هدى بركات: من تاريخ متداع  إلى تاريخ لا وجود له

 

فيصل دراج


<<كل من يعرف قول ما يقول هو ملك روما بطريقته الخاصة>>

فرناندو بيسوا

يقول فرناندو بيسوا في صفحة من صفحات  <<كتاب اللاطمأنينة>>:  <<ما تسلبني إيِّاهُ الحياة وما تهبني لا يعنيني ولا يبكيني. بالمقابل لطالما أبكتني بضع صفحات من النثر>>. ربما يكون في هذه الكلمات ما يحكي عن مسار هدى بركات, ولو بقدر. فبعد حرب أقلقت  <<نصف عمرها>>, في وطن وسّع المديح المغتبط مساحته, رأت في الكتابة وطنا  مؤقتا , في انتظار الوطن النهائي الذي لا يأتي. تقول بركات في شهادة لها:  <<فلأشهد إذن على آليات هذه الوحشة, على ستة عشر عاما  - ثم ما تلاها - وانما فيها أتدرب بمثابة المريدين على الشك والتمل ص والتنكّر والإضمار, وأيضا  على القتل والجنون في تلافيف النوايا والهواجس>>.

تبدو الحرب, في الكتابة وخارجها, سيدا  مرعبا , يقترح المواضيع ويملي التصور ويحدّد الوطن - المنفى. فأشباح الحرب قائمة في روايات  <<بركات>> الثلاث, ماثلة في صبي - خنثى سوّته الكراهية رجلا , وفي عاشق مؤمن هجره مجتمع فارقته القيم, وفي  <<جنة الأطلال>> المستنجدة بتاريخ من غبار. والحرب - السيّد حاضرة في وعي روائي تحرّر من اليقين, فالبدايات غائمة في زمن تشظّى, والنهايات ملتبسة في زمن متطاير, والعدو الواضح كثير الأقنعة, فلا عدو سافر الوجه في زمن انهدمت ملامحه. والحرب  <<الأهلية>> الطويلة تلغي الوطن وتملي المنفى, وتوقظ كتابة مقلقة هي المنفى النموذجي.

محت الحرب من كتابة بركات كل أثر رومانسي محتمل, فالأحداث معروفة ولا يجهلها أحد, والحوار لا ضرورة له بين متحاربين يغتالون الحوار, والمكان كله لذوات بشرية, ظهرت  <<فجأة>> غامضة, تحتاج السبر والتحليل والتقصي, ويظل فيها الكثير من الخفاء. لهذا تسأل  <<هدى>> أكثر مما تجيب, راضية بأجزاء الحياة البسيطة, التي هي ليست بسيطة على الإطلاق, بعد أن أدركت أن الحقائق الكبرى لا وجود لها, وأن هذه الحقائق مسكونة بالعماء والتعصب. ولعل المعيش المرعب, كما الابتعاد المديد عنه, هو الذي خلق تجربة كتابية فاتنة, لا تكر ر تجربة سبقت, ولا تنظر إلى  <<الأسلاف>> باهتمام كبير.

1- حجر الضحك: رواية التحو ل الهجين:

تسرد  <<حجر الضحك>> سيرة التحول الهجين, الذي يرد الإنسان من طبيعة إلى أخرى. تأتي اله جنة من رخاوة الموضوع المروعة, إذ الإنسان ينتقل من حالة إلى حالة تالية, تغاير الأولى إلى حدود الفراق, ومن عنف أدوات التحويل, التي تقترحها الحرب وتعيد توليدها بلا انقطاع. تنجز الحرب, التي اختبرت موضوعا  هشا , تحولا  مأساويا , يتجاوز المتوقع ولا يأتلف مع المنتظر. كأن الحرب خالق شاذ, يعطي مخلوقاته الشائهة ولادات متناتجة, تنقلها من طبائع بدت سوية ذات مرة, إلى طبائع متداعية. فما كان مكانا  للإقامة يصبح موقعا  للعبور, وما كان فعلا  متأنيا  يطرده فعل معطوب عجول. تمحو الحرب زمن المتوقع وتنفتح على زمن من سديم.

تكشف الرواية عن موضوعها في استهلال روائي من اثنتي عشرة صفحة, وفي ختام باتر من ثلاث صفحات وبضعة سطور. والختام الروائي هو الفصل الخامس والأخير من حكاية مؤسية, انتهت إلى ما شاءتها الحرب أن تنتهي إليه, مؤكدة الحرب سيدا  مطاعا  والبشر آنية من فخار. في البدء كانت البراءة, أو ما بدا بريئا , وفي النهاية هيمن دنس لا يرحل ولا يزول. أملت هزيمة البراءة, وهي انتصار الحرب على غيرها, صفحات متقشفة أخيرة, تقول بتحول مشؤوم لا رجعة عنه, ينص ب البشر ذئابا  والاغتصاب عادة يومية. وبين الفصل الأول القصير, الذي يعلن عن الإنسان الذي تختبره الحرب, والفصل الأخير الباتر, الذي يصر ح بمآل الاختبار, تسرد الرواية في ثلاثة فصول طويلة - مائتان وأربع وثلاثون صفحة - تعاقب التحولات الشائهة, التي تنتهي بـ <<ولادة جديدة>>.

تسرد الفصول الثلاثة, القائمة بين الختام والاستهلال, سيرورة التفكك, التي تمحو إنسانا , وسيرورة التكو ن, التي تستولد من الممحي  إنسانا  جديدا . يخلق كل فصل مسافة متنامية بين ما كان وما سيكون, إلى أن يتبدد زمن الاستهلال ويتكون زمن آخر منقطع عنه. يتكشف التبدل, وحدوده براءة منقضية ودنس مقيم, في شخصية مركزية تساوي ذاتها, لها من الصفات ما يميزها من غيرها, وتساوي غيرها, ففي مصيرها تتراءى مصائر أخرى. ولعل وجود الشخصية في ذاتها وفي غيرها هو ما يجعلها دائمة الحضور, تستهل الحدث الروائي وتغلقه, وتحمل التبدل وتصرح به.

تنفتح الرواية على  <<خليل>> وتنغلق عليه, تسرد تحولاته, وتسرد بها وجوه الحرب, التي تدفن البشر وتستولدهم. تبدأ الرواية بالجملة التالية:  <<لم تكن ساقا خليل طويلتين بالقدر الكافي>>, وتنتهي ب- <<تحركت السيارة, ومن زجاجها الخلفي كان يبدو خليل عريض المنكبين في جاكيته الجلدية البنية.. مشت السيارة وراحت تبتعد. كان خليل يغادر الشارع كأن إلى فوق>>. يملأ  <<خليل>> صفحات الروايات كلها, فهو الموضوع الرخو الذي ينقلب من حال إلى حال, والموقع المركزي الذي ي عالن بوجوه الحرب وبآثارها. يبدأ ب- <<ساقيه>> وتمده الحرب بـ <<ساقين طويلتين>> منعتهما عنه ولادته الطبيعية. يشير الانتقال إلى شخص ود ع أحواله القديمة وحظي بولادة جديدة.

تعين الرواية تحولات شخصيتها المركزية, في زمن الحرب, بمستويات ثلاثة: مستوى أول قوامه شخصيات غير متساوية, تضيء الشخصية المركزية في زمن البراءة المفترضة, وتبني دلالتها في زمن الإثم والتداعي. كأن الشخصيات المتعاقبة مرايا, تعكس وجوه الشخصية المتحولة, وتعكس سيرورة تفككها وتكوّنها من جديد. يظهر البريء الأنيق الذي هذّبته تربية مدينية متأنية, إلى أن يسقط برصاصة جاءته من  <<جهة الشرق>>. يتلوه  <<ريفي>> جميل, تأنّت الطبيعة في خلقه وأغدقت عليه جمالا  فريدا , يسقط بدوره برصاصة أتت من  <<غرب المدينة>>. توقظ هاتان الشخصيتان في  <<خليل>> عواطف متناقضة: يعشق فيهما ما يتوق إليه, ويكره فيهما ما يشعره بنقصه. يخلّف موتهما عزلة باردة وتحررا  غريبا : عزلة تغزوه بعد غياب من أحب, وتحررا  من صور عشقها وقصّر عنها, قوامها الجمال والقوة والأناقة. إنه جدل الحب والكراهية, الذي ينتهي إلى كراهية خالصة, بعد موت المرجع الجميل. ذلك أن الجميل الذي مات, أمات في  <<خليل>> نزوعه المحتمل إلى الحب والجمال. لهذا يتلو ابن المدينة المهذب  <<ناجي>> مسخ لا تاريخ له يدعى  <<العريس>>, ويأخذ مكان الريفي الفاتن  <<يوسف>> مخلوق هجين يدعى  <<الأخ>>. كأن في الحرب ما يمسخ اللغة ويلغيها, فـ <<العريس>> مسؤول عن مصائب الضعفاء, و <<الأخ>> يبطل معنى الأخوة ويرتاح إلى الاغتيال.

تطرد الحرب فئة معينة من البشر, وتستقدم أخرى تحتفي بالقبح والكراهية واللغة المنتهكة. وعلى من تبقى أن يذعن إلى  <<الأخوة>> القاتلة, أو أن ينتهي إلى رغبات  <<العريس>>, الذي يشتري بأرواح البشر أناقة منف رة. لذلك, ينزاح  <<خليل>>, بعد موت مرجعيه الجميلين, من زمن الحب والموادعة إلى زمن العزلة القاهرة, منتظرا  الانتقال النهائي إلى مواقع  <<الأخوّة>> المرعبة:  <<بعد مقتل ناجي ما عاد لجسد خليل من أخ أو مثيل قريب. ص: 89>>, وبعد مقتل  <<يوسف>> لم يعد جسد خليل يسير معه إلى أي مكان ص: 172>>. ينزف المجتمع وجوهه الجميلة ويحتفظ بمن يطلق النار من جهة الشرق وجهة الغرب معا . وإذا كانت ذاكرة الإنسان العادي مقبرة مسوّرة بالشجن, فإن ذاكرة  <<خليل>> الذي حظي بولادة قاتلة, تعفيه من التذكر والأطياف المؤسية.

يتحدّد  <<خليل>> باغتراب مؤقت, اجتاحه بعد رحيل  <<الجسد القريب>>, كما لو كان قد فقد جسدا  واستعصى عليه الجسد الذي يريد. بيد أن المعطوب, الذي يسوقه عطبه وينصاع إليه, يتحدّد أيضا  بفضاء الحرب الاجتماعي, الذي يسرد  <<خيبة>> من رحلوا, ويُعالن بقدرة  <<الأحياء>> على التكيّف. فـ <<الحرب>> واقع غير متوقع يغاير الواقع المعقول, له زمنه ومكانه وضحكه وجرذانه, وله  <<أخوة>> قانونها الاغتيال. بعد  <<البيت>> تأتي  <<الشقة>>, بعد  <<المسكن>> تجيء  <<البناية>>, وبعد  <<المنزل>> يسيطر مكان عابر, كان حميما  ودافئ الترتيب في زمن مضى. هناك دائما  طبيعة أولى, اغتصبتها الحرب وأنجبتها طبيعة ثانية, تستوي الأمكنة والأزمنة والحيوانات والبشر. يصير المكان الحميم القديم  <<شقة>> مستباحة النوافذ والأبواب, ويصبح الزمان  <<قصفا>> منقطعا  عن زمن قديم, تستهله الشمس ويختمه المغيب:  <<القصف يعيد توزيع التواقيت على المدينة كإمساكيات شهر رمضان. قبل القصف - خلال القصف - خلال القصف الطويل - بعد القصف - قبل القصف.. القصف السعيد يرد إليك الوقت الأصلي, ويعيد التماسك الأول إلى المدينة. الموت هو عزاء المدينة الوحيد, وهو الذي يستجمع شظاياها الصغيرة الكثيرة, يشدها إليه كبرادة ممغنطة. حين يشتد القصف يحبس الموت وراء مكتبه الموت سيد الوضوح..>>. يحدد القصف ظهور الشمس ومغيبها, وتعلن القذيفة عن حلول الظهيرة واقتراب الليل.

في تعيين القذيفة مرجع للزمن ما يثير الضحك, وفي تثبيت القصف جدول زمني ما يبعث على السخرية, وفي الأمرين معا  ما يتلف العقل والضحك, لأن غاية القذيفة أشلاء مترامية. تضحك المدينة, التي لم تعد مدينة, من أشلائها الدامية حين تقبل بـ <<توقيت>> القذيفة وبمرجعية القصف, طاردة من المضحك العادي معناه, ومصيّرة الضحك إلى طقس جماعي جوهره الجنون:  <<هذا أكثر مكان, أكثر بقعة, يضحك فيها الناس في العالم. في عز القصف العشوائي يضحك الأولاد ويضحك الموظفون لأنها أيام عطلة. صاحب الفرن سيضحك لأن الناس ستشتري أكثر من حاجتها, صاحب محطة البنزين سيضحك لأن سلطته تغدو كسلطة البطاركة القدماء, المصرفي سيضحك لأن التحويلات سوف تتدفق من الخارج, والشاعر سيضحك لأنه سيحزن أكثر.. حتى أمهات الموتى يضحكن لأن وفودا  جديدا  ستلحق بأبنائهن فوق, فتؤنسهم, وتخفف وحشة الأمهات..>>.  <<ما من شيء إلا ويمكن أن يصبح طبيعيا , وما من طبيعي إلا وتمكن إزالته>>, يقول باسكال بيد أن  <<الأسباب الصالحة>>, التي تخلي مواقعها لـ <<الأسباب الرديئة>>, تقو ض معنى الطبيعي وتأتي بطبيعة مضادة. يصدر الضحك السوي عن كسر مألوف الإنسان, ويأتي  <<الضحك السيء>> من كسر الإنسان وما اعتاد عليه. والضاحك المجنون هو من تخف ف من  <<جثته>> الأولى واندس سعيدا  في  <<جثة>> جديدة, ورأى في القبور قصورا  أنيقة.

تساقط  <<جسد خليل>>, بعد أن ودّع  <<الأموات>> وآثر العزلة. وحين خرج من عزلته ملأ فراغه بلغة المدينة, القائلة بسيطرة المكان وتداعي  <<السكن>> وبرجولة القصف وتفكك الساعة, وبضحك سيء وبجرذان أليفة:  <<صار الجرذ الجبان يمر بقرب قدم أخيه الإنسان بتؤدة دونما ذعر أو إحساس بالنقيصة, وقد ينظر في وجهه طويلا  قبل أن يغمز لرفاقه باللحاق به إلى شوارع صار يملك حيزا  حقيقيا  فيها. ص: 105>>. يخرج المغترب المجزوء من عزلته ويمتلئ بلغة المدينة, ينتقل من سيرورة التفكك إلى سيرورة التكون الهجين. فبعد أن تفكك فيه ما يحيل على براءة ريفية وتهذيب مديني وشعور بالعجز أمام ألوان المدينة, ترك ذاته الفارغة تحتشد بدخان الحرب وبؤس الكم وعطن السياسة, منتظرا   <<ساقين طويلتين>>, منعتهما عنه الولادة الطبيعية, وأمدته بهما حرب غريبة, هي ليست بالحرب تماما , لأنها تخلع أعضاء بعض البشر وتجود بها على بشر آخرين.

تمحو الحرب في البشر طبائع سابقة وتملي عليهم طبائع لاحقة. غير أن عنف الإملاء, يجعل فعل  <<التطبيع>> ولادة قاتلة: ينبثق الوليد من جسد سابق عليه غدا جثة, وتأتي  <<الساقان الطويلتان>> إلى الوليد من  <<أخ>> اغتُصبت ساقيه. وما ساقي  <<خليل>>, والحالة هذه, إلا ساقي صديقه القتيل  <<ناجي>>, الذي كان يسبق دائما   <<الوليد الهجين>>, الذي اغتصب جسده لاحقا . تتحدد الحرب افتراسا  للأرواح والأجساد, يقود البعض إلى الموت, وينعم على من تبقى بولادة هي موت آخر. وعن هذه الدلالة يصدر المستوى الثالث, الذي اشتقته هدى بركات من فعل إشاري, احتضن طقوس الموت والميلاد هو: العملية الجراحية, التي تريح  <<المريض>> من آلامه, وتهبه جسدا  صحيحا . فبعد أن تحرّر  <<الولد الهجين>> من زمن البراءة, وانفتح على زمن الحرب والكراهية, بتر ذاته من ذاته, وانقلب  <<أخا>> عريض المنكبين, يمتعه القصف ولا يزجر الجرذان المستأنسة.  <<كان خليل فرحانا  كطفل بجسده الجديد, المعافى, لم يكن يعرف كيفية التعبير عن فرحه.. ص: 206>>. تعبّر العملية الجراحية عن جسد مختَلس من الآخرين وعن فرح يهجس بالاغتصاب. بترت العملية من الولد الهجين روحه وساقين قصيرتين, وأغنته بساقين مسل حين وروحا  ميتة.

تُعالن العملية, التي تبادل  <<معدة واهنة>> بروح قاتلة, بمادة بشرية مؤثثة بالكراهية الخالصة, عرفت ذات مرة شيئا  قريبا  من الحب والموادعة. يقول  <<الوليد>> الذي سقط من رحم الحرب:  <<إننا نعرف الآن أن ما من خيار: أن تحب نفسك يعني أن تكره الآخرين. الكراهية, الكراهية. الكراهية أمي التي تحبني. الكراهية لأتنفس جيدا . الكراهية لتسري الحياة في عروقي..>>.  <<الحرب هي المستشفى الغريب الذي ينضج أرواحا  تتغذى على أرواح الآخرين>>, و <<البغي هو أن تريد لنفسك عن طريق ما لا تستطيعه إلا عن طريق آخر..>>, يقول باسكال ينطبق قول الفيلسوف الفرنسي على ابن الكراهية, الذي يرى في اعتناق الكراهية شرطا  للحياة, وفي كراهية الذات أثرا  لمحبة الآخرين, مطمئنا  إلى تصور مقلوب, يؤانس الجرذان ويفتك بالبشر.

تحول الحرب المدينة إلى غابة والبشر إلى ذئاب:  <<كان الملفت للنظر في ليل هذه الشوارع هو كثرة الكلاب حتى توجس السائر أن يضرب المدينة داء الكلب.. لا بد أن كلاب  <<الأسواق>>.. قد عادت ذئابا  حقيقية, فكر خليل, وحين رفع رأسه إلى السماء ورأى استدارة القمر وما يشبه من غيوم كحلية وسوداء توجس من العواء العميق وقال.. ستصير ذئابا>>. يعثر خليل, بعد سيرورة التكوّن المكتملة, على مجازه: يستذئب. استكلب في ساعات العزلة المحاصرة, واستيقظ سعاره آن القصف الطويل, واستذئب حين أدمن هواء المدينة - الغابة. يتوجس  <<خليل>> من الكلاب التي تشبه الذئاب في أول الرواية, ويأنس إليها حين يكتمل التكون. تظهر الإشارة إلى اختلاط الكلاب بالذئاب في بداية الفصل الثاني: ص: 36, حين كان  <<خليل>> ضيق الكتفين بقميص فقير, وتعود الإشارة واسعة في نهاية الفصل الرابع, ص: 242, عندما رأى في الكراهية أما  رؤوما .  <<في المرتفعات البعيدة تسير الذئاب متلازمة في خط عرضي طويل يترك خطوطه المتوازية على الثلج الفسيح والمنحدرات التي ينفخها ضوء القمر..>>. إن المرتفعات البعيدة هي  <<الفوق>> الاجتماعي, الذي بلغه الإنسان المستذئب, حيث  <<الأخ>> يلتهم غيره من  <<الأخوة>> و <<العريس>> يفترس  <<الكلاب>>, التي لم تستذئب بعد.

يتكشف  <<خليل>> في رواية هدى بركات شخصية من طبقات متعددة: فهو أولا  مثقف ريفي مغلوب على أمره, لا يطاول غيره حيلة وتجربة, تحاصره  <<مدينة متوسطية>> متحاربة, مكتنزة بعادات متعارضة وبأخلاط بشرية وبفروق طبقية, تضيف إلى عجزه الذاتي عجزا  متراكما . تخلق الرواية قامة البريء الفقير بإشارات كثيرة: قليل القامة طفولي المظهر وأقرب إلى الشحوب, مقنن الحركة في خجله المقموع, ضيق الكتفين مبتور الحركة, يضطرب في موروثه ولا يحسن الإفصاح, منعزل في غرفة فقيرة مؤتلف مع القليل, لا هو رجل بين الرجال وليس له في عالم الصبية مكان. إنه صورة عن بسطاء تكدسوا في زوايا بيروت, نسيوا عبق الريف وأخطأوا عطر المدينة. تكشف الحرب حين تضع الريفي على أعتاب  <<سادة الحرب>> عن ثقل حصاره وعن سديم الحرب في مدينة هجينة, تهمش من يقول بـ <<فضيلة الأجزاء>>, وتستذئب المقهورين.

يتلو الطبقة الأولى, التي تسوّي المقهور بغيره من المقهورين, طبقة لاحقة, تذيع أحوال  <<ذكر>> مكبوت إلى تخوم المرض. قامة قليلة وشعر كستنائي وحضور ممسوح, لا هو بالذكر الذي اشتدت ذكورته وخالط الأنثى, ولا هو بالأنثى التي استنامت للذكر. صورة أخرى عن وضعه الاجتماعي, الذي يضعه داخل بيروت وخارجها. فهو في بيروت مكانا , دون أن يكون فيها إقامة, ففي المدينة رعب محتجب يهمش  <<الغرباء>>. يلغي الريفي المغترب فيه معنى المواطن, وينفي عنه الكبت صفة الذكورة. إنه المواطن الذي أجلّت مواطنته في الذكر المؤجل المذكورة, عليه أن يداري جسده في انتظار  <<الوطن القادم>>. والوطن السعيد المنتظر هو الحرب, التي وضعت في الكتفين الضيقين منكبين واسعين, ودفعت  <<المواطن السعيد>> إلى اغتصاب جارته دون عقاب. إنه الذكر الذي حررت  <<البندقية>> ذكورته وهزم جارته المستضعفة, مصيّرا  الجنس عدوانا  والعدوان فعلا   <<جنسيا>>.

يظهر  <<خليل>>, في مستوى أول, إنسانا  مقهورا  تحرر خطأ, وفي مستوى ثان, ذكرا  مكبوتا  أيقظ العنف غريزته الهاربة. غير أن هذين المستويين وجهان خارجيان لمستوى أكثر عمقا  ودلالة هو: الإنسان - الخنثى. في لطفه المسالم ما يوحي بأنثى وفي رقته الصامتة ما ينفي الذكر. مخلوق هجين, أضاع الذكر الذي لم يَكُنْهُ وأخطأ الأنثى التي لم تستقر فيه. فيه من الأنوثة ما يلتبس برجولة مؤجلة ومن الذكورة ما يتاخم أنوثة مقن عة. موزع هو على اتجاهين غائمين وعلى رغبتين ضبابيتين, يقمع فيه الذكر الأنثى وتصمت وتجابه فيه الأنثى الذكر ويسكت. ولهذا يلتف الإنسان - الخنثى, الذي جاوز العشرين, على ذاته المضطربة, ليكون  <<دجاجة عجوزا>> و <<عانسا>> و <<أرملة مهجورة>>, وجسدا  متوترا  يكتفي بأحلام رطبة يكون فيها ذكرا  وأنثى في آن.

عاش الإنسان - الخنثى تناقضاته موزعا  على اتجاهات متعددة إلى أن جاءت الحرب ووحدته, غدا ذكرا , وآية ذكورته اغتصاب جارته, التي عادت من المنفى إلى  <<الوطن>>. وأصبح  <<رجلا>>, وبرهان رجولته كتفان عريضان وشاربان كثيفان. فارق حرمانه وصار منعما , ودليل نعمته سيارة و <<مرافق>> وجاكيت جلدي بنيّ اللون. ولادة جديدة متكاملة الأجزاء, نقلته من المراهقة الطويلة إلى الرجولة, ومن الجنس الملتبس إلى الذكورة الواضحة, ومن حي فقير إلى  <<أعلى>>, يخالط فيه  <<سادة الحرب>>, ويمسي  <<أخا>> جديدا . ليس غريبا , والحالة هذه, أن يتخل ص  <<الوليد>> من تمازج الحب والكراهية, الذي وسم علاقته مع  <<صديقيه القتيلين>>, وأن ينطق اتساقه الجديد بكراهية نقية لا أخلاط فيها, كما لو كان  <<موت الجميل>> قد محا فيه عجزه القديم, وبعثه صلبا  قويا , يقف فوق القبور ولا يراها.

يحقق مجاز الإنسان - الخنثى, في رواية  <<حجر الضحك>>, وظائف ثلاث: فهو, أولا , المجال الدلالي الذي يتطوّر فيه الفعل الروائي, منتقلا  من الخنوثة العاطلة إلى  <<الاغتصاب المخنّث>> كاشفا  عن معنى الحرب وطبيعة المادة البشرية, التي أنتجت الحرب وأعادت الحرب إنتاجها. وهو, ثانيا , أداة فنية مطابقة, تبني زمن الحرب بما هو زمن مأساوي وساخر في آن, ذلك أن من ولد معطوبا  يتجاوز ذاته بما يوطّن العطب ويؤمّن له الثبات. وهو, ثالثا , البنية الزمنية الملتبسة, التي تفتح الحاضر على غيره من الأزمنة, وتضع في الأزمنة المحتملة عطبا  جوهريا . ولعل بؤس الحاضر, الذي يحتضن  <<منكبين عريضين>> يثيران السخرية, هو ما ربط التلميذ الخائب بمعلم قديم لا يقل خيبة, وربط المعلم التقليدي ببلاغة قديمة تستحق الهجاء. في صفحة لامعة من صفحات لامعة كثيرة, تكتب هدى بركات ساخرة من المدرسة التقليدية:  <<ربّت الأستاذ مقبل على كتفه عابسا  بعينين حنونتين..: أنت شيء آخر يا خليل, سوف يكون لك شأن, تذكّر كلامي. حين يتذكر كلامه يفكر أن الجد قد قتله لا أحد أجنحة الحزب المتكاثرة. ما قتله هو نظارته السميكة التي لم يعد في ذاكرة خليل غيرها.. وبين أن يكون التاريخ شحذا  قويا  للمخيلة في التكميلي الأول, أو أن يكون لفظا  للغة مقعرة في الثانوي الأول قعد خليل.. يضحك مع الحس الوطني. ص: 134 - 135>>. ترتد الخنوثة إلى الوراء مستحضرة معلما  معطوبا  يُنهي عن الضحك ويحتفي برجولة اللغة, ويقمع المعيش ويزهو بالحكايات. أفرغ  <<التلميذ النجيب>> عقله من الضحك والعقل والأنوثة, واستبقى رجولة اللغة المقع رة, التي تستولد من  <<أيديولوجيا الثورة>> الجاكيت الجلدي, ومن مبادئ الحزب أصول الاغتصاب المنظّم. يعبّر المجاز الفني, الذي خلقته هدى بركات, عن تصوّر روائي نوعي, عناصره ثقافة راقية وتجربة بعيدة عن التذهين واجتهاد رهيف, يسائل  <<الممكن الروائي>>, ويأتي بإجابات فنية, تسخِّف التقليدي وتفضح فراغه المتناتج.

تنغلق رواية هدى بركات على فضاء مشبع بالفقد والخواء. فلا شيء يرجى من زمن اغتصب الأخلاق واللغة وتمسك بـ <<جاكيت جلدي>> أنيق. تنهي الرواية حديثها بالكلمات التالية:  <<كم تغيرت منذ وضعتك في الصفحات الأولى, صرت تعرف أكثر مني. الكيمياء. حجر الضحك>>. تتأسى الرواية على  <<البطل>>, الذي أشفقت عليه في بداية الحكاية, بعد أن تمرد عليها وانغمس في ضحك المدينة, حيث القصف يستولد الضحك, والضحك يستقدم القصف, والقصف والضحك يرميان بالفضيلة إلى جهنم.

السؤال الذي يُطرح, في النهاية, على الرواية هو التالي: ما هو الزمن التاريخي الذي يضطرب فيه بشر يتقاتلون يستكلبون لحظة ويستذئبون في لحظة تالية? أو ما هو الشكل التاريخي في مدينة تبدّلها الحرب إلى غاب بشري يلتهم قويُّه ضعيفَه? يأتي الجواب البسيط من معطف  <<حرب السنتين>> الشهيرة وما تلاها. غير أن الرواية تسخر من  <<السنتين>> وهي ترجع وراء إلى الأستاذ القديم الذي يكره الضحك. وقد يقترح جواب آخر مجاز: الاغتصاب, الذي ينفي معنى السياسة والثقافة والقانون والمواطنة, أي كل ما تقول به الحداثة الاجتماعية التي عرفتها المجتمعات الحديثة. يعترف الجواب, وهو  <<ثقافي>>, عن نقصه منذ البداية, لأنه يراصف المقولات ولا يسأل عن تاريخها. وواقع الأمر, أن التاريخ الحقيقي, الذي انتهت الرواية إليه, قائم في مجاز الإنسان - الخنثى, الذي يتقهقر وراء كلما اعتقد التقدم إلى الأمام. إنه بنية تاريخية معوّقة, تضع الزمن الحديث في أطر اجتماعية لا حداثة فيها, منتهية إلى حداثة الموضوع وتقليدية البنية, أي إلى زمن تاريخي هجين, يفصل بين اللغة ومواضيعها, وبين المواضيع واستعمالاتها. تفكك اللغة المقعرة المدرسة الحديثة, ويبدّد الوعي الريفي الثقافة الجامعية, وتمحو ايديولوجيا المرتبة السياسة  ومعنى الحزب السياسي. ولعل هذا التراصف الهجين, الذي تبتلع فيه البنية المسيطرة مواضيعها الجديدة, هو الذي يطلق لغة هجينة, تخطئ المعنى أو تغتاله, كأن يكون  <<المرافق>> إشارة سياسية, وأن يكون الصعود إلى  <<فوق>> عملا   <<ثوريا>> لصالح  <<الجماهير. يتراءى, في الحالات جميعا , زمن تاريخي هجين, لا يفارق القديم الذي يقيده, ولا يلتقي بالحديث الذي ينتسب إليه. لهذا كان المثقف الريفي إنسانا  - خنثى, قبل أن ترو ضه الحرب, وبقي كما كان بعد أن أصبح  <<زعيما>>, عندما ساوى بين الذكورة والاغتصاب, وبين الذكورة المغتصبة والرجولة السياسية. لم يكن سويا  في جسده القديم, ولم يغد  سويا  في جسده الجديد, الذي دش ن ولادته السعيدة بفعل مريض هو: الاغتصاب.

تتضمن  <<حجر الضحك>> خطابين متلازمين متفاوتي الحضور, يرى احدهما إلى الحرب ووجوهها, ويتأمل ثانيهما الكتابة والصمت والأسى, أي ما يرفض الحرب ويشجب آثارها. يظهر الخطاب الأول في سيرة الإنسان المعوّق, ويتلامح الخطاب الثاني في سيرة ذاتية مستترة, هي سيرة الأنثى - الراوية, التي تحايث  <<بطلها>> المبتور, قبل أن  <<يهجرها>> إلى رجولة قاتلة. تقول الرواية في سطورها الأخيرة:  <<اقتربت من زجاج الباب الخلفي.. .., إلى أين قلت فلم يسمعني.. هذا أنا قلت له, فلم يستدر.. كم تغيرت منذ وضعتك في الصفحة الأولى, صرت تعرف أكثر مني. الكيمياء. حجر الضحك. خليل. بطلي الحبيب. بطلي الحبيب>>. حجبت الراوية صوتها في زمن الاتصال وأفصحت عنه لحظة الانفصال الأخير, احتجاجا  على اكتشاف فاجع, لم تتوقعه ولا تقبل به. اكتشفت الراوية, في النهاية, ما أرادت لها الكتابة - الحقيقة أن تكتشفه, فأغلقت  <<سريعا>> موضوع حكايتها (ثلاث صفحات), واستمرت رحلتها مع الكتابة - الحقيقة, التي كشفت لها عن مآل فاجع, لم تنتظره.

زاملت الرواية, منذ البدء,  <<شخصا>> تعرفه, وكشفت عن ذاتها في حضور متناوب مجزوء, مطمئنة إلى غبطة الوصال, إلى أن داهمها ما لا تريد, فألقت بالقناع وضاعفت  <<صرخة الكتابة>>. تقول في الصفحات الأولى:  <<فمدينتنا المتوسطية الجميلة قد تضخمت على نحو مبالغ فيه في تلك السنوات الأخيرة.. حين تستوي الشمس عندنا.. .. أين نذهب بكل ما رأينا?.. فالأعياد التي نتهيأ لها.. ..>>. تغيب صيغة الـ <<هو>> ويقف  <<خليل>> مع الراوية التي تتحدث باسميهما, أو تقف معه وتترك له لغة بصيغة  <<الجمع>>, فالمدينة المتوسطية للبطل والحبيبة والجميع. وقد تتحدث الراوية عن  <<بطلها>>, وبه, ملغية المسافة بينهما, ومرتاحة إلى  <<آخر>>, هو جزء منها, كأن تقول:  <<تجلس امرأة عمي على الأرض, .. .., حين كانت امرأة عمي صبية تتعلم من أمها.. .. أيام يقول عمي ويتنهد حنينا  قبل أن يتابع.. .. ص: 118 - 119>>. يتداخل السارد والمسرود إلى حدود التماهي, قبل أن يحمل كل منهما صوته المجزوء, ويمعن في الفراق.

 <<غاب خليل, صار ذكرا  يضحك. وأنا بقيت امرأة تكتب>>. تقول الرواية في النهاية. تفصل النهاية بين الذكر الضاحك والأنثى الكاتبة, بين الحرب التي هزمت غيرها والكتابة المستقرة في زمن مفقود, أو بين الذكر المتحقق في ضحكة القاتل والأنثى الخائبة, التي لاذت بالكتابة. كأن الأنثى, التي لم تحقق ما أرادت, تنتظر, وهي تكتب, زمنا  لم يأت , أو زمنا  لن يجيء, زمنا  سويا , لا يؤنث المزوّر ولا يزوّر المؤنث. فـ <<الجثة>> مؤنث, كما تقول الرواية, ذكرا  كانت أم أنثى, والذكر هو ما هو عليه قبل أن يموت, فإن مات أصبح  <<أنثى>>, كما لو كانت الأنثى هي الذكر الذي غدا  <<جثة>>.

 <<ذكر يضحك, وامرأة تكتب>>. يواجه الذكر الأنثى, ويقابل الضحك الكتابة. بيد أن رد الكلمات إلى دلالاتها يسمح بصيغة أخرى: يواجه الاغتصاب السلام, ويقابل الجنون الحكمة, أو: يجابه الاغتصاب المجنون الحكمة المسالمة. فالسلام هو الأنثى والكتابة هي الحكمة, والأنثى الحكيمة هي التي تواجه الحرب بالكتابة. والأنثى, التي ترد على الضحك القاتل بالكتابة, مجاز, يحتضن العاقل المسالم, ذكرا  كان أم أنثى. وإذا كان  <<خليل>> مسالما , في البداية, بفضل الأنثى التي هي فيه, فإن أنثى  <<الأخ>> القاتل مليئة بالجنون. كأن الأنوثة المتحققة, كما الكتابة, اغتراب, يفرض انتظار زمن مغاير, يأتي ولا يأتي معا , يتلامح في الكتابة وينطوي متناثرا  خارجها.

في  <<حجر الضحك>> ما يجعلها رواية نوعية عن حرب محددة المكان والزمان, ورواية آسرة عن اللامعقول في الأزمنة المريضة.

2- أهل الهوى: رواية الانفصال الأسيان:

تتوزع الحرب على  <<حجر الضحك>> و <<أهل الهوى>> بشكلين مختلفين: فهي, في الأولى, مباشرة صريحة, وهي في الثانية لا مباشرة, حاضرة ومقنّعة. بعيدة هي بمخلوقاتها المفترسة, وقريبة بمخلوق بريء التقى, صدفة, المخلوقات العجيبة. كأن في الرواية الجديدة ما يستكمل الأولى ويعارضها معا : يستكملها واضعا  الحرب في عاشق مجنون, ويعارضها بمواد الحكاية وأقدارها المختلفة.

يحقق الإنسان المبتور, في الرواية الأولى, هجنته الكاملة في أكثر من انتقال: ينتقل من هامش الحرب إلى مركزها, من عالم المهمشين إلى بيوت  <<سادة الحرب>>, من حيّز الحب والمودة إلى الحقد والكراهية, من أطراف الصمت الحزين والابتسام المتلعثم إلى الضحك المغتصب والنبرة الصارخة, من قامة مراهقة إلى كتفين لا تعوزهما الرجولة والاتساع.. .. تأخذ الوقائع والإشارات, في  <<أهل الهوى>>, دلالات مغايرة: ينأى  <<أهل الهوى>> عن حرب لا أسوار لها إلى  <<مستشفى>> محدود المساحة واضح الأسوار, يغادرون المجتمع إلى مكان نظيف يسكنه أفراد, يفارقون الكراهية إلى أثير التأمل والانفصال, يتركون أجسادهم  <<الاجتماعية>> الغليظة إلى أجسام رقيقة متعبة, ويرمون بأنفسهم في ضحك معابث, لا مخالب له ولا أظافر.

تبدأ هدى بركات روايتها الأولى بالشاذ - العادي, الذي يحسن الصمت لا إطلاق الرصاص, وتحتفظ بروايتها الثانية بالشاذ - المختلف, الذي أتلفه العشق وأتلف غيره عشقا . كأنها, فيما تختار, تسائل مجتمعا  يضنّ بالسوي ولا يضن  بغيره, مخبرا  عن عطب لا شفاء منه. ففي مقابل  <<خليل>>, الذي افتقد الأنوثة السوية وأخطأ الرجولة الحقيقية, يقف إنسان آخر, ترعاه أخته العانس, متباطئ كسول يميل إلى العزلة ويحتفظ بطفولة متأخرة. يفقد الأول في الحرب روحه ويصير جسدا  قاتلا , وتختلس الحرب من الثاني جسده وتصيّره روحا  هادئة. وبينما يهجر الأول بيئته ويصعد إلى  <<فوق>> اجتماعي مغتصب, يتحرّر الثاني من المجتمع ويقف امام أبواب السماء. يحكي الطرفان هشاشة الوجود الاجتماعي, الذي تختبره الحرب وتعيّن مآله. مع ذلك, فإن بين الاثنين ما يميّزهما من بعضهما تمييزا  واضحا  لا مزيد عليه. فالأول له اسم يشاركه فيه غيره, يجعله قائما  في ذاته وخارجها, وفي قدره وأقدار غيره, والثاني لا اسم له, لأن في عشقه المبرّح ما يجعله حالة خاصة, كما لو كان  <<العاشق>> اسمه الوحيد. يعانق  <<أهل الهوى>> مصائرهم الفاجعة ويمحون الأسماء, لأن اسمهم الحقيقي مكتوب في القدر الغريب الذي سقط عليهم, وتمسكوا به حتى النهاية.

يفصح الاسم العادي عن  <<إنسان>>, يعرّفه اسمه الذي لا يعرّف شيئا , ذلك أن الإنسان محصلة لما اختار وفعل. يترجم الاسم استبداد الموروث, الذي يخلق الإنسان قبل أن تخلقه أفعاله, ويربط بين المسمّى وآخرين يغايرونه, وقد يجسّد مفارقة ساخرة تفصل بين الاسم والمسمّى, كأن يكون  <<خليل>>, وهو الصديق لغة, عدوا  لغيره من البشر. لهذا اصطدم العاشق الولهان روميو, وهو يقدّم نفسه إلى معشوقته جولييت, باسمه الموروث عن عائلته وأبيه, ممنيّا  النفس برغبة حارقة, يهجس بها عشاق آخرون, بأن تعرفه جولييت دون أن تحتاج إلى اسمه, فعشقه في عينيه, وعيون العشاق تزهد بالأسماء. لا تلتبس حكاية العاشق بحكايات غيره, منذ أن أصبح المعشوق عالمه واعتكف عن عوالم الآخرين. ومن هذا العشق يولد كيان فريد, يجعل العيون أسماء, ويضع  <<أهل الهوى>> في عالم مفارق, يغترب عن العوالم الأخرى. يسرد العاشق في رواية هدى بركات حكايته ولا يصرّح باسمه, مصرحا  بما تقصّر عنه الأسماء, التي تؤذيه.

تنفتح  <<أهل الهوى>>, في مستواها المسيطر, على العاشق الذي اختبر الغرام والكَلَفَ والتتيّم, واستقر في هواء الهوى, متوسدا  مأساة لا يفهمها إلا هو. عشق  يجهله المتحاربون والمغتبطون بأسمائهم, إذ الإنسان يفنى بغيره ويذوب فيه, فلا فراق يبدد الروح, ولا انفصال يفضي إلى الجحيم. يمتزج العاشق بالمعشوق امتزاج الماء بالماء, فلا سبيل إلى تخليصه وخلاصه, إلاّ بموت رحيم أو بجنون تبرأت منه الرحمة. فهو الموّله والمدلّه الحيران, الذي أصابته لعنة مباركة واستبدت به رغبة قاتلة, يعبدها. كأن في العشق المبرّح, الذي يصرح به  <<أهل الهوى>>, خطيئة أولى, استيقظت في العاشق ورد ته إلى ولادة أولى, لا تلتبس بغيرها من الولادات.

يردّ العاشق, الذي استيقظ فيه لغز الوجود, إلى نبل خالص, يخلع ذاته الأولى ويلبس لوعة العشق ويرتاح إلى  <<بيت الجنون>>. فهو أسير  عَشِقَ قيوده, وأخيذ  استعذب الانقياد, ومتمرد على  <<الجنون اليومي>>, وإنسان - أعلى ينطق بلغة لا يدركها غيره. شيء قريب مما قاله نيتشه في  <<العلم الجذل>>:  <<ما الذي يمنح النبل?.. .. إن ما يمنح النبل لكائن, هو أن الهوى الذي يعتمل فيه متميّز, دون أن يدري هو شيئا  عن تميّزه: إنه استعمال معيار نادر وفريد, ضرب من الجنون في الشعور بحرارة أشياء تبقى باردة لكل الآخرين, إنه الحدس بقيم لم يبتكر لها بعد ميزان, إنه التضحية, التي تقدم على مذبح إله مجهول, إنه البسالة دون طموح إلى تكريم!..>>. تضيء كلمات نيتشه, ربما, أحوال العاشق في  <<أهل الهوى>>, وتضيء الإشكال الفكري الذي وضعته هدى بركات في روايتها. يواجه  <<أهل الهوى>> بطولة الأجساد الزائفة ببطولة الروح, ويجابهون  <<محاربا>> ينتظر التكريم بـ <<عاشق>> لا يفكر بالتكريم ولا يلتفت إليه.

يعيش  <<أهل الهوى>> العاطفة المشبوبة, التي تتحدث عن  <<الألم والمرض والعذاب والتعاسة>>, وعن  <<جنون مبارك>>, يختلط بالتصوّف وينفتح على حكمة جديدة. حين يتحدث العاشق عن ذاته ومعشوقه يقول:  <<نرى أنفسنا الآن ونرى الحزن على أنفسنا. تلك الشفقة المقرونة بشجاعة وستويسية الخالدين. ستويسية زينون الرواقي.. ص: 50>>. يستلهم العاشق من الحكمة الرواقية الجنون الذي حذّرت منه, يوسع فضائلها ويجعلها أكثر رحابة, ذلك أن الحكيم الرواقي ينجذب إلى هدوء الروح, وينفر مما يكدر عالمه الداخلي, مؤمنا  بأن العاطفة تعارض العقل والفعل الحكيم. إن العاشق نقيض الحكيم, أو أنه حكيم من لون مختلف, يلتمس هدأة الروح في تمزيقها. وعلى الرغم من إشارة الرواية إلى فلسفة قديمة, تتصالح مع  <<إله معلوم>>, فإن  <<أهل الهوى>> يجسدون عاطفة متحررة من الأزمنة, عاطفة نبيلة خالقة, مأخوذة بالتضحية وعنف الاختلاف واحتقار العقل الحسوب. تضع هدى بركات  <<العشق>> في زمن الحرب, وفي زمن روحي طليق, يحتضن زينون الرواقي والمعذبين في مجتمعات الحداثة الزائفة, مبتعدة عن فكرة  <<العاطفة الحديثة>>, التي قال بها إريش أويرباخ ذات مرة.

ولعل العاطفة المؤسسة على  <<جنون مبارك>> هي التي تملي على العاشق أن يقتل المعشوق, وأن يقتل معه كابوس الزمن والتحوّل. يلغي القتل كابوس الانفصال ويحقّق اندماجا  نهائيا , لا انفصال بعده. إنه تلك الولادة الدامية, التي تدمج بين طرفين في زمن توقف عن الحركة, شرب فيه العاشق روح المعشوق, ودخل إلى زمن من أثير:  <<عرفت حين قتلتها ورأيت أني قتلتها, أني شربت روحها. أني شربت ملاكها فصار فيّ..>>. تقول الرواية عن العاشق الذي قتل فاكتمل عشقه:  <<لا تثبت الملكية إلا في كمالها. في وحدتها وتماسكها. ما يكون جزءا  من انفراط وانكسار وتفتت, لا يكون لأحد..>>, يقول العاشق, الذي طرق أبواب المتصوفة. تعشق العين إنسانا  يراه آخرون, وتتأذى الروح مرتين, فما تراه يراه غيرها, وبينها وبين من تعشق مسافة, والقتل يرضي روح العاشق ويلغي المسافة. إنه جدل الرغبة التي لا تعقل حدودها, إذ المعشوق امتداد عضوي للعاشق, يذيبه في ذاته, ويخلق من  <<الماء الجديد>> مخلوقا  واحدا , ويقينا  بالامتلاك ثمنه الجنون. يعيش العاشق, الذي أراحه القتل, توترا  مزدوجا , يشده إلى جسد المحبوب ونعمة الوصال, ويشده أكثر إلى إذابة المحبوب في داخله, والتخلص من عبء وجوده الخارجي, إنه مهاجم من الآخر, الذي يتأبى عليه, ومهاجم من رغبته المتشوقة إلى الامتلاك. فالإنسان كائن راغب في كون غامض يعارض رغباته, وكائن مغامر العاطفة مغامرته الأولى, تجعل منه مهاجما  لغيره ومهاجما  من غيره, ومقاوما  لغيره ومقاوما  من غيره. والعاشق في  <<أهل الهوى>> يقاوم رغبته في المعشوق ويقاوم المعشوق الذي يثير فيه الرغبة, إلى أن تهزمه رغبته ويقتل المعشوق, ليمتلكه ويمتزج فيه. ومأساة العاشق أن دواءه خارجه, ومأساة العاشق الكلي أنه لا يستطيع الانفصال عن المعشوق أبدا , فيضعه داخله ويحظى براحة عميقة, لا راحة بعدها.

يطل العاشق المتحقق من  <<صخرته العالية>> على مجتمع قوّضته الكراهية. يقوم في المستوى المسيطر مستوى آخر, يضيئه ويترجمه ويتبادلان التأويل. بعد الجنون العاشق المفرد, وقبله, يأتي جنون الحرب الجماعي, وبعد قتل نبيل يلغي الانفصال, يأتي  <<قتل على الهوية>>, يتناتج في الانفصال المتجدد. تضع الرواية  <<أهل الهوى>> في زمن  <<أهل الحرب>> يتقاسمان القتل ولا يلتقيان. بينهما انفصال متوالد, يعزل البراءة والعفوية عن الدنس والحسبان المميت. وبسبب انفصال لا يكفّ عن التمدد والاتساع, يذهب العاشق إلى أقداره وحيدا , مشبعا  بأطياف الحبيب الذي  <<شربه>>, ويغوص المجتمع المتحارب في مياه الكراهية.

يتكشف الفرق بين العشق القاتل والقتل العشوائي في الفرق بين  <<المدينة>>, التي تدور فيها  <<رعية الله الحرة المختارة>>, و <<المستشفى>> الذي  <<يقيد>> العاشق ويعزله عن غيره. تمشي المدينة حرة وتعتقل ما عداها, فجنونها المعم م ألغى معنى الجنون, وفرض  <<قانونا>> ينكره  <<المجنون>> ويقبل بـ <<نقيضه>>. مدينة حرة, تتحصّن بجنونها الجماعي, تفصل بين السوي والشائه والعادي والمريض والنظام والسديم, وبين المسموح والممنوع. وممنوعها على صورتها, يتضمن الحب والتضحية والبراءة, ومسموحها أكثر غرابة, يمتد من القصف العشوائي إلى  <<القتل على الهوية>>. يعارض القاتل - الحكيم المجتمع المجنون ويتنآى ملتحفا  جنونه المختلف, ويواجه المستشفى النظيف المدينة الملوثة مدثرا  بالنقاء والحكمة. لا وصال بينهما ولا اتصال إلا ما أملته ضرورة عمياء تعلن عن لقائها المستحيل. تصل بينهما الإشارات وتفصل بينهما المواضيع, لأن في أحدهما ما يملي القانون وفي الآخر ما لا يلتفت إليه. لذلك تخطئ المدينة في التعر ف على أسباب جنون العاشق, ويزهد الأخير بـ <<أخته>> ويكره كلمة المجتمع. لكل جنونه, وإن كان جنون العاشق لا جنون فيه. حين يتحدث المجنون عن أهل المدينة يقول:  <<تركوا بيوتهم, وسكنوا هذه الشقق التي كانت مفروشة لاستقبال السياح ورجال الأعمال والقوادين والمومسات, الوطنيات والأجنبيات. انظروا الآن ما أقبحها. غسيل منشور وأولاد وروائح وصراصير وجرذان.. .. ماذا تفعلون والشرور تسير في الشوارع والأزقة كسيول البراكين. سوف تبادون.. أنا المسيح المهدي لن أبقي ولن أذر..>>. وحين يتحدث عن المستشفى يقول:  <<ولصدفة عجيبة اتفق جميع المتحاربين - مع الرب- على أن يبقى هذا المكان, وهذا المكان فقط, خارج كل أنواع القصف والتدمير, حتى العشوائي منه..>>. لا تعب ر حصانة المستشفى عن احترام  <<أهل الهوى>>, بل عن ثبات قانون الحرب, الذي يحجر على  <<المتخاذلين>>, فلا حرب مهيبة متجددة بلا مستشفى مليء يخبر عن تجددها.

يوحد القتل بين المدينة ومستشفى المجانين ويفصل بينهما في آن. يحقق العاشق في القتل تجربة روحية باهظة, تمده بولادة جديدة, تقلّه من السديم إلى الصفاء.  <<إن جسمي يؤلمني حين يهدأ كثيرا>>, يقول في طور من تجربته. في القول ما يشذ عن المعايير المألوفة, فهو يستولد الراحة من الاضطراب والألم من الهدوء, ويقيم الفرق بين البراءة والدنس:  <<شواذ القاعدة هو عذاب القاعدة الأقصى.. لأن القاعدة ليست لمن يموت عشقا , لمن يموت من عذابه وشوقه للخفة والضوء وخيال الحبيب. وعذاب القاعدة نحن: الثقيلو الأحمال, المجانين, قديسو الفوسفور, الكلاب المسعورة, العشاق, والقتلة الفاشلون..>>.

يظهر العاشق في مجتمع الكراهية شواذا , ويتعين  <<خارج>> المجتمع شهيدا  حقيقيا , ويتحدد المحارب - القاعدة بطلا , وشهيدا  لا شواذ فيه. ليس في الشهيد - القاعدة ما يصله بشهيد - الشواذ, ولا في قاعدة الشهيد ما يرضي شهيدا  كسر القاعدة, وليس في شذوذ القتلة الفاشلين ما يطمئن قواعد القتل الصائب والشهداء الذين يطبقون القاعدة. تحضر مأساة الاسم, التي اشتكى منها روميو, مرة أخرى: فإذا كان الشهيد مًنْ استضاء بروحه وضحى بها زاهدا  بالأضواء الخارجية, فإن شهيدا  احتفى بالأضواء الخارجية قبل  <<فعل الشهادة>> بحاجة إلى تعريف آخر. لا ينتظر العاشق الشهيد التكريم ولا يهجس به, رغبته الحقيقية تكريمه الوحيد, ونقيضه  <<أحد قديسي الفيديو>>, الذي تلتقط الكاميرا صورا  لوجهه وروحه, تقول الرواية. يخلع العاشق اسمه ويمضي إلى تجربته, ويطرد الاسم مفتونا  بالامتزاج بغيره, ويهتدي بأضواء لا أسماء لها:  <<أقوم الآن عن الصخرة وأمشي أمشي خفيفا  طائرا . أفتح ذراعي كيوحنا وأغني. ويخرج ذهب كثير من فمي. وأغني مبشرا  باسم الرب الذي عرفت. والرب الذي لامست وعانقت..>>. تتساقط الأسماء التي تتلمسها الحواس, وتبقى أسماء تضيء الروح, أيتها العشق المحض والرب الرحيم والنشوة التي أثمرها الجنون المبارك.. فرق شاسع بين شهيد كف نه النور الإلهي, وآخر امتصه شريط الفيديو وتبدّد في الإعلان.

يفضي العشق إلى القتل, والعشق القاتل إلى الجنون, وجنون العشق القاتل إلى دروب القديسين, الذين  <<دفنوا>> أجسادهم وآمنوا بديمومة الروح.  <<ثم عرفت أن الرب لم يتخلَّ عني>>. يقول القديس الوليد, الذي يستبطن تجربة قديسين, سبقوه. تأتي هدأة الروح عن تجربة استعادت تجربة القديسين, قبل أن تستظهر كلامهم, فاستظهار الكلام المقدس لا يقود إلى الجنة. إنه العناق الغريب بين النشوة والعذاب, وثقل الأسئلة وتجلي الإجابة, وألم الجرح وأطياف الشفاء, بل أنه مرارة العلقم وحلاوة آثاره, بلغة القديسين المتوارثة. والقديس, الذي تصادت في روحه أرواح تراءت له, يطرد عالمه الخارجي ويستقدمه, يعاني منه وينتصر عليه, يدخل العالم ويخرج منه, لأن نهار البشر ليل الحكيم, ونعيم الشواذ جحيم القاعدة. إن العاشق في  <<أهل الهوى>>, الذي بنته هدى بركات بمواد أزمنة مختلفة, وأحسنت خلقه إلى تخوم الفتنة, صورة عن معذب اهتدى بنار مقدسة, والتقى بالقديسين, الذين لم يقرأ كلامهم, وقاسمهم, طليقا , إشارات الاختبار المضني ومآله المنير. فهذا المتيّم المحسوس الفاقد الاسم, جرفته صدفة ما هي بالصدفة, واستفاق على جروح وقروح ومعصم مكسور وذاكرة مضيّعة, فاعتكف متمردا  ثم استسلم راضيا , فشديد الرضا والقناعة والصفاء. وآية المسار, المنسوج من الوقائع والإشارات, مكان قوامه المواضيع والرموز هو: المستشفى - الدير, الذي يرمم جسدا  مهدوما , تستيقظ فيه روح مزهرة, أو يوقظ روحا  غافية تعالج جسدا  متهدما . كأن في مغالبة الجسد فوق مكان عامر بالرموز المقدسة ما يوقظ  <<عينا>>, كانت غافية.

تبدأ التجربة, التي عاشها عاشق رأى بقلبه غيره, بحدث ثقيل غير متوقع, شاءته  <<الصدفة>>, وتنتهي بما ينصر القلب والصدفة الغريبة. يقع من لا اسم له في العشق وقتل المعشوق والأسر والعذاب, ويصل وحيدا  إلى  <<بيت الجنون>>, ينتظر زيارة أخت عانس, تكف عن زيارته لاحقا . يعيش الوحدة والفقد والعذاب, إلى أن يرى, بعد المعاناة, ضوءا , يمده بروح صافية لا تكره أحدا . درب غريب, يمتد من العذاب إلى الله, تهزم فيه الروح والجسد, وإنسان الحب إنسان الحرب, والمسيح - الإنسان الملك الممجّد. يصدر الانتصار عن افتداء الروح بعذاب الروح, وتوليد الراحة من نار العذاب. يحاكي هذا المسار مسار القديسين ومأساة السيد المسيح المنتصرة, الذي حد ث عنه أويرباخ في كتابه:  <<عبادة العواطف>>:  <<يندهش كثيرون من أن القديسين تحمّلوا عذابا  عظيما  بطمأنينة وهدوء. ومَنْ يشأ أن يصل بهذه الدهشة إلى منتهاها, عليه أن يدرك أن القديسين يسكنهم حماس عظيم, وأنهم يقل دون يسوع المسيح بحب كبير>>,  <<أيتها الروح, إن أحببت جسدا  فلا تحبي جسدا  غير جسد المسيح, الذي ضحى بذاته على مذبح الصليب..>>,  <<ففي التأمل المستمر لعاطفة السيد المسيح ما يرتقي بالروح..>>. لهذا, يتحرر  <<العاشق>> من جسد المرأة, التي قتلها, وينصرف إلى  <<جسد>> آخر.

 <<ثم عرفت أن الرب لم يتخل عني>>, يقول القديس الجديد. يقوده الاختبار الواقعي - الرمزي من حب إلى حب, ومن فؤاد إلى آخر, ويستبقيه شهيدا . كأن العاطفة, التي لو عته وصهرته واستولدته, درب إلى  <<فكر صاح لا ضحالة فيه>>, كما يقول باسكال. غير أن في القداسة المتحققة ما يسفر عن غربة لا تنتهي: خرج العاشق في البدء على مجتمع أدمن الكراهية, وخرج في النهاية من جسده إلى جسد آخر, وبقي في الحالين غريبا :  <<قلت للطبيب يوما  بأني قد أشفى. وبأني أعرف علامة شفائي, وهي أن أستطيع السير مغمض العينين في المستشفى أو حتى في الحديقة دون أن أصطدم بشيء أو بأحد. وأن أستطيع أن أرى حدود الأشياء لا الأشياء, وحركة الناس لا الناس, وأن أُحسن التجنّب..>>. يعطي العاشق, الذي غدا قديسا , قوله في صفحة الرواية الأخيرة, مؤكدا  انتقاله إلى عالم آخر, يكون فيه مع  <<البشر>> ولا يكون منه, يرى حركتهم بقلبه دون سواه, لأن في حركتهم ما يستدعي الله وحده ويصرف البشر. جاء في كتاب أندريه جرابر  <<أصول علم الجمال القروسطوي>> ما يلي:  <<إن أردت أن تعرف الله, يقول القديس بازيل (القرن الرابع) افصل ذاتك عن جسدك وعن الحواس الإنسانية, اهجر الأرض, البحر, الهواء, اترك ساعات وإيقاع الزمن المعلوم, اصعد فوق الأثير والنجوم, بكل جمال وعظمة وروعة الهدوء والحركة اللذين يضبطان العلاقات بين النجوم, اخترق بفكرك السماء, وعندما تصل إلى ما فوقها, تأمل بالفكر وحده الجمال الموجود هناك.. ..>>. يرى الفكر, الذي تحرر من العالم الحسي, إلى الله ويراه, ويعرف أن السماء المرئية خادعة, وأن السماء الحقيقية تقع على تخوم الفكر, وأن أحوال البشر حركتهم, التي يراها الفكر دون غيره. شفي القديس, الذي كان قاتلا , حين انفصل عن حواسه, خلع جسده واكتفى بفكره. انفصل عن الإنسان الذي كانه, وعن آخرين انفصلوا عنه. مات في جسد قديم وبعث في فكر جديد, ونما فوقه نسيان لا يؤرقه.

يعيش  <<أهل الهوى>> عزلة, هي عزلة الحب والبراءة عن الكراهية والدنس. لهذا يشير القديس إلى  <<تخوم الفكر>> وإلى مجتمع ينكر القديسين ويحجر عليهم. يتكشف معنى الحرب في عبادة الكراهية, وتكشف عبادة الكراهية عن مجتمع تحر ر من المقدسات, واستراح في  <<زمن وثني>> أنيق الملبس وحديث الأسلحة. جابهت الرواية, على مستوى المعنى, تضامن الجنون الجماعي القاتل بعزلة العشق المجنون المغلقة, وأعادت صياغة العزلة, على مستوى التقنية, بالمونولوج الداخلي المفتوح, إذ العاشق يبوح كما شاء, ولا يحدث أحدا . والمونولوج, الذي يفتح الرواية ويغلقها, يحقق وظائف ثلاث, تنتج معنى عالي الكثافة: يخبر, أولا , عن مجتمع مأزوم شديد الاضطراب, يقبل بالقتل ولا يرضى بالحوار, ويؤكد, ثانيا , عزلة المؤمن الصادق, الذي هجره الجميع وسقط في عزلة مضيئة, ويؤم ن, ثالثا , اختلاط الأزمنة المختلفة, فزمن البوح المتوحد حاضر مطلق, تخترقه كل الأزمنة. تفصح تقنية المونولوج الداخلي عن المعنى, فلا يستدفئ بكلامه الصامت المفتوح إلا من افتقد من يحاوره, أو افتقد قدرة الكلام مع الآخرين.  <<المونولوج هو لغة المخذول الذي هجره الإله>>, قال لوكاتش الشاب في كتابه  <<نظرية الرواية>>. تعيد هدى بركات صياغة القول بما يوافق زمن المتحاربين:  <<المونولوج هو لغة المخذول الذي هجر مجتمعا  قاتلا  ألّه ذاته واستغنى عن جميع الآلهة>>. لهذا ينسحب  <<العاشق>> من المجتمع وعالم الحرب وفضاء الكفر, ويلوذ بفضاء ضيّق - واسع, ينفتح فيه على السلام والإيمان وأطياف القديسين.

ينفتح المونولوج الداخلي على  <<وضع إنسان مأزوم>>, أضاع ما رغب به, أو لم يلتق  به. عاشق يعترف بعشقه, ويعترف بأن عشقه قاده إلى القتل, ويعترف أن القتل الفاضل أخذ بيده إلى الجنون والحكمة المستقرة. ينسج في مناجاته, التي لا تنتهي, سيرة ذاتية مليئة بالثقوب, ترممها شظايا الكلام المتواتر ولا تستقيم, فهي أثر لليقظة والغيبوبة في آن. وبسبب ذلك, يكون سارد الحكاية هو بطل الحكاية, وتكون أحوال البطل المختلف صورة عن أحوال السارد المأزوم. يحتجب وراء السارد المأزوم, الذي احتكر الكلام, روائي, يسائل أزمة صماء, أوكل كلاما  إلى غيره وصرّح, منذ البدء, أنه يسرد أحوال شرط مأزوم, آيته متحدث مختلف, لا يتحدث كالآخرين. يظهر موقف الروائي, الذي تلفه الأزمة, في المسافة التي تفصله عن السارد, الذي ينتج حديثا  متقطعا , قلق المركز. كأن في الواقع ما يستعصي على القول الواضح, فيتوالد القول موزعا  على الوضوح والالتباس. يكون المونولوج الداخلي, في الحالين, تعبيرا  عن واقع, تداعى معناه, تعيد بناءه تقنية أدبية مبدعة, توحد بين الروائي والسارد وتفصل بينهما في آن.

 <<بعد أن قتلتها, جلست على صخرة عالية>>. يبدأ المونولوج  <<بعد>> القتل, الذي لا يصبح  <<بعد>> إلا بعد مسافة زمنية, ذلك أن  <<ما بعد>> الجنون حاضر مطلق, هو مزيج من الأحاسيس الغامضة والذكريات المتناثرة والمشاعر الملتبسة. ما قبل الجنون هو ما قبل الكتابة, وما  <<بعد>> الجنون مستهل  <<الكتابة المأزومة>>, التي عليها أن تنظم ما لا يمكن تنظيمه, وأن تدور حول نفسها طويلا , كي تروض التشوش المتلاحق وتنتهي إلى نص كلي, يتكشف في توازن الكل واضطراب الأجزاء. تتخلّق جمالية الكتابة في تنظيم البوح الذي لا يمكن تنظيمه, أو في العلاقة المحسوبة بين الكلام المشوش والتنظيم الجمالي.

يحيل التنظيم الجمالي على زمنين متداخلين, أحدهما سائب تدور فيه ذاكرة مرهقة تروي حكاية مليئة بالفجوات, وثانيهما زمني تعاقبي يباطن الأول, يجمع نثار الزمن الأول ويضع فيه المعنى. وعن تفاعل الزمنين تصدر حكاية لها بداية غائمة, ونهاية واضحة المعنى. بدأت الرواية بجملتها الشهيرة عن القتل والصخرة العالية, وانتهت إلى خاتمة, من صفحة ونصف, تشهد على هدوء الزمن الأخير, الذي لم يبدأ هادئا  أبدا . إنه ترويض الزمن عن طريق اللغة الجمالية, إذ القتل هو اللغة التي تواجهه, وإذ التوبة هي اللغة التي روّضت الجنون.

أنتجت هدى بركات في  <<أهل الهوى>> مسافة مزدوجة, تدلّل على واقع مريض وتبرهن عنه: مسافة أولى قوامها سارد ملتاث العقل عهدت إليه الروائية بالكلام نيابة عنها, ومسافة ثانية تترجمها  <<لغة جوهرية>> تنقض اللغة النفعية البسيطة, وتختزل المواضيع إلى لغة شديدة الكثافة. كأن السارد, وهو ينسحب من واقع ينفيه ينسحب من  <<لغة واقعية>> لا تقول شيئا . تبني بركات, وهي تحتج على الواقع المريض بلغة ليست منه, الرواية على لغة مكتوبة خاصة بها, تتخلق وهي تبحث عن المعنى في واقع افتقد المعنى. وربما تكون هدى, وهي تواجه لغة الحرب بلغة أخرى, قد بلغت باللغة الروائية مستوى شبه فريد. يقول نيتشه:  <<لما كانت الحرب والدة كل الأشياء الجيدة, فإنها أيضا  والدة كل نثر جيد>>. واجهت بركات الحرب بنثر رفيع بالغ الكثافة والجمال, وبسارد ينفي جنون الحرب بجنون الحكمة.

نق بت  <<حجر الضحك>> عن معنى التاريخ الاجتماعي بإحالات متعددة, تستدعي المدرسة وتهافت السياسة ورخاوة الثقافة والهوة بين الريف والمدينة. اكتفت هدى في روايتها الثانية بتاريخ ثانوي, هو تاريخ القيم والإيمان, كاشفة عن تشاؤم شديد, لا يطمئن إلى التاريخ ومعناه. فبعد أن لامست, في روايتها الأولى, السلطة السياسية متوسلة  <<مدرستها>>, ساءلت, في روايتها الثانية, مجتمعا  واهن الأركان, لا يعرف الحب ولا الضحك الصحيح. يتقهقر التصور الروائي من التاريخ الاجتماعي - السياسي إلى التاريخ الأخلاقي, منتهيا  إلى مجتمع فقد إيمانه الديني واتخذ من الكراهية دينا  جديدا .

 <<أهل الهوى>> عمل روائي يحتشد بكتابة أدبية جوهرية لا يلتقي بها قارئ الرواية العربية إلا نادرا , عمل فاتن غير مألوف, صاغته المعاناة والاجتهاد والموهبة. في  <<أهل الهوى>> كتبت هدى بركات رواية  مغايرة إن  لم تكتب في سطورها اللامعة: الرواية.

3- ملاحظة عن  <<حارث المياه>>:

التشاؤم المكتمل ورخاوة التاريخ:

ساءلت هدى بركات, في  <<حجر الضحك>> التاريخ وهي تسائل  <<مدرسة رسمية>> مدثرة بالبلاغة والتجهم. وفي  <<أهل الهوى>> وضعت المجتمع المتقاتل في مجاز الكفر والإيمان, راجعة إلى تاريخ القيم, الذي تحد د مقولاته, المرفوضة أو المقبولة, ارتقاء المجتمع وانحطاطه. في عملها الثالث  <<حارث المياه>>, ابتعدت من جديد عم ا بدأت به, راجعة من تاريخ القيم إلى عالم الفن والجمال.

ينطوي الانتقال على تشاؤم صريح, وعلى كره لليقين وتطيّر منه. يظهر التشاؤم في التذكير بمبادئ الحب, وبمأساة الإنسان الذي لا يودّ أن يكون قاتلا . ويتراءى اللايقين في الحوار مع الفراغ, دون السقوط فيه. وما  <<حارث المياه>> إلا الإنسان الجميل الذي يبني, وَهْماً, عالماً جميلاً مسوّراً بالخراب. يبني بيتاً يداري به بؤسه ويموت بائسا , معتقدا  أن في جمال  <<الحرير>> ما يصدّ عنه الأذى ويمنع عنه الموت. بعد الإيمان, الذي يترك المؤمن مع مناجاته المغلقة, يأتي الفن, الذي يعد الإنسان بألوان كثيرة ويسقط في الرماد. ومع أن في الفن ما يؤازر الروح, إذ الفن خلق وإبداع وابتكار, فإن فيه ما لا ينصر الروح طويلا , فبعد الخلق يأتي الاضمحلال, وبعد المبدعين تأتي النار على الإبداع وأهله.

ولعل تطاير اليقين هو ما جعل هدى تصل إلى  <<تاريخ الفن>>, وهو ما دعاها إلى التعامل مع مجاز لطيف رهيف واهن هو: القماش, الذي يمتع حواس الإنسان زمنا , ويسقط في الاضمحلال. لم تكتفِ السيدة بركات بمجاز قابل للتلف, بل عمّمت قابلية التلف ووسّعت آماد الاضمحلال. ف- <<حارث المياه>>, أي المبدع, عقيم يلتحف ببؤسه الذاتي ويموت وحيدا , جاء من أب لا يقل عنه وهنا  وتداعيا , ومن أم مشبعة بالأوهام والرهافة الفارغة. ولن تكون ذاكرته, التي توقظ عالما  يوحي بالأناقة والتوازن السعيد المحسوب, إلا ذاكرة كاذبة تعوّضه عن معيش مثقل بالخلل. وحال  <<حارث المياه>>, الذي ينتظر النعمة والازدهار, لا يختلف عن حال  <<بيروت>>, في تاريخها الطويل, التي إنْ استقامت ضربتها الزلازل, فإنْ نسيتها الزلازل اجتاحتها الحروب. تعيش  <<بيروت>> ولا تعيش, لأنها تنتظر أبدا  دمارا  لا هروب منه.

يلف الاضمحلال الحرير الفاتن وعاشق الحرير ومدينة على البحر, كلما وقفت انحطمت من جديد. إنها جمالية الأفول, التي تحوّل المعرفة إلى لحظة من أسى, وتبدل الكتابة إلى فعل حزين, وترى في الحرب ظاهرة طبيعية, طالما أن للإضمحلال بواباته المتعددة. المدينة الحقيقية سراب, و <<مملكة القماش>> الصغيرة المحوّطة بالأطلال سراب آخر. لهذا يبني  <<حارث المياه>> في وسط المدينة الخربة بيتا  من سراب, يريحه أياما  معدودة ويسلمه إلى الموت. سراب فوق سراب وخرائب بشرية فوق أسواق خربة, واليقين في لا مكان. وما الكتابة إلا فعل يستجدي اليقين من اللايقين, ذلك أن الكتابة  <<قماش>> آخر, مثلما أن الكاتب  <<حارث المياه>> المختلف, الذي يحمل في ذاكرته أنقاضا  مستترة. هكذا تنفي  <<جمالية الأفول>> الفن, فمادته واهنة وترضى بالزوال, وتندد برخاوة التاريخ, الذي يتكدس ركاما  ثقيلا , يضن  باليقين ويمنع السعادة عن الإنسان. لا ينبثق عن الخراب المعطى إلا خراب لاحق, يعقبه آخر أكثر شدة.

يقول كارل ماركس في  <<المخطوطات الاقتصادية والفلسفية لعام 1844>>:  <<إن تشك ل الحواس الخمس هو عمل تاريخ العالم كله من القدم حتى اليوم>>. رأت هدى بركات في  <<حارث المياه>> الواقع الدامي وذهبت إلى عالم الحواس, حيث المنظر والملمس والمذاق والرائحة, وانصاعت إلى فتنة الحرير. كان في ذهابها رفض للحاضر وأشياء من اللايقين والضياع, وكان فيها تنقيب عن الحرية, فالحرية الإنسانية قائمة في الحساسية الإنسانية. فالحواس لا تستقبل فقط ما أعطي لها, بل أنها تكتشف الأشياء وصفاتها, وتعيد تخليق ما اكتشفته بطرق جديدة.

من حرب ضارية تقوض مدينة إلى إنسان يلهو بالأقمشة, إلى حواس ابتعدت عن صاحبها, حتى بدت مستقلة أو تكاد. تصل هدى بركات, وهي تحاور العين والملمس والرائحة إلى ذروة رهافتها, وتعانق التشاؤم المفتوح أيضا , لأن كل ما تحاوره مُقْبل على الزوال. تصل, وهي تساوي بين هشاشة الحرير وأعمدة المدينة, إلى منظور مأساوي للعالم, يساكن فيه الشعرُ الروايةَ, وتقاسم فيه الروايةُ الشعرُ خصائص كثيرة. ولعل هذا المنظور الشعري, الذي يحرّر الرواية من بعض القيود, هو الذي يضع في  <<حارث المياه>> فتنة خاصة, ويهبها  <<دينامية>> تحوّل الرواية إلى نص ممتع وسؤال مبهم, يبحث القارئ عن إجابته في الرواية وفي متاهة الاضمحلال الواسعة.

ترسم هدى بركات في رواياتها الثلاث مشهد الحرب, من زوايا مختلفة, مشهدا  مفزعا , صاغه تصور أخلاقي, اقترب من اليقين, قبل الحرب, وأقلع عن اليقين, بعد أن غادر  <<مدينة الحرب>>, واستقر في لا مكان.

مراجع الدراسة:

1- هدى بركات: حجر الضحك, دار رياض الريس, لندن, 1990.

أهل الهوى: دار النهار, بيروت, 1993.

حارث المياه: دار النهار, بيروت, 1998.

2- أفق التحولات في الرواية العربية, المؤسسة العربية للدراسات والنشر, بيروت, 2003.

3- بليز باسكال: خواطر, اللجنة اللبنانية لترجمة الروائع, بيروت, 1972.

4- نيتشه: العلم الجذل, دار المنتخب العربي, بيروت, 2001.

5- الحافظ مغلطاي: الواضح والمبين في ذكر من استشهد من المحبين.

6- A. Grabar: les orgines de lesthétique médiéval. Eds: Macula, paris, 1992

7 E. Auerbach: le cult des passions. Eds: Macula, paris, 1998.

8 Sites of vision edited by: D. M. Levin, MIT press, 1999 (المقدمة).

9- G. poulet: études sur le temps humains vol: 2, plon, paris, 1952 (الجزء الخاص ببلز


تصميم الحاسب الشامل