غادة السمان في <<سهرة تنكرية للموتى>>:
رواية تستعيد فضاء روايتها الأولى

 

مفيد نجم


تقوم استراتيجية بناء العنوان في أي عمل أدبي على مقاصد دلالية يسعى الكاتب لتحقيقها, ولذلك يشكل العنوان فاتحة دلالية مهمة الأمر الذي دفع الدراسات السيميائية للتركيز على أهمية العنوان ووظيفته, فرأت ان دراسة العنوان تحيل الى مرجعيتين, مرجعية خارجية تقع خارج النص, ومرجعية داخلية تحيل على النص, إذ يشكل العنوان في هذه الحالة مفتاحا  يساهم في الدخول الى عالم النص واستجلاء أعماقه ومضامينه.

وتظهر أهمية العنوان عند قراءة عنوان رواية القاصة والروائية غادة السمان (حفلة تنكرية للموتى) التي صدرت مؤخرا, وتتجلى هذه الأهمية عند الانتهاء من قراءة الرواية. إذ أن كثيرا من الأسئلة تطرحها القراءة يأتي في مقدمتها السؤال عن العلاقة بين هذه الرواية, ورواية الكاتبة الأولى- بيروت 75- سواء على صعيد استحضار أحدى شخصيات الرواية الأولى منير الطالب الفقير الذي كان يدرس في النهار, ويعمل في صيد السمك ليلا, أو على صعيد الوقائع والثيمات والعوالم الغرائبية التي تفصح عن رؤية الكاتبة التي سوف تعبر عنها احدى شخصيات الرواية والمتجسدة في أن الحرب التي انفجرت في لبنان وحذرت من وقوعها المدمر في رواية - بيروت 75- لا تزال قائمة, وهذا ما ستدلل عليه وقائع الأحداث وسلوك شخصيات الرواية.

تعيدنا غادة السمان منذ بداية الرواية الى مسألتين أساسيتين تتمثل الأولى في علاقة الرواية بالسيري, فالروائية تتحدث عن علاقتها مع مدينة بيروت, تلك العلاقة التي قادتها الى الرحيل إليها بحثا عن الحرية والشهرة (بيروت عاصمة الحرية التي جذبتني إليها من مدينتي الأم, فخلفت كل شيء ورائي لأعيش في ضوء منارة المتوسط تلك وكانت ذريعتي متابعة دراستي في جامعتها الأمريكية وفعلت وبقيت هناك ما وسعني الى ذلك سبيلا).ص11

أما المسألة الثانية فهي حالة التشابه بين بداية الرواية, وبداية رواية- بيروت 75- مع اختلاف المناخ وأسماء الأمكنة, اذ أن رواية حفلة تنكرية للموتى تبدأ في مطار باريس, حيث تلتقي مجموعة من الشخصيات اللبنانية بالاضافة الى امرأة فرنسية تدعى الدكتورة ماري روز في مقهى المطار بانتظار أن تقلع الطائرة التي يتأخر موعد اقلاعها بسبب الضباب الكثيف, وهناك يجري التعارف بين شخصيات الرواية التي تتباين في أوضاعها الاجتماعية, وحقيقة أهداف عودتها وحقيقة شخصياتها التي تقدم نفسها من خلالها, وفي رواية بيروت 75 تلتقي شخصيتا الرواية في سيارة أجرة ذاهبة الى بيروت, وتبدأ الرواية وهي تصف لنا ياسمين وهي تستعجل الرحيل عن دمشق التي تضيق بحرارتها وعالمها الذي, يحد  من حريتها وانطلاقها.

تقاسم البطولة في رواية بيروت 75 شخصيتا ياسمين وفرح, أما في هذه الرواية فان الرواية تقدم لنا شخصيات عديدة فواز الشاب العائد لبيع أملاك والده وانهاء علاقته مع بيروت, سليمى وابنتها دانا التي تذهب الى بيروت لعقد صفقة مع أحد رجال الأعمال اللبنانيين لبيع أجهزة كمبيوتر الشركة الفرنسية التي تعمل فيها, وماريا الحراني العائدة لكي توقظ أشباح قلبها, وترى الحال الذي آلت اليه حال لبنان بعد أن هجرته مرغمة بسبب الحرب, ثم هناك شخصية ماري روز الفرنسية القادمة بحثا  عن سحر الشرق وعن الحب والقمر والمرآة السحرية التي ترى فيها من يحب قلبها ساعة تشاء- كما تقول- وناجي عامل المطعم الذي ينتحل صفة صاحب احد المطاعم المهمة في باريس, وعبدالكريم الخوالقي الذي يستغل تشابه الاسم بينه, وبين ابن رئيس دولة قهرستان, ولذلك تعتبر هذه الرواية رواية شخصيات بامتياز. في كلتا الروايتين هناك حضور للسيري فشخصية ياسمين ويظهر هنا الجانب الدلالي الشعري في الاسم, هي شخصية الروائية في رواية بيروت 75, أما في الرواية الجديدة, فان ماريا الحراني هي شخصية الروائية والاشارات التي تدل على ذلك- خصوصا في كلام ماريا نفسه- كثيرة وتستخدم الروائية في السرد الروائي شخصية الراوي العليم كما تستخدم بكثافة واضحة المنولوج, حيث يتناوب السرد والمنولوجات الداخلية في بناء الرواية, والكشف عن عوالم الشخصيات ومشاعرها وعن حركة الاحداث في كلتا الروايتين, فالبنية الروائية المتماثلة فيهما هي مزيج من السرد الذي تقطعه باستمرار المنولوجات الذاتية للشخصيات.

وتحيلنا الاشارة التي ترد في الرواية الى استخدام ماريا/ الروائية للنظارة السوداء حتى في الليل الى شخصية بطلة قصة النظارة السوداء في مجموعتها (رحيل الغرباء) وهو ما يكشف عن رغبة الشخصية في إضفاء الغموض على نفسها أو مشاعرها لأن النظارة تحجب رؤية تلك الانفعالات  كما تكشف عنها العينان, لكن الجانب الأكثر وضحا  في هذه الرواية هو استعادة الكاتبة لجانب من عالم روايتها بيروت 75 هو حياة الصيادين الفقراء وعلاقتهم مع البحر والصيد, حيث تتعرف الى معاناتهم, والى شخصية الشاب منير الذي يعمل مع والده ليلا  في صيد السمك, فهذا الشاب الذي تتعاطف مع معاناته الصعبة وترى فيه صورة الثورة القادمة على عالم المدينة الفاجر وعلاقاته الطبقية الظالمة يتحول إلى أحد مافيات المدينة الجديدة, الذي تنكر لمعاناته وطبقته وتحول الى شخصية عنيفة تستغل ظروف الحرب وغياب القانون لتحقيق أمجادها, وفرض سطوتها, وتحقيق الثراء الفاحش.

ويتكرر  في هذه الرواية الحديث عن موسيقى كارل أورف التي كانت ياسمين في رواية  بيروت 75 تعتبره موسيقاها المفضلة, كما يتكرر حضور المطر الغزير ورمزيته في هذه الرواية, ويتكرر الحديث معه عن الحاجة الى غسل هذه المدينة من آثامها وشرور مافياتها وتجار حروبها بالاضافة الى ما يوحي به المطر الغزير من شعور بالوحشة والخوف يعّمق الاحساس بالتجربة التي تعيشها شخصيات الرواية, وهو ما نجده يتماثل مع الحالة التي كانت تعيشها ياسمين بعد أن قرر نمر السلموني عشيقها وابن أحد تجار السمك في المدينة أن يهجرها, فيضعها في منزل فاخر حيث يتكرر مشهد الرعد المنذر والمطر الغزير في الرواية.

وإذا كان ثمة تماثل بين بدايتي الروايتين على صعيد العتبة الروائية أو حافز التقديم, أو على صعيد بعض الشخصيات ودورها في تكثيف رؤية الكاتبة التي تجعل هذه الشخصيات تنطق بها, فان نهاية الرواية تأتي مختلفة فياسمين في بيروت 75 يقتلها أخوها بعد أن توقفت عن مد ه بالمال في حين أن ماريا الحراني لا نعرف عن نهايتها شيئا  بعد المشهد الذي تظهر فيه مع سميرة وفواز اللذين يمثلان الجيل الجديد, وهي تحاول أن تستعيد ذكرياتها القديمة وأن تستعيد معها صور المكان القديم التي جرى ازالتها وكأنها تحاول أن تستعيد مدينتها القديمة التي, أحبتها بجنون, تعبر عنه عبر الركض في الشوارع والأخيلة التي تراها والحب الذي تتدفق به.

وكما كانت شخصية العرافة في روايتها الأولى تلعب دورا  هاما  في قراءة مستقبل أهم شخصيات المدينة السياسية والاجتماعية, الذين يأتون اليها لمعرفة ما ينتظرهم, وما ستسفر عنه صفقاتهم ومؤامراتهم, فان هذه الشخصية تؤدي في الرواية الجديدة نفس الدور, إذ انها تتحدث دائما  عن رؤيتها التي ترى فيها أن دما  كثيرا  سيسيل, على غرار ما كانت تقوله في الرواية الأولى عند حديثها عن المستقبل.

تقتل ياسمين, ويهرب فرح محطما   مرعوبا  ومريضا  في رواية بيروت 75 وفي رواية (سهرة تنكرية للموتى) يحدث العكس إذ يقتل عبدالكريم الخوالقي على يد رجل هارب من بلاد قهرستان, يحاول أن يثأر من والد الخوالقي الذي قتل ابنه بقتل عبدالكريم, فيسقط ضحية لعبة اختلقها, ثم وجد ان هناك من يفرض الاستمرار بأداء نفس الدور من أجل جمع أموال ضخمة بعد بيع تأشيرة السفر وعقد صفقات المشاريع مع رجال الأعمال. أما ناجي الذي يعود الى باريس بعد أن يهرب بثروة كبيرة يحصل عليها بطرق غير مشروعة, فيموت هو الآخر في حادث سير, في حين ان الشخصيات الانثوية تعيش تجاربها حتى دانا التي تتعرض لمحاولة اغتيال تنجو, ويسقط رجل المافيا نفسه قتيلا .

قد تطرح المصائر التي تنتهي اليها شخصيات الرواية سؤالا هل الاسباب التي جعلت الكاتبة في روايتها الأولى تلجأ الى قتل بطلة الرواية, في حين انها في هذه الرواية تفعل العكس, فالرجال هم الذين ينتهون نهايات مأساوية فاجعة, والنساء يستطعن مواجهة الواقع, والاستغراق في علاقات حب عاطفية وحسية مثيرة بما فيها الدكتورة ماري روز الفرنسية التي تكتشف في علاقتها مع الرجل الشرقي عالما آخر من المتعة والحب والسحر, كذلك الأمر بالنسبة لسليمى التي تعيش تجربة حب مع شاب يصغرها بعشرين سنة على الرغم من اعتراض دانا الدائم على هذه العلاقة.

ربما يكون التطور الذي طرأ على شرط المرأة التاريخي والاجتماعي هو السبب الذي حدا بالكاتبة الى تطوير رؤيتها الى الواقع الذي تعيشه المرأة, وبالتالي جعلها تبديل في وضع المرأة والمصائر التي تواجهها على الرغم من أن الراوي يقدم نبوءة أخرى على لسان خليل الدرع أحد الشخصيات النظيفة التي اخلصت لبيروت ولمبادئها التي آمن بها, فبعد مشهد كابوسي يراه فواز يسمع في نهايته خليل الدرع وهو يؤكد له بأن الحرب لم تنته, إذا ما زال كل شيء على حاله وان تغيرت الاسماء والخنادق والادوار والشعارات.

في الروايتين تبقى بيروت مدينة للفجور والضياع والموت وتجار الحروب والسياسة وأزلامهم, كما هي مدينة للحب والجمال, لكن السؤال الذي نعود اليه مرة أخرى, هو السؤال الذي يتعلق بالمضمون الدلالي لعنوان الرواية (سهرة تنكرية للموتى) فهل يحيل هذا العنوان الى رواية بيروت 75 لكي تقول لنا ان تلك الشخصيات عادت لتظهر من جديد في هذه السهرة التنكرية للموتى, وبالتالي فان لاشيء تغير في هذه المدينة الغريبة, مما يضع رؤية الكاتبة في هذه الرواية على تناص مع رؤيتها في الرواية الاولى ويجعل شخصياتها كذلك هي تجلي جديد لتلك الشخصيات في هذه الحفلة التنكرية.

اذا كان المعنى الدلالي للرواية يتضمن الإحالة الى تلك الرواية, فإن ما نجده من تماثل في بنية السرد الحكائي في الروايتين, وفي بعض الشخصيات يمكن أن نبرره من خلال علاقة الاتصال والإحالة هذه, بحيث نفترض أن روايتها الجديدة هي الجزء الثاني لرواية بيروت 75 على الرغم من ان الكاتبة لا تشير الى ذلك على غلاف الرواية, أما اذا كان العنوان لا يتضمن شيئا  من ذلك فان هذا التناص بين العملين, يكشف عن استسلام الروائية لمنجزها السابق, وركونها الى ما قدمته سابقا , مما يكشف عن فقر في التخييل الروائي, وفي أدواته التعبيرية والفنية, وهذه مشكلة لأن ما قامت به الروائية على الرغم من مرور أكثر من عشرين عاما  على صدور روايتها الأولى هو تغير أسماء بعض الأمكنة وزيادة عدد شخصيات الرواية, وإدخال شخصية فرنسية جديدة فيها كشفت عن التباين في السلوك والوعي بين الشخصية الأنثوية العربية التي تعيش في الغرب, وبين الشخصية الأنثوية الغربية, أما ما يتعلق بعالم المدينة وعلاقاتها وقيمها وأخلاقيات شخصياتها فلا شيء يختلف الآن عن ما سبق ولذلك تتكرر الرؤية القديمة- الجديد التي تقول ان دما  كثيرا  سيسيل وان الحرب لا تزال مستمرة.

من هنا فان السؤال الي يطرح نفسه هل أصبحت غادة السمان بعد تجربتها الطويلة والفنية في مرحلة اعادة الانتاج والتنويع على منجزها الروائي والقصصي السابق, وهذا الأمر تكرر عند عدد من الروائيين العرب الذين وقعوا أسرى هذه اللعبة التي فرضت نفسها عليهم بعد أن أصبح أفق الابداع لا ينزاح خارج حدود التجربة التي قدموها في أعمالهم الأولى. انه سؤال سنرى الاجابة عليه في أعمال الكاتبة القادمة.


تصميم الحاسب الشامل