واقع الثقافة في فلسطين

 

المتوكل طه


الثقافة بدعامَتَيها المادية والروحية هي في محصلة الأمر تلك المعايير التي نجابه بها الجديد والطارئ والغريب, بمعنى أن الثقافة تعطينا الميزان الذي نقيس به الصواب والخطأ, الأخلاقي وغير الأخلاقي, النافع والضار.

هذا الميزان المنصوب دائما  أمام أعيننا لا يصوغه نتاج النخبة, ولا معايير أخرى مستوردة, ولا معايير مفروضة, ولا ما يستحسنه البشر. هذا الميزان هو ما يعكس روح الجماعة أو خيارها الجمعي أو ما راكمه نشاط تلك الجماعة في مكانها وزمانها, وعلاقاتها, بعضها ببعض, أو علاقاتها بغيرها من الجماعات, مضافا  إلى ذلك ما يمنحه أو يفرضه أو يقبله أو يرفضه الدين. الدين نزعة حقيقية لكل جماعة, الغريزة الدينية أو الدافعية الدينية هي أحد الدوافع التي تم السكوت عنها في أبحاث السسيولوجيين والمفكرين في خضم ثلاثة قرون من الفكر الغربي الذي استبعد كل ما لا يدخل المختبر أو يقيسه الباروميتر.

الثقافة إذا , بدعامتيها الروحية والمادية, هي الأنماط الذهنية والوجدانية والسلوكية التي تم تثبيتها خلال الزمن, فصارت إلى حد   ما مطلقة, نهائية, مقدّسة, صارت جزءا  من التكوين الروحي والنفسي والتعريف الكلي للوجود وهدفه وأسلوب ممارسة ذلك الوجود وشكله. وكلما كانت تلك الأنماط الثقافية داخلية  كانت عصيّة على التغيير أو التغير أو المناقشة أو إعادة المناقشة, ولهذا يمكن للمرء أن يغير ملابسه أو أدوات منزله, ولكن من الصعب عليه أن يغير معتقدا  يؤمن به.

نقول هذا الكلام لنخلص إلى القول: إن الثقافة بمفهومها الواسع, الحضاري المدني, التاريخي العريض, هي الهوية الحقيقية للمرء وللجماعة, يواجه  بها المعضلات, وتُتقى بها الأزمات. وكلما كانت هذه الثقافة واسعة, مرنة, ذات منظور عميق وممتد, وتملك إجابات وردودا  كافية ومقنعة وذات تأثير, استطاعت هذه الثقافة الصمود والمقاومة والصعود.

قوة الثقافة, أية ثقافة, تكمن في قدرتها على المجابهة من جهة, وقدرتها على الحوار وتقديم الإجابات والردود, وسرعة استجابتها للجديد والطارئ والغريب. الثقافة التي ماتت كانت متحجرة, مغلقة, لم تستطع أن تفهم أو ت درك ما يدور خارجها. ولن ندخل الآن في جدل عقيم حول اندغام الحضارات وتأثيرها, بعضها على البعض الآخر, فإننا قد نميل إلى حديّة شبنجلر الذي أنكر هذا تماما , وهناك حضارة تسود, وهناك حضارة تموت, والحضارات المتجاورة تتصارع فيما بينها أكثر مما تتبادل المنافع, وللدقة أكثر, هناك حضارة قوية ذات إشعاع, وهناك حضارة أقل قوة تستقبل الإشعاع. القوي يفرض أو يحاول فرض أسلوب قوته ولغة قوته وفن قوته. كان هيجل تعبيرا  عن قوة نابليون, وكان داروين تعبيرا  عن استعمارية حكومة جلالتها (ملكة بريطانيا), تماما  كما هو كان رامبو السينمائي سلفستر ستالوني تعبيرا  عن فظاظة الإمبريالية وشراستها, كما كان ابن عربي تعبيرا  عن وصول <<التأويلية>> في الإسلام إلى الدرجة الأخيرة في سلم الحفر تحت معنى الألوهية, ولهذا فإن قوة الثقافة تدفعها إلى فرض رموزها وتعميقها بالإقناع والحوار, كما فعلت الحضارة العربية الإسلامية, أو بالجبر والإكراه, كما فعلت الحضارات الأخرى.

هذا الكلام النظري لا يعفينا من السؤال: ما هي مقومات ثقافتنا?! هل يمكن الكلام عن ثقافة خاصة بنا?! هل هناك وحدة مصطلح ووحدة مفهوم لهذه الثقافة?! هل يمكن الحديث عن ثقافة متعددة إلى ثقافة واحدة?! وأخيرا  هل هناك ثقافة عربية إسلامية يتفق عليها الجميع?! وفي فلسطين.. ما هي الدوافع الثقافية التي تدفعنا إلى البقاء والصمود والمقاومة?! هذه الأسئلة لا نندفع إليها بفعل هزيمة النظام العربي فقط, فقد ط رحت هذه الأسئلة, أيضا , في أوج قوة الحضارة العربية الإسلامية, ذلك أن الحضارات القوية تطرح أسئلتها دائما , ودائما  هي مستثارة, ودائما  هي محرضة, قادرة على مناقشة ذاتها. هذا هو قدر الحضارات العظيمة, وإذا توقفت أية ثقافة عن طرح الأسئلة فإنها تموت عمليا.

الأسئلة الآنفة الذكر, نطرحها الآن, لأن هناك شرذمة حقيقية في تعريف الوجهة الحضارية للمجتمعات العربية والشعوب الإسلامية, هناك إسلام متعدد, وهناك عروبة متعددة, وهناك تجارب علمانية مختلفة كل الاختلاف, وهناك تجارب إسلامية منغلقة كل الانغلاق, وهناك تغريب وغربة, وهناك تطر ف وطرافة, إن شئت, والأهم من كل هذا, هناك تراكمات طويلة وعميقة من الرؤى والاجتهادات المختلفة والمتناقضة للإسلام الأول, بحيث أثمرت اليوم أشكالا  وأحزابا  وحركات قد تبدو غير مفهومة, أو تبدو تثير الاستغراب. نقول ذلك بعد أن أدى فهم معين للإسلام إلى أحضان الخيانة العلنية, وأدى فهم آخر للإسلام إلى الاشتباك مع الغرب اشتباكا  غير متكافئ وهزيمة ساحقة حتى الآن, على الأقل.

ماذا عن الفلسطينيين إذا ?! هل هناك أزمة على هذا المستوى?! وما هي المفاعيل الثقافية التي تلعب الدور الأكبر في إذكاء نار المقاومة, والتصدي لهذا العدو الذي يشكل التقطير الأخير للفكر الغربي, مضافا  إليه العقد والأوهام والأمراض التاريخية التي يجرها ويحملها شعب يعتقد أنه أفضل شعوب الأرض!

في فلسطين, تجري حقا  مواجهة بين عالمين مختلفين, من جهة, هناك العرب والمسلمون الذين يمثلون ثقافة عريضة وغنية وقديمة تعودت التسامح والحوار والوضوح والتعدد, في منطقة تعودت الموزاييك العقدي والعرقي منذ فجر التاريخ, وهناك المحتل الإسرائيلي اليهودي الذي يمثل ثقافة قديمة صاغتها الهواجس والأحلام, تعودت تقديس الجماعة وروح الأسلاف, ورأت العالم مقسوما  دون تساو  أو تسامح, لا تعترف بالصوت الآخر إلا  من حيث إمكانية استغلاله أو استخدامه. ثقافتان مختلفتان كل الاختلاف, حتى فكرة الإله الواحد, تم الخلاف بشأنها إلى أبعد الحدود, فإذا كان الله في ثقافة هذه المنطقة هو الإله الواحد المطلق, القادر, الرحيم, الذي لا يفرق بين البشر, ويغفر لجميع البشر, نجد الإله لدى المحتل اليهودي ليس إلها  للجميع ولا يغفر للجميع, وينحاز إلى إنسان معين ومكان معين.

ولأسباب تاريخية وحضارية نتجاوزها, فقد تم تبني المفهوم اليهودي للمسيحية في الغرب, بحيث أصبحت الليبرالية الغربية في أفضل حالاتها غير بعيدة عن ذلك المركب الغريب والخلط العجيب بين المسيحية الغربية واليهودية الشرقية, بحيث تحول اليهودي من ملعون ومطارد إلى رجل مبارك يضيف إلى العالم ما لا يستطيع أحد أن يضيفه, ومن عجب أن يخرج اليهودي من <<الجيتو>> في المدينة ليحكم المدينة الغربية من خلال دوائر صنع أهم القرارات فيها, إلى الدرجة التي ذكرت فيها بعض كتب التاريخ أن بابوات مشهورين جاؤوا من <<الجيتو>> هذا.

وعلى هذا, فإن تبني الغرب إسرائيل لم يأت, فقط, من منطلق المصالح والدور الوظيفي الذي ستلعبه إسرائيل, وهذا منطق صحيح, ولكن بسبب العقيدة, أيضا , وهذا ما يتم إخفاؤه لأسباب مختلفة لا نخوض فيها الآن.

ثقافة المحتل  الإسرائيلي ومن يدعمه ثقافة أرضية, على الرغم من مشرقيتها, ثقافة ت علي من شأن كل ما يمكن وزنه وقياسه, وهي ثقافة حس ية لا تتحدث عن العالم الآخر, وهي ثقافة كابوسية ي ترك فيها المرء وحده, أمام لا وعيه تماما , وهي ثقافة ماضوية الأسلاف, هم الأبطال والأحفاد, هم العصاة الذين سيحل  عليهم غضب الرب .

الفلسطينيون الذين طاردهم الذبح والقتل منذ ما يزيد على قرن مجبرون على المعرفة كأحد أشكال المقاومة, ومجبرون على الالتجاء إلى ما تمنحهم إياه ثقافتهم من أنماط القوة فيها, كالشهادة والتضحية والالتزام والانتماء, ومجبرون على عدم طرح الأسئلة التي تفرق, والالتفاف حول الإجابات التي تجمع, وقد يكون من دواعي الفخر أن يكون الإسلام السني في فلسطين يقدم أروع النماذج للعالم العربي والإسلامي كلّه في مقاومة الاحتلال. والفلسطينيون مجبرون على فهم ثقافتهم من مدخلها القوي والناصع, فالنصر لا تصنعه المقولات الرخوة والغامضة, بقدر ما تصنعه المقولات التي تقدم الجزاء.

الفلسطينيون الذين يمارسون حياتهم على هذه الأرض وفي المنافي, الذين يمثلون ثقافة العرب والمسلمين في هذه الألفية الثالثة, مجبرون على مقاومة المحتل  وثقافته بالالتجاء إلى ثقافتهم التي تمنحهم قوة الفعل وأخذ المبادرة من جهة, وتمنحهم, أيضا , الشعور بالرضى والاكتفاء بسبب ذلك الفعل. الثقافة القوية هي التي تعطي هذا الإحساس للمنتمين إليها.

بعد 11 أيلول (سبتمبر) 2001, من الضروري الإشارة إلى عدم الانجرار وراء ما يطرح من أقوال باتت غير ذات ضرورة, من أمثال أن الإسلام وسطي, أو أن الإسلام يحارب الإرهاب, وأنه يتقبل الآخر ولا يرفضه, على صحة كل ذلك, ولكن لماذا لا يقال, أيضا , مثلا , إن الإسلام هو دين العدل وهو دين القوة. وإن العدل في الإسلام درجة ي قفز منها إلى الرحمة, وإن الرحمة أوسع من العدل. لماذا لا يقال إن الإسلام ه زم أكثر من ثلاثة قرون متوالية, وإن الشعوب العربية الإسلامية انت هكت ون هبت وش ردت وس لبت مدة قرون ثلاثة, لماذا لا ي قال إن أول استعمار للبلاد العربية والإسلامية بدأ أوائل القرن التاسع عشر ولم ينته حتى الآن? لماذا لا ي قال إن الإسلام واضح كل الوضوح في القضايا الخلافية? ولماذا لا ي قال إن الغرب يسعى دائما  إلى تجريد العرب والمسلمين من سلاحهم في كل مناطق التوتر? ولماذا لا ي قال إن الغرب يسعى دائما  إلى حشر العرب والمسلمين لفهم واحد ووحيد للثقافة العربية والإسلامية? ولماذا لا يقال إن التجارب الأخرى التي يطلق عليها التجارب العلمانية والليبرالية لم تؤد إلى توفير الكرامة والحرية والاستقلال والتنمية للشعوب العربية والإسلامية? ولماذا لا يقال إن الشعوب العربية الإسلامية مهانة ومذل ة ومستل بة على كل الأصعدة? ولماذا لا ي قال إن الغرب يعيش ويحيا على أنقاض عالمنا العربي والإسلامي وخيراته, وإن الغرب هو مصدر الحركات الإرهابية والعنصرية, وإن الإسلام أبعد ما يكون عن ذلك?

لماذا لا ي قال إن فهمنا ثقافتنا وعروبتنا فهم منقوص وخاطئ وغير فاعل حتى نبقى مهزومين حتى على مستوى اللغة?.

الفلسطينيون هنا على هذه الأرض, يقدمون الثقافة العربية والإسلامية بأبهى صورها, كيف ذلك?! إنهم ببساطة يعتقدون أن عناصر ثقافتهم الداخلية والخارجية من القوة, بحيث تتم التضحية بالنفس من أجل كرامة الإنسان وكرامة الأرض, وبحيث يتم ذلك بأقصى درجات الرضى والاكتفاء.

الأمر الأخير, الذي أريد أن أشير إليه, هو ذلك النتاج النخبوي الثقافي من قصة ورواية وشعر ورسم وغناء, فهو تفريغ لجذور أعمق وأعرض, وهذا النتاج النخبوي ليس كل الصورة وإنما جزء منها, فقصيدة الشعر لا يتم الاعتراف بها إلا بمقدار اقترابها من ذلك الجذر العميق وفهمها إياه, ومن هنا, فإن العقلية الجمعية أسقطت من ذاكرتها ملايين قصائد الشعر التي قيلت, ولم تبق إلا قصائد قليلة عب رت واعترفت بالجذر العميق, وكانت ابنة شرعية له وبرعما  صغيرا  استمدت النسغ منه.

النتاج النخبوي الثقافي, الرسمي والمعارض, المقبول والمسكوت عنه, هو تفاصيل لعنوان كبير, والجماعة لا تعترف بمن يخالفها, وتسقط من حسابها من يسقطها من حسابه, ولهذا فإن مقاومة المحتل وثقافته لا تتم من خلال نتاج ثقافي غامض, مطاط, يستبدل الأدنى بالذي هو خير, أو نتاج يتنكر لما مضى بما هو حاضر, أو ذلك النتاج الذي ينبهر أو يدعي أو يتضامن أو يخضع أو يدعو إلى ما لا تدعو إليه الجماعة.

ثقافة أية جماعة هي آلة ماص ة تعيد كل نتاج إلى نمط معروف تراكم بفعل الوحي أو بفعل الزمن, فإذا كان هذا النتاج لا يقبل الأنماط المعروفة يتم رفضه إلى أبد الآبدين, وعندما ينسفح الدم في الشوارع بكل هذه الوحشية وهذه العبثية, فإن أعلى أنماط الثقافة وأصدقها وأنصعها هو ذلك الشاب المضطرم بالأنفة والجسارة والألق, الذي يرمي قلبه في كأس النار والنحاس ليستبدل به حوصلة طير أخضر.

الثقافة والطغيان

لنبدأ كلامنا, مر ة أخرى, بأبلغ القول وأقدسه وأحكمه, نبدأه بأمر الله جل وعلا لنبيه موسى في قوله: <<اذهب إلى فرعون إنه طغى>>.

فالطغيان يقتضي بالضرورة تدخ ل الله بأيدي أوليائه المخلصين, وهي بشرى لكل مظلوم في الدنيا, إن الظلم سينتهي تحقيقا  لقوله عز  وعلا <<وإن ربك لبالمرصاد>> ونحن في فلسطين التي لا يعمر فيها ظالم, نرى أن أمصارا  كثيرة شهدت أكبر وأعمق أسطورة للظلم والطغيان وحب الدنيا, تمثّلت, مثلا , في فرعون وحاشيته, حيث قال عنه رب  العزّة <<وإنه لعال في الأرض, وإنه لمن المسرفين>>.

إن تاريخ الظلم في منطقتنا يمثّل تجارب شعوبها في التعرّف على ذواتها وافتعال رؤيتها وتعميق اتحادها برسالتها وقيمها.

وإن حكايات الظلم والطغيان المتعاقبة عل مت شعوب هذه المنطقة أن مكامن قوتها وأسرار منعتها لا تأتي من الخارج ولا تستورد من الآخر, وأن إنهاء الظلم وتجاوزه لا يتمان إلا بمثل ذلك الأمر الأزلي <<اذهب إلى فرعون إنه طغى>>. بقدر موضوعية التاريخ بقدر ألوهيته, أيضا .

ولا يمكننا نحن أبناء هذه المنطقة الثقيلة والمربكة والمبهظة أن نتنازل عن منابع القوة الخفية من أجل قوانين علوم  اخترعها من لا يؤمن بأي شيء لا تلمسه يداه أو تراه عيناه. انتهى عهد الانبهار بصنائع من يقتلنا ومن يلغينا ومن لا يرانا أو لا يرغب في أن يرانا. إننا بالقدر الذي نؤمن فيه بالموضوع, باعتباره ظاهرة تستحق الدرس, بالقدر الذي نؤمن فيه بالذات باعتبارها تمثّل جوهر الإرادة وجوهر الحرية.

إن الظلم يعل م أو يدفع إلى أمرين اثنين: إما الانسحاق أمامه والاستسلام له, أو الاستحكام في خندق الذات والبحث عن أكثر نقاط القوّة وأشدّها فيها.

لا تسوية ولا مساومة

وهؤلاء أجدادنا العظام قد سبقونا في ذلك, فقد وصل الأمر بالغزالي إلى إلغاء الزمن أمام الوعي للردّ على الهزيمة أمام الفرنجة, وألغى الجدل من أجل الوحدة, واستبدل البصر بالبصيرة, أمّا العز بن عبد السلام, الذي عاش في مصر المحروسة, فقد علم الحاكم دوره, ووضع له مهامه, وحدّد له وظائفه, ومشى معه إلى مواجهة من هدم بغداد وحرقها وقتل أهلها قبل سبعمائة وخمسة وأربعين عاما  بالضبط.

لقد قدّمت لنا ثقافتنا - ثقافة هذه الأمّة - النماذج والسقوف العالية في مواجهة الظلم والطغيان, وهي نماذج تضطرم بالإنسانية, لم تكن عنصرية أو فاشية أو مجرمة. إن نماذجنا التي قاومت الظلم فعلت ذلك بأسلحة تختلف عن أسلحة الظالم وبعقلية تختلف عن عقلية الظالم, وهذا هو سر  النصر أصلا , سلاح الظالم لا يشبه سلاح المظلوم.

إن ثقافتنا العربية الإسلامية هي الثقافة الوحيدة التي وقفت طويلا  عند الظلم والطغيان, وفصلت فيه وحفرت تحته, لتحذ ر منه فكرا  أو سلوكا  وممارسة ونتائج. وهي الثقافة الوحيدة التي جعلت من كرامة بني البشر - كونهم بشرا  ليس إلا  - أعلى القيم وأولاها وأكثرها قدسية. هي الثقافة الوحيدة التي جعلت من قتل النفس كقتل الناس جميعا , أي أنها ساوت بين الفرد والكون دفعة واحدة, وكان ذلك قبل اختراع الهيئات الدولية التي تخرس تماما  عند سفك الدم العربي والمسلم في بقاع الأرض كل ها.

إن ثقافتنا العربية الإسلامية هي ثقافة ضد  الظلم على إطلاقه, وهي ثقافة الاعتراف بالآخر على إطلاقه, وهي ثقافة الموضوع, وهي ثقافة الذات, وهي ثقافة المادة وثقافة الروح معا , وهي ثقافة العمل والتعاون والمشاركة, وهي ثقافة الانفتاح والحوار والأخذ والعطاء, وهي ثقافة الحكمة بمحوريها الأفقي والعمودي.

ومن العار علينا جميعا  أن نخجل منها, أو أن نطمسها أو نحو رها, أو نلط فها أو نجم لها عند تقديمها للآخرين, من العار علينا أن نعتذر عنها أو نبررها أو نفسرها كما يرون, ومن العار أن نعمل على هدمها أو تخريبها أو تشويهها, ومن العار أن ننتقي منها ما يرضي الآخرين, أو أن نشطب منها ما يجعل الآخرين يربتون على أكتافنا. <<ومَنْ أَظلم ممَنْ ادّعى على الله كذباً>>! 

إن الآخر يعتقد جازما  أن المشكلة تتعلّق بمفاهيم ثقافتنا, وبأنساقها الداخلية, هذا الآخر النقيض يعتقد أنه الأفضل والأقوى والأكثر حذقا  والأحق  بالحياة, وأن مفاهيمه عن الحياة والكون هي الأنجع والأكثر ملاءمة  بسبب أنها حقّقت الغنى والقوة, ولهذا, فإن هذا الآخر يعتقد أن ثقافتنا هي سبب مشكلته, فقرا  واضطرابا  وإرهابا  وهجرة غير شرعية وديكتاتورية, وهذا هو الوجه الثاني لرؤية الآخر عن ا, إنه بسبب من ثقافتنا فإننا نشك ل له الفضاء المريح, مستهلكين أغنياء, وأصحاب ثروات لا نستغل ها, وإخوانا  أعداء نتقاتل على الفتات وأحجار الحدود التي اصطنعها, وعلى الجهتين, فإن ثقافتنا, هذه الغنية العريضة صاحبة التأويلات المختلفة, تدفع الآخر إلى أن يحاول تصميمنا حسب مقاسه وحسب رغباته, وكان أن وصلنا في بداية القرن الواحد والعشرين إلى أن نصبح أمّة ضحكت من جهلها الأمم.

أسئلة حول ما حدث

وأمام الهزائم لا بد  من المصارحة, وأمام احتلالين لا بد  من المكاشفة, فما إن انهار العالم الإسلامي رسميا  العام 1924 حتى استبدلت وحدة الروح والثقافة بوحدة العصبيات والعشائر, وكان أن قفزت بلادنا وشعوبنا قفزات غير طبيعية نحو مفاهيم لم تهضم, ولم تأت كثمار طبيعية لحركة تاريخية عادية, وكان أن استولت نخبة متخارجة متغربنة على سد ة الحكم والثقافة, فنقلت مفاهيم عجيبة إلى مجتمعات لم تخرج بعد من طور علاقات البداوة أو علاقات الإقطاع في أحسن الأحوال. وكانت نتيجة ذلك مجتمعات متفرقة ممزقة مشوهة الوجه مشوشة الهدف, تتعادى لأبسط الأسباب وتتقاتل لأتفه الدواعي, وكان أن فشلت هذه المجتمعات في الحرب, وفشلت في التنمية, وفشلت حتى في توفير المأكل والمشرب والحياة الكريمة لمواطنها.

إن هذه النخبة المتخارجة المتغربنة ما كانت لتنجح لولا دعم الآخر, أكان مستعمرا  أم كان مستثمرا , أكان مثقفا  أم أستاذا  في الجامعة أم باحثا  في حقل اجتماعي أو ثقافي.

إن القرن الماضي كان من القرون الرديئة في التاريخ العربي والإسلامي, تميّز بإهانة الثقافة العربية الإسلامية والإساءة إليها, ومحاولة طمسها أو الخجل منها, واستبدل بذلك تجارب واجتهادات كثيرة فشلت في تحقيق أي شيء, فلا قوة حققت, ولا وحدة صاغت, ولا أرض حفظت, ولا كرامة أبقت. وفي نهاية الأمر, وفي هذه الأيام, تم ارتهان كل  شيء بيد هذا الآخر الذي انبهرنا به وصفقنا له وسلمناه أجسادنا وأرواحنا.

القرن الماضي كان قرن تجزئة وهزائم, وهو نتاج قرن سابق تميّز بالتحجر والانغلاق ترافق بالدسيسة المنظمة, وكلا القرنين تميّزا بتبخيس ما نملك, وامتهان ما عندنا, لصالح ما لا نملك وما هو ليس عندنا. حتى مثقفنا الملتزم كان عليه أن يتجشم عناء التوفيق فيفشل, فيضطر إلى التلفيق أو الترقيع أو كليهما معا . وإن نظرة واحدة على ما كتبه الطهطاوي أو محمد عبده أو حتى العقّاد تعطينا فكرة عن كمية الاهتزاز بين ما عندنا وما عندهم.

إن هذا كلّه يدفعنا إلى التساؤل عن أية ثقافة عربية إسلامية نبحث, وما شكلها وما هدفها, عن أي تأويل نتحدث, وما هو المفهوم الذي نريد!

مشروعية هذه الأسئلة قائمة على ما نواجه من هجوم تعدّى الحجة بالحجة, أو الرأي مقابل الرأي, بل هو هجوم الدم بالدم, هجوم الإهانة والابتذال, هجوم السلب والاستلاب, المغطّى بالشرعية الدولية التي لم نعد نعرف مكاييلها أو معاييرها.

ونحن نسأل عن الثقافة العربية الإسلامية, لأن لا ثقافة موحدة لنا غيرها, ولا ثقافة مستهدفة غيرها, ولا ثقافة مستمرة صاعدة غيرها, ولا ثقافة تستطيع الرد  والمجابهة غيرها, ولأنها محفوظة بالنصّ, ومصانة بالكتاب.

وهذه الثقافة التي استهدفت دائما  بالمؤامرة مرّة, وبالحرب مرّات, تواجه الآن, مثلما كان في الماضي, من خارجها ومن داخلها. فقد رُميت بالتحجّر, ورميت بالعنصرية, ورميت بالفراغ, ورميت بالأخروية, ورميت بالقصور, ورميت بعدم الشمولية, ورميت بأن ليس فيها هيجل! على سبيل المثال, كانت هذه الثقافة هدفا  للنّيل والتشويه والطمس.

أعداء من الداخل

إن أعداء هذه الثقافة من غير أبنائها ومن أبنائها, أيضا , ركّزوا بالقول إن الثقافة العربية الإسلامية ليست علمية, وإنها تنزع إلى مثالية متعالية لا تتماشى مع الواقع, وهذا ما قاد إلى اتهام هذه الثقافة باللاموضوعية, ومن ثم قاد ذلك إلى القول إن كل  ثقافة لا موضوعية هي ثقافة جاهلة تنزع إلى التعصب, والتعصب عادة ما يضيّق هوامش الحرية والفكر والمنهج العلمي, فقيل إن ثقافتنا تخلو من كل  ذلك, تخلو من حرية الفرد وحرية العقل وحرية النظر, وهكذا عادت إلينا ثقافتنا لا نعرفها ولا نميزها, وكان علينا, والحال هذه, أن نفهم ثقافتنا من خارجها, أي أن نفهمها بعيون المستشرقين أو المفكّرين والفلاسفة الغربيين, وهكذا, وبقدرة قادر, صار على المثقف فينا أن يعرف أو يدعي معرفة ما قاله هيجل ليفهم تصرّف أبي ذر الغفاري (رضي الله عنه), وكان هذا من العجب العجاب. وللحقيقة, فإن هذا من سخرية الأقدار, فبدلا  من أن نفهم السياق والنص  الذي دفع بأبي ذر إلى ما اندفع إليه, فإن علينا, والحالة هذه, أن نطب ق ما قاله هيجل أو ما رآه على سياق آخر ونصّ آخر وروح أخرى, وهذه خيانة عظمى تُرتكب طوال الوقت بحق  ثقافتنا. فنحن لا نقيس نماذجنا ولا قيمنا بسقف آخر ومرجعية أخرى, فمن المستحيل أن نزن العطر بالسنتمترات مثلا , لأن ذلك خيانة للعطر وخيانة للنظام المتري, أيضا.

ويجب الاعتراف هنا أنه قد تمّت عملية تشويه ثقافتنا العربية الإسلامية تشويها  عميقا , وأنه قد خُلقت أجيال لا تعرف شيئا  عن تاريخها ولا عن أبطالها ولا عن نماذجها العالية.

يجب الاعتراف هنا أنه قد تمت أكبر عملية تحطيم لمنابع قوتنا, وكان من العجب أن نكون نحن الأمة الوحيدة التي تحارب ثقافتها بالباع والذراع كما نقول في فلسطين.

يجب الاعتراف أنه قد تم خلال القرن الماضي ما أراده الآخر لنا, من حيث فصلنا عن لغتنا, وإبعادنا عن روح ثقافتنا, وأنه تم  تحقيق أو إنجاز مجتمع أو مجتمعات عربية إسلامية لا تمارس عروبتها ولا تمارس إسلامها, وذلك من خلال عملية احتلال حقيقية للأرض والوعي معا . نعم, يجب الاعتراف أننا محتلون أرضا  ووعيا , فالوعي الذي تشكل خلال القرن الماضي هو وعي ناقص ومجزّأ وواهم وقاصر ومبهور ومنبهر ويتخذ من دون الله أربابا , ولك أن تسمي هذه الأرباب ماركس أو هيجل أو حتى مايكل جاكسون أو شاكيرا إن أردت.

نحن والآخر المستبد

إن إنجازات الوعي العربي في القرن الماضي لم تحقق شيئا  يستحق الإشارة إليه, فالمشروع النهضوي العربي الذي شهد مدا  وشعبية لم يستطع أن يحقق الحرية أو الديمقراطية أو الخبز, وها نحن نرى نتيجة ذلك احتلالين بغيضين يجثمان على الأرض العربية. حتى البناءات العقلية والنظرية التي أنجزها هذا الوعي تراوحت بين انفتاحية على الآخر مريبة, وانغلاقية على الذات لم تؤد إلى نتائج. ولا نقول والحالة هذه كما قال منظّرو الثلاثينيات والأربعينيات; تلك المقولة الساذجة والمربكة بالتوفيق, ومحاولة أخذ الصالح من هنا وهناك, وطرح الطالح من هنا وهناك. التاريخ هو في نهاية الأمر ليس تجربة مخبرية أو تأملات ذهنية, التاريخ جهد وصراع, التاريخ دراما حقيقية. ولأنه كذلك, فإننا نقول إنه لا بد من الصراع الحقيقي بين الرؤى والحضارات. نكذب على أنفسنا عندما نقول إن هناك ما يسمّى بحوار الحضارات, لأن الحوار يحتاج إلى النديّة, الحوار يفترض المساواة, الحوار يفترض وجود الخيارات, الحوار يفترض الاعتراف, ولكننا لا نمتلك كل ما سبق, فلا نتمتع بالندية مع الآخر, ولا نملك خيارات ولا نملك اعترافا , فأي حوار هذا الذي نسعى إليه, إنهم يحتلوننا ويصادرون ثرواتنا ويقتلون إنساننا, ثم بعد ذلك نتحدّث عن حوار?? القوي لا يحاور الضعيف, إنه يأمره, إنه يلغيه, إنه يعيد إنتاجه على مقاسه تماما.

ولنا في ثقافتنا العربية الإسلامية خير دليل على ذلك, فقد كانت واضحة فيما يخالفها, وكانت محاورة فيما تستطيع الحوار فيه, ولأنها قوية ومتماسكة وذات إجابات, أعادت إنتاج كل  ذلك بما يتلاءم معها, لم تتنازل ولم تصالح ولم تصل إلى تسويات.

نحن.. نحلم

يجب القول هنا بفخر إننا أصحاب رسالة كونية, رسالة واضحة تعمل لصالح الإنسان ولصالح البيئة ولصالح الخير والحق  والجمال. يجب القول هنا إننا أصحاب رؤية متكاملة تهدف إلى خير الإنسان على الأرض وفي السماء, وإن رسالتنا متوازنة وعادلة وذات هدف وذات جهد, وللمناسبة فإن هيجل لم يقل ذلك ولم يشر إليه, بل كان عنصريا  مج د بروسيا وأهمل العرب والمسلمين, وقد اعتبر أن الدولة البروسية هي خير تعبير عن العقل الجرماني في سلم تطوره الحلزوني, ولم يعرف هيجل أبدا  أن الله قال في محكم كتابه العزيز: <<وتلك الأيام نداولها بين الناس>>, والتداول أفضل وأدق من سلم هيجل الحلزوني.

أحلم بمشروع عربي نهضوي في هذا القرن, يخلو من الانبهار بغير نماذجنا, مشروع عربي إسلامي نهضوي يخترع نظرية من تاريخه, ويضع رؤيته العقلية من بيئته, ويصوغ قوانينه بناء على المعطيات حوله, لا أن يستوردها جاهزة وخاضعة لشروط صناديق التمويل السياسي والثقافي والمالي.

أحلم بمشروع عربي إسلامي نهضوي في هذا القرن لا ينبهر بالآخر فيستسلم له سياسيا , ولا ينقاد للآخر فيسلمه كل شيء, ولا يخضع له فلا تعود له شخصية أو ملامح.

لنأخذ, مثالا  على ذلك, فرويد وداروين وكيف تم امتصاصهما هنا في منطقتنا, وكيف أن الانبهار بما قالاه جعل أعلاما  عندنا يلوون مقاصد النص  المقدس حتى يطيع ما قاله هذان الرجلان.

ثم لنأخذ ماركس مثالا , أيضا , وكيف صار الدين أفيونا , ولنأخذ غرامشي وجاك دريدا وكولن ويلسون وت. س. إليوت. والأمر مضحك حقا , فالغربة التي يتحد ث عنها إليوت, مثلا , ما علاقتنا بها, وما علاقتنا بالنص  الروائي الذي كتبه جيمس جويس?! وهل الشخصية العربية الإسلامية التي تعيش في القاهرة أو بغداد أو القدس مفككة وباهتة ومنفلتة كما هي في مدينة غربية تدخل مرحلة الإمبريالية? ألم نستسلم لكل شيء?! ألم نتخل  عن رؤانا الجمالية وقدراتنا التذوقية من أجل الآخر.

هل إلى هذا الحدّ كانت تجربتنا التاريخية والحضارية تافهة حتى لا تستحق رؤية جمالية وثقافية خاصة بها! هل إلى هذا الحد  بلغت السطحية في تجاربنا إلى درجة أن رؤانا الجمالية والنقدية صارت تأتي معلبة من الغرب تماما  كالسيارات والتلفزيونات. وقد بلغ الأمر من الفانتازيا السوداء أن صار يكتب النقد عندنا بتعابير لا يفهمها حتى المشتغلون بهذا الباب.

وَقِسْ على ذلك كل شيء, السينما العربية - في معظمها - فشلت في أن تكون رافعة جمالية وحضارية, وظلّت في حدود خدمة نخبة معينة, تعاني فصاما  في فهم تاريخ مجتمعها ومرحلته الحضارية, وانحدر ذلك كلّه إلى الدرجة التي صرنا نرى فيها حتى <<الفيديو كليب>> ينقل إلينا بيئة طبيعية لا تُشبه بيئتنا الطبيعية, وكأن القائمين على الأمر يخجلون حتى من تضاريسنا التي وهبنا الله إياها.

الرواية العربية عبّرت عن الارتباك والاضطراب, وانحازت إلى متجه  لا يعبر حقا  عن آمال وأحلام هذا الشعب المتعطّش إلى الالتحام بمنابع ثقافته وأصول حضارته, واستعملت الرواية كإحدى الروافع الثقافية التغريبية إلى حد كبير.

لماذا تم استبعاد الإسلام طوال قرن كامل? لماذا كان يخجل منه? لماذا لم تتحوّل مقولاته ونماذجه إلى سلوكيات يومية? لماذا حدثت تلك القطيعة معه على مستوى الإعلام والثقافة وحتى الحياة العادية?

البحث عن القوة

إن البُنى العقلية التي تمّت المراهنة عليها خلال القرن العشرين, وأخذت فرصتها في التعبير عن نفسها, إما سلطة سياسية أو تيارا  فكريا  قاهرا , أثبتت أنها قاصرة في الامتحان, وفاشلة في الميدان, وذلك أنها لم تستطع أن تحوّل الجماهير من حالة إلى حالة, ولم تستطع أن تجنّدها طواعية بحيث تأخذ منها أفضل ما فيها.

ولو حاولنا تلمس أهم ميزات تلك البنى العقلية لقلنا إنها تميّزت بالترقيع الفكري, والتلفيق النظري, ومحاولة حشر الواقع أو تصغيره أو تكبيره ليناسب النظرية المستوردة, بحيث كان الواقع وكذلك النظرية يدعوان إلى السخرية.

إن ادّعاء مصلحة الجماهير كان على حساب شرع الله, وإن ادّعاء مصلحة الطائفة أو العشيرة كان على حساب الوطن, والأنكى من ذلك والأهم أن كل ذلك أدى فيما أدى إليه إلى الارتماء في أحضان العدو, تحت مسميات كثيرة ليس أهمها مصلحة الوطن, أيضا.

وعندما تصل الأمة أو بعضها إلى الارتماء في أحضان العدو فإن ذلك هو الحضيض في كل  شيء, وفي فلسطين, حيث الاشتباك اليومي مع المحتل  يستفز الدم والأسئلة, فإن سؤال الثقافة يحوم فوق الناس وفوق الأرض في كل  لحظة.

إذ إن كل  فلسطيني في أرضه يتعر ض للقتل والإذلال الجسدي والنفسي والفكري سيسأل هذا السؤال: ما الذي حلّ بأمّتي? أين سندي العربي? لماذا أترك وحيدا  أمام أكبر وأعرض وأشرس آلة للقتل والإذلال والاستلاب المادي والروحي?

إن سؤال الثقافة الذي قد يغيب في أماكن كثيرة, حاضر بأشد الصور في فلسطين في كل  لحظة.

فالفلسطيني, تحت الاحتلال, كان عليه أن يبحث عن أقوى ما في روحه ليصمد, وعن أصلب ما في أعماقه ليبقى, وعن أشد  الأسلحة مضاء ليتحد ى, فكان أن بحث في الأرض التي يعرفها, وحفر في المصطلح الذي يألفه, وكان أن استند على ما هو قائم أصلا  ليؤسس عليه.

إن العملية المعقّدة التي تسمى الصمود, وإن الجهد الخارق الذي ابتدعه الفلسطيني للبقاء والمقاومة لم يتما من خلال مؤسسة الحزب فقط, وليس من خلال العمل الكفاحي المنظّم  وحسب, إذا قلنا ذلك نكون قد تجنبنا الحقيقة, فهذه العمليات الاجتماعية والنفسية المعقّدة وجدت تعبيرها الأقوى في ذلك البناء الروحي العميق الذي لا يتزلزل ولا يتزعزع, القاضي بالبقاء والمقاومة والاستمرار والصمود.

إن الحزب والعمل الكفاحي المنظّم لم يستقطبا معظم الناس, وإن بعض الأحزاب والحركات تكاد تكون مجرّد أسماء لا علاقة لها بالجمهور الذي تدعيه, والآن في هذا الظرف بالذات, عادت معظم تلك النخب السياسية والتنظيمية إلى ثقافة الجمهور نفسه, واعترفت بها وبدأت بالتعامل معها بعد أن كانت تلك الحركات نفسها تهاجم تلك الثقافة, بل تستنكرها وتعيّرها بالجمود والتحجّر.

في لحظة الاشتباك لا يتشابه الأعداء, ولا يتماثلون, بل يختلفون ويفترقون ويمتحون من آبار مختلفة.

الفلسطيني الذي تحد ى طوال هذه السنوات, وكان خير معبّر عن أقوى ما في الثقافة العربية الإسلامية شجاعة وفداء وتضحية ووضوحا  وانتماء, ما كان له أن يكون كذلك لولا أنه ذراع مفتولة من جسد عارم ومعافى من ثقافة تمدّه بالنماذج والمكافآت, وربما يكون من نافلة القول إن الشهداء الذين ينفذون مهامهم الفدائية من الحركات اليسارية يشيرون في وصاياهم الأخيرة إلى إيمانهم وإلى نشدانهم الجن ة, وكأن يساريتهم مجرّد قشرة خارجية ليس إلا , وكأن  ملاقاة الموت تكشف معدنهم واتجاههم بالضبط.

ولا يمكن تغريب الأمة عن روحها, ولا يمكن تزييف المنطلقات الأولى, ولهذا كانت هذه المنطلقات هي المستهدفة.

ميزات الثقافة تحت الاحتلال

ولكن, وحتى نضع الأمور في نصابها وتاريخيتها, فإن المنتج الثقافي الذي تم  إنجازه خلال سنوات الاحتلال تميّز بما يلي:

أولا: التعددية, وهي تعددية في المرجعيات وتعددية في المصطلح, وكانت انعكاسا  لما يجري في العالم من ثنائيات متضادة وأقطاب متصارعة, وكان أن انقسم العالم العربي بين كل  هذه الثنائيات, ولكن ما كان يجري بين النخب السياسية والثقافية العربية كان لا يعني أحدا , بل بقي ثرثرة على السطح, أنتج انقسامات ودماء كثيرة من أجل قضايا الأقطاب الأقوى. ولهذا فإن كل الثرثرة التي قيلت يوما  ما نسيت تماما  وبقيت الدماء والحدود. وعلى الساحة الفلسطينية, رأينا تلك التعددية حيث اليسار ينقسم بشكل أميبي واليمين يتراقص على الحبال المختلفة بسرعة الضوء, ولكن ذلك أنتج خطابا  ثقافيا  متعدد الاتجاهات والميول, نادى بعضها بالثورة الأبدية فيما نادى بعضها الآخر بالتطبيع أو بأسوأ منه.

ثانيا: الترميز, ذلك أن المنتج الثقافي الفلسطيني كان نتاجا  مرمزا  وإشاريا  ومختزلا , يكتفي بالتلميح عن التصريح, ولهذا تميّز هذا الخطاب بالشعارية, واكتفى بالعام عن الخاص, لم يدخل هذا الخطاب بالتفاصيل والخطة اليومية ومواجهة الحياة المعيشة, ولهذا كان هناك انفصام بين الحياة السياسية للفلسطيني, والحياة اليومية, واستطاع الاحتلال وغير الاحتلال أن يتحكّم باليومي من حياة الفلسطيني بحيث يغير أو يحوّر من خياراته واختياراته. ومع الضغط اليومي واستمراره وتواصله وقوته فإن الشعارات تهاوت الواحد تلو الآخر حتّى تم التصريح بنبذها على الملأ.

ثالثا: تمجيد الصورة المفترضة عن الفلسطيني, أي أن المنتج الثقافي الفلسطيني وقع في افتراضه, ولم يتحدّث عما يراه ويلمسه, وهكذا, صارت هناك فجوة كبيرة بين الصورة والمثال, هناك مبررات لذلك, فرضها الواقع وظروف المواجهة, ولكن الصورة المفترضة عن الفلسطيني أبعدته عن شروطه الإنسانية بحيث صار فوق الزمان والمكان, واكتسب قدرات خارقة ولغة سماوية, ولكن ذلك كلّه انكسر, أيضا , أمام المعطيات الجديدة, فالفلسطيني إنسان مثله مثل غيره, ينتصر وينهزم, ينكسر ويقوم.

رابعا: وقوع الخطاب الفلسطيني في ما يمكن تسميته بخطاب الفلسطنة ذي الرائحة القطرية الضيّقة, بحيث كان بعض هذا الخطاب يحاول قطع الأواصر والعلائق مع البعد العروبي والعقدي, وقد يبرر أصحاب هذا التيّار أنفسهم بالكلام عن التخلّف والتردي العربيين, ولكن هذا الكلام لا يثبت أمام الحقائق الموضوعية, فلا يمكن لخطاب قطري أن ينجح أو يسود أو ينتصر, بالمعنى الشامل للنصر. وتجدر الإشارة هنا إلى أن الكثيرين أكّدوا الذات الفلسطينية, لأنها مهددة بالإلغاء, ولم يكن تأكيدهم إيمانا  بالقطرية الكريهة. 

خامسا: جهوية الخطاب الفلسطيني فرضت عليه تمايزا  واختلافا  واضحا , فهناك خطاب صادر عن المناطق التي احتلّت العام 48, والمناطق التي احتلّت العام 67, والمنافي العربية المختلفة والمنافي العالمية الأبعد, ما خلق خطابا  فلسطينياً مناطقياً له أولويات مختلفة واستراتيجيات متباينة, الأمر الذي جعل من هذا الخطاب لا يُفهم إلا  من خلال مكانه, بحيث صار يقرأ ويسمع مع الشرح والتحليل, وكأنّه خطاب مبرّر سلفا , أو كأنّه خطاب يحتاج إلى تبرير ليفهم أو يستوعب.

سادسا: تميّز الخطاب الثقافي الفلسطيني في مناطق 67 بأنه خطاب الضرورة بمعنى أنه نشأ في ظرف استثنائي, تحت احتلال استثنائي, ما جعل هذا الخطاب منبريا  ينضح بالتحدّي والغضب غير مبال  بالأناقة اللفظية أو الشكلية قدر اهتمامه بمضمونه وأثره على الجمهور, وبسبب من الرقابة العسكرية والملاحقة كان على هذا الخطاب أن يتواطأ مع جمهوره على رموزه ومرجعياته الذوقية والجمالية والسياسية والثقافية, ولهذا فإن معظم هذا النتاج قد لا يفهم خارج مكانه, بسبب محليته المغرقة, وبسبب رمزيته التي يتعامل بها الجمهور.

سابعا: طغيان السياسي على الثقافي والجمعي على الفردي, ذلك أن الخطاب الثقافي الفلسطيني الذي حدّد مهامه في مقاومة الاحتلال وتحديه, اضطر إلى ترتيب أولوياته بحيث غابت الاجتهادات الشخصية وتأملات الذات والبحوث النظرية والمغامرات الجمالية.

ثامنا: يجب القول هنا إن الخطاب الثقافي الفلسطيني, وخاصة في مناطق 67, كان بجهود فردية ومبادرات شخصية, تم استيعابها فيما بعد من قبل منظمة التحرير الفلسطينية, الأمر الذي أدّى إلى ظهور العديد من المنابر الأدبية والفكرية والسياسية التي أسهمت في بلورة خطاب حاولنا رصد مميزاته.

أما بعد اتفاق أوسلو, الذي كان بمثابة زلزال حقيقي على المستوى السياسي والثقافي وحتى النفسي, فقد كان ذروة زلازل أخرى سبقته تمثلت في انهيار الاتحاد السوفييتي وحرب الخليج, وأدّت إلى انكسار المتحكّم في الخطاب العام والخاص.

بعد هذه الزلازل, وبعد هذه الانهيارات الكبيرة, لم يعد بالإمكان التغطية على العيوب التي يعاني منها, ليس النظام العربي الرسمي فقط, وإنما تلك البنى العقلية السائدة التي انتهت إلى ما انتهت إليه.

ميزات ثقافة ما بعد أوسلو

وفي مناطق 67, نال الفلسطينيون ما نال إخوتهم, أيضا , من البلبلة والاضطراب, إذ انكفأ الخطاب الثقافي الفلسطيني السائد على نفسه, وحاول أن يجد صيغة للتوازن والتفاعل, هذه العملية المضنية على المستويات جميعا  أظهرت منتوجا  ثقافيا  مختلفا  عن ذلك الذي ظهر خلال سني الاحتلال, ويمكن الإشارة إلى مميزات هذا المنتوج بأنّه:

أولا: حاول أن يبتعد عن السياسي وعن مقولاته حتى ينقذ نفسه من ورطة التبرير والتفسير والشرح. ولأول مر ة نرى خطابا  ثقافيا  لا علاقه له بأولويات السياسي أو همومه.

ثانيا: صار هذا الخطاب ذاتيا  بل وشخصيا , إذ إن  المثقف صار أكثر شجاعة في التعبير عن همومه وهواجسه الشخصية بعد أن كان مرتهنا  للقضايا العامة.

ثالثا: صار هذا الخطاب يهتم بالذاكرة والتراث ويحاول تلم س مرجعياته بعد أن حطّم, أو اكتشف زيف مرجعيات كثيرة.

رابعا: تحوّل الخطاب إلى خطاب نقدي أكثر فأكثر, وتجر أ هذا الخطاب على مناقشة حتى الرموز الكبرى, الأمر الذي لم يكن موجودا  من قبل.

خامسا: بعض هذا الخطاب تجاسر على طرح قضايا كانت كالمحرمات, مثل الاعتراف بالآخر والتطبيع معه, بل والتعايش معه.

سادسا: تميّزت فترة ما بعد أوسلو بالاتجاه نحو الرواية, باعتبار أن الرواية نوع من النضج الاجتماعي والسياسي, ومحتوى للتأمل, ما يدل على شعور ما بالاستقرار يسمح بذلك.

ومع اشتداد الزلازل وتعميقها من خلال هجمة عولمية تقودها الولايات المتحد ة تهدف إلى استلاب الثروة, وتذرير الكيانات طائفيا  وأثنيا  ودينيا , وسحق الوعي, وطمس الهوية, وتذويب الخصوصيات, فإن سؤال الثقافة أصبح أكثر إلحاحا  وضرورة, ذلك أن المثقف أصبح حقّا  هو القلعة الأخيرة التي يجب أن لا تستسلم أبدا.

المثقف والعولمة

العولمة - بوجهها البشع الذي نقصد - لم تعد تكتفي باحتلال الوعي فقط, بل تعد ته إلى احتلال الأرض, واحتلال الأرض يعني مصادرة الإرادة والقدرة على التفتيت والتجزئة, وبالتالي فإن المثقف العربي مدعو الآن - كما كان مدعوا  في فترات تاريخية مشابهة - إلى البحث عن محتوى فكري وعقدي يتجاوز الفئوية والقطرية والعشائرية والوطنية والمصلحة والمذهبية, ومدعو إلى التوقّف عن الانبهار بمن يذبحه ويحتلّه ويستلب ثرواته ويصادر إرادته, ومدعو إلى البحث عن نظرية واقعية تنبع من بيئتها ووفية لترابها وروحها, ومدعو إلى إعادة النظر فيما تم  إنجازه من قبل باعتباره مجرّد فشل ليس إلا , ومدعو إلى إدراك أن التقليد والتضاؤل والتقزّم أمام الآخرين لا يفيد, ومدعو إلى اعتبار أن أفكارا , مثل الحوار, ومفاهيم غربية, مثل حقوق الإنسان والليبرالية والديمقراطية وغيرها, هي مسميات برّاقة تخفي تحتها ما يشبه الامتيازات الأجنبية التي حصلت عليها دول الغرب في القرن التاسع عشر, أو أنها كلام حق  يراد به باطل.

المثقف العربي وحتى يخلق المناعة الفكرية, وحتى يكتسبها ويكسبها لغيره, فإنّه يقف اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الاستسلام وإما المقاومة. ليس هناك محصلة أخرى بين هذين المتجهين, لا يمكن تجميل الاحتلال ولا يمكن تزويق الاستسلام, ذلك أنه لا يمكن تجميل القتل والموت والدمار والإذلال.

المناعة الفكرية التي نقصدها تنبع من ذلك المحتوى العقدي الذي يتجاوز الأمكنة والأشخاص والمصالح والفروق البشرية ليصوغ قانونا  أبديا  لا نهائي يتمثل في <<واعتصموا بحبل الله جميعا  ولا تفر قوا>>, حبل الله ينقذنا من الوقوع في الهوة المميتة السحيقة, ويبعدنا عن الظلمة والفرقة والذل , وهو قانون يعلو على أية سفسطة أو أي كلام يتذرّع بالعملية والواقعية والتسوية مع الضغوطات.

مر ة أخرى, أرى العز بن عبد السلام, في قاهرة المعز , يستل  من صدره أقوى ما يمكن للأمة أن تتسلّح به, فيوح د به الناس, ثم يخرج بهم إلى ملاقاة المغول, وينتصر عليهم, مثال قديم ما زال جديدا  وكأنّه حدث البارحة.

تفصيل للمشهد

أشرنا سريعا  إلى أن  ثمّة استراتيجيات حاسمة تنطلق منها الولايات المتحد ة في سياساتها, خاصة بعد نجاحها البارز في السيطرة على قلب العالم, وتفكيك عقل العالم, وإلحاق أطراف العالم بها وبمصالحها, إلاّ أنّ التطلّعات الجديدة لأمريكا هي الدافع الأكيد لما تقوم به, ما يوضّح خطواتها المعلنة للقاصي والداني, بصلافة وحزم ووقاحة, وتتمثّل هذه التطلّعات التي تعد قرارات لا مندوحة عنها في أن أمريكا يجب عليها أن تسبق العالم المتقد م في كل  المجالات خمس عشرة سنة على الأقل, وعلى العالم أن يتفهّم حاجة أمريكا للقيام بضربات استباقية ضد بعض القوى أو الدول على هذا الكوكب لحفظ أمنها القومي. كما على العالم أن يدرك أهمية أن تتدخل أمريكا في أية قضية في الأرض, ويتم الأخذ بتوصياتها ومداخلاتها لحل  هذه القضية, كما أن على شعوب الأرض أن تبدأ بالاستعداد لقبول القيم والأفكار والمبادئ والثقافة الأمريكية, وتتبنّى تفسيراتها للمفاهيم البشرية. كما على أمريكا أن تحفظ لإسرائيل تقدمها وتميّزها النوعي في المنطقة.

إن هذه القرارات تعني أن ثمّة طوفانا  هائلا  يهدر ويقترب ليجرف ثقافات الشعوب, خصوصا  تلك الضعيفة, علما  أن آليات هذا الطوفان وإمكاناته محمولة على أذرع ومنابر ومؤسسات تقنية عالية, ما يسهّل عملية الإغراق الأمريكي لتلك الشعوب, بمعنى أن ثمة تهديدا  واقعا  يُحدّق في عالمنا العربي والإسلامي, ويستهدف طمر ثقافتنا واستبدالها بثقافة أمريكية جديدة, وهذا هو الخطر الأول. هذا الخطر يستهدف فيما يستهدف الشعب الفلسطيني, أيضا , هذا الشعب الذي يتعرّض أكثر من غيره إلى سياسات استراتيجية حاسمة أخرى للقضاء عليه, وخلق حالة من العدمية فيه بعد استلابه وتغريبه وتجهيله وقمعه, أي أن الشعب الفلسطيني يتعر ض إلى حملتين, فيما يتعر ض عمقه العربي والإسلامي إلى حملة واحدة, وهذا يعني أن على الشعب الفلسطيني مهم تين, أو لنقل إن عليه أن يحارب على جبهتين, على الأقل, فيما يتعلّق بتحصين ذاته ثقافيا  على وجه الخصوص.

الإلغاء والإلهاء

ثمّة فعل احتلالي ممنهج يتكئ على آخر نظريات ثورة الاتصالات يهدف إلى تفريغ الإنسان الفلسطيني من محتواه الثقافي والوطني والحضاري, ويشترك مع هذا الفعل ما تصبّه الولايات المتحدة وأذرعها الإعلامية في المنطقة, لتعميق حالة الضياع والعدمية في المجتمع الفلسطيني, ويبدأ هذا الفعل من رصد كل  المؤسسات الأهلية والرسمية التي تنتج الفرد, بحيث يقوم هذا الفعل بتغذية تلك المصادر بمضامينه بعد أن يحطّم أو يشوّه أو يلغي المضامين التي تسعى المؤسسات المنتجة للثقافة إلى إيصالها للأفراد.

وعلى سبيل المثال, ثمّة ثقافة ومعطيات جاهزة ومحدّدة تصبّها آليات الاحتلال الإسرائيلي والأمريكي عبر وسائل الإعلام والمدارس والجامعات وبيوت العبادة والمؤسسات غير الحكومية وحتى المؤسسات الرسمية, تبدأ من مرحلة الطفولة الأولى, مرورا  بمراحل الطفولة والمراهقة والنضج وانتهاء بمرحلة الإنتاج, بشكل مباشر وغير مباشر, يساعدها في ذلك حالة التحوّل السياسي والاجتماعي وظروف الشعب الفلسطيني الاستثنائية, وضعف السلطة الوطنية الفلسطينية وحاجتها إلى الدعم المالي والسياسي, وحالة التعويم التي يشهدها المجتمع الفلسطيني, والتي حالت دون بلوغه مرحلة التأصيل أو التكريس السياسي, ما يفتح ثغرات كبيرة تنفذ منها سموم الاحتلال بشيء من اليسر والسهولة.

ولعل  عملية حقن الفلسطيني والعربي بصورة عامة, بثقافة جديدة, قد سبقتها عمليات تحطيم للمبادئ الكبرى وتشويه الأرضية العقدية, وصاحبتها عمليات التدمير العنيف والقتل, والتشظية وإيقاظ الإثنيات, وخلق الأمم المتغايرة داخل الأمة الواحدة, وتمتين الفواصل وتعميق حالات الجهل والأمراض والانشغال بصغائر الأمور, ثم تم ت عملية نقل الوعي العام والذائقة الجمعية والموقف المشترك من حالة الانسجام والصحّة والثبات إلى وضع يمكن معه قبول ما ستصبّه آليات الاحتلال في الأفراد الذين سبق أن تم  العمل على إضعاف مناعتهم وهتك حصانتهم, الأمر الذي أنتج واقعا  يضج  بالنتوءات والإحباط واليأس.

ورب ما لم ينتبه الكثيرون إلى أن الاحتلال منشغل بأدق  تفاصيل حالتنا الثقافية, ووعينا بشكل عام. لهذا نرى الحالة التي وصل إليها خطابنا الإعلامي والتعليمي والمؤسسي والاقتصادي والاجتماعي والسياسي إلى ما وصل إليه من حالة  تستدعي إعلان ناقوس الخطر, وإطلاق صرخة مدويّة لننتبه إلى ما يراد لنا من هشاشة وضعف وإلغاء.

أنموذج: ما وقع على المصطلح

سنسوق هنا مثالا  يتعلّق بالمصطلح الإعلامي السياسي, لندلل على ما وقع على المصطلح من فعل وعمل وترتيب حاذق, ليكون المصطلح أداة تخدم الآخر, بعد أن ينقلوه من حالة إلى حالة, بهدف نقل وعينا من حالة إلى أخرى:

ليس غريبا  أن تفيد العلوم من بعضها; بمعنى أن يأخذ العالِم من الأديب, والفيزيائي من الرياضي, والفلكي من المؤرخ... إلخ, بل أمر طبيعي أن تسيل المعارف بعضها على بعض, وتتقاطع, وتتزاوج, وتتضافر, وتنتج معرفة جديدة... وهكذا.

غير أن أَخْذَ السياسي أو الإعلامي من علوم الجنس, طريقة  أو أسلوبا , أمر فيه إغراء جديد وطرافة حديثة, تستوقفنا وتوقظ انتباهنا.

والطريقة هي <<الإستربتيز>> أو التعرّي قطعة  قطعة! حيث تقف امرأة, على خشبة مرتفعة, أمام اللهاث المكتوم والعيون المندفعة, وتبدأ بخلع ملابسها تدريجيا!

وكذلك السياسيون الذين يصنعون خطابنا الإعلامي, لينقلوا عقولنا أو مواقفنا من نقطة إلى أخرى, يريدون إيصالنا إليها, تدريجيا , عبر ترديدنا المصطلح الذي ينتقل بدوره, تدريجيا , من مستوى  إلى آخر, حتى نصل إلى ما يريدون. أي ثمة رسم بياني للمصطلح العالي ولتدرّجه حتى يصل إلى القاع, فمثلا: كان السياسيون, في البداية, يطلقون مصطلح <<العمليات الاستشهادية>> على تلك العمليات التي يقوم بها نفر من الشباب في تجمعات إسرائيلية, في مطلع الانتفاضة هذه, ثم خف  المصطلح وتم انتقاصه ليصبح <<العمليات الفدائية>>, ومن ثم <<العمليات التفجيرية>>, ثم <<العمليات الانتحارية>>, ثم <<العمليات الإرهابية>>. وبالتدقيق في هذا الهبوط المتدرّج المدروس يتبين أنه ليس سوى نقل الوعي من حالة إلى أخرى, للقبول بمفهوم يتم تكريسه عبر المصطلح الأخير.

هذه الكيفية تبدو حاذقة وجديدة, لكنها ليست كذلك, حيث تم تطبيقها على الكثير من القرارات الاستراتيجية الكبيرة, المتعلّقة بأمتنا العربية وبقضيتنا الفلسطينية! منها قرارات القمم العربية التي تدرّجت من <<اللاءات الثلاث>> في الخرطوم, إلى <<قبول الصلح>> في القمة الأخيرة. وكذلك قرارات المجالس الوطنية الفلسطينية التي هبطت من <<تحرير كامل التراب>> إلى توسّل العالم لتطبيق ما يسمّى <<خارطة الطريق>>!

ثمة عملية <<إستربتيز>> مرّت بها قضايانا العربية, حيث كانت هناك محطات <<خلع>> شكّلت نقاط تحوّل عميقة في وعينا الجمْعي, وحَمْلنا من موقف إلى آخر تحت دعاوى موضوعية وذاتية وظروف قاهرة!

وهنا يبرز غياب المثقفين والمفكرين الذين تماهوا مع ذلك التنازل, وهبطوا إلى الدرك الأسفل, الذي أعدّه الآخرون لنا جميعا , دون أن يثيروا خطورة هذا الهبوط غير الاضطراري إلى أرض الاستسلام والحيف, بل ما زالت تلك السلالم المشدودة منصوبة  لكل فئات أمتنا, لإنزالها من قمة مصالحها ومبادئها وأحلامها إلى هاوية التردّي والقبول بما يقدّمه الآخر النقيض.

وللتأكيد على أن مطابخ المحتلّين الغزاة ما زالت تُنتج لنا المصطلح المطلوب, وتصدّر لوسائلنا الإعلامية القوالب الجاهزة, التي بات يتلقفها معظم السياسيين والإعلاميين والكتّاب العرب, تبرز آلاف المصطلحات السياسية والإعلامية الدخيلة التي تفت  في وعينا, وتكسر مواقفنا, وتؤسس لفهم سياسي وعقدي جديد, يخدم الآخر ويحقق مآربه, مثل تلك المصطلحات التي برزت في العقد الأخير, ورحنا ندحرجها, دون وعي منا, لتكبر مثل كرة الثلج, التي غطّت على الحقائق, وطمست معالم الحقيقة والجريمة!

فمثلا , يستخدم الاحتلال الإسرائيلي والأمريكي, ومن لفّ لفهما, المئات من المصطلحات, في سياق تحقيق الإدانة لنا, ويعطي مدلولات جديدة, ينسخ المضمون القديم للمصطلح, لنجد أنفسنا, في النهاية, مثل الببغاء التي تردّد طلب قطع رأسها بيد الدخيل الذي احتل بيت صاحبها. ولأن الاحتلال يدرك خطورة المصطلح وتكراره, راح يعطي للأماكن والجغرافيا أسماءه ليلغي التاريخ الأصلي; تاريخنا, ويلغي بجغرافيته الجديدة جغرافيتنا وأسماءنا القديمة, بدءا  من أسماء القرى التي دمرتها دولة الاحتلال, مع النكبة وقبلها, مرورا  بحائط البراق, وليس انتهاء  بأسماء الشوارع والمداخل والأبواب, والألفاظ الجديدة التي رُحنا نُرصّع بها لغتنا اليومية, ونسينا أنها هجينة مُقحمة, حتى صدق قول القائل: إنهم يحتل ون لغتنا, أيضا . عداك عن عشرات المصطلحات والمفاهيم التي عُكِسَت مضامينها وراحت تقلب الحقائق رأسا  على عقب, بدءا  من مفهوم <<الإرهاب>> و<<المقاومة>> ومرورا  بـ<<الاحتلال>> و<<تحرير الشعوب>>, وليس انتهاء  بـ<<السلام>> و<<التعاون بين الدول>>.

بقي أن نشير إلى أن الكثير من المؤسسات غير الحكومية وجمعيات حقوق المواطن والمرأة والإنسان ودعاة الديمقراطية لهم تأثير خطير في تحوير المصطلح, واللعب بأولويات تقديم مصطلح على غيره, وتغليب مفهوم على آخر, خدمة للآخر النقيض, بقصد أو دون قصد, فمثلا  ي طالب هؤلاء بتحقيق حق  المرأة كأولوية على حق تقرير المصير, وكأننا لسنا محتل ين من النهر إلى البحر بكافة فئاتنا, أو يطالبون السلطة الفلسطينية بحفظ حقوق المواطن - وهذا مطلب حق -, ولا يطالبون العالم ليقف ضد غوائل <<إسرائيل>> التي تنال من حقوق الإنسان والحيوان والشجر في فلسطين, أو يُلحفون في حفظ حرية التعبير والتعددية السياسية ليكون ذلك مدخلا  للنّيل من الثوابت الوطنية, وجعل الخيانة وجهة نظر.

إننا مع كل أشكال الحرية وتكريس الحقوق, ولا شرط على ذلك إلا المزيد منها, لكنني أعني الرّد على وجهة النظر بوجهة نظر أخرى, وهذا من باب ممارسة الحرية والأخذ بالحقوق وتعميقها في حياتنا المعيشة.

الملاحظة الأخيرة هي أن الاحتلال ووسائله وأذرعه والجمعيات والمنظمات غير الحكومية التابعة له لا تعمل منفردة, بقدر ما يجمعها خيط واحد, ويقف أمامها <<مايسترو>> واحد يوزع الأدوار, ليقدّموا لنا في النهاية <<أوركسترا>> متكاملة, تأخذ الأبصار والأسماع والأفئدة.

ملخّص عام

إن وصف المشكلة بموضوعية ودقّة جزء مهم من حلّها, وإن المشكلة التي نواجهها, نحن العرب والمسلمين على اختلاف مواقعنا ومهامّنا وأدوارنا والتحديات التي تواجهنا, يمكن تلخيصها بالآتي:

أولا: الاحتلال, ففي الوقت الذي يتّجه فيه العالم إلى خلق واحترام قيم كونية تقوم على احترام الكرامة الإنسانية وصونها, فإن أمتنا العربية والإسلامية تتعرّض هي بالذات إلى الاحتلال بشكله الاستعماري القديم والبغيض. إن الاستعداء على أمتنا بالاحتلال العسكري المباشر يعني أن منطقتنا وشعوبنا تملك ما لا يملكه الآخرون, وتستطيع ما لا يستطيعه الآخرون, وأن الاحتلال المباشر هو الطريق الأسرع والأنجع لتعطيل قدرات هذه الأمّة.

ثانيا: تذرير المنطقة على أسس طائفية ومذهبية وإثنية وجهوية ودينية, ذلك أن القانون الاستعماري القديم <<فرّق تسد>> ما زال فاعلا , وما زال المستعمر القديم يستغلّه في منطقتنا من الرباط حتى كوالالمبور. إن فكرة تفتيت العالم العربي والإسلامي فكرة استعمارية  قديمة, لا تزال برّاقة في ذهن المستعمر الذي لم يتخل عن عقليته الاستعلائية, يقوم بإسقاط كل  الأقنعة بشرعنته للاحتلال المباشر.

ثالثا: خدمة إسرائيل وجعلها الدولة الأقوى والأكثر أمنا , وذلك من خلال إنهاك كل شعوب المنطقة, وإفقارهم وتجريدهم من مفاعيل قوتهم. إن استثناء إسرائيل من المعاهدات الدولية, وجعلها فوق القانون الدولي والإنساني, جزء من عملية أكبر وهدف أعرض. إن تقوية إسرائيل وتغذيتها وتصليبها من معظم دول الغرب يقابله إضعاف أمة العرب وسلبها مصادر قوتها.

رابعا: المحاولات المتكررة والدؤوبة لزعزعة المرجعية العليا والمقدسة لهذه الأمة, والجهد الحثيث لطمس الهوية وقطع العلائق مع كل  ما أنتجته الثقافة العربية الإسلامية من مُثل ونماذج وسياقات فائقة الكمال, وقد اتخذ هذا المنحى هجوما  مركّزا  على منابع الثقافة العريضة والعريقة, من خلال الإعلام والأدب والسينما ومراكز البحث والجامعات والمعاهد والاستشراق ومجالات العلوم الإنسانية المختلفة التي لا ضابط  قيميا  لها أو محددا  فكريا  يحكمها.

خامسا: عولمة اقتصادية فكرية سياسية ظالمة تسعى إلى هدم الكيانات المجتمعية, وتبهيت الفوارق بينها, وتحويلها إلى قطعان من المستهلكين بلا خصوصيات, وبلا كيانات سياسية صلبة ولا أنساق مجتمعية منيعة, إذ تستبدل بالحكومة الشركة, ويستبدل بالاقتصاد الوطني حساب  في البنك الدولي, وبالخبير الماهر يدّ عاملة رخيصة, ولا يعود للإبداع الحقيقي دور  ما دام هناك من يصدر النماذج والرموز للعالم كلّه. العولمة بمفهومها الذي نفهمه نحن هنا في هذه المنطقة, والذي نلمسه, أيضا , هو تحويل العالم إلى عبيد  وأسياد , شركات  عملاقة  وجماهير  فقيرة, استعمار  جديد  مرعب, لأنه لا يستعمل القوة العسكرية فقط, وإنما يحاول أن يعيد وعي الجمهور ذاته ليقبل الاحتلال باعتباره المنقذ.

سادسا: نظام عربي أعلن إفلاسه تماما , أخفق في الحرب وأخفق في السلم, وأخفق في التنمية, وفشل في تعبئة الجماهير, ذلك أن هذا النظام الفسيفسائي اعتمد مصالح متضاربة وأهواء مختلفة, أخفق وحدويا  وأخفق قطريا , فعاد ذلك كلّه على شكل جماهير  معطلة  مقموعة  رأت في الغياب أو <<الإرهاب>> حلا  لها.

سابعا: نخبة ثقافية تغريبية استوردت الرؤية والنظرية إلى واقع لا يشبهها ولا يطيقها, فعدلوا الواقع وغي روا البيئة  ليلائم  المستورد, فكان أن صارت غربة حقيقية للواقع من جهة, وللرؤية  المستوردة  من جهة أخرى. ويبدو أن ذلك أساس  مشكلة  ما يسمّى <<العالم الثالث>>, إنها عجزت عن خلق تجربتها الذاتية, إما لغياب الإرادة أو لارتهانها. هذا الوصف لا يتم إلا بالإشارة إلى استراتيجية الإدارة الأمريكية اليمينية الحالية التي وضعت أولوياتها للعقد القادم على النحو الآتي:

1. ترى أمريكا أن من حقّها استخدام  القوّة  المباشرة  ضد  أيّة مجموعة, وفي كل  مكان ومتى شاءت (حفاظا  على الأمن القومي). 

2. أن على العالم أن يقبل ويرضى بتدخلها في حل  أية مشكلة في أية بقعة من بقاع الدنيا, وأن يتم الأخذ بوجهة نظرها.

3. ترى الولايات المتحدة أن عليها أن تسبق العالم, المتقد م تكنولوجيا  واقتصاديا  وعسكريا  بخمس عشرة سنة على الأقل.

4. تعتقد الولايات المتحدة وترى أن يتهيأ العالم ويستعد لتقبل الأفكار والمبادئ الأمريكية وأسلوب حياتها وثقافتها, وأن تنتهي مشاعر الكراهية والرفض لها.

5. ترى الولايات المتحدة أن من أهدافها الكبرى إبقاء  إسرائيل  دولة  قوية  وآمنة  ومتقدمة  على كل المحيط الذي توجد  فيه.

6. ترى الولايات المتحدة أن من واجبها, وواجب <<العالم الحر>>, قطع  وتجفيف  مصادر  الإرهاب  المتمثّل  في الأصولية والعنف!

إن هذه الرؤية الأمريكية التي هي ثمرة  اليمينية  وتيارات  (اليهوسيحية) تجد  مجال ها الأرحب  وتجد تبريرا  لها في منطقتا بالذات, ذلك أن إسرائيل وما يسمى <<الإرهاب>> وبؤرة الاشتباك الدائم كل ها في منطقتنا, وبالتالي فإن ها الهدف  والملعب , أيضا.

الولايات المتحدة, وحتى تمرر  أهداف ها السابقة , تعمل  على إبقاء  وضع  التشظية  والتشرذم  والفقر  والفرقة  من خلال:

أ. تفريغ  الأجيال  العربية الإسلامية, وجعل ها سهلة  الانقياد , أشبه  بالقطعان, وذلك بتوظيف الأذرع  التقنية  وثورة  الاتصالات  وغسل  الأدمغة, بتحويل نظريات  علم  الاجتماع  والسياسة  إلى ما يشبه  التبرير  الاستعماري   والتفوّق  العنصري , وكذلك بعمليات الانتقاء  والنفي  لسرد  التاريخ  ورواية  الحضارة.

ب. تحويل  الولاءات , وتغيير  الأولويات  من خلال شراء العقول والمنظمات غير الحكومية الممولة جيّدا , وكذلك عمليات  التبادل  الثقافي   والعلاقات  والاتفاقات  السياسية  والاقتصادية.

ج. المطالبة  بتغيير برامج التعليم المدرسي   والجامعي  , وعمليات  التشويه في ماهية التعليم وكيفية  نتائجة, بحيث تنعدم إمكانات الإبداع في الوطن.

- هذه الهجمة  يتعرض لها العالم العربي والإسلامي بأكمله. أما في فلسطين, فإن الهجمة أشرس وأكبر , وعمليات  التفريغ والعدمية  ذات  أشكال  عدّة ومختلفة, ظاهرة  وخفيّة , وتدخل علينا بألف لبوس  ولبوس; ذلك أن فلسطين تُعد   <<منجم الإرهاب وأس   العنف>>, كما أنها الأنموذج  العالي الذي يجب  كسره , باعتبارها الأنموذج  الذي قدّم للعالم شكل الانتفاضة  ونوعية  المقاومة, والأهم من ذلك كلّه, إن فلسطين تشكّل نقطة  الخلاف  العميق  بين عالمين وبين رؤيتين, ولهذه الأسباب كانت الهجمة  على فلسطين  وشعبَها أكبر  وأعرض  وأعمق.

وقد تمثّلت الهجمة  الغربية  التي تقودَها إسرائيل والولايات المتحدة علينا كما يلي:

أولا: استهداف  مفاعيل  الوعي  ومكونات  الشخصية  وتأصيل  المدارك, وذلك من خلال وضع ظاهرة المقاومة وحصارها بالاتفاقات السياسية وإحداث تغيير  عميق  في الوعي الفلسطيني تمثّل في تحويل الآخر  النقيض إلى آخر  يمكن  التعايش  معه, وتمثّل, أيضا , في إنزال  السقوف  العالية  إلى مجرّد  المطالبة بتطبيق <<خارطة الطريق>>.

ثانيا: المطالبة  بوقف ما يسمّى <<التحريض>> على إسرائيل, وذلك من خلال  نصوص  الاتفاقات  السياسية  إياها. إن وقف ما يسمى <<التحريض>> على إسرائيل يعني تغييرا  عميقا  في الوعي والمصطلح واللغة, وعمليا , فإن هذا يعني تغييرا  في المنهاج المدرسي   ولغة  الإعلام  ولغة السياسة, فلا يمكن ذكر  الجهاد والقدس والاحتلال, شعرا  أو مثلا  أو قصة أو قرآنا , بمعنى تفريغ المنهاج من محتواه الوطني   والديني   والجهادي  , ولا ننسى في هذا الصدد اشتراطات البنك الدولي   الذي يموّل  طباعة الكتب  الخاصة  بمحتوى المنهاج, وضرورة ابتعاده عن ما يسمّى <<التحريض>>, وهذا ينطبق  على الفلسطينيين ولا ينطبق  على الإسرائيليين.

ثالثا: عملت إسرائيل على هدم العديد من المدارس والجامعات وإغلاق ها, وألغت الحياة  الفكرية  والفنيّة  في فلسطين  إلى حد   كبير, وأوقفت الحياة  التعليمية  إلى حد   بعيد  وعطّلتها, ما أنتج جيلا  عصابيا  يرى العنف  أساسا  للتعامل مع الحياة, وبهذا الصدد يمكن  الإشارة  إلى أن   أطفال  فلسطين الذين  يرون  الإذلال  والقتل  والهدم  والاعتقال  كل   لحظة  من لحظات طفولتهم إنما يعيدون الإرهاب  الإسرائيلي   إلى نحوره.

رابعا: الجامعات  الفلسطينية  هي جامعات  خاصّة  وتخضع  لاشتراطات  الممولين, أيضا , ما خلق  جوا  أكاديميا  تغريبيا  إلى حد   ما, إذ لا ي نقل الشارع العربي إلى قاعة  المحاضرات, بل يُنقلُ الشارع  الغربي   إليها, كما أن  ربع  المحاضرين  في بعض الجامعات  هم من الأجانب, يضاف إلى ذلك غياب  مراكز البحث ,وعدم وجود  برامج  لتطوير  قدرات  المدرسين, وبما إن   التعليم  غير  مجاني   فإن   فرصة  الدراسة  لا تُتاح للجميع.

الجامعة  هنا تقومُ - حَسْبَ اشتراطات  الممولين - بعملية تغريبية أخرى, وقد يكون من المستغرب أن تجد معظم طلبة الجامعات لا يعرفون العربية قدر استيعابهم وافتتانهم باللغات الأخرى.

خامسا: واجهة  تغريبية  أخرى هي واجهة  الصحافة, فهي, أيضا , صحافة  خاصة  يقبض معظمها من البنك الدولي   والمانحين  ضمن  اشتراطات , منها تكريس  مصطلحات  جديدة  لا تزعج  إسرائيل  والولايات  المتحدة.

سادسا: أما د ور  العبادة فإنها ستخضع , على ما يبدو, لرقابة  غير  مباشرة  حتى لا تكون  مصدرا  للتحريض  والأصولية, وبالتالي تزويد  الخطباء  بأوراق  صفراء  من العهد العثماني   تتعلّق بتحريم الأكل  بملاعق  من ذهب.

سابعا: أغرق  الممولون  الضفة  والقطاع  بمنظمات  غير  حكومية  بلغ  عدد ها حتى اللحظة  أكثر  من ألف  منظمة  تعمل  في حقوق  الإنسان  والمرأة  والطفل  والديمقراطية  والبحث  والتنمية, لكن  معظمها في الحقيقة  تؤد ي ثلاثة أدوار لا غير: أولها: أنها تحصل  على أربعين  بالمائة من المبالغ  المخصصة  للشعب  الفلسطيني. ثانيها: أن   هذه  المنظمات تنفق  تلك  المبالغ  على نشاطات  مشتركة  مع منظمات  إسرائيلية تعمل  في المجال ذاته, ما يخلق جسورا  للتطبيع. ثالثها: تقوم هذه المنظمات  بجمع  المعلومات , وتزوّد  الغرب  بها, كما أنها تقوم بقلب أولويات  المجتمع  الفلسطيني  , فبدلا  من المطالبة  بحق   تقرير المصير للشعب الفلسطيني, مثلا , تطالب بحق   المرأة , وهو طلب  شرعي  , لكنه كلام  حق   يراد  به باطل.

ثامنا: المؤسسة  الرسمية  الفلسطينية  تعاني من شح   الإمكانات, وعدم  تعوّد  المجتمع  الفلسطيني   المهشّم على وجود  مؤسسة  رسمية, يضاف إلى ذلك غياب  استراتيجيات  العمل  الثقافي  , تُخطط  للمضمون  والعلاقة  مع الذات ومع المحيط , وكذلك إيجاد الردود تجاه الإسرائيلي أكان مؤرّخا  جديدا  أم حركة  سلام أم يسارا  أم حتى يمينيا  متطرّفا . فعندما حاولت  المؤسسة  الرسمية  التعاطي مع هذا البعد, بالذات, وقعت  في فخ   التطبيع  من خلال  قوائم  التواقيع  المشتركة  التي ساوت بين الضحية  والجلاّد, وتناست القدس  واللاجئين, ولم تحمّل  الاحتلال  مسؤولية جرائمه .

تاسعا: تهديم  الرموز  واحتلال  الهوامش, ونعني بذلك النجاح  النسبي   الذي حقّقه  الآخر  على إطلاقه في تحويل  أحلامنا إلى جنون, وآمالنا الكبيرة  إلى عدم  واقعية, فالمقاوم  صار إرهابيا , والوحدوي   صار  غير  واقعي, والعروبة  صارت أضحوكة  والإسلام  صار  موضع  شبهة . إن تهديم  رموز  الأمة  هي من الإهانات  التي يجب  أن لا تنسى, وأن لا تغتفر.

عاشرا: يمكن الإشارة  إلى النجاح النسبي  الذي حققه الآخر  النقيض  على إطلاقه  في صناعة  الحدث  وصناعة  صداه, أيضا , وذلك عن طريق  تقديم  الحلول وتقديم بدائلها, حتى يمنع المستعمر الشعوب من اجتراح بدائ لها وزعمائها بنفسها. إن الآخر على إطلاقه يعمل على تشويه خيارات الجماهير من خلال وصف ها بالإرهاب والتطرّف والأصولية, ليتمك ن  من تقديم بدائله التي تخدم مصالحه.

حادي عشر: المطالبة  الدائمة  بأن يتم   تناول  الدّينِ بطريقة  مغلوطة  ومجزوءة , وأن تستغل   النصوص  المقدسة  في غير مكانها وفي غير سياقاتها.

ثاني عشر: توظيف  الأشكال  الإبداعية  المؤثرة  لخدمة أهداف الآخر, وذلك من خلال التركيز على قضايا معينة  في السينما والدراما والأغاني.

ثالث عشر: إغراق السوق بنماذج  وذائقة  استهلاكية هابطة, من خلال  الأفلام  والدعاية  والجنس  كبديل  عن الثقافة  الحقيقية  ذات  المفاهيم  التي لها علاقة  بجوهرنا.

رابع عشر: ضرب  الاقتصاد  والبنية  التحتية  الفلسطينية لإلحاقه بالاقتصاد  الإسرائيلي  , لتعميق التبعية, وجعل  المجتمع الفلسطيني عاملا  وليس زارعا  أو صانعا , للوصول  إلى المقولة  الإسرائيلية: <<ثراء  فردي  فلسطيني  وفقر  قومي>>.

بعد ذلك  كلّه, ما المطلوب  إذا? ماذا علينا جميعا  أن نفعل? وكيف نواجه هذه الهجمة  الشرسة  المحكمة والمتقنة والتي تشارك فيها كل الأذرع  التقنية  والفنية  والسياسية  والفكرية  والاقتصادية , وكأن  هناك <<مايسترو>> واحد  يوجه هذه العملية  الأضخم من نوع ها في تاريخ  الاستعمار  كله.

وقبل  كل   شيء, فإن  كلامي هذا أ وجه ه للمثقفين , باعتبارهم  القلعة  الأخيرة  التي يجب  أن لا تستسلم وأن لا تركع  أو تخضع.

هذا نداء  وتحذير  لكل  المثقفين  العرب  والمسلمين بأن  عليهم خلق  جبهة  ثقافية  عريضة  غير  رسمية  للوقوف أمام غول  العولمة  والاستعمار والتطبيع, والتمسك بالمبادئ الكبرى, هذه اللحظة  بالذات  هي لحظة  التمسك  بالمبادئ الكبرى, هذه لحظة  الامتحان  الصعب, ليس هناك  من داع  للمثقف  الملتزم  أن يساوم  أو يتوصل  إلى تسوية, سيظل  الآخر  النقيض  نقيضا , وليس آخرا  فقط, أو أخا  عدوّا.

هذا نداء  وتحذير  للمثقف الفلسطيني والعربي, أن يخلق لنفسه دورا  مختلفا  عن دور السياسي, وأن لا يتبعه وأن لا يطيعه, وأن لا يتمثل  لغته أو تسوياته. للمثقف  الفلسطيني   والعربي   أن يعمل  داخل  مجتمعه لكبح  الهرولة والتفريط واليأس والفراغ والعدمية, وللمثقف الفلسطيني والعربي أن يؤكد  ثوابت الأمة التي بها نجت  وانتصرت, وأن يتمس ك بالحلم  الكبير الأبدي .

للمثقف الفلسطيني والعربي أن ينبه إلى مخاطر تغيير المناهج, وإلى إعادة  النظر  في نتائج الأبحاث, وأن يطلب  من الجامعات  أن تعيد  النظر  في مناهجها وأساليب  تدريسها.

وللمثقف العربي والفلسطيني أن يعري  ما تقوم  به بعض  الجهات  والمنظمات  من تسويق  مفاهيم  لامعة  وبراقة  تخفي تحتها الدمار  والهلاك.

وللمثقف  الفلسطيني والعربي أن لا يتماهى مع شعارات  القطرية  والجهوية  والحدودية بين الشعب  الواحد, وأن لا يعلي من شأن الكنعانية  أو الفينيقية  أو الفرعونية  أو البربرية  أو غير ذلك من دعوات  ميتة  ومنتحرة.

وللمثقف العربي الفلسطيني أن يبحث  عن مصادر قو ته الحقيقية, وعن تلك المفاعيل  الثقافية الموحدة  والمجمعة , وأن ينحاز  إلى خيار  الجمهور, لا أن يزيّفه أو يبهته أو يشوهه.

وللمثقف  العربي   والفلسطيني   أن يتصد ى للحملة  الظالمة  على العرب  والمسلمين, وأن يعمل  بلا توق ف  في إيضاح المعاني والمفاهيم التي توضح الفروق  بين الاحتلال  والإرهاب. فلا نخجل  من ثقافتنا ولا نعتذر  عنها, للآخرين أن يعتذروا عن مذابح هم ومجازرهم, في ظل  استقبال  الرئيس  بوش استقبال  الفاتحين  عند زيارته  هذه المنطقة, إنه لم يكن فاتحا , بل كان محتلا  لأرضي ن أهدتا العالم حضارات  وديانات ستبقى إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.


تصميم الحاسب الشامل