|
|||||
|
الرواية الشائعة والمغلوطة عن أصل وفصل السيد جمال الدين الأفغاني وجنسيته, استدعت بطبيعة الحال إنشاء رواية موازية عن تجربة السيد السياسية في أفغانستان. هذه الرواية الموازية المأخوذة عناصرها من ترجمة الشيخ محمد عبده لأستاذه, والتي توارثها الكثيرون, خصوصا في العالم العربي, تحتاج هي الاخرى الى الغربلة وإعادة النظر. والغربلة, ها هنا, لا تتعلق بتفسير التجربة وتأويلاتها, فالباب يظل مفتوحا في هذا المجال, بل تتعلق بالوقائع نفسها, استنادا الى مصادر أخرى يمكن الوثوق بمعظمها. في مقد م هذه المصادر يأتي كتاب الوثائق والمستندات الذي يضم مجموعة لا بأس بها من مراسلات السيد جمال الدين وأوراقه الخاصة ونصوصه الذاتية وتعليقاته الحميمة, والكتاب هذا نشره الباحثان الايرانيان ايراج أفشار وأصغر مهدوي وصدر عن جامعة طهران عام 1963, وعنوانه بالفارسية: <<مجموعة اسناد ومدارك جاب نشده درباره سيد جمال الدين مشهور به أفغاني>>. ومن نافل القول ان نقل هذا الكتاب الى العربية- خصوصا الأوراق المكتوبة بالفارسية اذ هناك مراسلات باللغة العربية- بات أمرا ملحا. رواية محمد عبده عن تجربة أستاذه في أفغانستان تقول بأن هذا الأخير استكمل دروسه (في افغانستان) في الثامنة عشرة من عمره, وبأنه سافر الى البلاد الهندية حيث أقام سنة وبضعة أشهر <<ينظر في بعض العلوم الرياضية على الطريقة الأوروبية الجديدة, وأتى بعد ذلك الى الاقطار الحجازية لأداء فريضة الحج, وطالت مدة سفره اليها نحو سنة وهو يتنقل من بلد الى بلد ومن قطر الى قطر حتى وافى مكة المكرمة سنة 1273هـ, فوقف على كثير من عادات الأمم التي مر بها في سياحته, واكتنه أخلاقهم, وأصاب من ذلك فوائد غزيرة, ثم رجع بعد أداء الفريضة الى بلاده, ودخل في سلك رجال الحكومة على عهد الأمير دوست محمد خان. ولما زحف الأمير الى <<هراة>> ليفتحها, ويملكها على سلطان أحمد شاه, صهره وابن عمه, سار السيد جمال الدين معه في جيشه, ولازمه مدة الحصار, إلى أن توفي الأمير, وفتحت المدينة بعد معاناة الحصار زمنا طويلا>>. وتضيف رواية محمد عبده بأنه اثر وفاة الأمير دوست محمد خان عام 1863, تقلد الإمارة ابنه (الثالث) شير علي خان, ثم اشتعلت سلسلة من الحروب الداخلية الأهلية بين الاخوة الساعين الى الاستئثار بالإمارة, وانضم السيد جمال الدين الى أحد الأخوة الاعداء وهو محمد أعظم خان. ونجح هذا الأخير, بالتحالف مع ابن أخيه عبدالرحمن (الذي سيصبح لاحقا أميرا على أفغانستان), في تحقيق انتصارات عسكرية وفي انتزاع العاصمة كابول من قبضة أخيه شير علي, كما نجح في إنقاذ أخيه الآخر محمد أفضل, والد عبدالرحمن, من سجن <<قزنة>> وسمياه أميرا على أفغانستان, ثم أدركه الموت بعد سنة, فخلفه على الإمارة شقيقه محمد أعظم, <<وارتفعت منزلة الشيخ جمال الدين عنده, فأحله محل الوزير الأول, وعظمت ثقته به, فكان يلجأ لرأيه في العظائم وما دونها>>. وبحسب رواية عبده, << كادت تخلص حكومة الأفغان لمحمد أعظم بتدبير السيد جمال الدين, لولا سوء ظن الأمير بالأغلب من ذوي قرابته, حمله على تفويض مهمات من الأعمال الى ابنائه الأحداث, وهم خلو من التجربة, عراة من الحنكة , فساق الطيش أحدهم, وكان حاكما في قندهار على منازلة عمه <<شير علي>> في <<هرات>> فانتصر هذا الأخير في المعركة ثم حمل على قندهار واستولى عليها, و<<عادت الحرب الى شبابها>>. وتشير رواية محمد عبده, وهذا صحيح على الأرجح, الى أن الانجليز ساندوا شير علي, <<وبذلوا له قناطير من الذهب ففرقها في الرؤساء والعاملين لمحمد أعظم, فبيعت أمانات ونقضت عهود وجددت خيانات, وبعد حروب هائلة تغلب شير علي وانهزم محمد أعظم وابن أخيه عبدالرحمن>>, فذهب هذا الأخير الى بخارى (ثم عاد الى بلاده), وذهب محمد أعظم الى بلاد ايران, ومات بعد أشهر في مدينة نيسابور, وبقي السيد جمال الدين في كابول <<لم يمسه الأمير بسوء احتراما لعشيرته وخوف انقياد العامة عليه حمية لآل البيت النبوي>>. على ان مخاوف جمال الدين من غدر وانتقام الأمير دفعته الى مغادرة البلاد, <<فاستأذن للحج, فأذن له, على شرط أن لا يمر ببلاد ايران كي لا يلتقي فيها بمحمد أعظم, وكان لم يمت, فارتحل على طريق الهند سنة 1285هـ (1868) بعد هزيمة محمد أعظم بثلاثة أشهر>>. تلك هي رواية محمد عبده عن تجربة جمال الدين في أفغانستان, وهي تقول أشياء صحيحة وأشياء غير صحيحة, بغض النظر عن المبالغات واستعراض المناقب فيما يخص دور ومكانة جمال الدين, فهذه كانت في تلك الفترة من سمات التاريخ الفردي وكتابة التراجم والسير. يظهر من رواية عبده, كما رأينا, أن جمال الدين أقام بدون انقطاع في أفغانستان, على الأقل من عام 1862 الى عام 1868. وهذا غير صحيح. فهناك قرائن وأدلة تضمنها كتاب الوثائق الخاصة بجمال الدين, إضافة الى تقارير الاستخبارات البريطانية وعملائها, وهي كلها تسمح بالقول بأن تجربة الرجل في أفغانستان, على أهميتها, لا تتجاوز السنتين او الثلاث سنوات, ما بين عامي 1866- 1868. وهذه التجربة يكتنفها قدر من الغموض, وان كانت القرائن والأدلة تسمح بإماطة اللثام جزئيا عن بعض جوانب هذه التجربة التي كانت على الأرجح فاشلة وكئيبة, في معنى ما, وكاشفة عن عبثية المشهد السياسي الأفغاني وبقائه مسرحا خصبا للنزاع بين الروس والانجليز. هناك مثلا , في أوراق السيد جمال الدين ومفكرته الحميمة, <<وثيقة>> يشير فيها الى أنه غادر في ايلول (سبتمبر) عام 1865 مكانا يصفه بعبارة <<المكان المشر ف>>, وبأنه ذاهب لفترة قصيرة الى ايران, على أن ينتقل منها الى أفغانستان. وليس معلوما بالضبط ما المقصود باسم <<المكان المشر ف>>, ورأت باحثة ايرانية ان هذا الاسم لا ينطبق على أية مدينة في الجزيرة العربية أو في العراق, لكنه يتطابق مع اللقب المعطى لقاعة التشريفات والاستقبالات في بلاط السلطان العثماني. هل يفهم من هذا ان السيد كان قادما من اسطنبول? من الصعب الجزم بهذا الاستنتاج, وان كان الرجل لن يتردد, في أفغانستان في تسمية نفسه بالاسطنبولي حينا, والرومي حينا آخر. في كل الأحوال, نحن لا نعلم الكثير عن دوافع سفره الحقيقية الى ايران, ومن ثم الى افغانستان. نعلم, في المقابل, بحسب الوثائق, انه أمضى معظم الوقت في طهران بصحبة ابن عمه السيد هادي, وكانا ينسخان سويا بخط يدهما عددا من الرسائل الحكمية والفلسفية, احدى هذه الرسائل تحمل توقيع جمال الدين والسيد هادي مع ملحوظة كتبها هذا الأخير وتقول: <<انتهى نسخ الرسالة في 16 ذو الحجة, 1282هـ (10 نيسان 1866) في طهران. وأرجو أن يذكرني السيد جمال الدين بالخير اثناء قراءته هذه الصفحات>>. من بين الرسائل المنسوخة بخط اليد, ثمة رسالة هي عبارة عن نص للشيخ أحمد الإحسائي مؤسس الفرقة الشيخية التي أثارت جدلا ونقاشات عاصفة في أوساط الشيعة الامامية. المذكرات الحميمة التي تركها السيد حول تلك الفترة على قلّتها, تولّد الانطباع بأنه كان في حال من الاضطراب والحيرة, مأخوذا بالتصو ف ذي الطابع العرفاني, وأحيانا بكتابة الشعر الغنائي. هذه الأشعار كتبها الأفغاني خصوصا في مدينة مشهد اثر مغادرته طهران في شهر أيار (مايو) عام 1866. وهناك قصيدة من مائة بيت بعنوان <<الساقي>>, ونجد في بعض مقاطعها إشارات حول أسباب مغادرته ايران, وان كان يصعب تفسير الشعر بطريقة حرفية مباشرة. فهو يقول بأن <<الطغاة في بلاد فارس أحرقوا جسمي وروحي/ ها أنا أحزم متاعي وأرحل صوب الأرض التركية/ أرحل منهكا, حزينا وتعيسا/ أرحل كي أطلب العدل من محكمة السلطان/ واذا لم يواس السلطان قلبي الكسير/ سأرحل كي أطلب العدل من محكمة الله>>. لقد استندت باحثة ايرانية, هوما باكدمان, الى هذا المقطع الشعري كي تطرح, في صيغة تساؤل, احتمال أن يكون جمال الدين خاض في تلك الفترة تجربة سياسية- دينية مريرة ذات صلة بالمواجهات التي أحدثتها الحركة البابية في ايران والتي سحقها الشاه وبدد فلولها. لا نعتقد, بدورنا, أن الافغاني انتمى الى هذه الحركة, وان كان يعرف جيدا معتقداتها وآراءها, ناهيك عن أنه عرف والتقى أثناء اقامته في آخر حياته في اسطنبول, بعدد من البابيين, وبعدد من المعارضين الايرانيين اللاجئين الى السلطنة العثمانية فرارا من استبداد الشاه وجماعته. على أي حال, حين وصل جمال الدين الى هرات في شهر أيلول (سبتمبر) عام 1866 كان الوضع <<السياسي>> الأفغاني يتلخص في الصراع بين أولاد دوست محمد خان الأربعة: شير علي ومحمد أعظم ومحمد أسلم ومحمد أمين. وغاب عن بال الشيخ محمد عبده أن يشير الى أن محمد أعظم مني بهزيمة جعلته يلتجئ الى الانجليز والى الاقامة في الهند حتى شهر نيسان (ابريل) عام 1865, حيث عاد الى بلده وانتهز فرصة ضعف قوات أخيه شير علي, واستولى على كابول في شباط (فبراير) 1866, وعلى مدينة غزنه في الشهر التالي. وفي عام 1867 أصبح أميرا على البلاد بعد أن هزم قوات أخيه قرب قندهار, وأقام فيها حتى ايلول (سبتمبر) 1867 قبل أن يعود الى كابول في الشهر التالي. فيما يخص السيد جمال الدين, نعلم أنه وصل الى هرات وأقام فيها أربعين يوما, وهناك في هرات كتب نصا ذاتيا قصيرا يحمل توقيعا غريبا بعض الشيء: جمال الدين الحسيني, عبدالله ابن عبدالله. في هذا النص, المكتوب كما أشرنا في ايلول (سبتمبر) 1866, يقول الافغاني: بأنه بفضل الله غادر عالم العدم ودخل في الفضاء الفسيح للوجود. وقاده هذا الى ترك عالم الدعة والراحة والوقوع في عالم العذاب والغرور. ويقول أيضا بأنه كرس حياته خلال مدة من الزمن لتحصيل علوم تقليدية اضافة الى علوم نادرة وأشياء أخرى. <<هذه الدراسات لم تجلب لي سوى تبديد أيامي سدى, وإفناء حياتي الثمينة بلا جدوى وبدون طائل. اذ لم يتحصل لي أدنى علم حول البدء في الدنيا وحول المعاد في الآخرة. واستولى الندم علي عندما بلغت التاسعة عشرة من عمري. فقررت حينئذ الانطلاق بحثا عن المعارف ذلك <<ان من عرف نفسه فقد عرف رب ه>>. واضطرني هذا الى مخالطة علماء سطحيين مأخوذين بالمظاهر والرسوم, ولا يعرفون شيئا عن عالم المعاني>>. ويضيف الأفغاني انه اشتغل بجد واجتهاد, وقام بالأبحاث والتقصيات الضرورية, ولم يؤد هذا إلا الى زيادة حيرته, ومضاعفة شكوكه. ولكن <<عندما فكرت جيدا بالأمر, أدركت بأن كل طائفة (أو فرقة) لا تثق إلا بمعتقداتها, ولا تتبع إلا سجيتها, ولا تبني أدلتها وحججها إلا على قياس أفكارها وطبقا للمبادئ التي ارتضتها, وبما أن الفرضيات لا تفضي الى حقيقة أي شيء, فإن هؤلاء ظلوا أسرى الافتراضات التي وضعوها بأنفسهم والتي جعلوها حقائق ثابتة>>. ويقول الأفغاني بأنه انسحب الآن من كل هذا اللغط البشري, وانه بالرغم من صعوبات ومشقات كثيرة, أمضى خمس سنوات متنقلا بين أماكن عدة في هذا العالم, وتحادث مع رؤساء في كل دين, وعلماء في كل أمة, وحكماء في كل منطقة, ومع الرجال النافذين في كل بلد, فرأى أن هذا مأخوذ بالأحلام, وذاك بالأوهام. ووجد العالم سجين علمه, والفيلسوف يتفاخر بمعارفه, والجاهل سعيدا بجهله, والزاهد مغترا بفضائله, والفقير راضيا بفقره. <<ورأيت أن هذا العالم ليس سوى سراب ورسم غير حقيقيين. قوته زائلة, وعذاباته لا حد لها, يدس السم في الدسم, ويخفي نقمة في كل نعمة>>. وانتهى الافغاني, بحسب ما يقول, الى الابتعاد عن هذه الضوضاء الى قطع أواصره وارتباطاته. ويرى أنه <<بفضل الله وأوليائه, نجوت من عالم الظلمات ودخلت فضاء التقوى. لقد اخترت اليوم طاعة النبي ومن يتبعه>>. بعد هرات, مكث جمال الدين خمسة أيام في <<أم القرى>> وهي بلدة صغيرة في محيط قندهار, ثم انتقل الى قندهار ووصل اليها في شهر كانون الأول (ديسمبر) 1866, وأقام فيها مدة ثمانية أشهر في حي <<بازاري هرات>>. بدءا من هذا التاريخ بالذات, سوف تأتي التقارير الاستخباراتية البريطانية وترصد حركات السيد, وتواريخ هذه التقارير تتقاطع مع تلك التي حملتها أوراق جمال الدين, ومراسلاته. فهناك تقرير يؤكد بأن جمال الدين التقى في قندهار بالأمير محمد أعظم لتسليمه <<أوراقا سر ية>> حملها خصيصا . وتشير التقارير الى وجود خادم مع جمال الدين يتبعه حيثما ذهب واسمه <<أبوتراب>> وهناك تقرير آخر يصف حياة السيد وتابعه: <<جمال الدين يشرب الشاي بانتظام, ويد خن على الطريقة الفارسية, يتحد ث بطلاقة العربية والتركية ويتكل م الفارسية على طريقة الايرانيين, ويتبعه رجل فارسي آخر, يدعى أبوتراب>>. وصل جمال الدين الى كابول في تموز (يوليو) أو آب (اغسطس) من عام 1867 بصحبة الأمير محمد أعظم, ويبدو أنه لم يكن يعرف أحدا في المدينة. فطلب في رسالة الى الأمير أن يدل ه على مسكن قريب من مسكن الأمير, لأنه يفضل صحبة محمد أعظم <<على صحبة الزهور والرياض>>. وبالفعل, لب ى الأمير طلبه وأسكنه في <<بالاحسار>> في كابول, هذه الصلة الوثيقة بالأمير, أثارت فضول الانجليز, وجعلتهم يسعون الى معرفة الأهداف الحقيقية لهذا <<السيد الاسطنبولي>> الذي <<يظل على الدوام في مشاورات خاصة مع الأمير, وقد منحه هذا الأخير مبلغ 200 روبية>>. غير أن التقارير تشير الى عدم معرفتها بما يفعله بالضبط هذا السيد الذي <<يقول عنه البعض, وهذا أمر غير مستبعد, بأنه قد يكون عميلا للحكومة الروسية>>. في هذه التقارير البريطانية, يظهر السيد كما لو أنه شخصية نافذة في بلاط الأمير, وتنقل التقارير اقتراحاته بالتفصيل, ويبدو , بحسبها, ان السيد يحض الأمير على قطع علاقاته مع الانجليز, وعلى الالتفات حصرا نحو الروس. هذه الاشارة الاستخباراتية الى احتمال ان يكون جمال الدين عميلا للحكومة الروسية نجدها في نص حميم كتبه السيد في كابول عام 1868, إذ يقول بأن <<الشعب الانجليزي يحسبني من التابعية الروسية>>, ويمكننا أن نصدق استغراب السيد وحيرته حيال الشبهات الحائمة حوله, فهناك, في أوراق جمال الدين الخاصة, مذكرة مشروع مقد م الى السلطان العثماني أو أحد مقربيه, ويقوم هذا المشروع الذي لا يحمل تاريخا, على استعداد الأفغاني للذهاب والتنقل بين المدن الاسلامية في آسيا الوسطى (مثل بخارى وقرقند وتركمانستان...) لتحريضها على الوحدة أو الجامعة الاسلامية من خلال مواجهة الروس والانضواء في اطار السلطنة العثمانية. ومع أن المشروع غير مؤرخ, وصاحبه يتحدث عن تواضع شأنه ومكانته, فإن بعض عباراته تجيز الاعتقاد بأنه أعد قبل ذهاب جمال الدين الى أفغانستان, بدون أن نعلم التتمة. في كل الأحوال, يظهر أن جهود جمال الدين في أفغانستان لم تثمر شيئا يذكر. وقد جرت مراسلات بين السيد والأمير محمد أعظم, يفصح فيها الأول عن رغبته بمغادرة كابول للذهاب الى بيشاور. ويبدو أن الأمير المذكور لم يكن متحمسا لفكرة ذهاب صاحبنا, وان كان في النهاية يوافق بكل أسف ولوعة على تلبية مشيئة صاحبه. غير أن مشروع الذهاب لم يتحقق, ففي تلك الفترة بالذات كان الوضع الأفغاني آخذا في التبدل لصالح شير علي وعلى حساب محمد أعظم. فقد نجح شير علي في الاستيلاء على قندهار في حزيران (يونيو) 1868, وعلى كابول في شهر ايلول (سبتمبر) واستعاد لقبه كأمير على أفغانستان, فيما التجأ محمد أعظم الى ايران حيث مات بعد أشهر في نيسابور. ولا نعلم لماذا بقي جمال الدين في كابول, وتقر ب من الأمير الجديد شير علي. ويبدو أن هذا الأخير قبل اعتذاراته ووعده بمسكن وألبسة وبإعطائه مرتبا شهريا. هكذا أقام السيد في منزل ذو الفقار خان, لكنه كتب في 29 أيلول (سبتمبر) 1868 مقطعا حميميا يتحدث فيه عن <<البلايا والمصائب الكبيرة التي تنهش قلبه>>. ويخاطب قلبه في نص آخر, بدون تاريخ, طالبا منه أن يشكو أمره الى الله من ظلم البشر وحسدهم. ثم يتضرع الى الله قائلا: <<خلصني من أيدي الفجرة, الكفرة, فالرزايا تتكاثر, وما عاد هناك أمل, أعوذ بك من مكائد الأعداء ومن لائمة الأصدقاء>>. ويظهر أن شير علي لم يوف بوعوده, وكتب الأفغاني بضع رسائل الى الأمير والى شقيق هذا الأخير, للقول بأنه لا يريد السكن في بيوت الآخرين, وبأنه يفضل السفر في حال لم يحصل على سكن خاص به. وفي رسالة أخيرة, طلب جمال الدين من الأمير أن يتفضل باقالته, ويكفي لهذا كتابة سطرين يقول فيهما بأن فلانا أقيل من مهمته بناء على طلب الأمير. وبالفعل قرر الامير طرد السيد من أفغانستان, وأعطاه 12 تومان لتغطية كلفة السفر, وأمره بأن يتجه الى ايران عن طريق قندهار, رافضا السماح له, كما طلب, بالذهاب الى بخارى. فكرة الذهاب الى بخارى لا نجدها فحسب في التقارير البريطانية, فهي مذكورة أيضا في قصيدة كتبها جمال الدين بالفارسية ويعبر فيها عن رغبته الجارفة لزيارة بخارى. في 6 تشرين الثاني (نوفمبر) من عام 1868 غادر جمال الدين كابول بعد اقامة استمرت 11 شهرا. وتوجه الى قندهار, ومنها الى الهند, خلافا لأوامر شير علي. قبل أسبوع واحد من مغادرته أفغانستان, تحديدا في 30 تشرين الأول (اكتوبر) من عام 1868, كتب الأفغاني نصا قصيرا يلخص فيه حال القلق والحيرة القصوى التي يتخبط فيها, وبنبرة مأساوية غير مألوفة في الأدبيات الاسلامية. انها مأساة الانسان المسلم المسترشد بعقله والساعي الى اعلاء شأن فرديته وسط بحر العصبيات الصاخبة وأطر الانتماء الجاهزة والموروثة. في هذا النص يقول جمال الدين بأن الله وحده يعلم ما في القلوب, ويخاطب <<أولئك الذين هم أعز علي من نفسي>> ليعلمهم بأن <<الشعب الانجليزي يظنني من التابعية الروسية. المسلمون يحسبونني مسيحيا. السنيون يسمونني شيعيا . بعض أتباع الأربعة الكبار (نرجح أن يكون المقصود بذلك مؤسس المذاهب الفقهية السنية الأربعة, وليس الخلفاء الراشدين كما استنتجت الباحثة الايرانية هوما باكدمان التي نشرت بالفرنسية قسما كبيرا من الوثائق والأوراق والتقارير) يخمنون بأنني وهابي. بعض أتباع الأئمة يعتبرونني بابيا . المؤمنون بالله ينعتونني بالدهرية (المادية), ويتهمني الزاهدون بالفساد, والعلماء الكبار يصفونني بأنني جاهل وظلامي, ويتهمني المؤمنون العاكفون بالالحاد. لا الوثني يدعوني إليه, ولا يعتبرني المسلم من ذويه, المسجد يرفضني. والمعبد ينبذني. وقد بقيت حائرا , ما عدت أعرف مع من أعقد روابط المودة, ولا ضد من أكافح. ترك البعض يستوجب الانتساب الى البعض الآخر. التوافق مع جماعة يستلزم دحض جماعة أخرى. لا مخرج لي كي أتوصل الى النجاة, ولا ملاذ لي كي أقوى على محاربتهم. ها أنا جالس في <<بالاحسار>> في كابول, مكب ل اليدين ومكسور الساق, أنتظر ما سيتكشف عنه حجاب الغيب, وما سيقضي به علي هذا العالم الخبيث>>. على قفا الصفحة, وبعد بضع عبارات موزونة (بالفارسية) نجد التوقيع التالي: غريب في هذه المدن, منفي من الاوطان. جمال الدين الحسيني الاسطنبولي. الرجل الذي سيطلق على نفسه لاحقا, في اسطنبول وفي القاهرة وفي باريس ولندن, اسم الأفغاني (وللتذكير نشير أن مجلة العروة الوثقى كانت تحمل التعريف التالي: مدير السياسة, جمال الدين الحسيني الأفغاني), ترك أيضا في أوراقه نصا آخر لا يرحم فيه أي فئة من فئات البلد الأفغاني, خصوصا كبار القوم. هذا النص الذي كتبه جمال الدين أثناء اقامته في افغانستان هو عبارة عن رسالة إلى جهة غير معروفة, والرسالة بمثابة ملخص عن أحوال الشعب الأفغاني. في هذه الرسالة القصيرة المليئة بالاستشهادات والعبارات القرآنية, يرى جمال الدين ان مثل زعماء ورؤساء هذا البلد, أي أفغانستان, كمثل أحبار ورؤساء اليهود الذين اتخذهم اتباعهم <<اربابا من دون الله>>. فالمؤمنون يطلبون مشورتهم, ونصيحتهم في كل شيء, حتى في أقل الأمور, ويعتبرونهم مصدر خيراتهم, بل حتى مصدر وسبب الموت والحياة, وسبب الحظوة والشقاء والعظمة. والرؤساء يظنون بالفعل بأنهم يمتلكون قدرة تعادل قدرة الله, فيروحون تبعا لارادتهم الفاسدة وآرائهم السفيهة, يوزعون الممتلكات كما يحلو لهم, فيعطون أرضا لفلان وينزعون أرضا من فلان, غير أن الذين يحسبون أنفسهم أولياء من دون الله, ألا هم الخاسرون>>, وفي هذه البلاد, يضيف جمال الدين, مثل الجهلة الزاعمين انهم علماء, ومثل الزاعمين طلب العلم كمثل الخمر والميسر (في القرآن). فإذا كان صحيحا أن دروس هؤلاء العلماء تنطوي على بعض المنافع عندما يتناولون شؤون الصلاة والصوم, فإن <<إثمهما أكبر من نفعهما>>. ذلك أن هؤلاء العلماء يجيزون لأنفسهم ادخال تعديلات وتبديلات في أحكام الشرع كما يروق لهم, وبحسب أهوائهم, ويتهمون بالهرطقة والكفر كل الذين يجرؤون على إبداء آراء مخالفة لهم. ومثل القادة العسكريين والموظفين والضباط في هذا البلد (أفغانستان) كمثل <<حمالة الحطب..>> في قبيلة قريش. فهم لا يقد مون ولا يؤخرون شيئا. ويعوزهم الذكاء كي يحلوا المشكلات الصعبة. وليسوا شجعانا وأصحاب مروءة بحيث يقتحموا المعارك شاهرين سيوفهم. مواصفات المشهد الأفغاني, المضطرب والكئيب والغارق في رمال عصيانه الكثيرة والمتحركة, لا تتبدى فحسب من خلال الوثائق والأوراق المتعلقة بالتجربة التي خاضها مباشرة السيد جمال الدين, آملا على الأرجح في إشعال الحرب بين الروس والانجليز لانهاكهما وللجم سلطانهما التوسعي المتزايد في البلدان الاسلامية, بل نجدها أيضا في كتاب كتبه جمال الدين مباشرة بالعربية وظل مجهولا لفترة طويلة جدا . الكتاب صدر في مصر عام 1879, قبل أشهر من طرد الرجل, وأعلنت عنه جريدة <<مصر>> التي كان يشرف عليها أديب اسحق وسليم النقاش وهما من تلامذة ومريدي جمال الدين. غير ان نسخ الطبعة الأولى فقدت, وهناك إشارات في هذا المعنى يذكرها أبوتراب <<في رسالة الى سيده جمال الدين. ثم قام علي يوسف الكريدلي صاحب ومحرر جريدة <<العلم العثماني>> وأصدر الكتاب عام 1901, في طبعة ثانية في عنوان <<تتمة البيان في تاريخ الأفغان>>. ومن غرائب الأمور بالفعل أن الباحث المصري محمد عمارة, محقق وناشر ما يسمى بالأعمال الكاملة للأفغاني, قرر طوعا اسقاط الكتاب بدعوى أن <<نشره لا يفيدنا (يقصد نحن العرب) في شيء, لأنه حديث موجز عن تاريخ الأفغان... وهو لا يفيد سوى الباحث المتخصص في تاريخ هذه البلاد>>. هكذا أسقط السيد عمارة عن سابق تصور وتصميم, الخائض في <<تحقيق علمي>> لأعمال الأفغاني, ما يسميه حديثا موجزا عن تاريخ الافغان هو في الحقيقة كتاب يقع في 581 صفحة. ومن حسن الحظ ان الباحث المصري علي شلش, الراحل منذ عشرة أعوام تقريبا, أعاد نشر الكتاب في اطار سلسلة الأعمال المجهولة لجمال الدين الأفغاني الصادرة عام 7891 في لندن لدى دار <<رياض الريس للكتب والنشر>>. الكتاب الذي ننشر مقاطع منه يتوزع على أربعة فصول وخاتمة. الفصلان الأول والثاني, وهما قصيران جدا, يتناولان اسم هذه الامة (الأفغانية) ونسبها. اما الفصل الثالث وهو القسم الأكبر من الكتاب فهو عبارة عن نوع من التاريخ السياسي لأفغانستان حتى عام 1879 تقريبا. والتاريخ السياسي هذا هو رصد متسلسل زمنيا للانقلابات والحروب التي لا تتوقف, بحيث يتولد الانطباع بأنه من النادر أن يموت أمير في هذه البلاد ميتة طبيعية: بلد القسوة والنزاعات والمكائد. ويبدو ان الافغاني استعان بمقالات كتبها بعض المؤرخين الفرنسيين عن أفغانستان حتى منتصف القرن التاسع عشر. فأوراق السيد تضمنت تلخيصا بالعربية لمقالة كتبها الباحث الفرنسي جان لوموان. كما ان السيد نفسه يشير في بداية كتابه, وفي حديثه عن نسب الأمة الأفغانية الى أن اللغة الأفغانية مأخوذة من اللسان الفارسي القديم (اندواستا), والى أن متأخري المؤرخين مثل فرنسيس لنورمان وغيره يؤيدون هذا الرأي. من كتاب <<تتمة البيان في تاريخ الأفغان>> هنا مقطع من كتاب <<تتمة البيان في تاريخ الأفغان>> للسيد جمال الدين الأفغاني, والمقطع منتخب من الفصل الرابع ذي الطابع الاناسي الوصفي, وهو بعنوان: <<في بيان الشعوب المختلفة الساكنة في الأقطار المعبر عنها باسم افغانستان, وأخلاقهم وعاداتهم ومذاهبهم, وفي إيضاح كيفية الحكومة في تلك البلاد>>. وقد أرتأينا نشر المقطع بحرفيته, وان كانت استخداماته للعربية تبدو أحيانا غريبة. إن أعظم الشعوب المستوطنة لتلك الأقطار وأكثرها ع دا هو الجنس الأفغاني, ومقره جنوب البلاد والشرق الجنوبي منها, والخلق الغالب في هذا الجنس هو الحقد والضغينة والتشوق للانتقام, واقتحام المحاربات, والتهور في المخاصمات والمنازعات لأدنى الأسباب, وان صورهم الظاهرة تحكي عن خليقتهم هذه, وتنبئ عنها. فان وجوههم على الدوام عابسة. وقل ما يوجد بينهم البشوش, وان كان يظهر في بعض معاملاتهم الحلم والتؤدة, وكذلك خشونة لغتهم, وغلظ أصواتهم, يدلان على هذه الخليقة, وعلى الفظاظة وغلظ الطباع. ولهم ميل عظيم للنهب والسلب, وشن الغارات, وإثارة الفتن. وبما ارتكز في طباعهم من الشجاعة والاقدام والميل الطبيعي الى المحاربة أرشدتهم الطبيعة من قرون الى ترتيب نظامهم العسكري على هيئة تقرب من النظام الموجود في هذه الازمان. (...). ولأفراد العساكر الافغانية من الطاعة والانقياد لرؤسائهم ما لا يوجد في عساكر ملك من ملوك البلاد المتمدنة, حتى أنهم عند تفر قهم في البادية, وتشتتهم بحيث لا يكون فرد منهم مع الآخر لو سمعوا نداء مناد يدعوهم الى ضابط أو رئيس من رؤسائهم, لهرعوا مهرولين جميعا لإجابته, والاجتماع حيث يأمرهم, (...), ولحسن طاعتهم اذا فتحوا بلدا , وأمرهم أمراؤهم بعدم التعرض لأهاليها, لا يقع منهم أدنى شيء يخل بالراحة, حتى لو مر ت عليهم النساء مكللات بأكاليل الذهب لا يلتفتون إليهن. واتفق انه وقع نزاع في أصفهان بين طائفتين من الافغانيين في أول جلوس أشرف على كرسي السلطنة, وعظم الخلاف بينهما حتى اقتتلتا فقفل أرباب الحوانيت حوانيتهم خوفا من حصول الهرج والمرج, فجاء الأمر من أشرف بفتح الحوانيت معلنا <<إن من يصيبه خسارة فأنا الكفيل بتعويضها>>, وامتد القتال أياما ولم يحصل أدنى ضرر للأهالي من المقاتلين. ولجميع رجالهم تدرب تام في الطعن بالرماح والضرب بالسيوف. ولهم خفة ونشاط في ركوب الخيل. وفي الازمنة الأخيرة صارت لهم الدربة في اطلاق الرصاص أيضا . ومن زمن الامير دوست محمد خان شرعوا في ترتيب العسكرية على النظامات الجديدة. وقد برعوا فيها عملا لا علما , وبلغ عدد عساكرهم المنتظمة ستين ألفا . وان كثيرا منهم وان كانوا قد مالوا الى الاقامة في المدن والقرى كأهالي قندهار وقزنة وجلال أباد وغيرها, إلا أنهم كبقية إخوانهم الذين لم يزالوا في الخشونة حيث لم يأخذوا جانب الترف والرفاهية, بل يسلكون في تعيشهم طرق التخشن والتقشف, ويقنعون من اللذات باليسير حتى انهم يأكلون الضأن بجلده. فإنهم بعد ما يذبحونه يحرقون صوفه ثم يجففونه ويدخرونه للأكل. ولا يتناولون الأطعمة بالملاعق, ولا يضعون أواني الطعام على الخوان, بل يأكلون على الأرض بأيديهم, وليس لهم عناية بتنظيف ألبستهم وأبدانهم, ولا يهتمون بنظافة مساكنهم وحجراتهم, وتطهير مدنهم من الأوساخ, ولذلك ترى المدن المسكونة بالكثير منهم لا تخلو من الأوساخ والقاذورات. وكثيرا ما تكون جيف الحيوانات في معسكرهم, ولا يعتنون بإبعادها من بينهم. وغالب الجبليين, وأهل القرى منهم, إذا أكل لا يغسل يديه بل يمسحها في لحيته أو مداسه. وبعض منهم إذا لبس لباسا جديدا يلطخ بعضه بالسمن خصوصا عاتقيه إظهارا لتأصله في الغنى وعدم مبالاته بالجديد, وإراءة لسمنه. وجميعهم سواء كانوا من سكان الأخبية أو البوادي يلبسون من الألبسة خشنها.(...) وغالب الافغانيين يعت مون بعمامة زرقاء. وأما السردارون والعظماء فغالبا يعت مون بشيلان الكشمير ألوانا. وسكان البلاد الحار ة يحتذون النعال, ويتخذون صدريات ويلبسون أقمصة تنتهي الى نصف الساق واسعة الأكمام. وغالبهم يتحزم بأحزمة عريضة تشغل ما تحت الصدر الى الفخذين. وغالب القبائل لا يحلقون رؤوسهم, وبعضهم يتخذون ضفيرة طويلة من شعورهم. وأما نساؤهم فإنهن يلبسن ألبسة طويلة, ويتمنطقن بمناطق تقرب من الثدي حتى يرى بارزا . وغالب نساء القبائل الساكنة في الجبال يقطعن شعور أذناب الخيول ويصلنها بشعورهن. ونساء قبيلة الغلجائي يحبكن شعور نواصيهن, ويشكلنها بشكل قرص, ثم يسدلنه على الجبهة, فيمتد الى الصدغين في العرض, ويستر الأنف طولا , كأنما هو برقع مستدير. ويعلقن في آذانهن حلقات غليظة ثقيلة من الفضة والحديد والنحاس والبلور. وأمراء الأفغان لا يجلسون على المنصات والكراسي, بل يفرشون مجالسهم بالأنماط والنمارق الفارسية, وليس لهم من الأبهة والعظمة ما لغيرهم من الأمراء, ولا يستنكفون من تناول الطعام مع خدمهم والأصاغر من الناس. والجبليون منهم, وأهل البادية, يحترفون رعي المواشي والأنعام, ويتعيشون منها, وقليل من الزراعة, وقلما يوجد منهم التاجر إلا في قبيلة <<لوهاتي>> من الجبليين.(...). وأما سكان المدن والقرى فيشتغلون بالزراعة وغرس الأشجار وإنشاء البساتين والرياض. وقل ما يوجد فيهم أرباب الصناعة كالحدادة والنجارة والحياكة وما يشبهها. ولا يشتغل منهم بالتجارة غالبا إلا أهالي قندهار, فإن لهم حرصا على التجارة, وغالب تجارهم من طلبة العلم. وليس للأفغانيين دراية كافية بكيفية ادارة الحكومة, وضبط الدفاتر, وما يشبه ذلك. ولهذا تجد جميع هذه الأمور بأيدي طائفة <<قزل باش>> الذين هم بقايا عساكر نادر شاه. ولا يجو زون بيع الأسرار, وان كانوا غير مسلمين, ويكرمون الغرباء, وابناء السبيل, ويستقبحون غالبا السرقة, وان كانوا يتفاخرون بالنهب والغارة, وغير خاف ان الفرق بين السرقة والنهب هو الفرق بين القوة والضعف. والمنكرات التي هي نتائج الترف والتر فه قليلة الوجود فيهم لتمكن أخلاق البداوة منهم, ولا يخلو غالبهم من خلة الطمع لتسلط الفقر عليهم. وإن نساء الأفغانيين الساكنات في المدن يسترن وجوههن بخلاف نساء القرى والبوادي, فانهن مكشوفات الوجوه, ويختلطن مع الرجال, وتأخذ كل منهن يد رجل, ويرقصن في الأفراح على هيئة دائرة. وتارة يرقص الرجال منفردين على هذه الهيئة في الأعياد والأفراح, ويسمى هذا الرقص لديهم (عتن).(...) وجميع الأفغانيين سن يون متمذهبون بمذهب أبي حنيفة. لا يتساهلون رجالا ونساء, وحضريين وبدويين, في الصلاة والصوم سوى طائفة (نوري) فانهم متوغلون في التشي ع, ولهم محاربات شديدة مع جيرانهم السنيين, ولا يبالون بالصلاة والصوم, وإنما يهتمون بأمر مأتم الحسين (رضي الله عنه) في العشر الأول من محر م ويضربون ظهورهم وأكتافهم بالسلاسل مكشوفة. ويوجد في بعض قبائل (كاكر) بقايا من الطريقة المزدكية, وان كانوا على دين الاسلام. (...) والأفغانيون مع شدة تعصبهم للدين, والمذهب, والجنس, لا يعارضون غيرهم في حقوقهم, ولا يتحاشون عن أن يروا شيعيا, أو غير مسلم, يقيم مراسم دينه, ولا يمنعون المستحقين منهما من نيل المراتب العالية في حكومتهم, فإنك ترى أرباب المناصب في البلاد الافغانية من الشيعيين (القزل باش). وكل أفغاني يزعم انه أشرف الناس لكونه أفغانيا , ولو كان فقيرا , وانه لا يوجد الايمان الكامل والاسلام الخالص إلا في جنس الافغان والعرب. وكل قبيلة اذا أرادت أن تبرم أمرا فلابد أن يجتمع أمراؤها للمشورة. وتسمى هذه الجمعية عندهم بجركه. واذا قتل أحد من قبيلة أحدا من قبيلة أخرى فكل فرد من أفراد قبيلة المقتول يرى انه من الواجب عليه أن يجتهد لأخذ الثأر بقتل رجل, من قبيلة القاتل, ولا يقتنعون بقصاص الحاكم, ولا يتجاوزون عن ذلك, ولو مضت عليه أعوام إلا أن يستجير بهم القاتل. وهكذا تكون الحال إذا قتل أحد من عائلة أحدا من أخرى. والأفغانيون يحمون الدخيل, ويعينون الملتجئ إليهم بدمائهم وأموالهم, وأهل الحضارة والبداوة منهم يتسلحون غالبا بسيوف صغيرة تسمى <<سيلاوه>> و<<نوره>> وبخناجر مستقيمة, وبآلات نارية كالبنادق, والطبنجات, وغالب بنادق أهل الجبال بالفتيل. ولا تنقطع المحاربات بين القبائل والعائلات. وقد وقع كثيرا ان الابن قتل أباه, والأخ قتل أخاه, ولا ينعقد الصلح بين القبيلتين المتحاربتين إلا بالمصاهرة. وغالب سكان الجبال والأودية لا ينقادون للأمير إلا بقوة جبرية, وينتهزون الفرصة دائما لرفع الضرائب الأميرية عن عواتقهم.(...) وقلما يوجد البصل عند بعض القبائل كقبيلة <<يوسف زائي>> و<<أجيك زائي>> فتجدهم إذا رأوا أجنبيا يتملقون ويتذللون له قائلين <<عندنا مريض فنرجوك أن تتفضل عليه ببصلة عسى ان يكون شفاؤه فيها>>. وان قبيلة <<أجيك زائي>> كثيرا ما يتعرضون للقوافل ارادة النهب, ويسد ون طريقها, ويقابلونها بالأسلحة النارية والآلات الحادة, فإذا لم يمكنهم الغلبة عليها صالحوها بأقة أو اقتين من البصل. واتفق ان محمد أعظم خان بعدما ترك البلاد الهندية وفد على قبيلة يوسف زائي, ونزل في خيمة خانها فقام الخان مسرعا وعلى وجهه لوائح الفرح واذا به قد م للأمير بصلة. وكل الافغانيين يعتقدون بقبور الأولياء, ويذهبون لزيارتها, ويذبحون الذبائح لديها. وبعضهم تغالى في اعتقاده بها, حتى ان رجلا من قبيلة الأفزيدي المشهورة بالسلب والنهب لقي شخصا فأراد أن يسلبه. فاستجار بالله وبالرسول, فلم يتركه ثم استجار بتربة شيخ يسمى <<منلايار محمد>> فاضطرب ذلك الرجل خوفا . وقال <<جل جلاله أوقعتني في الكفر>> وترك سبيله.(...) (...) وللعلماء في تلك البلاد شأن عظيم وسلطة تامة ونفوذ كلمة بين الأهالي, بحيث يخشاهم الكبراء والعظماء والأمراء حيث ان قلوب العوام في قبضتهم. ولهم ان يثيروا الشعب على أي أمير أو كبير متى شاؤوا. والكثير منهم يستنكف من ملاقاة الأمراء ويتنزه عن قبول هداياهم وان كان يقبل هدايا غيرهم من الناس. ويستكبر عن زيارة رجال الحكومة حتى إن أمير البلد لو زار أحدهم لا يرى من نفسه أن يتنازل لمقابلة زيارته بزيارة مثلها. وبسبب سلطتهم هذه قد يصدر عنهم أعمال مضر ة يأباها الشرع والعقل. إذ يحكمون بكفر بعض الأشخاص او بفسقه إذا رأوا منه ما يخالف أهواءهم. بل قد يكفر بعضهم بعضا حبا للانفراد بالرئاسة. ومنهم من يتفرد بالحكم في بعض أضلاع البلاد الأفغانية, ويتمتع بضلعه, ويحامي عن حوزته, ويدفع من يهاجمه من جيرانه, ويهجم في بعض الأوقات عليهم محتجا في كل ذلك بالأدلة الدينية. ومن هؤلاء عبدالغفور المشهور (بأخند صوات) الذي كان متسلطا على (صوات) و(بنير). وكان معتقدا في جميع البلاد الأفغانية على العموم بل وفي بلاد الهند وبخارى. وكان فقيها , زاهدا , متقشفا , مخشوشنا في معيشته, يتعيش من الذرة والدخن الجبليين, وألبان ماعز لا ترعى إلا أعشابا جبلية. وكان عنده على الدوام عدد وافر من المريدين, وكثيرا ما شن الغارة على الانجليز, وانتصر عليهم. وكان ينشر في البلاد منشورات يدعو بها أهلها الى الجهاد فيجتمع إليه ألوف من الناس. وهذا الشيخ <<اخند صوات>> كان اذا وفد اليه الزائرون وأبناء السبيل يقربهم على حسب أحوالهم, وما منحهم الله في بلادهم من جاه وثروة أو ضعة وفقر. وكان يقدم الى الأمير ما يليق به, والى الفقير الرائب والبصل والخبز اليابس وكان اذا سمع أن شيخا قد ارتفع صيته في البلاد, أو جلس مجلس الارشاد بادر بالحكم عليه بالتوهب, حتى تنفر منه القلوب, وتنزل درجته من اعتبار العامة. وقد قتل بعض المشايخ بسبب حكمه هذا, وأشهر بعضهم على أشنع هيئة وأقبح صورة. وجميع علماء الافغان يحرمون شرب التبغ بجميع أنواعه كعلماء بخارى, ولكنهم لا يتعرضون لمنع العامة عنه إلا <<أخند صوات>> فإنه كان يرسل من لدنه الرسل والمبعوثين الى البلاد الافغانية ليمنعوا الناس من شرب الدخان, ويكسروا الشبقات والارجيلات اذا ظفروا بها, ويحرمون أكل ذبيحة الشيعيين, مع انهم يحللون أكل ذبائح اليهود والنصارى, زاعمين ان الشيعة قد ارتدوا, والمرتد لا تؤكل ذبيحته بخلاف أهل الكتاب.(...) ولطلبة العلم لما يرون من احترام العامة لهم بعض تعد على الناس حتى ان طلاب (نكنهار) يتحزبون ويتسلحون بالقرابينات, ويهجمون على أهل القرى, اذا رأوا أدنى إهانة منهم لأحدهم, ولا ينتهون عن التطاول, إلا أن يقدم الأهالي كفارة عما فرطوا في جانبهم. وكثير من طلاب تلك النواحي لا يبالون بالصلاة والصوم.(...). واللغة الأفغانية في غاية الخشونة, وحروفها الهجائية أكثر عددا من حروف اللغة الفارسية. وأحسن من يتكلم بها أهل مدينة قندهار, وتوجد مؤلفات قليلة بهذه اللغة نظما ونثرا . ومن الشعوب الموجودة في البلاد الأفغانية شعب يقال له (تاجيك) ومنه غالبا سكان مدينة هرات وضواحيها, ومدينة كابل والقرى الواقعة بينها وبين بلخ, وكذلك أهل مدينة قزنة وبعض القرى المجاورة لها, ولقمان وقصبة لقمان, وبعض قرى قندهار. ومنه أيضا غالب سكان المدن البلخية. وهذا الشعب ذو جد واجتهاد وله حرص على تعاطي الحرف والصنائع كالحياكة والنجارة والحدادة والبناء, وغيرها, وعلى معرفة فن الزراعة وتربية الاشجار والكروم, وله عناية بالتجارة. والساكنون منه في قوهستان كابل قد طبعوا على الشر والفساد وحب القتال وسفك الدماء, فترى الحرب قائمة فيما بينهم أبدا لا تخلو منها قرية مع أخرى, ولا بيت مع آخر, ومن ثم تجد رجالهم غالبا قد اتخذوا لهم بروجا يقيمون بها بأسلحتهم خوفا من الغارات. وبالجملة ان هذا الشعب أحسن حالا من الافغانيين. فانه أدرى منهم بالادارة المنزلية, وأنظم في زيه وملبسه. ويمتاز عنهم بمراعاة النظافة, بل يفوقهم دراية وإدراكا, وفهما وذكاء. غير انه قلما يوجد فيه عالم او من يميل الى تحصيل العلوم على خلاف الافغانيين. ومما اشتهر به سكان القرى من هذا الشعب اصابة المرمى. فهيهات ان تخطئ رصاصة احدهم الغرض.(...) وجل هذا الشعب سني على مذهب أبي حنيفة. ولا يوجد في هذا الشعب عصبية كما لا يوجد فيه أمراء. وغالبهم بيض الوجوه ويعتمون بعمامة, الافغانيين نوعا. ومن الشعوب أيضا شعب (هزاره) ويسكن هذا الشعب في الجبال الواقعة في شمال قزنة الممتدة الى شمال هرات. وأصله من الجنس المغولي كما يؤخذ من سيماهم. فإن بعيونهم ضيقا مع ميل لحاظها نحو الرأس. ولحاهم غالبا ليست إلا بعض شعرات نابتة في أذقانهم. وبالجملة فان تركيب وجوههم يشبه تركيب وجوه الصينيين والتتر الأصليين.(...) وهذه القبيلة لم تزل على الخشونة والتوحش, عريقة في البداوة الى الغاية, على انها تحسن صنع صنف من الجوخ يقال له (برك) وهو أجود أصنافه, وقلما يصنع نظيره في أوروبا. (...) وهذه القبيلة على مذهب الشيعة إلا فصيلة <<شيخ علي>> و<<الجمشيدي>> لكنها ليست على شيء من هذا المذهب إلا بغض الخلفاء ومحبة علي, واقامة مأتمه في عاشوراء, بضرب السلاسل على الصدور والظهور. ولا يتقي آحاد هذه القبيلة اظهار مذهبهم, مع أن التقية من واجبات مذهب الشيعة(...) (...) ومن الشعوب قبيلتا ازبك وتركمان, وهما من أصل تتري يتكلمون الآن باللغة التركية. والقبيلة الأولى تسكن في اقطار بلخ, والثانية في الأراضي الواقعة بين مدينتي ميمنة وهرات, وكلهم سن يون على مذهب ابي حنيفة.(...) وبالجملة ان هاتين القبيلتين موصوفتان بالظلم والشر خصوصا الاخيرة (التركمان). غير أن عددها قليل في البلاد الافغانية. ومن الطوائف الموجودة في البلاد الافغانية طائفة الشرفاء (أولاد علي بن ابي طالب رضي الله عنه) ويلقبون في تلك البلاد بالسيد. وبعض من هذه الطائفة يسكن في <<بشنك>> من نواحي قندهار, وبعض منها يسكن في ولاية <<كنر>> الواقعة قرب جلال أباد. ولم يخل شرفاء كنر من الكبراء والعظماء من معهد <<بابرشاه>> الى يومنا هذا. وللافغانيين عموما مزيد اعتقاد بهذه الطائفة. واما عاداتهم وملابسهم فتماثل عادات الأفغانيين واخلاقهم وملابسهم. ومن سكان بلاد الافغان, ايضا طائفة <<قزل باش>> وهو لفظ تركي ومعناه أحمر الرأس. وقد لقب بهذا اللقب جميع العساكر الصفوية الشيعيين, لأنهم كانوا يعتمون بأمر السلاطين الصفوية بعمائم حمراء, وجلها يسكن في كابل, والباقي منها يستوطن في قزنة وقندهار. وأصل هذه الطائفة من البلاد الايرانية, وقد أتى بهم نادر شاه الى هذه البلاد. ولهم حذق في الآداب والصنائع والأعمال الديوانية. ومن أجل هذا ترى ان المتوظفين في الادارة الملكية الافغانية منهم. وغالب الامراء يختارونهم لتربية أولادهم, ولتعليمهم الأدب والشعر. ويمتازون بالذكاء والفطنة والنظافة عن بقية سكان البلاد الافغانية, ويتصفون بالشجاعة والاقدام, وكلهم على مذهب الشيعة, يقيمون مآتم للحسين ابن علي ابن ابي طالب في العشر الأول من شهر محرم.(...) وأما كيفية حكومة الافغانيين: فالحكومة الافغانية حكومة استبدادية مطلقة, ولكن لها نوع مشابهة بالحكومة الشوروية لأنها لا يمكن ابرام أمر مهم فيها الا بمشاورة رؤساء القبائل.(...) ولا يوجد للحكومة الافغانية قانون سياسي, وإنما الحل والعقد, وفصل القضايا, وتعيين الجزاء, وتحديد العقاب, وضرب الجزية (أي الجزاء النقدي) , والحبس, والضرب, والطرد, موكول برأي الأمير. وسائر الولاة يفعلون على حسب ما يتراءى لهم (ولا شك ان هذه الطريقة لا تخلو من الغدر والظلم في كثير من الاحيان) غير أن العقاب بالمثلة, وقطع اليد والرجل, قلما يقع في تلك البلاد. وأما القتل سياسة فلا يقدم عليه الأمير جهارا إلا اذا اتفقت معه آراء كبراء قبيلة من أراد الأمير قتله خوف الفساد وخشية التعصب واثارة الفتنة. نعم, ان الامير كثيرا ما يفعل بعظماء عائلته أفعالا شنيعة كالقتل والسمل وغيرهما من الفظائع لمن لا يناصرهم, ويأخذ بثأرهم.(...) ولعدم معرفة الحكومة الافغانية بواجباتها وعدم وجود قانون يجبرها على موجبات الاصلاح تراها غير مهتمة بتأمين السبيل وإصلاح الطرق ومنع قطاع الطريق وحفظ القوافل ووقاية السابلة. حتى ان القافلة اذا أرادت أن تذهب من بلد الى بلد فلا يمكنها ما لم تكن مؤلفة من مائتين متسلحين بالسيوف والبنادق, كأنهم جيوش حربية مستعدون للطعن والنزال, لا للبيع والشراء. ولأجل هذا قل ت التجارة في تلك البلاد وصار سوقها كاسدا .(...). |
|||||
|
|||||