|
|||||
|
هل ينتهي الكلام.. الصحراء متاهة.. والكلام دليل الطريق في ليل الوحشة.. الصحراء عدو دون أقنعة, في مقابل الغابة السوداء وعسلها بين الشفة والشفاه. هل ينتهي الكلام.. حيث لا كلام يقبض باليدين, وحيث لا شيء تقبض به اليدان. لهذا يتيه الكلام في دوائر الحياة مهما حاولنا ان نرمم المسافة بين الدال والمدلول.. لهذا سيظل الزمن منشارا للواقع. ونشارته لاهبة على القلب في الزوايا والأمكنة بين الحياة والطريق إلى القبر. النشارة التي نصنع منها توابيت أجسادنا ربما تبيض لها طرقا على الثرى الذي مشت عليه موسيقاك <<يا موتسارت>> لقد تهاوت الروح على معول العمر. وذهبت بعيدا في طلاوة العمر المبكر.. قابضا على لحظاتك الاستثنائية كأنها الجمر. ها نحن منحنا النفس اغماضات العين واللسان وقعدنا نتأمل الكلمات التي أنبأتنا زوال الفرح. فلم تعد الكلمات التي حيينا بها تضيء القناديل. اسودت الوجوه قبل الطريق ولم تعد الكلمات هي الكلمات التي وطئت أقدامنا بها أرض الحلم. لهذا نئيت الفكرة حين البسملة على قشة جملها. الصحراء.. هي الصحراء مهما استبدلناها بالمدن العامرة على جسد الخديعة.. من يمد الابتسامة لتصل القلب بالقلب.. الصحراء مرتع النطفة الأولى.. لون الطين, وتشكّل اللوحة الآدمية. وأي لفظ ينقذك من عطش المتاهة. الكلمات شبيهة روحها, قرينة الخراب وهو ينثر هستيريته المجنحة في زوايا الكون. أي نهار قادم سنمنحه لك أيتها العصافير. وأية رئة تستطيع أن تتحمل هذا الدخان المسمم. وهل سيجد الصياد طريدة نسيتها <<شبكة الرادار>> لينعش بها أبناءه الفاغرة أفواههم. لا البحر لا اليابسة: متاع لك. أنت لك الصمت, والطريق لنا.. أبناؤك دين, وأنت دين لنا. كل نداء سراب في المدى. لقد منحناك سجن الحياة بين الوظيفة والطاعة.. لك ان تسر ح مخيلتك الواهنة بينهما وأنت تقرأ رسائلك محمولة بين كنف أصابعك على الهاتف, مبتسما, أو خجلا من مسْماك. يؤدب صباحك بين النافذة والباب, صراخك الذي يتكوّر في المرآة سيرتد عليك خانقا صوتك حد الانطفاءة. ماذا, يكون من كلام في مقابل الغياب والخراب. لقد رحلت عنا مدن.. ذهبت بنا وبأحلامنا, بين بغداد وبحر الظلمات. مدن عطشى للبحر, الهواء والنظر, الهواء الذي يمنح الروح قفزاتها الخفيّة من إرث مراوغ. مدن عطشى للضحكة, ولصوت يأتي من بعيد. مدن دون روح بين الجثة والرأس, مسافة للساطور بين اللحم والعظم. فما بين بغداد وبحر الظلمات, طالت المسافة, وتوزعت دروب, كم من ليل ونهار ذابت معها وبها حرائق الانتظار, وحرثت القلوب في زوايا أوردتها وشرايينها عن معنى لهذا الألم بين محبة وضغينة. نحتاج, ولو لبرهة الى مغن يزيح ساتر التراث من على وجه الصوت الخافت المعقود بالأمل. ربما يحق للروح أن تخرج آهاتها كاحلة كسواد المشهد بين سندان ومطرقة في التمثلات المرئية والخفية بين بوابتي (بحر) الظلمات والشرقية في حضرة (السوبرمان) و(السوبرستار) فمن شدة ألمها ستظل المدن تستحضر وجودها من الفناء الواضح والخفي.
*** فمن يغب عن العين, ربما لا يغيب عن القلب.. نستذكر هنا على عجالة اللحظة وتأسينا عليها وعليهم انهم رحلوا خلال أيام متقاربة. رحلوا وسط أحداث جسام. لم يأخذوا من الإعلام العربي والحضور العربي بملياراته الدعائية وصخبه المجاني الالتفاتة التي تستحق الذكر. رحلوا في زمن <<السوبرستار>> والرطنة الوطنية, في ثرثرة الصوت وسفاهة المعنى لهذا كانت دلالات عناوين الأستاذ عبدالله القصيمي في تموضعها الحقيقي لهذه الأمة في كتابه <<العرب ظاهرة صوتية>>. لقد ظل المعّلم الدكتور/ احسان عباس والشاعر/ محمد القيسي في المقابل الآخر لوطنهما, يحلمان رغم كل الانكسارات, معولين على الحلم بالعودة الى أرض الوطن. رحلا وكان الوطن على مرمى النظر. الوطن, النهر والشعلة, فكلما توحشت الحياة استعادت الطفولة مقاصدها ابداعا خلاّقا . لهذا ظلت فلسطين بالنسبة لهما أكبر من أرض. هي اتساع الروح, لا محدودة بين سماء وأرض. * لقد رحل عنا الدكتور/ إحسان عباس بجسده بعد حضور متميز على الساحة الثقافية العربية الذي ظل أحد رموزها لفترة نصف قرن. * رحل عنا الناقد والأديب والشاعر والانسان الذي تأثر به جيل كامل. رحل عنا صاحب المائة كتاب. وفي غيابه فقدت المنطقة العربية أحد الشخصيات البارزة والفذة والمثابرة في العطاء المعرفي في مناحيه المختلفة. * رحل الشاعر/ محمد القيسي بعد يومين من غياب الدكتور إحساس عباس. رحل بعد أن عرفناه بعدا وقربا , في إبداعاته الشعرية والنثرية وحياته الموازية لهما. فمشاركته في فعاليات مهرجان مسقط الثقافي الذي اقامته بلدية مسقط في يناير الماضي (2003) بمثابة لقاء مكرر ووداع أخير. كان الشاعر محمد القيسي أكثر تألقا ومرحا وحبا للحياة. إقبالته للحياة في يناير الماضي لم أرها من قبل. كان يضحك, يشاكس اللحظة السائدة. التقى أصدقاء كُثراً. ألقى قصائده بحب غامر. تآلف معه الحضور وأخذ بأكثر من وقته المحدد له, مع هذا أحببناه. ضحكنا, غنينا على طاولات العشاء.. كأنها لحظات أخيرة او عشاء مؤجل لكي يكون أخيرا . كان القيسي في تمرداته, وقفشاته والتقاطاته, أراها تنبع من صميم روحه الحميمة. وقُبيل اختتام المهرجان , أشار لنا بالبقاء لبضعة أيام قابضا لحظة الهدوء تلك لإكمال مشاريع كتابية ومنها اشتغاله على رواية كأن القدر يطارده من أجل أن ينجزها سريعا . غادرنا المغني الجوال أو المتمرد الجوال كما أطلق عليه أصدقاؤه ولم تغادرنا ذكراه. * رحل ويلفرد ثيسيجر والمكنى (مبارك بن لندن) بعد أيام من رحيل سابقيه بالذكر. كلهم رحلوا في الشهر الثامن مودعين الحياة بعد اشتغال معرفي لا تخطئه عليه ولا تذره رمال الصحراء. ثيسيجر أو مبارك بن لندن توأم الصحراء الرحالة الذي وص م بالرجعية والراديكالية. سليل أسرة امتهنت السفر والترحال. خريج جامعة أوكسفورد. هو امتداد للرحالة البريطانيين: بيرتون ودورتي ولورنس وفليبي وتوماس. رحل صاحب <<الرمال العربية>> كتابه الأهم. عبر صحراء الربع الخالي مرتين في ظرف قاس ووعر في منتصف العقد الرابع من القرن الماضي. لقد شكل المكان العماني والصحراء فتنة لهذا المغامر في تحد سابق لأوانه حينها. لقد حولت كتابات ثيسيجر هذه المتاهة الصحراوية وهذا النفق المفتوح على موت متحقق سلفا إلى مكان فيه وجهة نظر للحياة. منصفا المكان وأهله بلغة أدبية قل مثيلاتها لدى مجايليه من الرحالة والمستشرقين. ط المعمري |
|||||
|
|||||