رواية (البعيدون) لبهاء الدين الطود

 

علي القاسمي


تقدم رواية (البعيدون) تفسيرا ناضجا لعلاقة الأنا بالذات, والأنا بالآخر, والأنا بالوجود. وهو تفسير يعكس فهم الكاتب العميق لطبيعة الأدب ورسالته, ويستند الى تجربته العميقة في الحياة وثقافته الواسعة, وفوق ذلك كله موهبته الفذة التي خلطت ذلك الفهم وتلك التجربة وهذه المعرفة في تعويذة روائية لها طعم السحر ومفعوله. وهذا ما جعل الكاتب محمد شكري يقول بعد أن قرأ رواية (البعيدون): <<هناك من يأتي الى الكتابة عن طريق اجترار الكتابة, وهناك من يأتي اليها عن طريق الحس والتجربة وبينهما موهبة الكاتب>>.(1)

ورواية (البعيدون) تحتمل عدة قراءات في آن واحد. فهي ترمز, في جانب منها, الى ضياع الأندلس وحنين العرب إليها, وفي الوقت نفسه ترمز الى ضياع الشباب وحنين المرء الى أيامه الحافلة بالنشاط والمغامرة والمرح. وفي جانب آخر من الرواية نجد أنها ترمز الى العلاقات السابقة والحالية بين أوروبا الاستعمارية والدول العربية, تلك العلاقات القائمة على استغلال القوي للضعيف وممارسة أوروبا التمييز العنصري على المهاجرين اليها من أجل العمل او الدراسة. وفي جانب ثالث منها تتناول حبائل الصهيونية وسيطرتها على وسائل النشر والإعلام لتحقيق أغراضها الدنيئة.

مضمون الرواية

تبدأ الرواية في مدريد حين يلتقي الراوي (وهو طالب مغربي لا يذكر اسمه) بطالب مغربي آخر اسمه ادريس في مطعم تابع لجامعة مدريد. ويبدو ادريس شاحب الوجه شارد الذهن, ويكتشف الراوي ان ادريس حزين لوفاة والدته ذلك الاسبوع. ومع ذلك فان ادريس يقرر الذهاب الى دار الاوبرا, لسماع معزوفات من الموسيقى الكلاسيكية (ألا يذكرك هذا السلوك العبثي بسلوك بطل رواية <<الغريب>> لألبيركامي?).

ويلتقي الراوي مرة أخرى في المطعم الجامعي ادريس وبرفقته صديقته الاسبانية الحسناء بيلار. وتتوطد علاقات المودة والصداقة بينهما. ويصطحبه ادريس, ذات مرة, الى دار الاوبرا ليتذوق الموسيقى الكلاسيكية فيشغف بها بعد ان كان يميل الى الطرب الأندلسي في مغارات الغجر, وهو طرب ذو أصل عربي, وهكذا يصبح محبا للموسيقى الكلاسيكية والموسيقى العربية في آن واحد, (وهي اشارة الى الازدواجية الثقافية التي تحصل لكثير من الطلاب العرب في الغرب, بل لكثير من العرب في ديارهم بفعل العولمة. ونجد ان هذه الاشارة تتكرر في كثير من منعطفات الرواية وأحداثها).

ويمضي الاثنان أوقات فراغهما في مقاهي مدريد الجميلة ومغاراتها ومسارحها, فيلتقيان ذات مرة بفرنسيتين احداهما صحفية متخصصة في الفن التشكيلي, فيوهمها ادريس بأن جدته كانت على علاقة غرامية بالرسام الفرنسي <<ماتيس>> أثناء اقامته في العشرينيات من القرن العشرين في مدينة طنجة. وفي مناسبة أخرى يلتقيان بصبية اسبانية اسمها لوليتا مولعة بالغناء و<<كانت تشبه الغجريات, سمراء ذات عينين واسعتين كحيلتين, تترك شعرها الأسود المطواع ذيل فرس مرسل خلف ظهرها, أو تجعل منه ضفيرتين تتدليان على نهديها فتظل بنفس الفتنة.. حينما تحضر تحضر الدهشة, وعندما تنخرط في المواويل الشعبية الاندلسية تتحول بحتها الى سر  جمال صوتها, وربما بسبب تلك البحة رسخ في ذهني أن الصوت الصقيل الرتيب قد يطرب, لكنه لا ينفذ الى الأعماق نفاذ الصوت المتفرد>>.(2)

وذات ليلة, كانوا في بيت صديق اسباني, فيقترح ادريس على لوليتا ان تسمعهم من قديم فلنسيا, فأخذت تغني ولكنها توقفت فجأة وصارت تبكي قبل ان تعترف بأنها ابنة غير شرعية لرجل مغربي مسلم كان جنديا مغربيا في جيش الجنرال فرانكو, مغرما بوالدتها وأراد ان يتزوجها, غير انه رفض اعتناق المسيحية كشرط للزواج بها, فعاد الى بلده كسير القلب (ألا يذكرك هذا برواية <<آخر مغامرات أبي سراج>> للأديب الفرنسي شاتوبريان?).

وفي غمرة انشغال الراوي بالدراسة والحياة الجديدة يتغيب ادريس, فيظن الراوي بأنه سيعود بعد أيام, ولكن الأسابيع والشهور تنفلت دون أن يسمع أحد شيئا عن ادريس.

ويعود الراوي الى بلاده بعد انتهاء دراسته. وبعد ثلاثين عاما, وبينما هو في مكتبته, يعثر على رزمة من الرسائل تعود الى ذلك الزمن المدريدي, فيقرأ بعض أوراقها, ويتصفح بعض صورها, وفجأة يتقد الحنين في قلبه الى تلك الايام (وهو حنين العربي الى الأندلس المفقود وحنين الراوي الى أيام الشباب الضائع), ويستحوذ عليه هاجس معرفة مصير ادريس, فيبدأ البحث, ويكتب الى اصدقائه القدامى. ويصله خطاب من خوصي, صديق ادريس الحميم, يقول فيه ان ادريس حي يرزق ويعمل في لندن في مجلة شهرية انجليزية ت عنى بالاستشراق وتدعى <<فواصل>> (لاحظ هنا تجلي دراسات الكاتب الصحفية في الرواية).

ازدواجية المثقف العربي:

ويشد الراوي الرحال الى لندن, ويستقبله ادريس في بيته وهو <<شقة صغيرة, لكنها مثيرة. زربية مغربية شاحبة استراحت في عقر صالون انجليزي قديم, صورة متوسطة الحجم بالابيض والاسود داخل اطار خشبي جميل, وضعت فوق دولاب, تجمع ادريس مع أعضاء ثلاثة من فرقة البيتلز الغنائية...>>(3) وفي مكتب ادريس في تلك الشقة ملصقات لمعارض فنية لرسامين منهم: جياكومتي, سلفادور دالي, خوان ميرو, منير الاسلام, كريشنا ريدي, رودولفو ابولاراش, شوطاكاهاشي, وهناك لوحات في غرفة نومه لروجير بيسيير, الذي تشبه اعماله لوحات الشرقاوي.

(هكذا يؤدي الاقتراب من البعيدين الى تلاقح الأفكار وتمازج الثقافات, بل والى ازدواجية في الذوق والسلوك. إنها الازدواجية التي يعانيها المثقف العربي: جذور لصيقة بالتربة العربية كالتصاق الزربية المغربية بأرض الشقة, وآراء محلقة مرتفعة في فضاء الغرب ارتفاع صورة فرقة البيتلز الغنائية على الدولاب).

لم يحد ثه ادريس عن الأسباب التي أدت الى اختفائه من اسبانيا وانتقاله الى بريطانيا, وإنما أعطاه مذكراته على شرط أن لا يقرأها قبل أن يعود الى المغرب.

وفي المغرب يبدأ الراوي بقراءة مذكرات ادريس (أو بالأحرى سردها) فالقارئ يشعر ان الراوي بدّل الحصان في منتصف الطريق ولكنه احتفظ بالعربة نفسها وواصل السير في الطريق ذاته. فالسرد في المذكرات يتم بضمير المتكلم كذلك ولكنه بقلم ادريس. ويخالج القارئ إحساسا بأن الراوي هو ادريس نفسه أو ان ادريس هو الراوي ذاته, أو كما قال الناقد الدكتور صبري حافظ: <<فالراوي الذي يبدأ به السرد الروائي ويستخدم ضمير المتكلم هو جزء من ذات البطل (ادريس) المنقسمة على ذاتها, وهو الشاهد على انقسام هذه الذات وحيرتها في وقت واحد>>.(4)

رحلة الذات نحو الآخر

يمثل سفر ادريس الى انجلترا بقصد العمل والدراسة رحلة الذات نحو الآخر وتفاعلها معه وما يتمخض عن هذا التفاعل من نتائج سارة حينا وأليمة أحيانا أخرى. فمذكرات ادريس تدلنا على انه عانى صنوف الاستغلال والإذلال والجوع والمرض والتشرد والتمييز العنصري. فعندما ذهب ادريس مع صديقه الاسباني خوصي الى انجلترا, كان يأمل ان يعمل في احدى المزارع لجني التفاح وادخار جزء من الأجر ليتمكن من دراسة اللغة الانجليزية وآدابها. ولكنه يكتشف ان تلك المزرعة لا تعدو أن تكون معتقلا  للعمل الشاق الذي لا يوفر له حتى لقمة العيش الكريمة, فيقرر وصديقه خوصي الهرب من المزرعة ويتوجها. الى لندن. وهناك يقعان فريسة للتشرد وتمضية الليل في الحدائق العامة وأنفاق محطات المترو. ويتعرضان ذات أمسية للاعتداء بالضرب من قبل مجموعة من الشبان العنصريين لأنهم شاهدوهما يراقصان بعض الفتيات الانجليزيات في أحد المراقص. وأخيرا يستقر بإدريس الحال محررا في مجلة <<فواصل>> التي تعنى بالاستشراق. غير أنه يكتشف ان صاحبها جاكوب كورت يهودي صهيوني, وانه استخدمه ليجعل منه بوقا عربيا تنفذ منه سموم أفكاره الصهيونية. ويلتقي إدريس بابنة أخت جاكوب الحسناء ايستر. فيظن انها <<غنيمة ثمينة>> غير انه ينتهي به الأمر الى الزواج منها.

النهاية المأساوية للرواية

تنتهي الرواية بعد سنوات, في ليلة عاصفة ممطرة, في أحد مقاهي مدينة القصر الكبير, حيث كان يجلس الراوي فيدخل ادريس مريضا يائسا بائسا مشوها, ويطلب منه ان يساعده في استرداد جواز سفره للعودة الى انجلترا لرؤية ابنته التي أخذوها منه. فيعده الراوي بأنه سيفعل ذلك ويرجوه أن يجلس معه في المقهى, ولكن ادريس ينطلق خارجا  في قلب العاصفة لينتهي به الأمر جثة هامدة تجرفها مياه الوادي الكبير في تلك المدينة التي شهدت مولدة. وهي نهاية فاجعة لإدريس الذي ذهب بعيدا  في علاقته مع الآخر واقترب منه اقترابا  خطيرا , فعصف بحياته الصراع  النفسي العنيف بين مشاعره العربية الوطنية المتأصلة وبين اشتغاله في مجلة تخدم الأغراض الصهيونية, ما أصابه بالاحباط والانطفاء, وكأن نهاية الرواية تنبيه الى الأخطار التي تنتج من العلاقات المشبوهة مع الصهيونية.

الزمان والمكان والشخصيات في الرواية

<<الفن وليد عصره>>, كما يقولون. ورواية (البعيدون) شاهدة على عصرها بأمانة من حيث الزمان والمكان والشخصيات والأحداث, فأحداثها تبدأ في منتصف الستينيات في مدريد, وتصور بواقعية وصدق فني مشاعر البطل المغربي, ادريس, القادم من بيئة عربية تقليدية محافظة لا ترى في المرأة الا انثى, ولا وظيفة لها الا تسلية الرجل والترويح عنه. وهكذا فعندما وجد نفسه في بيئة أوروبية متحررة تمارس فيها المرأة حريتها كما الرجل, فإنه طفق يتصيد الفتيات متنقلا  مثل فراشة من زهرة الى أخرى. ولكن شخصية البطل في هذا الرواية ليست شخصية مسطحة جامدة وإنما شخصية مدورة تتأثر شيئا  فشيئا  بالبيئة الجديدة وبالثقافة الاوروبية التي تنظر الى المرأة بوصفها انسانا له وظيفته الاجتماعية, تماما كالرجل. وهكذا نجد ان ادريس, في لندن, لم يعد يتصيد الفتيات كما كان في بداية قدومه الى أوروبا, وإنما استقر مع امرأة واحدة هي ايستر التي تزوجها وأنجب منها ابنته.(5)

وعندما تقرأ رواية (البعيدون) تطالعك ثقافة الكاتب الشاسعة من بين السطور فهو يلم بجغرافية مدريد ولندن وامستردام إلماما  يمكنه من التحدث عن أحيائها وساحاتها وكلياتها ومكتباتها ومتاحفها وحدائقها ومراقصها بنفس الدقة التي يتحدث بها عن أخلاق أهاليها وتاريخهم وفنونهم وطريقة تفكيرهم. ويقدم لك الكاتب شخصيات متنوعة تمثل نماذج حقيقة من المجتمعات التي جرت فيها أحداث الرواية. ففي انجلترا تتعرف الى السير كوربيس, المستشرق الأستاذ الجامعي ذي الادراك العميق لتاريخ الفكر العربي وخفاياه, والى المستر جاكوب كورت صاحب مجلة فواصل بكل ما تخفيه ابتسامته من خبث ودهاء, والى خادمه كاتم اسراره الصامت دوما  ذي الوجه الجامد والحذاء المتآكل من الخف الذي يذكرك ببعض شخصيات أكاثا كريستي, وإلى ابنة اخته, ايستر, الشابة الحسناء الطالبة في مدرسة الفنون المعاصرة المشبوبة العاطفة التي توقع ادريس في غرامها.

وقد أتقن الكاتب بناء الفضاء السردي في روايته بحيث أبدع في تشييد صرح رائع تتمثل فيه أرقى المعالم المعمارية المناسبة لمكان الرواية الملائمة لزمانها. واستطاع ان يجمع في فضاء روايته الواقع والخيال, ويزاوج بين الحقيقة والحلم, ويخلط الممكن بالمستحيل. ومع ذلك كله, فهنالك ارتباط عضوي بين النص وفضائه المكاني والزماني والثقافي والنفسي. فالحوار المتقن بين الشخصيات يعكس بمهارة فائقة مستواها الفكري وتكوينها النفسي وانتمائها القومي في بناء متناسق الشكل متناغم المرافق.

وعلى الرغم من أن الكاتب الطود استخدم مواد البناء التي يستخدمها غيره من الروائيين, فانه وظفها بطريقة مختلفة ليصل الى أشكال سردية فذة أصيلة. فإذا كان المكان- مثلا- يستخدم في بعض الروايات ليشكل الفضاء الذي تجري فيه أحداث الرواية, أو الذي تتحرك فيه شخصياتها, أو ليكون العمود الفقري الذي ترتبط به جميع أجزائها, فان بهاء الدين الطود وظف المكان ليكون اطارا جذابا  زاهي الألوان لقضايا فكرية جادة. فهو يدعوك مثلا دعوة بريئة لمرافقته مع صديقته الفاتنة الى مرقص من مراقص مدريد أو لندن أو أمستردام. وهناك وأنت تتناول كؤوس الشمبانيا ولذيذ الطعام وبين ضحكات رفيقتك الجميلة وحركاتها المثيرة, يستدرجك الكاتب- من دون أن تشعر- إلى الانخراط في محادثة تظنها بريئة بسيطة مسلية, ولكن ما ان تشرع حتى تدرك ان الكاتب أقحمك في مناقشة قضايا فكرية جادة تتطلب منك أن تكون متيقظا  وأن تفكر جيدا  قبل أن تدلي بجواب.

مشاركة القارئ في عملية الإبداع

سيسر كثير من القراء- خاصة الشباب منهم- بوصف الفتيات الجميلات وحكاياتهن الغرامية في هذه الرواية, ولكنهم سرعان ما سيكتشفون أن الكاتب استخدم أولئك الفتيات, واللقاءات معهن في المراقص والحانات, والرسائل الغرامية منهن وإليهن, والتغزل المثير بهن في زوايا الحدائق الخفية, استخدم كل ذلك وسائل وطرائق لطرح قضايا فكرية رصينة. فعندما يستقبل إدريس- مثلا- صديقته الهولندية كريستيان, المتخصصة في الأدب الانجليزي, في محطة فكتوريا في لندن, يعانقها مرارا, ويقول في نفسه: هذا المساء لن أقرأ ولن أكتب ولن أنام. ويصطبحها تلك الليلة الى حانات حي همستيد الذي تعشقه كريستيان لمجرد كون الروائي البريطاني تشارلس ديكنز والشاعر الرومانسي تشيلي عاشا فيه.

قال لها بعد أن مل الحديث عن الثقافة الانجليزية: إن دراستها للآداب الانجليزية جعلت منها انسانة مستلبة>>. لكن كريستيان ضحكت وقالت:

- إنها أشياء طبيعية, فثقافتي هي امتداد للثقافة الاوروبية القائمة على التنوع لا التنافر, فهي جزء من الكل, وبذلك فإني لا أحس بأي استلاب. ثم أضافت:

- اذا كنت في اعتقادك مستلبة فان الراحل السير كوربيس المعجب بثقافتك ولغتك هو أيضا مستلب.

ضحكت  وطلبت  المزيد من الشراب:

- لا أشاطرك مفهومك للاستلاب, فالسير كوربيس فعلا كان معجبا بثقافتي, لكنه اخذها موضوعا للبحث والدراسة من غير أن يذوب فيها الى درجة الاستلاب , كما هو حالك مع الثقافة الانجليزية.

- توقعت ان تتفق مع تحليلي الصائب, لكنها نظرت الي  وكأنها تطل من سماء عالية وبثقة مشوبة برنة استهزاء قالت:

- أعتقد أن الشراب قد شوش على مخيلتك فصرت <<تلغ>> في أمور فكرية متجاوزة....>>.

وهكذا يجد القارئ الشاب نفسه يتساءل عن مدى استلابه هو عندما يدرس لغة أجنبية وآدابها وثقافتها, ويفتش عن الجواب في نفسه وفي النص ذاته.

حتى الرسائل الغرامية التي ترد في الرواية لا تخلو من درس لساني او فني أو فلسفي. ففي رسالة وردت الى ادريس وهو في لندن من صديقته الاسبانية الحسناء بيلار جاء ما يلي:

<< عزيزي ادريس,

... لعلك تذكر حديثا راج بيننا ذات مرة وكنا قد غادرنا الكلية مساء...

في ذلك المساء قلت لي ان التعبير بالكتابة أيسر وأمتع من التعبير الشفهي.

والآن, وبعد عام كامل, أقول لك إنك كنت مخطئا, أقولها عن تجربة قاسية أمر بها هذه اللحظة, ذلك أن الكتابة صنعة محرفة للحديث الشفهي, تسلبه دفء الولادة الطبيعية, تصبغه بمساحيق تشوه تلقائيته ولونه وشكله, ومهما ارتقت صياغته الكتابية فانه يظل تزويرا  للحقيقة...>>.

فالكاتب هنا يجرك الى مواقف تظنها في بداية الأمر ممتعة مسلية ويضع أمامك بعض القضايا يقربها أو يقربك منها ببساطة ولطف حتى تخال أنها ميسورة سهلة, وما أن تلقي نظرة فاحصة على الموقف حتى تجد أن الكاتب أقحمك في قضايا فكرية شائكة وجعلك طرفا في مشكلات عويصة, وتلفي نفسك حكما, عليك أن تتخذ قرارا  لأن الكاتب طرح أسئلة ملحة ولم يجب عليها بوضوح, وتميل نفسك أنت على ملء الفراغ الذي تركه الكاتب في النص طبقا لنظرية الجشتالت في علم النفس التي تقول ان العين الباصرة تميل الى استكمال الأشكال الناقصة. أو كما قال ادريس في معرض حديثه مع صديقته الحسناء الهولندية, كريستيان, وهي تحتسي نبيذها المفضل في حانة من حانات حي همستيد اللندني:

<<الأعمال الجادة اليوم, سواء في الأدب أو الموسيقى أو الرسم وحتى في السينما, هي التي تطرح إشكاليات, تجعل المتلقي في حالة تيقظ, لأن أشياء كثيرة تظل مختفية بداخل النص, وعلى المتلقي ان يكتشفها بنفسه, أن يدخل في عملية الابداع, من ثمة فان الالتزام لا محل له في العمل الابداعي الحديث, إلا إذا كانت الغاية منه هي الفن>>.

ولهذا فان هذه الرواية لا تمنح القارئ جميع الاجابات, وإنما تتطلب منه الاجابة على عدد من الأسئلة التي تظل معلقة وعالقة في ذهنه, بل تتطلب مشاركته في الابداع. وهذا ما جعل ناشر روايات الهلال التي نشرت الطبعة الأولى من (البعيدون) عام 2001 يصفها بأنها <<رواية تخفي تحت مظهرها البسيط قضايا عميقة وشائكة, وتطرح من التساؤلات أضعاف ما تمنح من الاجابات>>.(6)

هذه البساطة وهذا العمق اللذان تتسم بهما رواية (البعيدون) في آن واحد, يبهران القراء حتى المتمرسين والنقاد منهم, فالناقد الكبير الدكتور صبري حافظ يقول عن هذه الخاصية: <<فاجأتني رواية الكاتب المغربي الموهوب بهاء الدين الطود (البعيدون) بسلاستها وعمقها معا>>.(7)

رواية مغربية خالصة

ان رواية (البعيدون) تثمل نموذجا  حيا  للرواية المغربية الجديدة ذات الصبغة المعرفية الطاغية والتقنية السردية العالية. كما تمثل الشخصية المغربية من حيث قيمها ومثلها ووطنيتها ووسطيتها, وانفتاحها على الثقافات بفضل موقع المغرب الاستراتيجي, وشغفها بالمعرفة, وسعيها الى تحصيلها, وطموحها الى ترقية الحياة, وتشبثها بالأطفال ورعايتهم, وكذلك من حيث الوعي الفردي والجماعي بعلاقة المغرب التاريخية بالأندلس. ولهذا كله فان وزارة التربية والتعليم المصرية كانت صائبة في اختيار هذه الرواية وتوزيعها على المدارس المصرية لتكون نموذجا للرواية المغربية.

الهوامش

1 - أحمد السطاني, <<البعيدون>> في جريدة (الاتحاد الاشتراكي) المغربية, العدد 6734 بتاريخ 17/1/2002.

2 - رواية البعيدون, ص11.

3 - رواية البعيدون, ص20.

4 - د. صبري حافظ, <<البعيدون, رواية مساءلة الذات والإرث الاندلسي والعلاقة بالآخر>> في جريدة (العرب) اللندنية, العدد 6275, بتاريخ 20/11/2001.

5 - د. صبري حافظ, المرجع السابق.

6 - بهاء الدين الطود, البعيدون (القاهرة: دار الهلال, 2001) تقديم الناشر.

7 - مقابلة مع بهاء الدين الطود بعنوان <<الأندلس مقيمة في نصوصي>> أجراها حسن اليملاحي وعبدالإله المويسي, في جريدة (الزمان) اللندنية.


تصميم الحاسب الشامل