|
|||||
|
قصد بالعنوان الذي اخترناه هنا طرح فكرة الاستخدامات والمعاني الآخذة في التغير للمسجد في المجتمعات الاسلامية المعاصرة, وعلى الرغم من أن المؤمن عندما يكون في المسجد قد يتوقع أن يكون على اتصال مباشر مع المقدس, فانه يجد نفسه عمليا مواجها بتجليات لاستخدامات متغيرة لدار العبادة, تغيرات في الطبيعة غير الدينية, التي قد يجد من المتعذر عليه أن يتفهمها ويرتبط بها. والتحليل المطروح هنا هو محاولة لإيجاد فهم أفضل للمجتمعات الاسلامية المعاصرة وعلاقتها بالمسجد. والرأي الذي أجادل بشأنه وأؤمن به هو ان تاريخ المسجد بأسره ينبغي أن يعاد النظر فيه ويفسر من جديد, مع إشارة خاصة الى الاشكال والتصميمات وكذلك الأنساق السيميولوجية (أي العلامات والرموز التي يستخدمها أعضاء أي مجموعة اجتماعية لايصال القيم المشتركة) التي تحدد ادراك المفاهيم المجردة, مثل <<المقدس>> والطريقة التي توظف بها, وأود كذلك أن أشدد على الفكرة القائلة إن طبيعة ما يعتبر مقدسا في أي مجتمع تعد هي ذاتها موضوعا للتغير. تماما كالبيعة والمعبد والكنيسة, فان المسجد كمكان للعبادة هو مبنى يحتاز فضاء ينظر إليه المؤمنون على انه مقدس ومميز عن العناصر الدنيوية المحيطة به, وانه بفضل وضعيته الطاهرة يمكن أن يوسع نطاق معنى كلمات المؤمن وأفعاله خلال وجوده هناك. وإذا تم إحداث أي تغيير في المفهوم التقليدي للمسجد وطابعه المقدس فان الوظيفة الاساسية للمسجد تشوه, ولهذا السبب فان تصميم المبنى وأشكاله وسماته الخاصة, بما في ذلك القبة, المئذنة, المحراب والمنبر يعاد إنشاؤها عادة وفقا للتصور المعماري المألوف الذي ترسخ في أذهان الأفراد كنتيجة للتكرار المستمر عبر القرون. شأن الاعمال الصريحة المرتبطة بأي دين, منحت المساجد تقليديا بؤرة مركزية للجماعات المقيمة في المدن والقرى. ومثلت مثل هذه المباني بالنسبة للمؤمنين ديمومة القيم التي يضمنها حضور قدسي في مكان العبادة. والجانب النفسي لمكان العبادة الذي يشمل الذاكرة, والأفكار المستوعبة والمشاعر الفردية والجماعية على السواء. لا يؤخذ غالبا في الاعتبار بصورة كاملة من قبل المؤرخين, على الرغم من انه عنصر ثري ومركب ومهم من عناصر التاريخ, وفي حالة المسجد, وإلى جانب المواقف التقليدية والراسخة للمؤمنين حيال ما يعتبرون مقدسا , فان هناك منهاجا حديثا في الاقتراب من معنى <<المقدس>> يقوم على المنطق, ويكشف الجوانب والتغيرات التي تظل عصية على فهم أولئك الذين يقوم إيمانهم على أساس اليقين الذي يأتيه التشكك من أي منفذ وحده. فالخيار, إذن, في دراسة مكان المسجد في المجتمع الاسلامي هو خيار ينحصر بين قبول وجهة نظر المؤمنين المرتبطة بالتقاليد. وهي وجهة نظر تكرر ما ينظرون إليه على أنه <<مقدس>>. أو محاولة تحليل المدركات والمعتقدات بوضعها في منظورها التاريخي, السوسيولوجي, الانثروبولوجي والنفسي. وفي إطار أي جماعة اجتماعية - ثقافية محددة, فإن مفهوم المقدس يختلف في تعريفاته وحدوده ودوره, اعتمادا على استجابة تلك الجماعة للظروف التاريخية المتغيرة. هكذا فان الناس هم <<ممثلون اجتماعيون>> أي انهم يلعبون أدوارا مختلفة في الوقت نفسه, على سبيل المثال عندما يذهب المؤمنون للصلاة في المسجد, فإنهم يشتركون في المبنى بالتساوي مع أعضاء المجتمع الآخرين الذين ربما كان وجودهم هناك يرجع لاعتبارات سياسية او اجتماعية, وعلى المستوى الشخصي فإن المصلين سيتفاعلون معهم بطرق مختلفة, ويلعبون أدوارا مختلفة. وفي غمار محاولة إنجاز دراسة للمسجد كفضاء مقدس في المجتمع الحديث, يتعين علينا أن نأخذ في الاعتبار الجوانب المتداخلة التالية: 1 - تقويم تاريخي. 2 - منهاج انثروبولوجي. 3 - تحليل سيميولوجي. 4 - تقدير لكيفية اكتساب السلطة للشرعية. إن كل هذه الجوانب, التي ستناقش بالتفصيل لاحقا , ستساعد في إيضاح تحولات المقدس والتعبير عنه, وتقدم اطارا لتقويم قضية الدين بكاملها باعتباره ظاهرة ودوره المتغير في مجتمعات تغدو علمانية بصورة متزايدة ومتشظية اجتماعيا . وفي سياق المسجد والمجتمعات الاسلامية المعاصرة, فان هذه المهمة تغدو صعبة بصفة خاصة, لأن الفقه الراهن في الدراسات الاسلامية يميل الى أن يكون أكثر اهتماما بتحليل وتفسير المصادر النصية منه بالمعاني والقيم المرتبطة بالمسجد. وتمس الحاجة الى تقويم نقدي لهذا الأخير, لأن كل مجتمع اسلامي يواجه أزمة عامة في تفسير معنى الموروث من التقاليد الاسلامية والتاريخ الغابر, وكنتيجة لذلك فإن وظائف المسجد واستخداماته اليوم لأغراض أخرى غير العبادة تكشف- عن برهان- عن انكسار في العلاقة المقبولة تقليديا بين المؤمن الفرد ومكان صلاته. تقويم تاريخي في أي محاولة لتحديد دور المسجد وفهمه, من الضروري الأخذ في الاعتبار الوضع الذي ساد في المدينة خلال حياة الرسول صلى الله عليه وسلم. وكما هي الحال بالنسبة لأي دين جديد, فإن مسألة <<المقدس>> ووضعه المعرفي والطقوسي كانت قضية لها أهميتها في السنوات الأولى للاسلام. ون ظر إلى القيام ببناء مسجد للجماعة الاسلامية الناشئة في المدينة على أنه إيماءة سياسية ودينية معا . ويشير القرآن الكريم اشارة صريحة الى مجموعة منافسة اتخذت لنفسها مكانا للعبادة لمنافسة المسجد <<الحق>> الذي شيده الرسول صلى الله عليه وسلم. وتحتاج أي حركة دينية في مرحلة نشأتها لتكريس أماكنها, مبانيها, طقوسها, أعرافها, وأنماط أزيائها, لتوفير هوية مميزة للجماعة الجديدة مختلفة على نحو جلي عن كل ما حولها, وبصفة خاصة عن أولئك الذين يقيمون في المكان نفسه ويستخدمون الرموز نفسها, والمصادر النصية والمفاهيم عينها, وهو ما انطبق بالفعل على اليهود والمسيحيين الذين كانوا مستقرين في المدينة قبل عام 622 ميلادية. وتشمل الأمثلة على التغيرات التي تم ادخالها في السنوات المبكرة من عمر الإسلام التحول باتجاه القبلة من بيت المقدس الى مكة واختيار الجمعة يوما للمسلمين, بعد أن اختار اليهود السبت, واختار المسيحيون الأحد. يعتمد تحقيق الهدف المتمثل في اكتساب القبول واسع النطاق لمفهوم معين للمقدس يحرز السلطة الدينية والقوة السياسية- يعتمد بصورة أكبر على الفهم السائد والجاذبية بأكثر مما يعتمد على مضمونه أو أفكاره الجوهرية. وبتعبير آخر, فان الشكل المبكر للمسجد- بيت صلاة يلحق به صحن- قد اكتسب طبيعة <<مقدسة>>, لا لأنه قد شيد أو صمم على نمط معين, وإنما لأنه بمرور الزمن أصبح مكرسا بفضل الوظائف التي يحققها للمؤمنين. فقد كان مفهوم المقدس نتاجا للمفاهيم المشتركة السائدة بين المسلمين وللتضامن بين أعضاء الجماعة. والتعريف التقليدي- الثيولوجي أو الميتافيزيقي- للمقدس باعتباره شيئا نابعا من أو مكرسا لله يأخذ في الاعتبار دور أولئك الأعضاء في المجتمع الذين يسعون لتكريس اطارهم الديني الدائم, الذي يشمل قيما ستخدم باعتبارها أسس النظام السياسي والقانوني. وبالنسبة للمسلمين فإن مفهوم المقدس يربط مباشرة بكلمة الله, الوحي المنزل بنواهيه وتعاليمه, وكذلك حديث الرسول صلى الله عليه وسلم وتفسير معانيهما. ولا يستبعد مثل هذا المفهوم. بالطبع, الإبداع الجمالي والمعماري في تصميم بناء, لأن مثل هذا الإبداع يقع في مجال المعماري, وبالتالي يظل منفصلا تماما عن فكرة تحولات المقدس. وبالمعايير التاريخية فإن عمارة المسجد تقدم تنوعا كبيرا في الاساليب ينبع من تأثير عوامل مثل البيئة الثقافية والجغرافية, أهداف الراعي, ومهارات المعماري والحرفيين القائمين بعلمية البناء. وهكذا فان كل مسجد يقدم انعكاسا لنسق معرفي معين, تنطلق منه مفاهيم ومواقف فردية من جانب أولئك المشاركين في بنائه, الأمر الذي يؤدي الى تنوع في القراءات والمعاني. منهاج انثروبولوجي خلافا للعديد من الفترات التاريخية والاساليب المتنوعة, فان هناك في تاريخ السيكولوجية الانسانية بصفة جوهرية مرحلتين اثنتين فقط من مراحل التطور يتعين أخذهما بعين الاعتبار, هما مرحلة المعرفة الاسطورية بمؤشراتها ومعانيها المندرجة فيها, ومرحلة المعرفة اللاأسطورية (أي المعرفة القائمة على التفكير العقلاني) ولكن مع التحفظ بأن المرحلتين ليستا محددتين بالمعنى الكرونولوجي بوضوح ويمكن أن تتعايشا في مجتمعات مفردة على امتداد فترة من الزمن. إن ما أسميته بـ<<المعرفة الاسطورية>> يدور حول بناء <<الحقيقة>> على أساس الخيال, وليس المنطق النقدي والتصنيف المنطقي. الأسطورة هي نوع من القصص (واصطلاح القصص يرد غالبا في القرآن الكريم) وتنشأ عن العجائبي والغريب والفائق للطبيعة, و<<الحقيقة>> التي تعبر عنها تخاطب بصورة مباشرة المشاعر والخيال. هكذا فانه عندما يقرر القرآن الكريم ان ابراهيم الخليل- وهو من أنبياء الله الذين ينتمون الى الماضي البعيد- قد زار الكعبة المشرفة في مكة, فإنه ما من أحد يكترث بالتساؤل عن السبب في ذلك ولا متى ولا كيف. وقد كان الغرض الأصلي من مثل هذه الصورة هو أن يوجد في أذهان المصدقين الأوائل لما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم فكرة شخصية دينية رمزية من شأن ارتباطها المباشر بالكعبة ان يدعم طبيعتها المقدسة بالنسبة للمسلمين, حيث يحل محل ارتباطاتها الوثنية السابقة معنى ديني جديد <<حقيقي>>. ويمكن رؤية مثال مواز لمثل تحول المقدس هذا, في عهود مبكرة في تبني المسلمين لمعابد سابقة على الاسلام جرى تحويلها لتغدو بيوتا لله. وهذا التغيير السيميولوجي- وهو تحويل في معنى رمزي عضوي قائم- نتج عن الاحتياجات الطقوسية والمعتقدات الاجتماعية والسياسية لأولئك المسلمين الأوائل. وقد سجلت أمثلة مشابهة عديدة في الكتاب المقدس في كل من العهدين القديم والجديد. وقد بدأت عملية نزع الطابع الاسطوري عن المعرفة في أوروبا في وقت مبكر يعود الى القرن السادس عشر الميلادي. ولكن كان لابد من انتظار مرحلة التصنيع الكبرى في القرنين التاسع عشر والعشرين لتحدث عملية متزامنة أفرزت نسقا معرفيا يهيمن عليه الفلاسفة وليس المنظرين الثيولوجيين, الرياضيات والعلوم الطبيعية وليس المعتقد الديني, وحلول التطبيعات التقنية محل المهارات الحرفية المألوفة. وشهد القرن التاسع عشر بدايات انهيار في القيم التقليدية للمجتمعات الاسلامية, وهي عملية شجعتها عوامل خارجية (الرأسمالية والاستعمار الاوروبيان) ولم يتم التعويض عن ذلك الانهيار بإحلال أنساق بديلة متولدة من داخل هذه المجتمعات, وبالتالي فقد كان التأثير مدمرا , ذلك انه بينما كانت الأفكار العلمانية في أوروبا يعلو شأنها, وتحل محل المفهوم التقليدي للمقدس, فانه في العالم الاسلامي تم تقويض أساسه الثيولوجي, ولم يحل مكانه في وقت لاحق أي بديل بنّاء وله معناه. إن بناء مسجد أو زراعة أرض أو نسج سجادة أو تدريس القانون أو الفقه أو ممارسة الطب يمكن كلها النظر إليها باعتبارها أنشطة جديرة بالاشادة ومفيدة تندرج في المجال الشامل لرؤية المجتمع الانساني التي طرحتها مشيئة الله وطورها الانسان لاحقا في سياقات سيميولوجية في مجال المعرفة الأسطورية. وجمالية المسجد التي صممت وبنيت في داخل هذا المجال لا يمكن أن تنسب فحسب الى الرعاية وموهبة المعماري, فهناك عوامل أخرى يتعين أخذها بعين الاعتبار في تقويم بناء ما بما في ذلك المسائل المتعلقة بما اذا كانت الأدوار الالهامية للإيمان الديني والمقدس قد دعمها البناء نفسه أم أضعفها. وفي سياق المجتمعات الغابرة القائمة على المعرفة الأسطورية, كان مما لا يخطر ببال أحد أن تبنى المساجد على مبعدة من المراكز السكانية, ذلك أن مكان العبادة قد أدمج تقليديا على الدوام بصورة وثيقة في الحياة اليومية لكل جماعة اسلامية, وبالمقابل فان بعض المساجد الحديثة- مثل تلك التي شيدت بفواصل بينها على امتداد الكورنيش حول مدينة جدة- قد شيدت كوحدات مستقلة, ولست أطرح حكما قيميا فيما يتعلق بعمارة أي من هذه المساجد المعاصرة غير المرتبطة بجماعات محلية, ولكني ألفت الانتباه الى تغير كبير في السياق السيميولوجي. ولكي يكون المرء منصفا فإن المثال المطروح توا قد ينظر إليه باعتباره نتيجة لظاهرة لم يكن من الممكن تصورها من قبل, أي المرونة السريعة التي أتاحها للافراد الاستخدام واسع النطاق للسيارات في العديد من المجتمعات الحديثة. كان هناك دور سياسي للمسجد على الدوام, ولكن لأن الاعتبارات السياسية قد امتصها الادراك الأسطوري للمعرفة التي تشترك فيها الجماعة, فان مفهوم <<المقدس>> كان لا يزال بوسعه ان يصبغ كل الأنشطة والأحداث الأخرى التي تقع في المسجد بحضوره وتأثيره. وهناك مثل تاريخي جيد, هو خطبة الجمعة التي كان من الممارسات المألوفة فيها الدعاء للخليفة باعتباره الحاكم. وقد كان الغرض من هذا, إذا نظر إليه من خلال معايير عقلانية وعلمانية دقيقة, سياسيا محضا , ولكن في النسق الأسطوري لذلك العصر كان الحاكم شخصية تضفى عليها القداسة بحكم منصبه, ودوره كحام للإسلام كان ينظر إليه على أنه مقدس. وفي دراسة <<مسجد الدولة>> الحديث أوضح محمد الأسعد انه حتى في القرن التاسع عشر كان لا يزال من الممكن بناء المساجد بحسب نماذج المعرفة الأسطورية. وهناك استثناء بارز هو حالة محمد علي والي مصر, الذي سعى كزعيم سياسي على نحو خالص في ثلاثينيات القرن التاسع عشر إلى اظهار أن حكمه قوي بما فيه الكفاية للسماح له بأن يبني في القاهرة مسجدا متميزا , كأي مسجد شيده في القرون الخوالي السلاطين العثمانيون, الذين كانت سلطتهم سياسية ودينية. يمكننا الآن الانتقال لبحث الدور المتغير للمساجد على امتداد العالم الاسلامي منذ حصل كل بلد على استقلاله عن الحكم الاستعماري. ومنذ القرن الثامن عشر فصاعدا بدأت المواقف التقليدية من المعرفة الأسطورية في التداعي تحت تأثير الغرب. على الرغم من أن المجتمع الاسلامي ظل عموما غير متأثر بهذا التطور. وفي البداية جرى تعليم نخب حضرية صغيرة في اطار طريقة التفكير والإدراك وتفسير الوجود الانساني والقيم الحديثة. أما في المناطق الريفية فإن الثقافة. بمعناها العرقي, قاومت القوى الجديدة, بل انه حقا في بعض الجماعات العرقية- الثقافية, مثل البربر والاكراد, التي تشبثت بلغاتها وعاداتها, استمرت المعرفة الاسطورية في الهيمنة على مجتمعاتها حتى أواخر الاربعينيات والخمسينيات من القرن العشرين. قدِّر لظاهرة أمة- دولة الحزب الواحد, التي ظهرت كقوة سياسية جديدة بعد الاستقلال, أن تجلب تغيرا سريعا وكبيرا في الوضع الاجتماعي. الثقافي, نجم عنه فقدان أعراف ثقافية متماسكة وضاربة الجذور, وإيجاد فوضى دلالية, وكان معنى ذلك أن إشارات ورموز الثقافات المستوردة ووجهات النظر التي يعبر عنها النخبة الاجتماعية والعلماء قد كفت عن أن تكون مفهومة من قبل الناس العاديين, الأمر الذي أفضى إلى تردي العلاقات الاجتماعية. وعلى سبيل المثال, فان الاساليب المختلفة التي تتجلى في تصميم المساجد في أي مكان واحد بعينه اليوم لا ترتبط مع تقاليد الثقافة المحلية. وبقدر ما يتعلق الأمر بمفهوم <<المقدس>> في المسجد, فإن من الضروري الأخذ في الاعتبار الحقيقة القائلة إن المجتمعات الاسلامية لم تنتقل من حالة المعرفة الاسطورية, برموزها المندمجة فيها, الى حالة معرفة علمية معقلنة (الحداثة), وإنما انتقلت الى كيان مضطرب مما يدعى بالأصالة الاسلامية (يفترض أنها تقوم على أساس المثال الذي ضربه الرسول صلى الله عليه وسلم وأوصى به) وشذرات منتزعة من سياقها من عمليات التنمية الحديثة في المجالات الاقتصادية والسياسية. وإنني أشدد على الطبيعة غير المنظمة للكيان الأيديولوجي الناجم عن هذا, والذي طورته وفرضته لاحقا في الستينيات دولة- أمة الحزب الواحد, وهي أيديولوجية تعرضت منذ ذلك الحين, في حوالي عام 1979, للنقد والرفض من قبل الحركات السياسية المتأسلمة (يتعين التمييز بينها وبين الحركات الاسلامية) التي وصلت إلى أن ن ظر إليها, وبصفة خاصة في الغرب, باعتبارها <<متشددة>>. في هذا الوضع الايديولوجي المضطرب, لا يطو ر بصورة جدية أي من الفكر والثقافة الاسلاميين التقليديين أو التحديث في مجالاته الايجابية والفكرية بصورة جديدة لتفرز خلاصة جديدة من الأفكار. ويخضع تلزيم وبناء مساجد جديدة, وبالطبع, الأغراض التي تستخدم لها, تخضع على المستويات كافة وفي كل مرحلة لاعتبارات ايديولوجية متضاربة فرضتها حكومات الأمم- الدول ذات الحزب الواحد. وفي عدد محدود من البلاد, شيدت في السنوات الأخيرة مساجد كبرى ترفع مكانة الحكام والمساجد المندرجة في هذه الفئة من الناحية العملية إفصاحات رمزية عن القوة أكثر منها براهين على الت قى والورع, مع دور معاون للعبادة. إن ما حدث وما يحدث في غمار العلمنة المتزايدة لمثل هذه الفضاءات المقدسة هو نوع من الخروج بالغرض الحق منها عن مساره, على الرغم من أن معظم المؤمنين الذين يدخلون المسجد للصلاة فيه ليس لديهم بالضرورة سبب يدعوهم لأن يكونوا على وعي, كما لابد لأي تحليل موضوعي, بالتحفيز السياسي الكامن في بناء بيت أمر الله بأن يرفع على أساس من التقوى. ونصادف كذلك الظاهرة النفسية المتعلقة بالفهم الرائج في غمار ايديولوجيا وثقافة الشباب, الذين يشكلون ديموغرافيا الغالبية بين المصلين في معظم البلاد الإسلامية اليوم. وفي حالة أعضاء الجيل الأكثر شبابا الذي ينشأ في الأحياء الأكثر فقرا من المدن بالغة الازدحام, فإن <<ثقافتهم>> ليست مختلفة عن ثقافة نظرائهم في المناطق الحضرية المتدنية على امتداد العالم. وبقدر ما أعلم, فلم يتم إنجاز دراسة علمية لتسجيل مواقف الشباب من الدين, المقدس, الورع, والنزعة الروحية, وتخميني هو انهم قد فقدوا الى حد كبير الاهتمام بمثل هذه الأمور, بينما يتم في الوقت نفسه استخدام المسجد للعديد من الأنماط الأخرى من الأنشطة التي يتم القيام بها باسم الدين. والشباب أكثر اهتماما بالحصول على نتائج ملموسة فيما يتعلق بفرص العمل, الإسكان, الرفاه الاجتماعي وكذلك المضي قدما نحو المشاركة في الأمور السياسية وقدر أكبر من الإنصاف في توزيع الثروة وتقليص الفساد. وإذا تمت تلبية مثل هذه المطالب فهل تكف المساجد القائمة عن أن يكون لها دور في المجتمع? وهل ستظل هناك مبادرات لبناء مساجد جديدة, إن وجود هذا الشك المستمر حول اتجاهات مستقبلية محتملة يمثل جانبا آخر من تحولات المقدس في المجتمعات الاسلامية المعاصرة. تحليل سيميولوجي هناك في المسجد عرف ثقافي غني يتم تقبله بصورة شاملة باعتباره كذلك من قبل المؤمنين. والأشكال والعناصر الهيكلية والفضاءات والتسهيلات المختلفة هي في هذا السياق أقل أهمية من الصحة والسلامة التاريخية المستمدة من التكريس الأولي للمسجد الأول لله الواحد <<الحق>> وإضفاء الطابع القدسي عليه من خلال وجود النبي صلى الله عليه وسلم, وفي المساجد التي بنيت منذ عصره من خلال وجود العلماء الذين تلقوا التبجيل والاحترام على الدوام لمعرفتهم الدينية العميقة ونزعتهم الروحية. وقد استخدم فقهاء مشهورون المساجد. ومن المقبول عموما ان المعرفة الدينية والتقوى الشخصية هما أمران لا ينفصلان. وبالمثل فإن الأولياء يدفنون غالبا قرب مسجد, وهكذا فانهم يمدون نطاق مفهوم ما هو مقدس إلى ما يتجاوز البناء نفسه. وحتى السوق المحيطة بمسجد, أو المتاجر المتواضعة في قرية, يمكن أن تنهل من الهالة المقدسة المرتبطة بمكان العبادة. وبالنسبة لمن يعملون فان وجوده يقدم تذكيرا دائما بالسلوك القويم, الله, النبي, الأولياء, آيات من الذكر الحكيم, والحديث الشريف, وهذه العناصر كلها تؤدي دورا في تنظيم الحياة الاجتماعية اليومية. هذا, من الناحية الجوهرية, هو السياق السيميولوجي الذي يحافظ عليه المسجد, الذي كان على الدوام مكانا للتبادل الثقافي في المجتمعات الاسلامية التقليدية, وليس مبنى دينيا فحسب, يجتمع فيه المؤمنون لإقامة الصلاة, وبتعبير آخر فإن المسجد كمؤسسة له أساس اجتماعي وروحي واضح. لقد حدث تغيير كبير بالفعل في المجتمعات الإسلامية- تغيير يضع موضع التساؤل طبيعتها الإسلامية- وبسبب هذا أشرت إلى <<ما يسمى>> بالمجتمعات الإسلامية. وقد كان التغيير كبيرا جدا الى حد أن معنى العلاقة بين الفرد والله, بين العابد والمعبود, قد أصبح موضوعا جديدا للنقاش الفقهي. وقد برزت هذه المسألة للمرة الأولى كنتيجة للانقطاع الذي حدث في القرن الثامن عشر, عندما تعرض التوازن التقليدي بين الفقهاء والحكام لتغيير كبير, مع اغتصاب كل جانب لأدوار الجانب الآخر. وبسبب عدم القابلية المتصور للانفصال بين المقدس والعلماني في الاسلام, كان لا يزال من الممكن آنذاك <<تبرير>> هذه التغييرات للناس, ولكن الوضع, لسوء الحظ, مختلف اليوم تماما , فنحن نشهد في الكثير من الدول الإسلامية مصادرة للحرية الدينية من جانب من يتقلدون السلطة السياسية. وفي ذلك الوضع, فإن أي علاقة مباشرة بين <<العلماء>> ومن أصبح ينظر إليهم من قبل من هم في السلطة على أنهم مشحونون سياسيا وبالتالي على أنهم شيء يتعين قمعه. وهكذا فان الضغوط السياسية تفضي إلى فقدان الحرية السياسية. ولأن المسجد فضاء مقدس, فإنه ينظر إليه على أنه ينتمي إلى أعضاء المجتمع الإسلامي جميعا . ولقد استغل البعض الحماية التي يكفلها لكل من تضمهم جدرانه, وذلك لتحقيق أهداف سياسية صريحة. وهناك من يعاملونه على أنه ملاذ عضوي من قهر متصور, وقد يستخدمه آخرون كنقطة تجميع سياسية, أو كنقطة وثوب الى طموحات حاكم بعينه أو مجموعة بذاتها. وإذا استخدم مسجد ما لمثل هذه الأغراض الدعائية أو كأداة للحفاظ على السلطة, فهل تؤدي مثل هذه الممارسات بالضرورة الى التقليل من شأن روحانية المكان باعتباره مكانا للعبادة أو التدني بالطبيعة الروحية للعلاقة الشخصية بين المؤمن والله? إننا عندما نبحث تحولات المقدس, فإننا نحتاج إلى التساؤل عما إذا كانت الأنشطة غير الدينية الراهنة في المسجد تؤثر على طبيعة ما ينظر إليه المسلمون عامة على أنه <<مقدس>> ذاتها. وقد خدمت العلامات والرموز المستخدمة في الماضي في غمار النقاش الديني في دفع المؤمنين الأفراد للتفكير وللسعي وراء معان أعمق, ولكنها في جانب كبير من الممارسات حل محلها النشر العام للشعارات الأيديولوجية التي لا تترك مجالا للمناقشة. ولم يعد التعليم وظيفة ترتبط بالمسجد, والتعليم العام تقدمه مدارس وجامعات تديرها الدولة, والتي تقدم تدريبا فنيا عمليا, <<حديثا>> لا يأخذ في الاعتبار أي قضايا ميتافيزيقية أو فقهية, وبالمقابل فإن <<العلماء>> يقومون على شأن كلياتهم الخاصة بالشريعة والفقه, والتي تستبعد المناهج العلمية الحديثة من مساقاتها. وبعد الأخذ في الاعتبار الطرق المختلفة التي استبعدت بها الأدوار التقليدية المتعددة للمسجد هل يمكننا الاستمرار في وصفه بأنه مكان <<مقدس>>? تقدير لكيفية اكتساب السلطة للشرعية تعد المعايير التي يحكم من خلالها على دور المسجد مناسبة بالمثل في حالة الكنيسة أو البيعة أو المعبد, وهناك في المجتمعات الاسلامية اليوم أزمة معنى, لأن الجذور المستقرة منذ زمن بعيد للسلطة الدينية قد تجاوزتها النظرة الاحادية القائمة على أساس الأفكار ما بعد الحداثية التي لم تعد تعترف بمفهوم واقع واحد, وتطالب بإعادة تقويم دقيقة للحدود القائمة بين ميادين المعرفة المتخصصة. هكذا فإنه في المجتمعات الإسلامية التقليدية كانت الشرعية تضفي على السلطة الحكومية بأن يكون لها أساس ديني فحسب, غير أنه في العصور الحديثة, وعلى الرغم من أن الدور الذي تقوم به أماكن العبادة كمصادر ديناميكية للطاقة الروحية والابداع قد تقلص, فإن المسلمين- شأن معتنقي بعض الأديان الأخرى- لا يزالون يشعرون بتقارب قوي مع أماكنهم المقدسة التي تمثل بالنسبة لهم البقية الباقية من السمات المميزة لدينهم وهويته الجماعية. وعلى الرغم من هذا, فقد مالت إلى أن تصبح أماكن للجوء السياسي, بينما تقلصت أدوارها المتعددة كأماكن للعبادة وبؤر مؤسسية لمناقشة القضايا الاجتماعية والدينية. وكنتيجة لذلك فان المساجد لم يعد ينظر إليها على أنها المصدر المطلق والشامل للشرعية الاخلاقية والروحية والفكرية للجهود البشرية بكل أنواعها. ويعزى ذلك الدور اليوم غالبا إلى السياسيين والاقتصاديين والعلماء في أمريكا الشمالية وأوروبا, الذين يشكلون الجوهر الذي يولد ما يقبل عموما باعتباره الحقيقة. وفي هذا الوضع فإن المركز السياسي والاقتصادي تمثله القوى المالية الكبرى للعالم, التي تشكل هيمنتها في إيجاد الحقيقة بالوسائل الاقتصادية والعلمية تطورا أعتقد أنه أكثر إضرارا بالروحانية من التوحد الذي يجري انتقاده غالبا بين الدين والدولة على نحو ما يوجد في العديد من الدول الإسلامية. وعلى الرغم من أن هذا الأخير قد يعتبر أنه يمثل تهديدا داخل المجال الإسلامي, فإن تأثيرات الأولى, أي الهيمنة يسود الإحساس بها على امتداد العالم بأسره, وستكون في المدى الأطول عاملا في تقرير مصير البشرية ككل. وبتعبير آخر فإن المراكز التقليدية للسلطة في إطار الإسلام, والتي كانت معنية أيضا بالقيم الاجتماعية والمسائل الروحية قد أسند لها دور آخر, او استبعدت على الصعيد العملي باعتبارها المحكم الأخير في حسم القضايا الفكرية أو الاجتماعية أو المدنية. وتتمثل المفارقة المحيطة بمسألة ما يمثل في الحقيقة السلطة الشرعية فيما يعرف بالدول- الأمم الإسلامية- تتمثل بالطريقة التي تتم بها ممارسة التمييز لا ضد الأجانب المقيمين فحسب, وإنما بين قطاعات من سكانها أنفسهم. فبينما تخضع هذه الأمم لمبدأ التسامح الكامن في صميم العديد من الأديان, والإسلام من بينها, والذي بمقتضاه تحترم حقوق الناس جميعا وتجري حمايتها, بغض النظر عن خلفيتهم العرقية أو الدينية أو القومية, فإن حكومات قلائل هي التي قامت بذلك على صعيد الممارسة العملية. ولهذا السبب, من بين أسباب أخرى, ليس ممكنا القول على نحو استعادي إن النظم التقليدية للحكم المؤسسة على الدين قد قدمت أنماطا أفضل من تلك التي تقدمها الدول العلمانية الحديثة. إن أولئك الذين صمموا وبنوا المعابد والبيع والكنائس والمساجد, كلا منهم في إطار ثقافته, جزء من بيئة اجتماعية مندمجة, ولأن أدوار ومعاني المباني الدينية التي شيدها المعماريون وكبار البنائين كانت مفهومة حق الفهم, فقد كان بمقدورهم التعبير عن مثل هذه المعاني في تصميماتهم, وهكذا فقد قدموا مساهمة كبيرة في حضارة عصرهم. وإنني لأعتبر أن هناك حاجة ماسة اليوم لأن يعاد إقرار هذه العلاقة لكي يمكن إيضاح الصلة الوثيقة بين المقدس والاجتماعي- السياسي في المجتمعات الإسلامية, ويمكن لإنجاز مثل هذا الفهم الجديد أن يساعد في استرداد الإحساس المفقود بالنظام وإعادته لمجتمعات تخضع لتغيير سريع, وكذلك السماح لأماكن جديدة للعبادة بأن تصمم وتبنى بتوظيف التحديث في عمارة جديدة وملائمة. |
|||||
|
|||||