.. ارتدى شاغر قميصه واتجه مسرعا صوب الباب وعندما فتحه ولم يجد احدا وحين تقدم بضع خطوات الى الخارج وطئت قدماه ورقة لرسالة فأحس بها والتقطها منحنيا بيمناه وكانت ثمة أشواك بدأت تنغز انحائه ويخزه حزن مبهم لا يعرف مصدره وكان الليل يعج بالعتمة ويكدس غسقه في نواحي القرية, مثل كتل رصاص مذاب يساقط من السماء حاجبا ابتسامة القمر, اضاء شاغر مصابيح البيت فانثال الضياء يكسر سواد الليل مثل كهف مظلم توغل فيه وحشة رعب قارس ثم انتابته حسرة كمد ما لبثت ان انطفأت حشرجتها عندما فتح الرسالة فألفاها خرقة بيضاء خالية الوفاض ثم تابع فتح الظرف في شغف ومزقه حتى القعر فانتابه غضب جامح وتخيل اليه احد اصدقائه الثملى الذين لا يخفون هلوساتهم حين يسكرون لكنه ارتد كطائر ارتطم بجدار وتساءل في ريب: لكنه ما فعلها معي ابدا, ثم طمأن نفسه واستراح حين فسرها بالريح التي حملتها من قمامة في اقاصي بعيدة مع احجار حملتها وارتطمت بها على باب البيت.. وانداح وجه صباح مبتسمة له بصوتها العذب الذي يشبه رقرقة ماء زلال في نهر ويتهادى في حناياه: ربما انها الريح. فابتسم ولاحت منه التفاتة الى نافذة الصالة فألفاها مفتوحة الصدر وقبض بعنف على الظرف والخرقة البيضاء وطحنها بكفه الايمن ثم تقدم بخطى وئيدة نحوها ورمى بما في يمينه من النافذة فحملتها الريح بخفة كانت تمر حينئذ من بيته ناعقة نحو الاعالي مثل حشرجة بوم عجوز اتعبه السفر. أحس بعطش يجتاح احشائه فهرع الى قنينة ماء مركونة بقرب الجدار الصافن حوله فتقدم اليها باحثا عن كأس في ارجاء الصالة الذي فتح بابها واتجه صوب المطبخ وأنار مصباحه ورمق كؤوسا كثيرة ملقاة في مغسلة بنحو غير مرتب والتقط احداها وفتح صنبورة المياه وغسله من بقايا خبز عالق ومشى بخطواته في شيء من الرفق لئلا ينزلق على البلاط اللامع من انعكاس الضياء عليه فتراءى له قبر مقلوب ينتظره, تعوذ بالله من الشيطان الرجيم واغلق الانوار والباب ومضى يسكب الماء في الكأس ويدلقه في جوفه فسرت في جسده برودة القطرات المنزلقة من الكأس على صدره وامتزجت بالنسمات المتسربة من النافذة اليه في لطف, اتجه صوب حجرة ابنائه واطلق شاغر تنهيدة ارتياح واستيقظت في صدره ابتسامات لعيون نضرة وصعدت نحو السماء أشواق هطلت في دمائه وابل عشق.. عاد وارتمى على اريكة الصالة ثم قادته قدماه الى حوش البيت فتذكر الرسالة والخرقة البيضاء وحاول التهرب من وسواس كهذا بسيجارة ينفثها كآخر حريق يلمسه, ثم استدار متذكرا علبة السجائر في حجرته التي كان مصباحها مشتعل والزوجة نائمة, دخل الحجرة وفتح دولاب صغير بالقرب من تسريحة الشعر ملصوق بالجدار فأحدث الدولاب صوت صرير لذيذ ذكره بلعوب التهمها بالقبلات فانهارت كنار جائعة ولعق شفتاه بلسانه متذكرا شفتيها اللتين كانتا تشبهان غنج شهد في صدر وردة فأمعن النظر في جسد زوجته وازال اللحاف عنها فاجتاحته رغبة عارمة في البكاء على صدرها وتهادى اليه من بعيد صوت زورق يغرق في بحر جارف حطمته أمواجه وتناثرت اضلاعه في اليم فسرت في جسده رعدة عشق حين التفت الى صدر زوجته فبزغ نهديها المتكوران مثل عصفورين يغردان في وجع وجوع. بلع ريقه وتلمظ شفتيه وخرج الى حوش البيت حاملا علبة سجائره والثقاب صوب كرسي مرمي في آخره ارتمى عليه مثل عليل واشعل الثقاب فملأت صورته المكان مثل شبح منقرض تلاشت اشلاؤه حين أطفأ عود الثقاب واصطدم بالعتمة وجر حريق سيجارته كأصداء سلاسل تتشظى في سواد الليل, تذكر شاغر أمه ففاضت عيناه حين تصورها وحيدة وعمياء تقودها ايدي البؤوس, وتراءت له في بركان من غضب تستبيح مروجه الخضر فتحصدها يبابا وسيطر عليه بكاء طاغ من فرط الندم فرمى أعقاب سيجارته ودفن وجهه بين كفيه وعلا نحيبه حد النشيج نحو السماء اللامعة بالانجم فلم يعره الليل وما وسق شيئا من الشفقة وراح يقلب عينيه الدامعة في صمت الجبال وسكون الشجر وقال في أسف: سأسترد غدا ما سلبته السنين.. وبدا لشاغر ان الغد بعيد جدا وليس لهذا الليل من آخر, قام عن حزنه وودع الوجع وسار نحو حجرته يترنح مثل ثمل اطفأ المصباح الكهربائي وارتمى بقرب زوجه وراح في سبات طويل. في الصباح الباكر حين داعبت اشعة الشمس رؤوس الجبال والشجر وزقزقت العصافير في بهجة النور, ترامى في الأفق ضجيج حزن في نواحي القرية وهرعوا حول بيت شاغر الصقر على صراخ صباح المر زاعقة بصوتها الجاف وارتمت مفجوعة القلب. غاب شاغر الصقر وحين حملوا نعشه نحو مثواه الاخير كانت الريح, شجرة حزينة مورقة الدمع تخايل نظرات خريف غاضب تكتسحه اشباح بيض غارقة في انتظار ليل عابر وعندما عاد الناس من مواراة شاغر الصقر في قبره, كان البيت يضج في حزن عارم وفيه امرأة متوشحة بالسواد طاف عليها ذاكرة رجل راحل وتصورت الغروب الساكب شفقة في جسد السماء مثل حظة عشق تحت أسفار رجل آخر. |
|||||
|
|||||