|
|||||
|
<<مشيناها خطا كتبت علينا ومن كتبت عليه خطا مشاها ومن كتبت منيته بأرض فليس يموت في أرض سواها>> على هذين البيتين من تراث الشعر الصوفي, خطهما بخطه الرقيق على الحائط المقابل, تقع أعين الضيوف لدى ولوجهم المجلس القائم في إحدى الزوايا البحرية من حوش الدار الواسع, حيث يمكن لنوافذه أن تتنفس هواء البحر المترامي على طول الأمداء وعرضها. فهل كان من قبيل المصادفة أن اختار عزان الكاتب هذا الصنف من الشعر ? أم أن مجرى حياته سار على مثل ذلك المنحى القدري المجرد كالذي يشع به معنى البيتين ! النزول كانت الحرب داخل البلاد في ذروتها عندما انهالت الحياة بأعبائها على ظهر عزان ذي الثلاثة عشر عاما , ووجد نفسه وأخاه الأصغر وحيدين بلا سند بعد أن انتزعت مخالب الحرب والديهما. وهاهو يجهز زادا للطريق ويركب أخاه ظهر الحمار ليغادر قريته في ليلة يربض عليها الصمت, وينيرها ضوء القمر الذي انسكبت أشعته فوق الأسطح المتناثرة على هامة الجبل, وعلى الدروب المنحدرة من القرية الجبلية, عاكسا صورته فوق صفحات الماء في أحواض الشرب الحجرية, وعلى البرك التي خلفها المطر في أسفل الفج العميق. ولم يكن في نيته (وهو يخرج متسللا من بيته) أن يطلع على أمره أحد, لولا أن نفسه السخية أبت عليه أن يمر من جوار كوخ معلمه الطيب من غير أن يقول كلمة وداع. طرق عليه الباب وأخبره عن عزمه, فطلب منه العجوز أن ينتظر ريثما يخط له الرسائل التي أكد بأنها ستعينه في أمره بإذن الله. وحال فرغ من كتابتها ناوله إياها ومسح على رأسه وهو يتمتم بكلام كان لم يزل عسيرا ليفهمه عزان. سارت القافلة الصغيرة أياما وليالي قبل أن تبلغ منتهاها, شاقة طرقا تلتف في صعودها وهبوطها على سلسلة جبال شاهقة, وبين الحين والآخر تنبثق قرى الجبليين الساكنة بين أحضانها. ظلت كلمات المعلم العجوز تتردد في ذهن الصغير وهو يتلمس بقدميه نتوءات الأرض الصخرية, منقلا بصره بين الطريق وأخيه. وعندما تحجب ندف السحائب الرمادية ضوء القمر, يترك العنان حرا للدابة ليمسك على ركبة أخيه خشية أن ينوس ويسقط. ولتفادي ذلك كان يلجأ أحيانا إلى حيلة قص الحكايات التي حفظها عن المرحومة أمه, حيث كانت تعشق قصص الجان وتسترسل في حكايتها وهو مستلق بجانبها, منتهزة في كل مرة اكتمال القمر لكي يضيء بنوره حبكتها ولكي لا تقع غما على عقل الصبي. تمضي المسيرة قدما ملقية ظلالها على الطريق الهابط. تميل ما مال الطريق, بلا بوصلة أو مخطط أيما كان نوعه أو حاله. في قلب الصبي لا شيء فوق العادة, فالجبل والليل والقمر يعرفهم كما يعرف اسمه وعمره ونسبه. كان كل ما يشغل فكره أخوه فوق الحمار خشية أن يتغافل عنه ويسقط في الطريق الهاوي, وما عداه فإن العمى يحيط عقله مثلما أحاطت الجبال وما تزال مداركه وأحاسيسه. توسعت عينا الصبي على المشهد أمامه كما لم تتوسعا من قبل. فبعد أن هد ه التعب وغالبه النعاس, وبعد أن ثقل عليه أخوه وهو يسند ظهره, انبرى إلى جانب صخرة وحمل شقيقه النائم ثم مدده بجواره وسرعان ما سقط معه في جب النوم العميق. وبعد أن نشر الفجر أنفاسه على الارض والسماء وبسط ألوانه فوق أسطح الكائنات, جاءت الشمس معتلية ظهر تل بعيد, فخطت بضيائها مسارات دقيقة لا تحصى قبل أن ترمش على وجه الطفلين النائمين. لم يكن هناك ديكة تخبر بالصباح, ولا عصافير تغنيه كما هو الحال في قريته البعيدة. كان أول صباح من نوعه. رغم ذلك استقبل الصبي الخارطة الجديدة بحبور وعذوبة, وغردت لها كل أحاسيسه, وسمع بدوره جنبات الوادي الفسيح تردد تغريده. كان ذلك الصباح أول عهده بإنبساط الجغرافيا وامتداد الجهات. ومن خلف الصخرة سمع بكاء أخيه ذي التسعة أعوام, فنهره غاضبا : <<أها وأسمعك تبكي مرة ثانية وإلا بهذي العصا>>, قال ذلك مرددا كلمات أبيه ومقلدا نبرته الصارمة يوم نهره مرة بعد أن سمع صياحه وهو يبكي من لدغة عقرب ! بداية الرحلة طوى عزان قطعة الفراش, بينما قفز نصير( بعد أن كفكف دمعه) ليحل رباط الحمار, فوجده واقفا وهو يجتر من عشبة وحيدة شاء حظه أن يربط بجوارها. وما هو إلا وقت قصير حتى انطلقت الرحلة من جديد. إذ لم يكن ما يستدعي الإنتظار, فالزاد القليل لا يسمح بوجبة إفطار (جبة تمر, وكيس ورقي, ناوله إياه معلمه مع الرسائل, لف على سمك الرنكة المجفف). مازال الطريق ينحني إلى الأسفل, غير أنه كف عن كونه شريطا صخريا ضيقا حينما بدأت تخالطه أحجار بطبيعة أقل قسوة وذلك لقربها من الوادي. كما أخذت انحرافات متعرجة تتفرع منه. فمنها الذي مال على زاوية حادة متجها شطر أعالي الوادي, وآخذا مسارا معاكسا للمجرى داخل الجرف الذي يخترق سفوح جبال مهيبة بعلوها, حيث تتبدا قبة السماء من بينها وكأنها ورقة باهتة بلا وزن. ومنها الذي يتجه عرض الوادي ليذوب بعدها في سهوب مترامية الاطراف, ولو أن شجرة السمر لم تتخذ فيها موطنا, لكان الله وحده العالم عن ذلك الشعور المرعب بالانكماش والضياع الذي سيحط على السائر فوقها. أما الصغيران مع الحمار فقد رموا بخطاهم على الدرب الساحب إلى محاذاة مسيل الوادي. وقبل أن تنبسط أقدامهم على الأرض المستوية, تاركين خلفهم الجبل ومرابعهم الأولى, تردد صياح نصيرالذي أطلق العنان لساقيه وأخذ يقفز من صخرة إلى أخرى من غير أن يضع عليها أثرا : - حمّيضة(1).. حمّيضة.. عزان تعال شوف.. حمّيضة ! وجعلت هذه الكلمات عزان يفلت ساقيه هو الآخر وينطلق كالسهم في الهواء حتى انتهى إلى القرب من أخيه : - حمّيضة أو غنّيبة(2)? - حمّيضة.. تذوق ! - لو كانت غنّيبة كنا عجناها مع القاشع(3). - الحمّيضة أحسن. - الغنّيبة أفيد. ولكن حيث(4) تنبت الحمّيضة تنبت الغنّيبة. وما كذب الخبر, إذ لمح عزان أن الحمار الواقف غير بعيد عنهما كان يمضغ بسلام من عشبة تحت خطمه فركض إليه ليكشه, ولكنه تنازل له عنها عندما صاح نصير بالغنّيبة. أرض مفتوحة الشمس بضيائها المبهر توسع من قطر الأرض الجرداء وتمنحه امتدادات تفغر في اللامتناهي. مجرى الوادي الماحل تملأه الصخور التي جرفها السيل معه حتى خلفها في مواضع بعيدة قبل أن يحتبس عنها, تاركا إياها في انتظار ذاهل. وحدها السمرة من قدر لها أن تتحايل في البقاء, وأن تكرس خصائص في مواجهة جور الطبيعة مهما شح فيها الماء ومهما اشتعل الهجير. السماء الكبيرة يتوتر فيها قرص الشمس. خط مجرى الوادي يقسم الأرض ويختفي في المدى البعيد. خطوة وخطوة أخرى تندحر الجبال إلى الخلف, وثلاث نقاط بأحجام مختلفة تتحرك إلى الأمام : الحمار الهرم أضخم من الأخوين وعزان أكبر من نصير. استوقفتهم نبقة مورقة بادية العروق بعد أن عراها الجرف وأحنى جذعها الهش لو أنه قورن بجذع أختها السمرة المتين. تسلق نصير جذع الشجرة وانتقل من غصن إلى آخر فوقه بخفة لا توحي بأنه ارتقى عن الأرض, ثم استوى أخيرا فوق أعلى ركن وامتطاه كما كان يمتطي الحمار غير عابئ بالشوك المترصد. وعندما أيقن بأن قوة يديه لن تحملان الركن على التخلي عن ثماره, شرع في هزه بكامل جسده. تناثر خرز ذهبي في الهواء, وتلونت به الأرض تحت الشجرة, فحرك الحمار هامته وسار يدور حول الشجرة دافعا بخطامه أمامه وهو يهجم على كل ما يعترضه من أكداس النبق ويقضمها مع نواها الخشن. ولم ينقطع الصغير عن نفض الغصن, صاما أذنيه عن نداءات أخيه (أو لعله لم يكن ليسمعه وهو يتأرجح مغمض العينين, تملأه نشوة الطيران مع الغصن المصوب نحو قمم الجبال البعيدة). لم يكف عن الفتك بالشجرة والنزول منها إلا بعد تلقيه ضربة في الظهر جاءته من أخيه الأكبر الذي لم يجد وسيلة أخرى سوى التسلق خلفه وإجباره بالقوة. ويعرف عزان ضمن ما يعرف بأن النبق, رغم شهية طعمه وغنى عصارته, إلا أنه يحفر فراغا في الجوف, ويمنح إحساسا قويا بأنه بقي عالقا في جدران عنق المعدة, ولن يسقط أبدا إلا بعد إلحاقه بكميات من الماء أو بطعام مختلف. لأجل ذلك صد عنه أخاه إلا القليل, ووضع بعضه في خرج الدابة ليكون قوتا لها ما تبقى من الطريق, أو ليلجأ إليه لو سدت أمامه الطرق. تناول اللفافة المطوية على السمك وعجن ملء كف منه بورق الغنّيبة, ولإرضاء أخيه أضاف الحميّضة (والتي اكتشفا بعد ذلك بأنها تنسي العطش). ناغص نصير الحمار وتعلق على عنقه, وأكثر من مرة دس في فمه حبات ممتلئة من النبق, في حين اتكأ عزان على جذع الشجرة المائل, مادا قدميه فوق جذورها النافرة وأخذته غفوة قصيرة... قفز ضب قرب قدمي عزان ووقف على قائمتيه الأماميتين. أدار برأسه عدة مرات قبل أن يكمل طريقه مبهوتا كعادته وكأنه يبحث عن جواب يهمه, ضاع في تلك البرية. أول الغربة ظل ملبد الذهن لعدة لحظات بعد استيقاظه من غفوته تحت الشجرة فيما استغرب عليه المكان. فبعد غفوة القيلولة التي كانت من طبيعة أهل قريته, كان أول ما تستقبل عيناه شجرة الرمان المائلة بأغصانها على بستان صغير في حوش دارهم المكشوف على السماء. وكانت تخالجه أفكار حالمة وهو ينظر إلى ثمارها واسن الجفون, فيتخيل يده تتطاول إليها لتقطفها حبة حبة, إلا واحدة في الأعلى يتركها معلقة هناك ليكايد بها نصير, ويستمتع لرؤيته حائرا في شأنها وهو يقفز بقامته القصيرة, وقبل أن يصيبه الحزن يرمي إليه بكل الحبات... كان نصير (الذي نام كفاية في الليلة الفائتة) يلاحق جرادة جّرته وراءها كثيرا قبل أن يظفر بها. وعندما لحق به عزان كان قد جمع منها ما يصلح لعشاء صغير. بدأت الأرض الحصباء تصطبغ بالغبار, وتطبع أثر الاقدام عليها قبل أن يبددها الهواء الذي أخذ ينفث فجأة ويزوّم في كل مكان حتى استحالت الدنيا معه إلى كيس غبار, واحتقن منه الهواء, فيما غابت الرؤية تماما, وعندما تنشق قليلا ينظر عزان إلى الخلف ليعرف لو أن الجبال ما تزال خلفهم, فلا يرى سوى جهامة الفضاء وعفرته. حينها يشد على مقود الحمار المعقود في يمناه, وعلى يد أخيه في يساره, ويسحبهما معه داخل سحابة غبار أخرى. واستمر الحال على ذلك, لا يخرجون من طاقة غبار إلا ليدخلوا أخرى, معفري الأوجه وقد امتلأت مناخيرهم وآذانهم بالتراب, فضلا عن ذلك الذي تسرب إلى جوفهم, وما ترسب طبقات حول شفاههم, وعلى كل بوصة في أجسادهم, حتى جنحت الشمس إلى المغيب, فكبحت الريح شكيمتها, وعادت شيئا فشيئا لتستريح في معاقلها. طارت ع مة عزان من رأسه, بينما أضاع نصير فردة من نعاله, أما العمة خاصته فقد لفها على وسطه بعد أن حشاها بالجراد. ولم ينتبه أحدهما إلى الحمار العجوز الذي راح يتعثر في مشيته ويرفع حوافره بصعوبة إلا بعد أن استراحا في واحة صغيرة تتوسطها بئر ماء مغطاة بلوح ثقيل. كان المسكين يرزح بصمت تحت ثقل الخرج الذي امتلأت ظلفتاه منه وانتفختا بالرمل الناعم. تعاون الأخوان على إزاحة اللوح عن البئر, بعد أن حي دا التراب عن الزاد, وفرشا طعاما للحمار, ثم نزحا له دلو ماء رشفها دفعة واحدة, وشربا بعده, وسكب أحدهما على جسد الآخر مجموعة من الدلاء, ونفضا أسمالهما بعد أن غسلا الزاد, وصلى عزان ما فاته من الصلوات, وقلده نصير في بعضها. عند الغروب جلسا بجانب البئر يراقبان إنسحاب قرص الشمس البرتقالي, وبعده حلول الظلام, وتمنى عزان من قلبه أن يسمع أخاه يبكي فيشاركه. على مرمى حياة أخرى انتقلا من جوار البئر بعد أن سمعا فحيح أفعى وشاهداها تحت ضوء القمر وهي تزحف بإتجاه الماء. ومن المكان الذي اتخذا منه مبيتا, لمعت بعيدا شعلة نار ضئيلة, فتساور إليهما بأنهما على مقربة من مكان مأهول, بيد أن النوم لم يمهلهما ليطيلا التفكير في ذلك, وناما تلك الليلة ملتصقين. عند الفجر, وبينما لم يزالا يغالبان لسعات البرد, تناهى إليهما كما يتناهى للحالم ثغاء ماعز قادم من البعيد. تكاثف ترجيع الثغاء في رأسيهما, واعتكر النوم عليهما, فذهلا منه نفسا واحدا , واصطدما بالرأس وهما ينتصبان واقفين وعيونهما مفتوحة على اتساعها. عبر قطيع الغنم من جوارهم, ورمت عليهما راعيته بالسلام وهي تلوح بعصا في يدها ثم مضت تسوقه إلى البئر. شاهد عزان القطيع وهو يخب عاديا إلى الماء فراودته حسرة لأنه لم يجلب معه إناء للتزود به. بارحوا المكان بكسل, ومشوا مقتفين الطريق الذي سارت عليه الراعية وأغنامها. وعندما انزاح الغبش, بدأت تظهر أمامهم فلول خيام وقد انتشرت فرادى. وتحلقت صاعدة من بينها أعمدة دقيقة من الدخان فتذكرا النار التي شاهداها ليلة الأمس. وكانا كلما اقتربا أكثر, ازدادت الأصوات وتنوعت, إلى أن تشكلت منها جلبة إختلط فيها بكاء الأطفال مع صياح الديكة ونداءات الناس, وحين أوشكوا على الوصول آثر عزان, وقد تنازعته مشاعر الرهبة والفضول معا, أن يميلوا قليلا ويعبروا على مبعدة عن آخر خيمة. كانت إمرأة مغطاة بالسواد وبرقع يقسم وجهها تجلس بجوار الخيمة وهي تحرك في إناء تصاعد منه البخار, وما أن خطا من أمامها الأخوان وحمارهما حتى انتصبت واقفة وهي تلوح بيدها اليهم وتصرخ بكلام لم يميزا منه إلا القليل, وما كان منهما حينئذ إلا أن حثا الخطا مبتعدين عن المكان. بيد أنهما أحسا بمن يركض وراءهما فالتفتا إلى الخلف. كان على مرمى حجر منهم ثلاثة رجال بأعمار متفاوتة. وكانت ملابسهم المرقعة, والطريقة الواحدة التي وضعوا بها العمة, وفوهات البنادق النافرة أعلى ظهورهم توحي عند أول وهلة بأنهم أخوة توائم. تقدم أكبرهم وصافح عزان وأخاه, وسأل عن الاخبار ومن أين أقبلوا وإلى أين المقصد, فأخبره بأنهم في سبيل الله, واعتذر منه عندما دعاهما إلى ضيافتهم, ولكنه رضخ أخيرا تحت إصرار الرجل, وساروا حتى وصلوا أمام خيمة كبيرة تجمعت أمامها حلقات متفرقة من الرجال والشبان والاطفال. جلس عزان بجانب أكبرهم : شيخ يناهز الثمانين من عمره, بجسد متيبس, ولحية صفراء طويلة تضطرب مع كل نسمة هواء. تحدث مع عزان وسأله عن قريته وأهلها وعن الزرع والحيوان, ولكنه عزف عن ذلك عندما وجد بأن الصبي قليل الكلام, فعاد إلى أصحابه ليكمل ما انقطع بينهم من حديث. جلس نصير لصق أخيه, مادا عنقه بفضول إلى حلقة الصغار في الطرف الآخر, بينما شرعوا بدورهم يستعرضون لعبهم وينظرون اليه بلهفة. وحفزه الرجال للانضمام اليهم, ولكنه كان ينكمش من الخجل منكسا رأسه. عند الغداء تحلقت كل مجموعة حول صحنها من الرز ولحم الخروف الذي ذبح للضيوف, ووثب أحد الشبان بغتة فرفع نصير من الخلف وأجلسه مع الصغار وسط ضحك الآخرين. بعد قليل تحولت حلقة الصغار إلى هرج وصراخ وكان صوت نصير هو الأقوى بينهم, فعلق الشيخ وهو يرمش بعينيه الغائرتين ملاحقا نقطة بعيدة تسبح في الفضاء المكشوف, بأن الطفل سيعيش حياة مهمومة, ثم همس إلى عزان بنصيحة يحضه فيها أن لا يبتعد عن أخيه وأن يظل دائما محبا له مهما أتى منه. رافقهم بعض الشبان حتى آخر خيمة, وودعوهما بعد أن زودوهما بقربة ماء صغيرة وأخرى من حليب النوق, في حين حصل نصير على زوج نعال قدمته له إحدى النساء اللواتي وقفن أمام الخيام عند مرورهم, ولم يعود الأطفال أدراجهم حتى ترددت في أركان الفضاء طلقة رصاص خرجت من إحدى البنادق في الخيام البعيدة. لمح عزان أخاه يمشي نصف نائم, وأحس هو الآخر بالنعاس يثقل عليه, فلم يقاوم إغراء سمرة لاحت بقربهم وقد فرشت ظلالها على الأرض. ليس بوسع الناس مجتمعين أن يضروك في شيء لو كان الله معك, وليس بإمكانهم أن ينفعوك لو أن الله لا يريد لك ذلك... استذكر عزان أحد دروس معلم القرية وهو متكئ على جذع السمرة الخشن, فخجل من نفسه حينما تسربت إليها الشكوك وساورتها المخاوف قبل لقائهم بأهل الخيام, وقطع نذرا بأن لا يضعف الإيمان الذي زرعه فيه معلمه الطيب, ومسالك الرجولة التي وقف والده حارسا عليها منذ نعومة أظافره, وأن ما حدث هو آخر العهد بالخزي, ونام الثلاثة تحت الشجرة التي لم يكن من شيء فوقها سوى صفحة السماء وعين الشمس اللاهبة في صدرها, وليس حولها سوى الفلاة وحيوات دقيقة أخرجتها الأرض منذ بدء الخليقة, فظلت هكذا تطبطب على ظهر أمها وتنصت إلى همس تعاليمها. أهالي المزارع استلقيا على الأرض ببطون منتفخة, فجثم منام على عزان جعله يفيق مكدر النفس وترجيعات الحلم تعصف في رأسه. جلس للحظات يتأمل دوائر الهواء اللافح وتهويمات السراب, ويتذكر أباه الذي جاؤوا به ميتا عندما قصد مع أصدقائه سوق المدينة لمقايضة غلتهم من الثمار, فوقعوا غفلة في منطقة تحارب, وبعد أن انتبهت الجهة المهاجمة إلى الخطأ, كان أبوه وأحد رفاقه قد فارقا الحياة. ثم أمه التي لحقت به كمدا. بيد أن منظر أخاه النائم بجانب الحمار أعاد إليه صفاءه وخفف من أحزانه, فوثب إليه يمازحه ويحثه على الوقوف لشد الرحال من جديد, وغنا الإثنان بعد ذلك وهما يضربان بأقدامهما الأرض أغنية جبلية. لاح في الافق البعيد خط أخضر, فحدث عزان أخاه بأن تلك هي المزارع, وعندما سأله عن الذي أخبره بذلك, قال بأنه سمع أهل الخيام يتحدثون عنها, وبأنها تفصل بينهم وبين البحر الذي يأتون منه بالسمك. وقال فخورا عندما سأله نصير عن معنى المزارع والبحر : المزارع هي الشجر والبحر هو السمك. كان الأصيل عند وصولهم مشارف المزارع يرسل نسائم طرية. وكان اخضرار الشجر المعرش, والظلال المتشابكة التي يلقيها على الأرض, يمنح النفس بهجة فريدة لاسيما بعد الرحلة المضنية. مشيا على درب من وحل متصلب تمتد على جنباته أشجار المانجا والبيذام, بينما لفحت في الهواء رائحة ورق الليمون والتين, وثقلت أغصان النبق بثمارها المرتوية, وعرش القاو بوفرة, وتطاول الموز فوق الأسوار الطينية, وتعرجت أغصان النرجس وتفتحت قممها بالزهر الأبيض, وبسقت النخلة داخل الأسوار وخارجها وفي كل مكان. ورغم السكون المخيم على المكان وفروغه من البشر, إلا أن أشجارا عدة حملت علامات لوجودهم, وهو ما دلت عليه الجرار الفخارية المعلقة من أعناقها وترشح منها قطرات الماء, أوجريد النخيل المصفوف أسفلها وقد ألقيت فوقه حبال الطلوع والمناجل. ثم, وبعد قرابة نصف الساعة من توغلهم في المزارع التقوا بأول رجل من أهل المكان. كان شيخا نحيف البنية متوسط القامة (كما هي هيئة الناس في كل البلاد) يجلس تحت عريشة من جريد النخل وهو مستغرق في سف الخوص, فبرزت من بين يديه إلى الأعلى ثلاث منها, بينما خرج إلى الأسفل حبل رفيع يطول كلما واصل الشيخ حياكته وتناقصت ذخيرته من خوص النخيل المكدس على يمينه. رمى ما بيديه ووثب واقفا ما أن رآهما يتقدمان نحوه. صافح الأخوين شادا على أيديهما ثم طلب منهما الجلوس, فاستراحا على حصيرة من أعواد القصب المسحول. قام ليصب لهما الماء من جرة معلقة على طرف العريش فوقف عزان ليتناول منه الإناء, وهو نصف جوزة هند, وقدمه لأخيه, ثم شرب بعده وعاد إلى مكانه بعد أن شكر الشيخ. بعدها قر ب صحنا من التمر كان مغطى في زاوية بش ت من السعف, وبعد أن تناولوا كفايتهم, وقف نصير ليصب القهوة من دلة نحاسية بينما ذهب العجوز ليرمى النوى إلى الحمار أمام عتبة العريش فانتظر عزان عودته ليتقدم في الشرب. اتكأ الشيخ على دكة طين أحاطت بأسفل العريش ما عدا المدخل, وسأل عن أمر الأخوين, فحدثه عزان عن ذلك وهو ينظر إلى لحيته الوارفة متذكرا لحية معلمه الطيب. أخبره عن مصير أبويه, وضيق العيش بعدهما, وقراره في الرحيل عن القرية, وطريق الرحلة, وأهل الخيام, واستطال في الحديث عن ذلك, ثم أخرج الرسائل وناولها الشيخ, غير أن الأخير أعادها إليه بعد أن أخبره بأن صروف الحياة منعته عن التعلم, ولكن زوجته من أسرة متعلمة. قرأ عزان ما جاء في الرسائل, وكان كلما أتى ذكر اسم لأحد من الناس, يردد الشيخ : رحمه الله وأدخله فسيح جناته... كان المرحوم رجلا شجاعا وكريما. عدا اسمين, قال بأن أحدهما سافر ليعيش في البندر, والآخر ركب البحر ولم يعد, وقال بعد أن انتهى عزان من قراءة ما بحوزته من رسائل: أنتما ضيوف عندي ما شاء لكما البقاء. آنذاك كانت الظلمة تزحف بين الأشجار, فتراخت ظلالها المتشابكة, وسالت في جوف الليل الذي أخذ يخيم على المزارع ويسكب عليها من لونه الكالح. تقدمهم الشيخ في درب ضيق ملتو يغوص في غابة نخيل لمعت بينها أضواء القناديل, ثم ارتقو جسرا صغيرا من الجص وعبروا بابا أدى بهم إلى حوش داره. كانت زوجته التي تصغره بسنوات كثيرة جالسة فوق سجادة الصلاة, بينما أضاءت عين القنديل الصغير بجانبها نصفا منها وأرسلت ظلالا متمايلة على جدران البيت الطيني. طوت السجادة وقامت واقفة عندما انكشفت لها رفقة زوجها وهمت في الدخول من باب خلفها, إلا أنه نادى عليها بأن تبقى, فالضيوف أولاد صغار ولا حرج من وجودها. صلى الشيخ وخلفه عزان, وأشعلت الزوجة قنديلا آخر وحملته معها ثم غاصت في غرفة منحدرة عند زاوية من سور الحوش, وجلس نصير ينظر الى الظلال الكبيرة على جدران الغرفة التي دخلتها المرأة ويستمع الى همهمة الشيخ في صلاته. وضعت الزوجة العشاء, وهو صحن صغير من اللوبياء وإناء مرق وخبز رقيق, وجلست بين الشيخ ونصير. كومت الخبز أمام كل منهم, وأخرجت قطعة اللحم الوحيدة من إناء المرق وقسمتها بين الأخوين, ولمرة أو مرتين غمست بقطعة خبز في المرق ووضعتها في فمها بخجل. بعد العشاء أعدت لهما فراشا ودخلت مع زوجها الغرفة الوحيدة في الدار وواربت خلفها الباب. هجع الليل وسكنت أرواحه إلا أصواتا دقيقة تصرها بين الحين والاخر الجداجد الساهرة ويرد عليها نقيق الضفادع, وقبل أن تغفو عين عزان, كان يسمع كلمات الشفقة تخرج من غرفة الدار. في الصباح الباكر تردد الشيخ في إيقاظ عزان. ولكنه, عندما لم يجد بدا من ذلك, طبطب على كتفه وأخبره هامسا في أذنه بأن مكروها قد حدث للحمار ويظنه قد نفق. وثب عزان من نومه, ولم يستوعب ما قاله الشيخ إلا بعد أن سار معه حتى خارج السور, حيث وجد الحمار مسجى على الأرض ومن عنقه امتد الحبل الذي ربطه بشجرة تين. جلس للحظات يمسح على رأس الحمار, ثم وقف حائرا فيما يفعله أو يقوله وهو يحرك رأسه بين الحمار والشيخ, فأخبره الشيخ بعد أن رأى الحزن باديا على وجهه, بأن الأجل كان ينتظره بجوار شجرة التين, وأن هذا هو حال الدنيا, وما عليهم الآن إلا أن يحفروا له حفرة في الجهة الخلفية من السور ويدفنوه فيها. خرج نصير وهو يدعك عينيه ووقف بجانب أخيه, فأخبره عزان بأن حمارهما قد مات, وبأن الشيخ قد ذهب للبحث عم ن يساعدهم في سحبه ليدفنوه خلف السور. لم يغمه ذلك كثيرا, إذ لم تكن المرة الأولى التي يشاهد فيها حيوانا ميتا, فسحب معهم الحمار, وعاونهم في الحفر, وعندما دفعوا بالحمار داخل الحفرة وشرعوا في ردمها, رمى بالخرج وما تبقى فيه من زاد في الحفرة وجلس ينظر إلى الغبار المتصاعد منها. بيد أنه, وطوال أيام كثيرة بعد ذلك, كان يحس بغيابه ويحن إلى وجوده. ظلت قصة الأخوين مثار حديث أهل المزارع لوقت طويل, حيث لم يعتادوا وجود غرباء بينهم, وكان الضيف عند حلوله في دار أحدهم, يتقاسموه فيما بينهم, ويصبح من يوم وصوله حتى مغادرته ضيفا على كل البيوت. أما الغريب العابر فكان يقطع دروبا بعيدة عن ديارهم من غير أن يشعروا به, إذ لم تكن للعابرين الغرب حاجة للتوقف عندهم. ولم تكن منطقة المزارع سوى ممر عبور على الطريق إلى السوق, أو إلى مقر إدارة الولاية في القرية البحرية الكبيرة التي تبعد ساعات قليلة عنهم. غير أنهم لم ينكروا على الشيخ استبقاء الصبيين معه, وقربوهما إليهم عطفا عليهما, أو تقديرا لسماحة أخلاقهما وشيم الرجال فيهما رغم حداثة سنهما, لا سيما عزان الذي حظي باحترام الجميع منذ أول يوم, ودنا منه الرجال قبل الصبية من عمره, فشاركوه مجالسهم وقاسموه من أحاديثهم, في حين أوكل إليه الشيخ جزءا من شؤونه, وائتمنه على غلة محصوله, فكان يرسله مع الآخرين من أهل المزارع إلى السوق لبيعها وتقاضي ثمنها. أما نصير, فلم يمض منذ وصولهم إلا وقت قصير, عندما كان يلعب وسط الصبية ويتشاجر معهم بل وينتبذ محل القيادة بلا منازع. البحر وأهله لو كان الموت ينتظرني هنا, خلف هذه الشجرة, إلا أنني لن التفت اليه, وسأحمل سمكاتي على الطريق وسأشويها مع رفاقي في مراكبهم التي تاهت عن الشاطئ, وإذا غدر بي البحر كما غدر بهم, فسأشوي سمكاتي خلف السحاب مع الزهرة وبنات نعش................................. لقد خلقنا للمشي والمشي حتى نلاقي أحبابنا الذين ودعناهم في البحر. كان سالم (ولد الحظ) حين تحتشد فيه لحظة مؤثرة من ماضي حياته, يغيب عن كل شيء حوله, ويحلق في مناطق بعيدة, ويقف مصيخا بكل أحاسيسه وهو يحدق بعينيه وكأنه يستجلب بواسطة طاقة عنيفة تخرج منهما مخلوقات غيبية ليتحاور معها. ولم يكن لدى أحد, عندئذ, الجرأة في أن يعكر جنوحه الروحي, ويبقى الجميع في انتظار عودته من عوالمه القصية. وكان بجثته الضخمة وبنيته المشدودة ما يزيد من خشية الناس في التحرش به ما أن يقع فريسة لترجيعات الذكرى المؤلمة التي عاشها, والتي لا يعرف أحد عن مغاليقها, شيئا قاطعا. سوى ما لملمه مرهفو الاحاسيس من عباراته الجامحة, فولفوا قصة تشابه ما يسمعونه ويرونه من كلامه وتصرفاته. وما برحوا يزدادون يقينا في قصتهم, ويعتقدون بأنهم وضعوا أيديهم على مكنون السر, لا سيما إذا صادف وأن جاءت منه حركة أو عبارة كانوا قد فكروا فيها من قبل واستحضروها في أساريرهم. ومع تقادم الزمن اختلط عليهم الامر, وتوارى الخط الفاصل بين قصتهم التي ألفوها ليستأنسوا منه وبين أقواله وأفعاله, وتشابكت خيوط الخيال مع نسيج الواقع حتى لم يعد واضحا من الذي يحرك الآخر, ودخل سالم وسره في تلافيف العادة. وذات يوم وجدوا بأنهم ينادونه بولد الحظ ولم يعترض هو على هذا اللقب. في خروجه الاول مع القافلة الى السوق الكبير, وقع عزان في حرج مع رجال أهل المزارع عندما أجبرهم على انتظاره حتى يتسنى له إقناع اخيه وثنيه عن الذهاب معهم. ولم تفلح إغراءاته ولا توسلات زوجة الشيخ ومحاولاتها اليائسة في تحرير ملابسه من قبضتيه القويتين. وفي الاخير جاء ولد الحظ ليحسم الأمر, فانتشل الصبي من بين أخيه وزوجة الشيخ, ورفعه من ذراعه ثم أردفه ظهره وسط ذهول الآخرين, اذ لم تكن من عادته أن يفارق مكانه المعهود في منأى عن شؤون الناس, ولم يكن لشيء مما يفعلونه القدرة على إدهاشه وإخراجه من بين الظلال التي ما فتئت تحوم حوله. كان على القافلة المحملة بغلة الثمار الثقيلة أن تتوقف في كل مرة تلاقيها قافلة عائدة من السوق, فيدور حديث, يطول او يقصر, بين أصحاب القافلتين, وعندما تستأنفان سيرهما من جديد, كان تبدل يطرأ على سير القافلة الذاهبة وعلى نفوس أصحابها, وذلك حسب ما سمعوه عن أحوال السوق. وكان طمع التجار وتقاعسهم في البحث عن أسواق أخرى لتصريف الغلال هو أكثر ما يخشاه المزارعون ويشاغل تفكيرهم طيلة موسم الحصاد. أما السنة التي حل فيها الاخوان على أهل المزارع فقد كانت رحمة السماء على موعد معهم, اذ هطل المطر في حينه, فارتوت منه النخلة وفي أعذاقها لم يزل البسر غضا أخضر, وقبل أن يستوي رطبا, احتبس المطر فتنفس المزارعون الصعداء, وتبدد خوفهم من فساد غلتهم ومصدر رزقهم الاساسي لو أن المطر واصل هطوله وقت نضوج الرطب. غير ذلك كانت أحوال السوق تبشر بخير وفير بعد أن تعهد كبير تجاره بشراء الغلال من التمر والليمون المجفف بثمن مرضي. كما وعد كل عملائه من المزارعين بأن مخازنه التي تتكدس فيها أكياس الرز والقهوة والبهارات الهندية وكل البضائع المستوردة ستكون ميسورة لهم على مدار العام. وكان نصيب الاخوين من كل ذلك أن ازدادت حظوتهم لدى أهل المزارع, وعزو اليهما بركات السماء, وأفتى الإمام الكفيف في مسجدهم الصغير بأن من يرضي يتيما فهو بذلك قد أرضى الله. تألفت القافلة من تسعة حمير يقودها تسعة رجال من بينهم عزان, واخذت الحمير تسير بمشقة تحت حمولتها الثقيلة من أخصاف التمر وأكياس الليمون المجفف ومن المانجا الذي قطف عمدا وهو أخضر ليقاوم الرطوبة وحرارة الجو. في حين مشى ولد الحظ - كعادته- على مبعدة من القافلة, وبدا نصير وهو معلق على ظهره الشاهق كأنه حدبة صغيرة فيه. على ميسرة الطريق حفر الوادي مجراه غائرا في الارض الرخوة, ما لم يكن عليه عند أعاليه في سفوح الجبال والسهول الحجرية الصلدة. ونبتت على ضفتيه أحراش متضخمة لنبات لينته رطوبة الهواء لقربه من البحر. أما الميمنة فقد غطاها النخيل الذي نخر معظمها الطل وعرى جذوعها في حين حبلت أعذاقها بحبات الرطب الذي حالت فتورة الماء عن سطوع لونه فاحتوته طبقة ملحية شاحبة. إلا ان أشجار الغاف من أسبغ على المشهد غموضا عميقا, وطوف الصبيان, اللذان يعبران الطريق لأول مرة, بناظريهما على هيئتها الباذخة, وأغصانها المسرحة من قمتها حتى الارض, فاستذكرا الساحرات في قصص نساء الجبل بشعورهن المشعثة وعروقهن النافرة. وكانت أسراب الغربان التي اتخذت من الغاف مسكنا, تتعارك داخلها وتحلق جمعا واحدا حولها ثم تعود ثانية وجلبة نعيقها يملأ الفضاء ويتردد في أعماقهما. دخلوا القرية البحرية وكانت شمس الظهيرة تعمي العيون وتخرج من الارض أبخرة لاهبة, وشقوا طريقا عبر بيوت الساكنين التي عمر معظمها من سعف النخيل او من ألواح متنوعة ولفت كيفما اتفق ووحد بينها لون الارض السبخة. وعندما اوشكوا على الوصول الى السوق بدأت تظهر بيوت انيقة وقد ارتفعت جدرانها المتينة وتعلقت فيها النوافذ المؤطرة بأخشاب مزخرفة وأخرى امتدت على عرضها شرفات بأبواب خشبية ملونة. لم يكن اشتعال الهاجرة في تلك الساعة الفاصلة من النهار ليسمح لأحد بالتجول في طرقات القرية, فبدت خاوية على عروشها بعد أن آل ساكنوها الى بيوتهم أو انبطحوا تحت الاشجار طلبا للظل وشيئا من إغفاءة منتصف النهار, عندئذ قرر الرجال أن يتوقفوا تحت شجرة غاف وارفة الى حين أن يفتح السوق أبوابه ثانية. وكانت الشجرة تتوسط ساحة واسعة تشرف عليها البيوت من ثلاث جهات, وعلى الجهة الغربية انتصب شامخا مبنى عتيد تدل جدرانه الطينية العالية بلونها المحروق والانهيارات الجزئية التي لحقت بزواياه بأنه كان هنا وسيبقى صامدا زمنا طويل في حين سيبلي الزمن كل ما حوله من أبنية وما سيأتي بعدها. كان قد سبقهم إلى الظل رجال افترشوا الارض واضعين رؤوسهم على أحجار تناثر العديد منها تحت الشجرة. ولم يحرك عزان ولا شقيقه ناظريهما عن البناء الذي احتوى الجهة أمامهما, بينما استلقى الباقون على الارض وسرعان ما غطوا في النوم, باستثناء ولد الحظ الذي جلس مطوقا ساعديه على ركبتيه من غير أن يكف عن تحريك رأسه في مختلف الجهات وكأنما يرصد حركات وأصوات لا يستشعرها غيره. ولم يرد على سؤال عزان عن كنه البناء إلا بعد مرور وقت طويل, كما لو أن على السؤال أن يقطع مسارات زمنية حتى يصل إليه. وعندما تحدث قال كمن اهتدى الى مفاتيح سر تعب زمنا طويلا وهو يفتش عنها, وظل يردد وابتسامة غامضة تغلغلت بين ثنايا لحيته التي أوشك البياض أن ينجز مهمته فيها : <<هذا الحصن وبيت الوالي.. هذا الحصن وبيت الوالي..>> مرقصا الكلمات على لسانه من غير أن يشف عن حدود الجد والسخرية فيما يردده, وبعد أن صمت عاد الانقباض الى خلجات وجهه العريض, وطفق يحرك رأسه بحدة وعصبية أكثر من السابق. بيد أن عزان عرف الكثير بعد ذلك عن أخبار البناء وما تمور بداخله من أحداث سواء من أهالي المزارع أو من أناس قربتهم الحياة منه, بل عرف عنه ما لم يكن لعقله البريء, وهو جالس تحت الغافة يبحلق بسذاجة الى الكتلة الطينية الصلدة, أن يترسم ولو تخوم ملمح بحجم ورقة صغيرة من أوراق الشجرة المعرشة, من ذلك الآتي. ارتفع آذان العصر بطيئا ناعسا من مسجد على طرف الساحة طليت حيطانه الخارجية بدهان ناصع البياض وبرزت فوقه مئذنة قصيرة ذات قاعدة عريضة. وبدا بأن المؤذن, لصوته الأجش الخافت, كان يعتمد نغمة حادة في بعض الحروف فيستلها من جوفه ويرسلها الى الفضاء وقد ضم راحتيه بين فمه وأذنيه وجال ببصره ذات اليمين وذات اليسار وكأنه يتابع تحليق الكلمات ويسمع صدى خفقانها, وكانت حشرجة تخالط صوته تتدفق من حلقه مطمئنة في أن رب الفضاء سيساعد كلماته ويوصلها الى أبعد مدى يريده. عندئذ, ارتجف الصمت المتمطي على بناء الحصن والبيوت المحيطة بالمسجد, واتصلت الاصوات فيما بينها واشتبكت ببعضها لتشكل حلقة أيقظت بدورها بيوتا خلفية كان صوت المؤذن يتناهى اليها فيذوب متراخيا على جدران غرفها السعفية قبل أن يصل إلى أفئدة النائمين فيها. لم يفارق نصير جوار ولد الحظ عرفانا له بالجميل الذي قدمه له, وظل بقربه تحت الشجرة وقت قام الآخرون الى المسجد واختلطوا مع الجموع المتوافدة من كل صوب. ولم يكن ولد الحظ مصليا, وكان دخوله المسجد لمجرد حاجة في نفسه لم يحاوره فيها أحد, وتعامل الناس مع ذلك مثلما تعاملوا مع نزواته الأخرى. كما لم يعدوا تقصيره في الصلاة رذيلة فيه, إذ لم تعطي الصلاة لأحد مفاضلة على غيره, ويزوالها الجميع بالقدر الذي يزاولون فيه أعمالهم الأخرى. اصطفت دكاكين السوق في صفين متقابلين عقدت بينهما سقيفة من جذوع النخل وأليافه امتدت من مدخله حتى طرفه الآخر. وجاورت الدكاكين المبنية من الحجر والجص الاخريات التي أقيمت من السعف. وقريبا, على ميمنة المدخل, تلفظ أمواج البحر زبدها في متوالية هادئة, وكأن الأسلاف يوم وضعوا سوقهم بجواره قد ضربوا معه صلحا وأخذوا الأمان من هوجة أمواجه. ووقتما يهيج, ويدفع بأمواجه الى دكاكينهم وأكواخهم, فيطفوا عليها متاعهم قبل أن يسحبها الى قيعانه, كان, حسب اعتقادهم, لا يأخذ أكثر من حقه. توقفت القافلة عند عتبة مدخل السوق الضيق وعبر بعض الرجال إلى داخله, وعند عودتهم صاح أحدهم, كمن جاء بالبشرى, بإسم أحد التجار. عندئذ, وكأنه كان يترقب تلك الصيحة, طفق ولد الحظ يتحرك بنشاط حثيث, وينتشل الأكياس الثقيلة من على ظهور الحمير فيردفها ظهره ويركض بها إلى داخل السوق ثم يعود ليفعل الشيء نفسه مع باقي الأكياس, وهكذا حتى ألقى آخر حمولة أمام مستودع التاجر الذي اشترى الغلة خرج بعدها وهو يزفر بأنفاسه بينما غرقت لحيته وملابسه في العرق, وتعلقت في ظهره شوائب من أكياس الليمون والتمر. مشى على الشاطئ الرملي تاركا خلفه القافلة والسوق والقرية البحرية, وفي مكان بعينه, استلقى على ظهره وأغمض عينيه. في السوق, لم يتفاوض الرجال كثيرا مع كبير التجار الملقب بالحاج, فموسم الحصاد في أوله, وربحه مضمون في البلدان التي سيصدر اليها الغلال. ومهما شط المزارعون في تسعيرتهم, إلا أنها لا تقارن بالسعر الذي سيبيع به في الأسواق الاخرى... ولكنه, ولعادة فيه, أخر الدفع إلى أجل غير مسمى. وكان الحاج, رغم ما يشاع عن حرصه على المال, طيب القلب وفضائله تتجاوز جيرانه التجار لتصل الى الأكواخ السعفية البعيدة. ومن عادته أن لا يتهاون في تشغيل أبناء القرية عمالا لديه أو يتوسط لهم مع التجار الآخرين في القرى المجاورة, واذا استدعى الامر فإن علاقته الجيدة مع الحصن لا تخفى على أحد. ولم يكن لنصف العاملين في الحصن أن يدلوا الطريق اليه لولا مساندة الحاج لهم وأخذ ذلك على عاتقه. ولم يؤثر ما يدور في الخفاء عن تلك العلاقة على سمعته عند السواد الأعظم من الناس, وهو ما يحلو أن يتداوله بين الحين والآخر القلة القليلة من أولئك الذين فردت لهم الحياة لين المعاش. وقف عزان خلف الرجال الذين شكلوا حلقة التفت حول الحاج أمام عتبة دكانه الأكبر بين الدكاكين الأخرى. وكان التاجر ينسل من بينهم في كل مرة يلمح فيها ولد الحظ هاجما بجثته التي حجبت الضوء المتدفق من مدخل السوق الضيق, فيجرب الاكياس بيديه قبل أن يحملها عماله الى داخل المخزن الملاصق, يعود بعدها الى مكانه وسط الرجال مادحا جودة البضاعة وصف الاكياس. في وسط السوق بدت الإضاءة شحيحة, فعدا ضوء النهار المنساب من المدخل الصغير, وما جادت به الثقوب القليلة التي حفرتها في السقف أجيال متعاقبة من الفئران, لا توجد مصادر أخرى للضوء. وعندما تتهادى الشمس الى المغيب تلف غلالة شفيفة من العتمة وجوه التجار الجالسين على عتبات دكاكينهم, وتغرق فيها تدريجيا بضاعتهم المعروضة على مداخلها, وتزداد كثافة العتمة حول الأشياء كلما توغلت أكثر داخل الدكاكين, وفي العمق منها تكدست على الارض وفي الرفوف أشياء لم تر الضوء منذ امد بعيد, حتى أن التجار الذين ورثوا الدكاكين بما فيها من آبائهم وأسلافهم الراحلين لا يعرفون عنها شيئا ولا يشعرون بوجودها إلا عن طريق روائحها العتيقة المنبعثة من خلف ظهورهم والتي اعتادت عليها أنوفهم. كان إيقاع حركة السوق متجانسا مع الإيقاع العام لحركة الحياة البطيئة في القرية البحرية. ولم يكن في ذلك ما يثير القلق لدى التجار من كساد تجارتهم, فقد كان سائر الناس, بمن فيهم ميسورو الحال, يعزفون في جوقة واحدة ويشكلون شبكة يتداخل فيها الجميع. وكانت أيام تمر على الواحد منهم من غير أن يبيع شيئا, إلا أنهم, وبنفوس لا تفارقها السكينة, يخرجون من بيوتهم مع طلوع شمس كل نهار ميممين صوب السوق ليعودوا إلى دكاكينهم التي تركوها عند مغيب شمس اليوم الفائت, مستفتحين يومهم بالمزاح والضحك فيجلس كل منهم في مكانه المألوف لا يفارقه إلا للصلاة في المسجد والتي كانوا يشعرون بميقاتها قبل أن يحين موعدها, أو للعودة إلى بيوتهم عند الظهيرة للغداء والاستلقاء بجانب زوجاتهم ثم الرجوع ثانية إلى السوق وإلى زواياهم الرطبة ليتمنطقوا فيها حتى قبيل المغرب شاردين بأفكارههم في حساب ديونهم القليلة وما لهم وما عليهم والتي ع دوها قبل ذلك مئات المرات. وكان تواتر هدير الموج يصيغ طبيعة الزمن ويسوق عجلة دورانه فتتشكل على إثره نفوس الناس وطبائعهم ويوازن إيقاعه حركة أفكارهم. جنح قرص الشمس الى المغيب, واختفى نصفه خلف الجبال بينما امتزجت أنواره الأرجوانية بأمواج البحر القادمة من أسفار بعيدة لتسلم آخر أنفاسها على رمال الساحل الناعمة. وتهادت فوق المياه الدافئة لخليج عمان مراكب الصيادين العائدين من رحلة قصيرة وضعوا خلالها شباك الليخ(5) الطويلة حيث ستبقى في عمق البحر إلى أن يعود اليها الصيادون عند الصباح وقد علقت بين خيوطها أسماك مختلفة ظلت تتلبط الليل بأكمله. لم يزل ولد الحظ مستلقيا على ظهره فوق رمال الشاطئ وبجواره جلس نصير, الذي تبعه عند خروجه من السوق, وهو ينظر جفلانا إلى البحر وكأنه أمام كائن خرافي يمد اليه ألسنة طويلة ثم يعود فيطويها في جوفه. وزاد من دهشته الراجفة تلك الكلمات المبتورة التي يسمعها لأول مرة فترن حروفها وتتعاظم في نفسه الغضة والتي كان ولد الحظ يطلقها بعد أن يستوي جالسا ومحركا يديه الطويلتين وهو يشير الى البحر : الطوفان.. الاهل والاصحاب.. أمل النجاة.. الغرق.. لوح عائم... وظل ساهيا في خيالات راعشة حتى انتزعته من مكانه يد عزان الذي وبخه على ابتعاده وحذره من الالتصاق بسالم. إلا ان طبيعة الصغير الحرنة جعلته سادرا الى العجوز الذاهل, ونشأ بينهما, منذ ذلك اليوم, تفاهم حدسي شفاف خفيف خفة الروح. هامش : 1 - عشبة جبلية حادة الحموضة, تعرش في شتلات متوسطة بوريقات صغيرة. موعدها بعد هطول المطر وعمرها يتعلق ببقائه أو بعده بقليل. 2 - لها نفس ما للحميضة بإستثناء طعمها المحايد والرائع لو فهم. 3 - سمك الرنكة المجفف. 4- حيث أو بجانب ( بالدارجة الجبلية العمانية ) 5 - شباك يصل طولها أحيانا إلى مئات الأمتار توضع على شكل هلال ينتهي طرفاه بالقرب من الشاطئ وذلك لاحتواء منطقة من البحر ثم تسحب الاسماك المحاصرة داخلها أو العالقة في الشباك. |
|||||
|
|||||