إعادة كتابة التاريخ في رواية <<ريحانة>> لميسون صقر

 

نيفين النصيري


استحضار التاريخ وإعادة كتابته داخل النص أصبح من السمات البارزة للأدب المعاصر. ويذكرنا إدوارد سعيد أن <<الكاتب يهتم اليوم بإعادة الكتابة أكثر من اهتمامه بالكتابة النقية الأصيلة>>(1). وإذا كانت إعادة الكتابة في الرواية تقوم على فكرة التكرار, أي الاختلاف والتجديد, فهي تعمل على زرع الشك في أصل النص وأحادية مرجعيته لكي تجعل منه نصا  منفتحا  يقبل كل أشكال التناص والتهجين, ويفيض بالمصادر والمراجع المتعددة والمتنوعة.

وبهذا احتل التاريخ مكانه بين المراجع التي قد يلجأ إليها النص الأدبي للتوثيق أو التأطير دون أن يحتفظ بفاعليته التي يتمتع بها في مجاله الأصلي, حيث يصير رواية لتمثيل ما - سواء كان واقعيا  أو متخيلا. وانطلاقا من هذه الفكرة يمكن أن ننظر إلى رواية <<ريحانة>> لميسون صقر التي استخدمت بطريقتها هذا <<العلم السردي الكبير>> فأعادت كتابته من وجهة نظر نسائية أولا , ثم قامت بتجاوزه والتمرد عليه, مبرهنة على أن اعتقادنا بأن التاريخ علم موضوعي ثابت وغير متغير, لم يعد له تلك <<الهالة الموضوعية الإرهابية>>(2) بل يمكن أن يروى بأشكال وأصوات متعددة, وفقا  لوجهة النظر أو الأيديولوجيا المتبناة.

 الرواية تتناول سيرة ريحانة العبدة التي كانت تعيش مع سادتها داخل حصن منيع في إمارة الشارقة, ثم اضطرت للسفر معهم إلى القاهرة, بعد الانقلاب العسكري الذي أطاح بالحاكم, حاملة طفليها وتاركة ليس فقط زوجها وإنما أحلامها أيضا. وبعد غياب دام خمس سنوات تعود ريحانة إلى موطنها وإلى زوجها وتحصل على حريتها. إلا أنها تكتشف أن أحلامها لن تتحقق وأن الواقع الذي تركته وراءها قد تغير من حولها. وتأتي قصة شمسة - السيدة الصغيرة - خطا  متوازيا  مع قصة ريحانة, ينفتح وعيها باستكشاف عوالم وزوايا جديدة, من خلال التحولات السياسية والاجتماعية التي تشهدها أسرتها وكذلك المجتمع المصري.

 فاستحضار التاريخ ومساءلته في رواية ريحانة يمثل قراءة مختلفة; بل ومن شأنها تدنيس هذا العلم الكبير, خاصة عندما يكون الراوي/الراوية صوتا  نسائيا  بل صوت عبدة في كثير من الأحيان. وعن طريق الحكى واستحضار الماضي, والنصوص الشارحة يظل التاريخ الرسمي في الخلفية بينما تحكي النساء في الرواية هذا التاريخ ولكن من وجهة نظرهن الخاصة فيقدمن بذلك رؤى مختلفة لأحداث تاريخية- سواء كانت شخصية أو جماعية- ليس بهدف تغيير التاريخ, بل تغيير وعيهن به.

تعد الرواية نموذجا  رائعا  لهذه الإشكالية, كما أن تشابك الأصوات النسائية وتداخلها داخل النص يؤكد على الطبيعة الحوارية للرواية, والتي تتمرد على أحادية الخطاب الرسمي والذي عادة ما يقوم على صوت <<الأب>>.

كما أن تقسيم الرواية لعدة أجزاء يحمل كل منها عنوانا منفصلا ولجوءها لأنماط مختلفة من التناص والمصادر يؤكد على هذا الرفض المستمر لتأويل التاريخ من منظور واحد وثابت, فيصير النص أشبه بالجذور الممتدة في أعماق الأرض, خاصة تلك الجذور التي يقول عنها جاك دريدا بأنها تمتد وتتضافر وتتشابك فتلتف بعضها على البعض, حتى يصعب اقتلاعها أو تفكيكها أو حتى تنظيمها.

وهذا التلاحم بين الأجزاء يؤكد في وجهه الآخر على فكرة التعددية والتشظي, فتتشكك بذلك الرواية في الأفكار المطلقة, والمسلمات, وتتمرد على الأحكام المسبقة والأولية, وتثير القلق والتوتر, تمجد بتلك التساؤلات دون أن تعطينا إجابات محددة وقاطعة. وعندما تعطي ميسون صقر الكلمة للعبدة أولا  ثم للنساء الأخريات للتعبير عن آرائهن وتفسيراتهن للتاريخ وللماضي تاركة كل من يمثلون السلطة الأبوية في الظل, فهى تبث الشك في مصداقية الخطاب التاريخي الرسمي, وتتمرد على السلطة الهرمية, بقلب الهرم رأسا على عقب عندما تضع المرأة المستعبدة في الواجهة تليها الحرة وفي النهاية يأتي الرجال الذين يظهرون من خلال وجهات نظر النساء, ثم من خلال الخطاب الجماعي التاريخي. وهي لم تلجأ إلى الخطاب الجماعي لتمجيده أو إعادة إحيائه, بل استعانت به كمادة خام أو كمصدر اعتمدت عليه في تأطير وتوثيق الأحداث التي نسجتها الرواية, كشهادة على مرجعية الأحداث, متجاوزة هذا الخطاب العام عندما جعلت من سيرة عبدة منذ الستينيات وحتى الآن الحدث الأهم في روايتها, والذي من خلاله نتعرف على نظام العبودية القادم من العالم القديم.

وكما حكت لنا ريحانة/ العبدة التاريخ من وجهة نظرها حكت لنا شمسة/ الحرة والمقيدة في آن واحد هذا التاريخ. مؤكدة على أن التاريخ الرسمي أو ما يقال في الكتب التاريخية مختلف عن التاريخ الخاص أو الشخصي كما تقول شمسة :<<لكن لحظتي مختلفة, لحظة أرى فيها الشخص بحالته الإنسانية وهو عاجز وراقد على فراش الموت كما لو أنني رأيته هكذا كي أقي نفسي التاريخ المقروء الجامد السلطوي>> ص-90.

وإذا كان البيير ميمي(3) الكاتب وعالم الاجتماع يحدد النماذج المختلفة التي تعاني من القمع والاضطهاد في العصر ما بعد الكولونيالي: كالأسود والمستعمر والعامل واليهودي والمرأة والعبد (قديما ) والخادم (حديثا ), فإن ريحانة وشمسة تعدان نموذجين من النماذج المقموعة والمسيطر عليها. ويمكن اعتبار صوتهما الخطاب البديل والرؤية المضادة للتاريخ <<التذكاري>> كما يعرفه نيتشه. الزمن الشخصي أو الذاتي إذن يتمرد على التاريخ الجماعي: مضيفا  أو حاذفا  منه, مثيرا  بذلك الجدل حول شرعية الخطاب التاريخي المهيمن كمصدر موثوق فيه يتبع منهجية علمية موضوعية وثابتة. مبرهنا  أيضا  على أن التاريخ علم انتقائي, مختزل وشخصي, يعتمد على وجهة النظر والأيديولوجيا المتبناة كما تؤكد الرواية <<التاريخ وإن كان حقيقيا  فهو يتشوه مع من يرويه>> ص- 124. فالحكايات التي لا تظهر في كتب التاريخ الرسمية أكثر أهمية وقد تكون أكثر واقعية من الواقع نفسه.

إن وضعية التاريخ الجدلية ستكشف هكذا النقاب عن غياب الإجابات والمسلمات والبديهيات, كما أن إعادة كتابة التاريخ من وجهة نظر نسائية تعد قراءة متحدية لهذا التاريخ, قراءة من شأنها إلقاء الضوء على الكثير من التجارب الإنسانية التي غفل عنها التاريخ وخاصة تجارب المهمشين الذين يعيشون خارج التاريخ الرسمي. كما أن اعتماد الرواية على مراجع ومصادر عديدة ومتنوعة من كتب التاريخ والجغرافيا وكذلك نماذج مختلفة من أشكال التناص تؤكد على هذه التعددية وتتشكك في أصل النص الأحادي البؤرة.

تتميز الرواية أيضا بالتقطيع المستمر للحكايات والذي يقرب الرواية من تقنية القصص القصيرة أو الكولاج, كالصور المختزلة في الذاكرة, إثبات آخر على أن التفكيك والتجزئة التي تميز الكتابة التي تحتفي بتعدد الأصوات من جهة وتعمل على إزعاج القارئ من جهة أخرى فتقلب ببنيتها هذه عاداته القرائية مثلما قلبت في مضمونها وطبيعة أصواتها التراتبية الاجتماعية. وهكذا يمكن للقارئ أن يبدأ مثلا  من النهاية لكي ينتهي إلى البداية, أو أن يقرأ فصلا أو مقطعا قبل الآخر, أو يعيد قراءة الفقرة نفسها دون أن يفقد متعة القراءة, لتذكرنا بسؤال بارط في كتابة الجميل لذة النص :<<من منا قرأ البحث عن الزمن المفقود لبروست بأكمله أو قرأ الحرب والسلام كلمة كلمة?>>(4).

أما على المستوى اللغوي فإن تداخل المستويات المختلفة للحكي: بين الفصحى والعامية (الخليجية والمصرية) والديالوج والمونولوج الداخلي, والربط بين الشخصي والتاريخي والأسطوري,  تبرز هي الأخرى فكرة قيام الرواية على مبدأ التعددية. ويمثل التجاور بين الأجزاء الوثائقية والأجزاء السردية والشعرية, وتبادل ضمائر المتكلم والغائب والتداخل بينها, حيث تتشابك الأصوات وتتراكم الحكايات بل وتتكرر أحيانا , رفضا  للتأويل الأحادي على كل المستويات الفنية.

 كما أن الرواية تطرح دائما  تساؤلات حول المعاني والأفكار المجردة دون أن تعطى إجابات قاطعة أو مفاهيم ثابتة لها, فعندما تحدثنا ريحانة العبدة عن مفهوم الحرية لا تعطينا شمسة التعريف نفسه: هل تعني الحرية أن يكون الجسد حرا  ولكن الروح مقيدة مثل شمسة; أو أن يكون المرء عبدا  بروح وجسد حر مثل ريحانة? أو أن الحرية قد تعني السجن? فعن ريحانة تقول الرواية: <<كم هي حرة برغم عبوديتها, جسدها يستمتع بإرادة كاملة وينتفض برغبة عارمة ويحس بحرية حقيقية>> ص121.

وعلى الرغم من الحرية الظاهرية التي تعيشها ريحانة إلا أنها ظلت عبدة لأهوائها ولرغبتها في تقليد عمتها حتى بعد حصولها على صك عتقها, فلم تتحرر ريحانة لأنها <<لم تكن مخلصة لفكرة عبوديتها, كما لم تصبح مخلصة أيضا  لفكرة حريتها>> ص149. فعاشت عبدة في جسد حرة, وظلت سجينة لهذه الحرية ومغتربة عن العالم المحيط بها بل وعن وعيها بذاتها أيضا .

كما أن شمسة - التي كانت تتمتع بحرية ظاهرية - كانت هي الأخرى تشعر بأنها سجينة في حصن والدها الحاكم, بل أنها صارت سجينة للأفكار والقيم والعادات التي كانت تسلب إرادتها, حتى أنها كانت تحس  بتقلص أعضائها مع تعليمات أمها الصارمة في الجلوس والكلام والتصرف.

 وهذا المأزق الوجودي الذي تعيشه ريحانة و شمسة ينطبق على علاقتهما بالمكان والزمان, أو إذا صح التعبير باللامكان واللازمان أي باللاانتماء. فهما تعيشان واقع الاغتراب بكل متناقضاته ومشكلاته. وتجعلنا الرواية نتساءل عن ماهية الاغتراب وأسبابه: هل هي الاغتراب التوبوغرافي الذي يعبر عن الحركة التي يقوم بها الكائن المغترب من مكان إلى آخر, سواء أكان مجبرا  على ذلك أو باختياره الحر? أم هي الاغتراب النفسي أو الداخلي الذي يمثل تلك الوحشة والعزلة التي يعيشها الإنسان المغترب, وتجعله ينفصل عن العالم بل وعن ذاته أيضا  حتى لو لم يرتحل عن مكانه?

ريحانة على سبيل المثال تعيش الاغتراب بشكل مزدوج, حتى عندما عادت من منفاها إلى بلدها بعد غربة دامت خمس سنوات لم تستطع أن تتعايش مع الواقع المتغير; ولأنها كانت تنظر دائما  إلى الوراء مسكونة بالحنين إلى الماقبل, عاجزة عن قطع ذلك الخيط الرفيع الذي كان يشدها إلى الماضي وإلى أصولها كعبدة, ولأنها نموذج بلا قضية وبلا هوية أو هدف, عاشت ظلا  باهتا  بإرادة مسلوبة تابعة, فاغتربت عن ذاتها واختارت الجنون منفاها وسجنها الأخير كمحاولة للوقوف أمام مداهمة التاريخ لها وطمس ملامح وجودها السابق.

وليست ريحانة وحدها التي تعيش سجن عبوديتها, فشمسة الحرة, وبقية شخصيات الرواية لم تنفعها حريتها, ولم تحمها من هذا الشعور بالسجن الذي تكثفه الرواية منذ الصفحات الأولى في رمزية قصر الحاكم الذي يضم الأسياد والعبيد والحرس والمساجين وجميعهم يغلق عليهم في آخر الليل باب واحد مفتاحه بيد أحد العبيد!

وهكذا تستشرف رواية ميسون صقر - بوعي جدلي وشاعري رفيع المستوى- مواضع الألم والقهر الذي تعيشه المرأة أولا والبشر بشكل عام,  مستعينة في ذلك بالتاريخ الذي لم تثبته إلا للتمرد عليه ومساءلته.

الهوامش

1- إدوارد سعيد, العالم, النص والنقد, كامبريدج, هارفارد, 1983, ص135

2- بيير باربيريس, الأمير والتاجر. أيديولوجيات: الأدب والتاريخ, باريس, فايار, 1980, ص- 144

3- ألبيير ميمي, الإنسان المقموع, باريس, جاليمار 1968.

4 -رولان بارط, لذة النص, باريس, سوي, 1973, ص- 22.


تصميم الحاسب الشامل