ما بعد البنيوية:
 ديريدا, التفكيكية, ومابعد الحداثة

 

خميسي بوغرارة


هذا النص عبارة عن ترجمة للفصل الخامس من كتاب <<النظرية الأدبية: الأساسيات<<(2001):

 Literary Theory: The Basics>> للناقد هانس بارتنسHans Bertens, الذي يأتي في أوج الحاجة إليه ونحن ننتقل من ثورة النظرية إلى مرحلة جديدة تتسم بالقراءة المقربة والتحليل الثقافي للنصوص الأدبية; فهو يقود خطانا عبر الاقترابات الرئيسية من الأدب ويضع كل حركة أو مدرسة نقدية داخل إطارها التاريخي والسياسي مدعما إياها بأمثلة حية من أكثر النصوص تداولا وشهرة; ويبين أن النظرية ليست مفيدة فحسب بل قد تغير طريقتنا في القراءة والتصور بصفة جذرية.

<<لا يمكن أن نتصور مابعدالبنيوية بدون البنيوية; ولكن مابعدالبنيوية - بمساءلتها الجذرية لإيمان البنيويين باللغة وثقتهم فيها وبإمكانية التحليل الموضوعي - تزعزع بطريقة جدية إنجازات البنيوية. فمابعدالبنيوية, في صيغتها التفكيكية وخاصة عند جاك ديريدا, تركز على اللغة وترى أنها, حتى وإن لم يكن هناك بديل, أصلا وسيلة تواصل غير مستقرة ولا يمكن الاعتماد عليها; ولأننا نعتمد على اللغة في التعبير عن إدراكنا للواقع وفي صياغة معرفتنا لذلك الواقع, فإن الإدراك والمعرفة البشريين مشوبان بالنقص أصلا. وفي حركة مشابهة, ترى مابعدالبنيوية أننا لا نملك معرفة حقيقية حول <<أنفسنا>>, وأن هويتنا أيضا فريسة لعدم استقرارية اللغة. ويبين النقد التفكيكي الذي يعتمد على مثل هذه الأفكار أن عدم استقرارية اللغة دائما يفكك التماسك الذي تتظاهر به النصوص.

إن الروايات مابعد الحداثية التي تبدأ في الظهور في الستينيات وتتواصل في السبعينيات والثمانينيات قد تخلت عن ذلك التماسك المزعوم, كما أنها أيضا, من خلال التقنيات والإستراتيجيات التي تتبناها, تثير قضايا اللغة والهوية وغيرها. أما النقد مابعدالبنيوي الذي يتجاوب مع هذا النمط من الكتابة فهو يقبل بهذه الأرضية ويربطها مع النظرية ما بعد البنيوية>>.

مقدمـــة

لقد سبق أن اقترحت أن الستينيات وأوائل السبعينيات تمثل منعرجا حاسما أو حدا فاصلا في النقد الأنجلوأمريكي, كما أشرت أيضا إلى أن النقد السياسي - الذي تعرضت له في الفصل السابق (القراءات السياسية: السبعينيات والثمانينيات) - يبدو تقليديا مقارنة بالتطورات اللاحقة - ليس فقط في مجال الدراسات الأدبية المتأثرة بالسياسة, بل في الدراسات الأدبية بصفة عامة. ولكن كيف يمكن أن يكون النقد الماركسي والنقد النسائي والنقد المهتم بقضايا العرق تقليديين بينما كانوا في نظر الكثير من النقاد الأكاديميين على قدر هام من الخطورة والتطرف? ما من شك أن هذه المناهج كانت راديكالية في ظروف السبعينيات, لكنها, كل بطريقته الخاصة, متممة لبعض الاتجاهات والميول. فالنقد النسائي غيرالماركسي والنقد الزنجي يعملان داخل تصور ليبيرالي إنساني للفرد: الذات في نهاية الأمر حرة, تحدد نفسها ولا يحددها غيرها (الخلفية الاجتماعية, الطبقة الاجتماعية, الوضع الاقتصادي, الخ...). كما أن هذا النوع الليبيرالي الإنساني من النقد النسائي والنقد الزنجي بطبيعة الحال متفتح جدا على الأساليب المستعملة للحد من حظوظ وخيارات (وهذا أقل ما يمكن أن يقال) النساء والسود - نساء ورجالا - في المجتمع بسبب  قوى التفرقة الاجتماعية, ولكنه يؤمن في نهاية المطاف بأن الذات فاعل أخلاقي حر, كما يعتقد أيضا أن <<أحسن<< ما قيل وما كتب من طرف تلك الذوات له دلالة أبدية. أما النقد الماركسي والطراز الماركسي من النسائية والنقد الزنجي فهم ينفون وجود مثل هذه الذات الحرة المستقلة, فلقد رأينا في شرح ألتوسير لميكانيزمات الإيديولوجيا أن <<الفاعل يفعل في حدود ما يفعله به...النظام>>. فكما في الأنثروبولوجيا البنيوية, يعتقد الفرد الفاعل عند ألتوسير أنه يقوم بفعل ما بمحض إرادته بينما الأمر في الحقيقة غير ذلك حيث أن بنية سابقة تقوم بذلك الفعل من خلاله أو عبره. وللنقد الماركسي أيضا فرضياته الأساسية, فهو يفترض مثلا أن التحليل الماركسي للتاريخ كصراع طبقي من أجل الهيمنة والمفاهيم الماركسية كالاستلاب والإيديولوجيا تعكس الواقع كما هو وكما كان دوما. وعلى اختلاف فرضياتهما أصلا فإن الإنسانية الليبيرالية والماركسية تعتقدان اعتقادا راسخا بمتانة أسسهما الفكرية, فكلاهما لا يرى أن تصوره للواقع صحيح فحسب بل, وهذا هو الأهم, أنه بإمكان الإنسان أن يحصل على تصور حقيقي دقيق للواقع.

قد يبدو هذا غريبا بعض الشيء لكن فكرة إمكانية تصور حقيقي للعالم أصبحت الآن <<تقليدية>> في الدراسات الأدبية, ولو أن هذه الفكرة ليست مخطئة بالضرورة إلا أنها بالنسبة للعديد من المنظرين في مجال النقد اليوم فكرة غير ممكن العمل أو الاعتقاد بها, ففكرة أنه بإمكاننا معرفة الواقع في نظرهم غير مؤسسة نظريا. هذه الفكرة التي تسمى ب-<<الجوهرية>>essentialis  لأنها ترى أنه بإمكاننا معرفة <<جوهر>> الأشياء هي بالضبط ما يهدف إلى تقويضه المفكرون مابعد البنيويين الذين سأتعرض لهم في هذا الفصل والفصل الذي يليه. فكما أشرت سابقا يرى العديد من النقاد أن حجج مابعد البنيويين ضد الجوهرية تبدو مقنعة, ولو أن العديد أيضا غير مقتنع, ولذا ما زلنا نسجل في الساحة النقدية المعاصرة حضور النقد الليبيرالي الإنساني (في عدد من الأشكال منها النقد الجديد والنقد الليفيسي - نسبة إلى الناقد الإنجليزي ف. ر. ليفيس - والنقد النسائي والنقد الإفريقي-الأمريكي) بالإضافة إلى بعض الأشكال <<التقليدية>> من النقد الماركسي. كما أن هناك عددا من النقاد يواصلون العمل بافتراضات تقليدية رغم اقتناعهم بأن معرفة العالم على حقيقته غير ممكنة, فنجدهم يسلمون بأن تلك الافتراضات لم تعد تتمتع بنفس مكانتها السابقة ولكنهم يواصلون تقديمها كبرنامج أو نقطة انطلاق أو منظور يتيح لهم قول أشياء مفيدة ومنيرة حول النصوص الأدبية, وهم في كل ذلك على وعي دائم بأن ذلك البرنامج أو المنطلق أو المنظور ليس نهائيا بل محل نقاش واختلاف. يقترح الناقد الماركسي الأمريكي فريدريك جايمسن, مثلا - في مقال نشره سنة 1989 تحت عنوان <<الماركسية ومابعد الحداثة>> - ألا نعتبر مفهومي <<البنية التحتية>> و<<البنية الفوقية>> نموذجا - أي تمثيلا حقيقيا للعالم - بل فرضية <<غير دوماتية>>: أي <<نقطة انطلاق ومشكلة في نفس الوقت.>>(1) لقد أصبح مجال الدراسات الأدبية متنوعا متشعبا منذ وصول مابعد البنيوية في أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات, وغدا عالم النقد الأدبي المعاصر مزيجا مثيرا وجذابا من القديم والجديد والقديم بأثواب جديدة (وهذا ليس حكما سلبيا), ولكن دعنا الآن ننظر في مابعد البنيوية التي كان لها أثر عميق على ممارستنا لدراسة الأدب.

ما بعد البنيوية: المفارقة الكريتية والحل الألباني

إن مابعد البنيوية تمثل في آن واحد استمرارية للبنيوية ورفض لها - وهذا لا يخص فقط البنيوية الأدبية بل أكثر منها بنيوية ليفي-ستروس الأنثروولوجية.  وفي الواقع نجد أن مابعد البنيوية في مسقط رأسها, أي في فرنسا, تدخل تحت كنف البنيوية. وبما أن مابعدالبنيوية تأخذ ببعض أهم أهداف البنيوية وبما أن ظهورها يعود إلى النصف الثاني من الستينيات عندما كانت البنيوية الأدبية تتطور وتتأكد, فإنه من المعقول أن نعتبرهما فرعين من نفس الشجرة الضدإنسانوية anti-humanist المتأثرة باللسانيات, ولكن تقيدا بهدف هذا الكتاب سأعمل بالمصطلحات العادية. سأتعرض أولا لمابعد بنيوية الفيلسوف الفرنسي جاك ديريدا (1930) أو ما يعرف أكثر بـ<<التفكيكية>> لأنها كانت أول ضرب من مابعد البنيوية يصل إلى الولايات المتحدة الأمريكية لينتشر منها في العالم الأنجلوساكسوني ويكون له أثر كبير على الدراسات الأدبية الإنجليزية والأمريكية بصفة عامة; ثم أتطرق بعد ذلك إلى تشعبات مابعد البنيوية المختلفة التي مهدت لها التفكيكية في العالم الناطق بالإنجليزية, ولو أنها لا تنحدر في كل الحالات من كتابات ديريدا; ففي أواخر السبعينيات استحوذ مفكرون <<مابعد بنيويين>> آخرون, وخاصة منهم المؤرخ الفرنسي ميشال فوكو (1926-1984), على اهتمام نقاد الأدب. وفي الفصول الموالية لمناقشة مابعد البنيوية سأتعرض إلى الاقترابات الرئيسية من الأدب التي أتاحتها مابعد البنيوية والتي مازالت تهيمن على الدراسات الأدبية.

لا يمكن أن نفكر في مابعد البنيوية بدون البنيوية, فهي كما سبق أن أشرت استمرار لمنظور البنيوية الضدإنسانوي, الواضح, كما أنها تسلم باعتقاد البنيوية الراسخ أن اللغة هي مفتاح فهمنا لأنفسنا وللعالم من حولنا. ولكن رغم تقاسمهما للموقف الضدإنسانوي والتركيز على اللغة فإن مابعد البنيوية تقوض البنيوية بمساءلتها المتمعنة - أو <<تفكيك>>-ها - لبعض افتراضاتها الأساسية والمناهج المنبثقة عن تلك الافتراضات.

تواصل مابعد البنيوية اهتمام البنيوية باللغة, لكن نظرتها للغة تختلف تماما عن نظرة البنيوية إذ أن اللغة في الحقيقة تمثل جوهر الاختلاف بينهما. فكما رأينا طبقت البنيوية تبصرات أو خلاصات تخص اللغة أصلا على الثقافة بصفة عامة بينما طبقت البنيوية الأدبية نفس التبصرات على النصوص الأدبية, إذ يبدو أنه من الممكن أن ننقل فكرة وجود بنية كامنة ومبدأ الاختلافية من مجال الدراسات اللغوية إلى دراسة مجموعة كبيرة من الأنشطة البشرية - وربما كل الأنشطة البشرية - على الأقل من حيث الأشكال المعينة التي تبدو عليها. من الواضح أننا لا نحتاج إلى البنيوية لنشرح حاجتنا إلى الأكل ولكنها قد تكون جد  مفيدة فيما يخص الأشكال المختلفة التي يظهر عليها الأكل وكل ما يتعلق به في الثقافات الكثيرة التي تطورت عبر التاريخ. وإذا أمعنا النظر فإننا غالبا ما نتأكد أكثر من صحة المبدأ القائل بأن المعنى (وبالتالي القيمة) مشروط بالاختلاف.

فالبنيوية إذ ا تعطي مكانة مرموقة للغة ولكنها لا تمعن النظر فيها ولا تسائلها بالقدر الكافي; فهي تعرف أن ليس هناك أي علاقة طبيعية بين الكلمة وما تدل عليه, أي مرجعها - بمعنى آخر, أن العلاقة بين الواقع واللغة التي تصور ذلك الواقع اعتباطية; لكنها لا تتفحص النتائج التي يمكن أن تترتب عن تلك المسافة التي تفصل اللغة عن العالم. غير أن هذا, على الأقل من جهة, ليس بالأمر الغريب, فكلنا نعرف, وإن كلفني ذلك تكرار ما قلته في الفصل المتعلق بالبنيوية, أن لغات أخرى تستعمل كلمات أخرى لتدل مثلا على بيت أو شجرة أو كلب, ولكن ذلك لا يؤثر على ثقتنا في لغتنا, ولا نتساءل أبدا عما إذا كانت كلمة chien أو Hund, وهما مقابل كلمة <<كلب>> بالفرنسية والألمانية, أنسب للدلالة عن مرجعها من كلمة <<كلب>>. قد نتساءل عما إذا كان النبيذ الفرنسي أو الجعة الألمانية أحسن مما ينتج في بلاد الإنجليز, أو عما إذا كانت سياراتهم أرشق وأمتن ولكننا لا نتساءل عما إذا كانت اللغة الفرنسية أو الألمانية أنسب للتعبير عن الواقع وتصوره. إن لغتنا تبدو لنا طبيعية جدا حتى أننا نكاد لا نتصور أن ثقتنا في لغتنا قد تكون في غير محلها. 

ومن جهة أخرى نحن نعلم منذ زمن بعيد أن اللغة قد تكون أحيانا لزجة متملصة جدا. لنأخذ مثلا مفارقة كلاسيكية مشهورة مثل مفارقة الكريتي (من جزيرة كريت) الذي يقول إن كل الكريتيين كذابون: إذا كان كل الكريتيين كذابين فمعنى ذلك أن حكم الكريتي صحيح - ولكنه هو نفسه في نفس الوقت يثبت أنه غير صحيح لأنه, رغم كونه كريتي, لم يكذب على الأقل هذه المرة. بطبيعة الحال بإمكاننا أن نجد حلا لمثل هذه المفارقات, فالمشكلة هنا تكمن في أن المتكلم كريتيا . فلو كان المتكلم من ألبني (مدينة في ولاية نيويورك) لكان الحكم بكل بساطة صحيح أو غير صحيح. هناك مشكلة لأن المتكلم عضو في المجموعة المقصودة بالحكم, بحيث أن كل ما يقوله عن الكريتيين يعنيه هو أيضا. غير أن اللغة يمكن أن تودي بنا في مآزق غريبة, لأن المفارقات من صنف المفارقة الكريتية تبين أننا, على الأقل فيما يخص بعض أنواع الأحكام, نحتاج إلى أرضية خارجية أو منظور خارجي, نقطة مرجعية خارجية: شخص من ألبني, نيويورك, مثلا. لذا, فلكي نقول شيئا ما عن اللغة يجدر بنا لو أمكننا ذلك أن نكون خارج اللغة, أو يكون لدينا منظور خارجي, ولكن ليس هناك منظور خارج عن اللغة, لا يمكننا أن نتكلم عن اللغة إلا بواسطة اللغة, ومهما نقول فإننا دائما داخل اللغة.  

إن هذا لا ينطبق فقط على اللغة بل أيضا على البنيات الثقافية الكبرى التي كان البنيويون يسعون إلى فهمها وتحليلها. فإذا افترضنا أن بنيات اللغة والثقافة تتكلم عبرنا أو من خلالنا وليس العكس, فإننا دائما نوجد داخل تلك البنيات, وعند ذلك نلقى مشكلة قد تكون صعبة للغاية, فلو أردنا مثل البنيويين أن نقول شيئا ما عن تلك البنيات, فإننا نجد أنفسنا في وضع يشبه وضع الكريتي الذي يطلق حكما على كل الكريتيين بما فيهم هو نفسه: أي أننا داخل البنيات التي هي موضوع أحكامنا. إن البنيويين لم ينظروا في هذا المشكل بل كانوا يعملون وكأنهم خارج البنيات - أي وكأنهم من ألبني, نيويورك, وليس من كريت.

وه م الحضور

إن استحالة الكلام عن اللغة من موقع خارجها يعتبر مشكلة, على الأقل على المستوى النظري, ولكن هناك مشكلة قد تكون أهم منها بكثير; فكما أشرت سابقا, مهما كانت اللغة التي تعلمناها ونحن صغار فهي دائما تبدو لنا طبيعية تماما ومناسبة للعالم الذي نعيش فيه, ولكن ما هذه <<الطبيعية>>? أو بالأحرى كيف يمكن أن <<ندرك>> أو <<نعيش>> شيئا على أنه طبيعي ونحن نعرف تمام المعرفة أنه اعتباطي: العلاقة بين اللغة والواقع? ولماذا لا تقلق تلك الاعتباطية راحتنا باستمرار? والجواب بسيط جدا: الاعتباطية لا تقلق راحتنا لأننا نعتبر اللغة وسيلة فقط, كشيء يمك ننا من القيام بشيء أو التعبير عن أنفسنا. فكما لا يهمنا أن نكتب بقلم رصاص أو بقلم فاتر أو بشوكة تقليدية وكما لا يهمنا لون الحبر الذي نستعمله لأننا فقط نستعمل كل ذلك للتعبير عن شيء ما <<سابق>> للغة: شيء ما موجود في ذهننا قبل أن نلجأ إلى اللغة لنعطي له شكلا بواسطة الكلمات. فنحن نعرف مسبقا ما نريد قوله ثم نختار الكلمات المناسبة, وهذا هو أساس الثقة التي نحس بها في اللغة: تأك  دنا من أننا نعرف ما نعرف, تأك  دنا من أننا على اتصال مباشر وفوري مع أنفسنا, وتأك  دنا من قدرتنا على التعبير بواسطة الكلمات عما نعرف وعما نحس به. نعرف ما هو حاضر أمامنا وبالتالي ما هو حقيقي.

لماذا هذا التأكيد على كوننا على اتصال مباشر وفوري مع أنفسنا? تصور أنك تقف عند ملتقى طرق تنتظر تغير الضوء, ثم يأتي أحد من الخلف فيضربك ويغمى عليك, ثم تعود إلى وعيك في غرفة مظلمة معزولة الصوت وليس لديك أي فكرة عما حدث ولا عن مكان وجودك. لا يمكن أن تتأكد من أي شيء. وقد تكون الغرفة غير مظلمة لأنك تعتقد أنك فقدت بصرك. في هذه الحالة ماذا تعرف? كل ما باستطاعتك معرفته هو أنك خائف جدا ومنفعل. أنت متأكد من أنك تعرف أنك خائف ومنفعل لأن ذلك <<حاضر>> أمامك أو في ذهنك. فالحضور إذا هو أساس المعرفة الحقيقية التي تملكها واللغة تسمح لك بالتعبير عن تلك المعرفة للعالم الخارجي. إن هذه الثقة في الحضور واللغة (وهي ثقة مخطئة في نظره) هي ما يسميه الفيلسوف الفرنسي جاك ديريدا بـ<<مركزية الكلمة>> أو <<الكلممركزية>>.  

إن ثقتنا في اللغة مبنية على ما يحدث - أو على ما نظن أنه يحدث - عندما نستعملها نحن أنفسنا, وليس على سماع الآخرين يتكلمون, فنحن نعرف بالتجربة أن سماع الآخرين لا يضعنا بالضرورة في تواصل مع وضعيتهم الحقيقية, فقد يكونون كاذبين, أو غير قادرين على التعبير عما في أنفسهم. كذلك لا تعتمد ثقتنا على الكتابة: لأن الكتابة, كالكلام, غير موثوق بها تماما كما يمكن أن تكون غير مفهومة, ثم إنها لا تعطي حتى فرصة مساءلة الكاتب (لأنه غائب) إذا ما لم نفلح في فهمها; أي عندما يكلمنا شخص ما بإمكاننا مقاطعته ومساءلته إذا لم نفهم ما يقول, كما يمكننا أن نلاحظ سلوكه وملامحه إذا ساورنا شك في صدقه, ورغم أنه لا يمكننا أن نتأكد من صحة ما يقول - أي الحقيقة المعبر عنها بالكلمات -  بصفة قطعية إلا أن حظنا في الوصول إلى الحقيقة يبقى أوفر مع الكلام منه مع الكتابة.

دفاعا عن الغياب

لقد كانت التقاليد الفلسفية الغربية والفكر الغربي الشائع على العموم دائما أكثر إيمانا وثقة بالكلمة المنطوقة منه بالكلمة المكتوبة, ولكن هل يمكن أن نثق في الكلام? أو, لنلج إلى لب الموضوع: هل يمكن أن نثق بالكلمات التي ننطق بها نحن أنفسنا?  <<لا>>, يقول ديريدا الذي أخذت من كتاباته الجملة التي افتتحت بها <<دفاعا عن الغياب>>, فدعني ألخص أفكاره الرئيسية. أولا, يقول ديريدا إن اللغة أصلا لا يمكن أن نثق فيها, ولقد رأينا أن اللغة تعمل على مبدأ التفريق أو الاختلاف, وأن ما يسمح للكلمة بأن تدل على شيء معين هو اختلاف تلك الكلمة عن غيرها من الكلمات وليس علاقة مباشرة مع ذلك الشيء أو المرجع. لكن تلك الكلمات تعمل داخل نظام لغوي (لغة) ليس له علاقة مباشرة مع العالم الواقعي, ولا توجد كلمة واحدة هي على شكل معين لأنها لا يمكن أن تكون على غير ذلك الشكل, أو لأن شكلها يتحدد بفعل ما تدل عليه, أي مرجعها (وينطبق هذا حتى على الكلمات الفطرية مثل تلك التي نعبر بها عن الألم, فهي أيضا تختلف من لغة إلى أخرى). فلو وجدت مثل تلك الكلمة لكان خاضعا تماما للواقع ولشك ل عنصرا ثابتا <<حقيقيا>> داخل النظام اللغوي, ولأمكننا أن نبني كلمات أخرى حولها  وبذلك نتمكن من ترسيخ اللغة بعمق في الواقع, وعند ذلك سيحدد الواقع شكل لغتنا. ولكن والحال غير ذلك, علينا أن نتعامل مع دلالة ينتجها مبدأ الاختلاف وليست مشتقة مباشرة من الواقع الذي تدل عليه. وكما يقول سوسير, في اللغة نجد فقط الاختلاف, بدون أحكام إيجابية, وبناء على ذلك يقول ديريدا أن الكلمات ليست أبدا مستقرة أو ثابتة في الزمن.

أولا, ولأن المعنى الذي نضفيه على الكلمات مرده مبدأ الاختلاف, فإن ذلك المعنى دائما ملوث, معكر, غير صاف. فكر في أضواء المرور: كلنا نعرف <<دلالة>> الأحمر والأصفر والأخضر ولا يخطر على بالنا أبدا أن تلك الدلالة غير <<صافية>>. عندما نرى <<أحمر>> ألا نفكر بشكل واع في <<الأصفر>> و<<الأخضر, وقد يرى البعض أن الأصفر والأخضر حاضران في الأحمر, فالثلاثة معا يشكلون بنية اختلافية (مبنية على الاختلاف), والبنية - بما فيها الأصفر والأخضر - هي التي تعطي الأحمر معناه, لأن الأحمر في ظروف أخرى قد يكون له معنى مغايرا تماما. لقد استعمل أحمر الورود الحمراء طوال قرون كرمز للحب, وبالتأكيد ليس بمعنى <<قف>>, لذلك فأحمر أضواء المرور يحتوي على آثار أو بصمات الأصفر والأخضر, وليس أحمر صافيا نقيا. يرى ديريدا أن نفس الشيء ينطبق على الكلمات:

كل كلمة تحتوي على آثار أو بصمات كلمات أخرى - نظريا, على آثار أو بصمات كل الكلمات الأخرى في النظام اللغوي: إن مفهوم المدلول ليس حاضرا في نفسه ولنفسه أبدا, أو في حضور كاف يدل على نفسه فقط. أساسا وقانونا, كل مفهوم يوجد في سلسلة أو نظام يدل في إطاره على الآخر, على المفاهيم الأخرى.(2)  

زد على ذلك, وبما أن الكلمات لا تتحدد بعلاقتها بما تدل عليه, فهي تبقى دائما قابلة للتغير, أي يمكن أن نشارك ديريدا قوله أن العملية التي تعطي الكلمات معناها لا تنتهي أبدا, فالكلمات لا تحقق الاستقرار أبدا, ليس لأنها مرتبطة بالكلمات التي سبقتها والتي منها تأخذ بعض معناها فحسب بل أيضا لأن ذلك المعنى يتأثر بالكلمات التي تليها. إن الكلمة التي تلي تلك التي ننظر إليها أو كلمة تالية في نفس الجملة أو نفس الفقرة ستغير معنى الكلمة الأولى. فالمعني إذا ينتج عن الاختلاف كما أنه يخضع إلى عملية <<إرجاء>> أو <<تأجيل>>. في الحقيقة, علاقات كلمة - أو علامة - مع الكلمات الأخرى ومع الكلمات التي ستليها <<شرط>> للمعنى - فبدون تلك العلاقات لا يمكن أن يكون هناك معنى, كما يقول ديريدا:

إن حركة الدلالة ممكنة فقط إذا كان لكل عنصر <<حاضر>>, لكل عنصر يبدو على ساحة الحضور, علاقة بشيء ما عدا نفسه, وبالتالي يحافظ بداخله على أثر العنصر الماضي, ويسمح لنفسه أن يتعكر بأثر العنصر الآتي, ويكون هذا الأثر على نفس العلاقة بالمستقبل وبالماضي, ويشكل ما يسمى بالحاضر بواسطة هذه العلاقة مع ما هو غير نفسه.(3)

إن <<حاضر>> كلمة نتفوه بها إذا ليس بالحاضر <<الحقيقي>> الذي يفلت دائما من قبضة اللغة: أي نسجل هنا تدخل <<المسافة>> و<<التوقيت>>, وللتعبير عن هذه الفكرة يبتكر ديريدا مصطلح <<التأجيل>> différance الذي يجمع بين معنيي فكرة الاختلاف وعملية تأجيل المعنى. وباللغة المستعملة في الفصل السابق المتعلق بالبنيوية يمكن أن نقول أن ديريدا يزعزع العلاقة بين <<الدال>> و<<المدلول>>. ف-<<الدال - أي الكلمة التي نسمعها أو نقرأها - له بطبيعة الحال نوع ما من الاستقرارية, ولكن ما يعنيه - أي <<المدلول>> - يعاني حسب ديريدا من حالة عدم استقرار متأصل. ونحن نعرف أن عدم الاستقرار يوجد أيضا على مستو آخر إذ أن معنى الكلمات قد يتغير مع مرور الزمن, مثلا بعض التعابير التي كانت تحتوي على صور مجازية حية قد تكون ضيعت الكثير من حد ة تلك الصور - من يفكر في بزوغ حقيقي عندما يسمع تعبير <<عند بزوغ الفجر>>? (والتفكيكيون مولعون بتنشيط المعاني القديمة وإحياء المجازات الميتة لزعزعة نص ما). إذ ا, فاللغة من منظور ديريدا لا توفر لنا علاقة مباشرة فورية بالواقع; أي أنها ليست وسيلة شفافة, أو نافذة على العالم, بل على العكس تقف اللغة دائما بيننا وبين العالم - وكأنها زجاج معتم أو عدسة مشو  هة.

إن هذا الوضع يخلق تصادما بين <<الحقيقة>> البحتة التي نريد التعبير عنها (أي  ذلك الذي نحس أو نعتقد أننا نعرفه حق المعرفة) والأداة اللزجة المتملصة (اللغة) - التي يتحتم علينا استعمالها للتعبير عنها, هذا إن كانت تلك <<الحقيقة>> البحتة موجودة فعلا, الشيء الذي سبق أن رفضته البنيوية. لنلخص موقف هذه الأخيرة بسرعة: نحن دائما جزء من بنية, أو بمعنى أدق, نوجد في عدد من البنيات المتداخلة, كما أننا بالضرورة نعبر من خلال ما نقول أو نفعل عن البنيات التي ننتمي إليها. وبما أن تلك البنيات سابقة لنا - كانت موجودة قبلنا - فالأصح هو أن نقول أن البنيات تتكلم عبرنا أو من خلالنا وليس أننا مصدر ما نفعل أو نقول; وديريدا يشاطر البنيويين في نفيهم لتلك المعرفة الحقيقية الداخلية. ولو أنه يرفض البنيات التي يقول البنيويون أنها تتكلم من خلالنا (وهي نقطة سأعود إليها بعد قليل) إلا نه يشاطرهم أيضا رفضهم لفكرة <<الحضور>> أو <<الصوت>> (أي صوت المتكلم  وهو على صلة مباشرة مع ذاته الحقيقية), فهو أيضا يرى أننا لا نعبر عما هو حاضر حقيقي لنا, أي ذلك الذي ندركه حقا في لحظة التفوه به. إننا مضطرون لاستعمال لغة هي في نفس الوقت تستعملنا: تتكلم عبرنا أو من خلالنا. وكما يقول في كتابه <<عن علم النحو>> (7691)  Of Grammatology الذي ترجم إلى الإنجليزية سنة 6791, أننا نتمكن من استعمال اللغة فقط بالسماح للنظام بالتحكم فينا بطريقة ما وإلى حد ما, ولو أن ديريدا لا يقصي النية السيكولوجية كما يفعل بعض البنيويين الضد إنسانويين المتطرفين. ولكن وضعنا أسوأ مع ديريدا منه مع البنيويين; فمن المنظور البنيوي هناك على الأقل إمكانية معرفة ما نقول, فلأننا نعبر عن البنيات التي تتكلم عبرنا لسنا مصدر ما نقول, ولكن ما نقول مستقر ويمكن, على الأقل من حيث المبدأ, معرفته. أما مع مابعد البنيوية فإن ذلك غير ممكن. ففي <<غياب الحضور>> (وهو تعبير أظنه مفهوم الآن) تبقى فقط لغة خاضعة لمبدإ <<التأجيل>>, فمهما كانت نيتنا فهي ليست واضحة لنا أو شفافة أمامنا لأن لا شيء يفلت من قبضة اللغة. أي كما يقول ديريدا: ليس هناك شيء خارج النص أو اسمه <<خارج-النص>> لأن كل شيء بالنسبة للجنس البشري تتوسط فيه اللغة.(4)

والآن وقد تلاشى الفرق الأساسي بين الكتابة والكلام (أي <<حضور>> و<<صوت>> الفرد الحقيقي الذي نعتقد أننا نسمعه وهو يتكلم), يصبح الكلام فقط شكلا من أشكال الكتابة <<الكتابة>> كما هي في التقاليد الفلسفية الغربية: شكل غير موثوق به من أشكال اللغة). والمعنى الحقيقي في الكلام أيضا دائما مؤجل, وحتى وإن كان لدينا ذات حقيقية تعرف أشياء سابقة للغة وخارجة عن اللغة فإننا نغدو ضحايا لعدم الاستقرارية المتأصلة في اللغة حالما نفتح أفواهنا, ولن نتمكن تماما من التحكم في معنى ما نقول; إذا تضمن ما أقول معان لست واعيا بها لأن مصدرها مبدأ التأجيل وليس أنا, فليس بإمكاني الإدعاء بأني كاتبها حتى ولو كان ما قصدت قوله حقيقيا وصحيحا تماما. إن <<التأرجح>> المستمر للغة الذي لا يمكن إيقافه هو مصدر فائض المعاني الذي يشوش على المعنى المقصود أصلا. ويمكن القول إذا أن ما يبدو لنا معنى ليس مصدره نية المتكلم - أو الكاتب - بل بنية اللغة ذاتها ونظام عملها.

عودة إلى التقابلات الثنائية

يبدو الآن واضحا لماذا نتقبل ما نقول كشيء طبيعي وحقيقي: لأننا نتمسك خطأ بوهم الحضور, ولكن كيف يمكن للكلمة المكتوبة أن تجرجرنا في الخطأ? لماذا لا ندرك أن اللغة تنتج كل ذلك المعنى الفائض الذي لا نعرف كيف نتعامل معه?

إن جواب مابعدالبنيوية هو أن النصوص تقيم مركزا أو عدة مراكز - مشتقة من اللغة التي تستعملها - تعطيها نوعا من الاستقرار وتضع حدا لإمكانية التدفق اللامنتهي للمعنى الذي ينتجه أو يولده النص. ولكن إذا كان هناك مركز, فهناك أيضا ذلك الذي لا ينتمي إلى المركز أو الموجود في الهامش. إن إقامة مركز بالضرورة يخلق بنية سل مية: ما في المركز أهم مما في الهامش. و<<التفكيكية>> - وهي التسمية التي أصبحت تعرف بها طريقة ديريدا في قراءة النصوص - تحاول أولا أن تسلط الضوء على التوتر السائد في النص بين ما هو مركزي وما هو هامشي. وكما وصفتها الناقدة الأمريكية باربرا جونسون: <<إن تفكيك نص لا يعمل عبر شك عشوائي أو تشويش اعتباطي ولكن بالتأليب اللطيف لقوى الدلالة المتناحرة داخل النص>>.(5)

إن البنيات السل مية المتواجدة بين المركز والهامش (أو المحيط) تتخذ شكل تقابلات ثنائية (وهي أهم ما ورثته مابعدالبنيوية عن البنيوية), فالنصوص تعمل بواسطة مجموعات من التقابلات وظيفتها إعطاء النص بنية واستقرارا, وغالبا ما تكون هذه التقابلات متضمنة أو غير بادية للعيان - قد تكون متخفية في الصور المجازية التي يحتويها النص, مثلا - أو أن يكون طرف فقط من التقابل مذكورا بوضوح, وبالتالي يستحضر ذلك الذكر الواضح الطرف الغائب. وهناك أنواع مختلفة من هذه التقابلات, بعضها عام وبعضها مرتبط بثقافة معينة; وتشمل التقابلات العامة الخير/الشر, الحقيقة/ الكذب, الذكورة/ الأنوثة, العقلانية/ اللاعقلانية, الفكر/ الإحساس, العقل/ المادة, الطبيعة/ الثقافة, النقاوة/ التلوث وغيرها. وهناك تقابل شهير في الثقافة الغربية يتمثل في أبيض/أسود, حيث يعمل أحد الطرفين دائما كمركز - أي أنه <<مفضل>> أو <<مبجل>> بلغة مابعدالبنيوية, وهناك أطراف كانت دائما مبجلة - الخير والحقيقة والذكورة والنقاوة والبيوضة - وهناك أطراف تكون تارة في المركز وتارة أخرى في الهامش. ففي الأدب نجد نصوصا تبجل <<الفكر>> و<<العقلانية>> - كتابات صامويل جونسون (1709-1784) Samuel Johnson, مثلا - ولكن في أعمال  الشعراء  الرومانسيين - مثل وليم وردزورث (1770-1850)William Wordsworth  وجون كيتس (1795-1921)John Keats  يحتل الإحساس والعاطفة المركز.

وكما سبق أن أشرت فإننا في بعض الأحيان لا نلاحظ تبجيل طرف ما في تقابل; فلو أخذنا مثلا علامتين تجاريتين حديثتي المنشأ مثل <<ووك-مان>> walkman (وهي تستحضر <<المشي>> و<<الرجل>>) و(جيمـب وي(  gameboy (وهي تستحضر <<اللعبة>> و<<الطفل>>) فإننا نلاحظ أن الطرف الثاني, أي غير المبج ل, غائب تماما, وقد لا نتفطن أصلا إلى أن هاتين الكلمتين تقيمان تقابلا بين الذكورة والأنوثة: لماذا <<ووكمان>> وليس <<ووكـوومن>> (إمرأة) أو <<ووكـجرل>> (بنت)? لماذا (جيمبوي( وليس (جيمجرل( (بنت)? هل أن مصن عي هذا المنتوج والمسؤولين عن سمعته التجارية يعتقدون أن الاستماع إلى جهاز الموسيقى أو الانكباب على اللعبة الإلكترونية نشاطان ذكوريان لا يهمان النساء والبنات? يبدو هذا غير محتمل. من الأرجح أن نفكر أنهم استعملوا كلمة <<مان>> في <<ووكمان>> وكلمة <<بوي>> في (جيمب وي) لإعطاء منتوجهما صورة إيجابية لتضمن مبيعات أكثر. وفي كلتا الحالتين أمامنا تقابل ثنائي يبجل الطرف الذكوري.

ولكن لماذا نتساءل عن اللغة إذا كان من السهل إيقاف تدفق المعنى الفائض بإقامة بنيات تتكون من تقابلات ثنائية? ترى التفكيكية أن التقابلات الثنائية في الحقيقة ليست على درجة التضاد والتنافر التي نتصورها, ففي التقابل الثنائي لا نجد فقط علاقة تضاد بين الطرفين فحسب بل تواطؤا غريبا أيضا. خذ مثلا تقابل <<النور/الظلام>>, فالطرف الأول بحاجة إلى الطرف الثاني, إذا لم يكن هناك <<ظلام>> لا يمكن أن يكون هناك <<نور>> لأننا لن ندركه على أنه نور. بدون ظلام سنحصل بالطبع على النور, سيكون النور هو الشيء الوحيد الموجود, لكننا لن <<ندركـ>>ـه كـ<<نور>>. لن يكون هناك مفهوم النور ولذلك لن يوجد ما نسميه نورا (والذي يترتب عنه وعينا أن هناك إمكانية عدم النور). ولذا يمكن أن نقول أن وجود الظلام (أي وعينا بعدم النور) هو الذي يخلق مفهوم النور. والمفارقة أن الطرف السفلي في هذا التقابل هو في الحقيقة شرط للعلاقة التقابلية نفسها وهو بالتالي على نفس قدر أهمية الطرف المبجل. فالطرفان في كل تقابل يحددان بعضهما البعض: النور بالظلام, الحقيقة بالكذب, النقاوة بالتلوث, العقلاني باللاعقلاني, المشابه بالآخر, والطبيعة بالثقافة. وهنا أيضا ينتج المعنى عن الاختلاف. بدون كذب لن يوجد مفهوم الحقيقة وبدون نقاوة لن يوجد مفهوم التلوث, وعندما ينتج الاختلاف المعنى نبجل أو نفاضل بعض الأطراف على البعض الآخر. ثم إن بعض التبجيلات ستبدو لنا عادية معقولة جدا - الخير/الشر, الحقيقة/الكذب - وبعضها كان ذا عواقب وخيمة - أبيض/أسود, ذكوري/أنوثي. ولكن مهما كانت آثار التقابلات الثنائية فإن الاختلاف دائما هو مصدرها, كما أن تحليلها وتفكيكها, كما فعلت, يعني أن نزيح الطرف المبجل من المركز وأن نبين أن كلا الطرفين موجود بفعل الاختلاف.

إن ديريدا يدرك تماما أن ما يقوله أو يكتبه يقع  أيضا تحت وطء <<التأجيل>>, وأنه لا يمكن أن يفلت من تأثير التعددية الدلالية للغة, وحتى التحليل النقدي الأكثر تطرفا للغة يضطر إلى التعبير والتواصل بنفس الأداة التي ينقدها, فالتحليل النقدي يزعزع اللغة التي يستعملها ولكن تلك اللغة, نظرا لتعددية دلالتها, في نفس الوقت تزعزع التحليل النقدي. لقد كان ديريدا في كتاباته الأولى في بعض الأحيان يشير إلى هذه العلاقة المتداخلة بين التحليل النقدي وموضوع التحليل النقدي بشطب بعض المصطلحات التي يستعملها, وهو, بوضع تلك المصطلحات <<تحت الشطب>> أو <<تحت المحو>> كما يقول, يستعملها ويعلمنا  في نفس الوقت أنه يعي تماما أنها تقيم -  أو على الأقل - تومئ إلى أساسيات اللغة التي هو بصدد مساءلتها. ويمكن أن نقول أن ديريدا يجد نفسه بين نارين: استعمال اللغة غير ممكن أو غير مجد ولكنه <<ضروري>>, <<لا مفر منه>>; فهو ليس في وضعية <<إما/وإما>>: أي أنه بإمكاننا أن نستعمل - ونستعمل - اللغة لأنها أداة يمكن أن نثق فيها أو أنه ليس بإمكاننا استعمال اللغة لأنه لا يمكن أن نثق فيها - ولكن في وضعية <<رغم/لابد>>: لا يمكن أن نثق في اللغة ولكن لا مفر من استعمالها. وهذا بالفعل يوازي ما ننتهي إليه عندما نفكك التقابلات الثنائية, فعوض طرفين متضادين إلى أقصى درجة نجد طرفين متداخلين متضمنين الواحد في الآخر, وفي هذه التقابلات أيضا تحل علاقة <<رغم/لابد>> محل علاقة <<إما/وإما>>.

التفكيكية الأدبية

رغم أن ديريدا وجه نقده إلى <<مركزية الكلمة>> في النقد الغربي - أي ثقته العمياء في اللغة كوسيلة لبلوغ الحقيقة - في أواسط الستينيات إلا أنه لم يستقطب انتباه العالم الناطق بالإنجليزية إلا في بداية السبعينيات. وفي العشرية الموالية وجد ديريدا أنصارا عديدين - وشجعان - في أقسام اللغة الإنجليزية في الجامعات الأمريكية, بداية بجامعة ييل حيث كان بول دومان (1919-1983) Paul de Man أحد أهم مناصري مابعد بنيوية ديريدا.

لقد أخذت التفكيكية اسمها من ممارسة ديريدا: أي استراتيجية تحليل وتقويض النصوص - أو تفكيك مقاطع معينة, كما هي الحال في أغلب الأحيان - للكشف عن تضارباتها وتناقضاتها الداخلية. وتتمحور التفكيكية أساسا حول محاولة إزالة الأقنعة التي تستعملها النصوص لخلق وهم المعنى المستقر: أي محاولة خلق مراكز <<مبجلة>> - في شكل تقابلات ثنائية واضحة أو متضمنة - باللجوء إلى أنواع مختلفة من الحيل والأدوات البيانية. ولأن منطلق التفكيكية هو أن اللغة أساسا غير ممكن التحكم فيها, فهي تتوقع أن تجد تبجيلات  في غير محلها في كل النصوص. ومهما كان النص أدبيا أو غير أدبي فتفكيكه دائما ممكن, ويمكن تبيان أنه من أجل ضمان الاستقرار الداخلي يرتكز النص على عمليات بلاغية تخفي أن منشأها هو الاختلاف كما تخفي المعنى الفائض الذي ينتج عن <<مبدأ التأجيل>>. فالتفكيكية تحاول أن تبين أن النسج من نوع <<إما/وإما>> التي تبدو على السطح في النصوص تخفي وضعيات كامنة من نوع <<رغم/لا بد>> كما تحاول أن تكشف عن <<لا محدودية>> متأصلة في تلك النصوص. أي أن النص, بلغة الأدب, لا يحقق <<الغلق>> closure أبدا - أو بالمعنى الحرفي, أنه لا يمكن غلق ملفه: ليس هناك معنى نهائيا, بل يبقى النص امتدادا من الإمكانيات. وكما يعبر جيريمي هوثرن بلباقة: <<في نظر ديريدا ينبسط معنى النص أمام المأول أو القارئ مثل بساط لا ينتهي ولا ينكشف للعيان طرفه الآخر أبدا>>.(6)

هناك بعض الشبه بين الممارسة القرائية التفكيكية وقراءات النقد الجديد من حيث البحث عن التقابلات والتوترات وما شابهها. فالتفكيكية, على غرار النقد الجديد, تتوقف على القراءة المقربة أو المفصلة; ولكن بينما يركز النقاد الجدد على التماسك العام لما يشكل في نظرهم أعمالا أدبية ناجحة (لأن التماسك يشكل العنصر الأساسي في نظرهم) يهدف النقد التفكيكي إلى الكشف عن العمليات الممركزة التي يتم بواسطتها إعطاء النصوص تماسكا مزيفا, ثم يواصل فيزحزح المراكز التي يكتشفها, وبالتالي يزعزع كامل النص الواقع تحت مجهر التحليل التفكيكي, وبذلك يكشف أن النص أكثر تعقيدا مما يبدو عليه في بادئ الأمر وفي غالب الأحيان يجعل النص أكثر إثارة.

ترى باربرا جونسون في قراءتها لرواية هرمن مالفيل <<بيلي باد>> (كتبت سنة1891, ونشرت لأول مرة سنة 1924 ) - التي ي شنق فيها بحار شاب (بيلي) لأنه قتل عن غير عمد قائد السلاح كلارت الذي اتهمه زورا - سلسلة كاملة من التقابلات الثنائية:

إن مصير كل شخصية روائية هو بالضبط عكس ما نتوقع استنادا إلى <<طبيعته>>: بيلي طيب وبريء ومسالم لكنه يقتل; كلارت شرير ومنحرف وكذوب لكنه يموت ضحية; فير (قائد الباخرة) حصيف وعاقل لكنه يسمح بشنق رجل رغم إحساسه ببراءته.(7)

غير أننا نكتشف أن العلاقات بين هذه التقابلات والشخصيات التي تجسدها معقدة ومفارقاتية: <<فكلارت - الذي يتهم بيلي بالتمرد والعصيان زورا وبالتالي يجسد النفاق والمراء اللذان يصف بهما بيلي - ينتفي أو يزول - لأنه كذب بشأن بيلي في نفس الوقت الذي تثبت فيه فعلة بيلي السلبية أن تلك التهمة كانت في محلها>>.(8) فالتقابلات لا تتغير فحسب ولكن يبدو أنها تتداخل وتتبادل المواقع: تصبح علاقة <<إما/وإما>> علاقة <<رغم أن/لا بد أن>>. وبعد قراءتها الذكية للرواية - وهي قراءة يستحيل أن أنصفها في هذا المجال الضيق - تنتهي جونسون إلى أننا نجد في رواية <<بيلي باد>> <<اختلافا>> يتمكن من منع القفل.

وبالمثل, تركز قراءة ديريدا لقصة فرانز كافكا (1883-1924) القصيرة جدا <<أمام القانون>> على غياب القفل; ففي هذه القصة يصل رجل أمام الباب المؤدي إلى القانون ولكنه يمنع من الدخول ويخبره الحارس أنه قد يسمح له بالدخول بعد حين وأن عليه أن يتحلى بالصبر وألا يستعمل القوة لأن هناك أبوابا أخرى عليها حراس آخرون أعتى من ذلك الحارس; ينصاع الرجل وينتظر كل حياته, وأخيرا قبل أن يموت يسأل الحارس لماذا لم يحاول أي شخص آخر الدخول من ذلك الباب, فيجيب أن ذلك الباب بالضبط مخصص له دون سواه ويغلق الباب على الرجل المحتضر. يعتقد ديريدا أن هذه القصة تجسد <<التأجيل>>:

هناك حراس كثيرون بعد الحارس الأول, ربما لا حصر لهم, يزدادون قوة وسلطة بالتدريج وبالتالي تزداد معهم قوة الحظر, يملكون سلطة الإرجاء, فقو تهم هي <<التأجيل>>, <<تأجيل>> لا نهاية له, يستمر ساعات وأياما  بل وأعواما  حتى نهاية الرجل (أو البشرية), <<تأجيل>> حتى الموت, وللموت, بدون نهاية ...  وخطاب القانون, كما يمثله الحاجب, لا يقول <<لا>> بل <<ليس بعد>> بصفة لامنتهية.(9)                                                 

وبطريقة مشابهة يقول لنا خطاب أي نص, مهما بدا لأول وهلة أسهل للفهم من قصة كافكا المحيرة, <<ليس بعد>> بشأن بحثنا عن معنى نهائي تام.

لقد تعرضت التفكيكية لوابل من النقد, فقيل مثلا أن كل التأويلات التفكيكية متشابهة في نهاية الأمر لأنها دائما تقودنا إلى <<التأجيل>>, إلى استحالة المعنى التام, النهائي. ورغم أن هذا صحيح إلا أنه يغفل أمرا مهما وهو أن القراءة التفكيكية تكون, قبل أن تصل إلى تلك النقطة, قد كشفت عن البنيات التي تعمل في النص وبينت كيف يمكن فكها بواسطة عناصر من النص نفسه. وكما قال المفكك الأمريكي جاي. هيليس ميللر J. Hillis Miller ذات مرة <<التفكيكية لا تفكك بنية نص ما بل تبين أن النص قد فكك نفسه بنفسه>>.(10) وإبان هذه العملية يتم إخضاع النصوص لفحص مدقق كما يتم تسليط الضوء على علاقات السلطة الكامنة - التي توجد دائما في التقابلات الثنائية.

كما ذهب نقاد آخرون إلى أن الأسس الفكرية للبنيوية - أي نقد ديريدا لمركزية الكلمة في التقاليد الفلسفية الغربية -  مبالغ فيها. وربما أمكن التسليم مثلا بمنطلق ديريدا الأساسي - أن اللغة تعتمد على مبدإ الاختلاف وتحلق فوق الواقع دون أن تستقر أبدا على أرضيته - ولكن هذا لا يعني القبول بما يستخلصه منه: لماذا يجب أن يؤدي هذا الوضع دائما إلى فائض في المعنى يؤثر حتما على النصوص التي ننتجها? نحن نعرف أن هناك حالات كثيرة من سوء الفهم أو القراءة المخطئة ولكن هناك أيضا أمثلة كثيرة على التواصلات الناجحة; ربما لم يكن ذلك الفائض في المعنى - إذا سلمنا أن هناك فائضا حقا - على هذه الدرجة من الخطورة التي يدعيها التفكيكيون: اللغة من هذه الزاوية النفعية تبدو وكأنها تؤدي عملها بطريقة جيدة. فلو اتخذنا هذه النظرة النفعية واقتصرنا على التفكير في اللغة من حيث جانبها العملي - وتجاهلنا مؤقتا الاعتبارات النظرية التي تؤدي بديريدا إلى تصور أسوإ السيناريوهات - لما كان هناك مبرر للقلق والتساؤل. وربما ذهبنا بالنظر من مثل هذه الزاوية إلى أبعد من هذا لنقول أن عدم ثقة مابعدالبنيويين في اللغة سببه توقعات اليقين المطلق وهي توقعات غير مبررة ومبالغ فيها في المقام الأول. ورغم ذلك, وحتى بالنسبة لأولئك الذين يفضلون النظرة النفعية, تبقي التفكيكية ذات جدوى كطريقة للقراءة النقدية. من الممكن مثلا أن ننظر إلى التقابلات الثنائية التي تنتهي إليها التفكيكية عادة من منظور <<إنسانوي>> معدل بعض الشيء, فمثل هذه الإنسانوية المتواضعة يمكنها أن تتخذ الموقف التالي: أنه رغم أن الإنسان فاعل حر وعاقل إلا أنه عمليا يخضع بقدر هام, لمحيطه الثقافي, مثلا. كما أن اكتشاف أن التقابلات الثنائية التي نجدها في النصوص دائما تكبت الطرف <<السفلي>> (<<الأنوثة>> أو <<غير أبيض>>) بالنسبة لهذه الإنسانوية ليس إلا خطوة أخرى نحو عالم أفضل تكون فيه الإنسانية الكاملة لكل كائن بشري محترمة ومعترف بها.

إن تكييف التفكيكية خاصة, ومابعدالبنيوية عامة, على مثل هذا الشكل ينفع أولئك النقاد - النسائيون, الإفريقيون-الأمريكيون, الماركسيون - الذين يريدون أن يكونوا أكثر نجاعة سياسيا. كما أن التشويش المتواصل الناتج عن <<التأجيل>> لا يؤثر فقط على النصوص التي يفككها ديريدا وأتباعه, بل يؤثر أيضا على تفكيكاتهم نفسها, وسيؤثر على كل ما يمكن أن نقوله عن تلك التفكيكات: لا مفر من <<التأجيل>> والشك اللامنتهي. ولكن النقد الموجه سياسيا لا يجد في الشك نقطة انطلاق بناءة متينة. إذا أردنا تحقيق هدف سياسي ما, فإننا لا نعزز موقفنا إذا اعتقدنا أن كل المعاني - بما فيها تلك التي اعتمدنا عليها في بناء موقفنا السياسي - ليس لها أساس حقيقي في الواقع بل هي نتيجة مبدأ الاختلاف لا غير. يبدو أن هناك قدرا هاما من التملص والتهرب في التفكيكية. إن مثل هذه الاعتبارات جعلت أغلب النقاد يتخذون مواقف وسطية; فعلى غرار فريدريك جايمسن, نجدهم يسلمون بقوة الحجة مابعدالبنيوية ومع ذلك يواصلون القراءة والنقد بالاعتماد على مجموعة من الافتراضات - ماركسية, ليبرالية إنسانوية, أو غيرها, مع الفرق الآتي: أنهم يدركون الآن أن تلك الافتراضات هي فقط نقطة انطلاق, ولأنه لا مناص من التفكيكية, فهم الآن ينظرون إلى تلك الافتراضات كمشكلة.

النتـــائـــج

ماذا يترتب عن تفكيك مابعدالبنيوية لثقتنا في اللغة, وعن زعزعتها لمفهوم الحضور والمراكز المبجلة التي تبنيها اللغة?

أولا: إن مابعد البنيوية تختلف تماما عن البنيوية في صيغتها الأصلية <<العلمية>>. فبينما كانت البنيات التي وصفها البنيويون بالنسبة لهم حاضرة موضوعيا في النصوص التي تعاملوا معها - تنتظر الاكتشاف من طرف أي متفحص جاد - يرى ديريدا أن مثل تلك البنية مخطط ينتجه القارئ عندما ينجح مؤقتا في إيقاف تدفق المعاني اللامنتهي الذي يول ده النص. فالنص في نظره ليس بنية بل سلسلة من العلامات تحتل موقعا مبجلا مثبتا (ومثبتا). ويترتب عن هذا أن مابعدالبنيويين لا يقبلون بالفكرة - التي طرحها البنيويون بعض الوقت - القائلة أن البنيات النصية قد تكشف بصفة عامة عن ميكانيزمات العقل وطريقة عمله.

ثانيا: ولأن مابعدالبنيوية تفكك اللغة فإن تأثيرها أعمق وأبعد بكثير من تأثير البنيوية, ذلك أن الفلسفة الغربية مثلا تعتمد على فكرة أننا نملك مل ك ة تسمى <<العقل>> تستطيع بمساعدة خادمها المطيع, اللغة, أن تدرك الواقع; وبما أن الفكرة الأساسية في مابعد البنيوية هي أن اللغة ليست مطيعة على الإطلاق بل, على العكس تماما, غير ممكن التحكم فيها, نجد مابعد البنيويين يرون أن إدعاء الفلسفة أن بإمكانها معرفة العالم إدعاء واه  مخطئ.

ثالثا: تؤثر مابعد البنيوية على نظرتنا لأنفسنا. لقد ذكرت <<العقل>> قبل قليل وقبل ذلك تعرضت لمفهوم <<الحضور>>: إننا نفترض عادة أن العقل وحضورنا لأنفسنا ليس لهما علاقة باللغة, أي أن <<العقل>> و<<الحضور>> مظهران لـ<<أنا>> فريد يستعمل اللغة بكل بساطة كأداة. وكما رأينا معا يعترض مابعدالبنيويين على ذلك <<الأنا>>: فإذا أردنا التعبير عن أنفسنا يتحتم علينا دائما أن نستعمل بنية لغوية كانت موجودة قبل مجيئنا على الساحة كما أننا نعبر عن أنفسنا دائما في سياق بنيات ثقافية موجودة قبلنا أيضا; والبنيويون يقبلون بفكرة أن الذات الفردية هي إلى حد كبير (ولكن غير ممكن معرفته بالضبط) من إنتاج تلك البنيات. وكما كتب رولان بارط سنة 1970 بشأن القراءة: <<إن هذا <<الأنا>> الذي يقترب من النص هو في حد ذاته عبارة عن تعددية من نصوص أخرى وشيفرات لامنتهية, أم بصورة أدق, ضائعة (أو ضاع أصلها>>).(11) زد على ذلك أنه, بما أن البنيات كلها بالنسبة لمابعدالنبيويين غير مستقرة أصلا, مجرد ترتيبات مؤقتة داخل سلاسل دلالية لامنتهية, فإن الذات أيضا ترتيب مؤقت - إيقاف قصير لتدفق المعاني. فإذا كنا نبدو مستقرين فإن ذلك مجرد مظهر, أما في الحقيقة فنحن غير مستقرين أصلا, مثل اللغة تماما, بدون مركز; وبما أن المركز غير موجود فالبنية أيضا غير موجودة: نحن نتشكل من شظايا متناحرة. هذا ليس بالطبع كيف نعي أنفسنا ولكنها نظرة مقبولة للذات, غير أنه, كما سنرى فيما بعد, سيترتب عنها نتائج ثقافية حتمية ومثيرة. وفي كل الأحوال فإن الذات الإنسانوية الليبرالية - بخصائصها المتمثلة في تقرير المصير والاستقلالية الأخلاقية والتماسك - أصبحت منذ السبعينيات هدفا للتحليل النقدي مابعد البنيوي.

رابعا: إن تأويل النصوص الأدبية لن يؤول أبدا إلى معنى واحد, نهائي; فالتأويلات, كالبنيات, عبارة عن صور متوقفة (كما في الفيديو) في شريط المعاني المتدفقة. وهناك ما هو أدهى: لقد اضمحل الفرق بين الأدب وأنواع الكتابة الأخرى. فالنص الأدبي, بالنسبة لإليوت ورتشردز وليفيس والنقاد الجدد, له معنى أزلي لأنه يضعنا على اتصال بما سميته <<الوضع البشري>>, والأدب, على عكس أشكال اللغة الأخرى, يدل على حقائق وقيم أزلية حيوية. أما في نظر مابعدالبنيويين فالأدب لا يفعل شيئا من هذا القبيل بل, كغيره من أشكال اللغة الأخرى, يخضع لتأثير <<التأجيل>>. ولكن هناك وجه اختلاف هام بين الأدب وأشكال استعمال اللغة الأخرى: هناك صنف من النصوص الأدبية يعترف بفشله وعدم قدرته على إحداث <<القفل>>. وهذه النصوص, بالنسبة لديريدا ومابعدالبنيويين بصفة عامة, أهم وأفضل من تلك التي تحاول إخفاء فشلها كالنصوص الفلسفية أو الروايات الواقعية التي تدعي تقديم صورة حقيقية للعالم. وكما يقول ديريدا في مناقشته لقصة كافكا <<أمام القانون>>: <<إن نصا فلسفيا أو علميا أو تاريخيا, يوصل معرفة أو معلومات, لن يعطي اسما لحالة <<عدم المعرفة>>; وإذا فعل فصدفة وليس أصلا أو جوهرا>>.(12) وتمثل قصة كافكا بالطبع مثلا أساسيا لنص لا يحدث القفل, وبالمثل تفعل النصوص التي تستسلم للتعددية اللغوية مثل رواية جايمس جويسJames Joyce  ((سهرة مأتم فيني ن>> (1939) Finnegans Wake. وإذا تعاملت التفكيكية مع النصوص الأدبية التي تقدم نفسها على أنها واقعية فلتبين أن ظاهرها الواقعي إنما ينتج عن الحذف وعن الإحساس الذي تحدثه في قرائها بأنهم متماسكون (ذوات مستقرة) ومتحكمين في النص الذي يقرؤون - إما بواسطة معرفة أكبر يعطينا إياها النص أو من خلال وضعية تورية يفترض أن نقرأ انطلاقا منها. (ومثل هذه القراءة التفكيكية سيكون بالطبع قريبا من نوع النقد الأدبي الذي يمارسه ماشوريMacherey  - أنظر الفصل الرابع).

بما أن النصوص الأدبية, الواقعية منها وغير الواقعية, تول د تدفقا لامنتهيا من المعاني, فالتأويل يبقى من صلاحيات القارئ. وهنا, وكما عبر عن ذلك الناقد الفرنسي رولان بارط بطريقة مثيرة بعض الشيء, نصل إلى <<موت الكاتب>> الذي يعني في نفس الوقت <<مولد القارئ>>.(13) فبينما يكون المعنى الخالص والمستقر, في نظر البنيويين, كامنا ينتظر أن يكتشف إما في - أو خلف, أو تحت - البنيات التي يدرسونها, يرى مابعدالبنيويين أن النص والقارئ يتفاعلان لإنتاج لحظات من المعنى, تكون دائما مختلفة وعابرة.

مابعد الحداثة

في الستينيات والسبعينيات بدأت روايات الخمسينيات التي كان جلها واقعيا تستسلم لنوع من الكتابة يتصرف بحرية عجيبة في تقاليد الرواية. خذ مثلا بداية القصة القصيرة <<جبل الزجاج>> The Glass Mountain لـدونلد بارثيلميDonald Bartheme 14:

1. كنت أحاول تسلق جبل الزجاج.

2. ينتصب جبل الزجاج عند زاوية الشارع الثالث عشر مع النهج الثامن.

3. بلغت المنحدر الأسفل.

4. كان الناس ينظرون إلي من تحت.

5. لم يمض وقت طويل علي في هذا الجوار.

6.  ومع ذلك عرفت أناسا كثيرين.

7. كنت قد ربطت أدوات التسلق الحديدية بكلتا رجلي  وكلتا يدي كانتا ممسكتين بمعاول التسلق.

8. كنت على علو 200 قدم.

9. كانت الريح باردة جدا.

10. اجتمع كل معارفي عند قدم الجبل يشجعونني.

11. <<أحمق.>>

وهكذا حتى تنتهي القصة عند السطر رقم 100.

وفي القصة القصيرة <<ثليجة>> Snow White15 لنفس الكاتب, وهي نسخة عجيبة من الخرافة المعروفة, يتخللها استفسار:

1. هل أعجبتك القصة?     نعم ( )      لا ( )

2. هل تشبه <<ثليجة>> الخرافة التي تتذكرها?     نعم ( )      لا ( )

3. هل فهمت عند هذه النقطة من قراءتك أن ول يمثل رمز الأمير? نعم ( ) لا ( )

4. وأن جاين تمثل رمز زوجة الأب الشريرة?  نعم ( )   لا ( )

5. فيما تبقى من القصة هل تريد عاطفة أكثر ( ) أو أقل ( )

إن هذه الروايات والقصص تزخر بمثل هذه الحركات المفاجئة والمقلقة.  ففي رواية <<بكاء مجموعة 49>> (1966) The Crying of Lot 49 للكاتب الأمريكي طوماس بينتشن Thomas Pynchon تحاول البطلة, ربة البيت الكاليفورنية إيدية ماص, أن تنفذ إلى قلب منظمة سرية تكون قد وجدت فعلا أو مجرد خرافة طوال 300 سنة الماضية. ولسوء الحظ تنتهي الرواية والبطلة على وشك أن تكتشف (أو لا تكتشف) ما إذا كان للتلميحات والإيماءات - التي لاحظتها مرارا - إلى شخص يسمى تريستيرو أي أساس من الصحة.

 أما في رواية <<قلق حارس المرمـى عنـد ضربـة الجـزاء>> (1970) The Goalies Anxiety at the Penalty Kick للكاتب النمساوي يتر هاندكه Peter Handke, يتطرق الحارس بلوخ في حوار مع بنتين  إلى مشكلة مثيرة تتعلق باللغة:

فعندما تكلم عن المخالفة غير المباشرة, لم يصف ذلك فحسب بل راح يشرح القواعد العامة للمخالفات بينما كانت البنتان تنتظران بقية القصة. ولما تحدث عن ضربة زاوية صفرها الحكم ظن أن من واجبه أن يشرح أنه لا يعني زاوية غرفة. وكلما استطرد في الكلام كلما ازداد إحساسه بأن ما يقوله ليس طبيعيا. وبالتدريج بدأ يتعين وأن كل كلمة تحتاج إلى شرح, وكان عليه أن ينتبه حتى لا يتلعثم ويتوقف في وسط جملة.(16)             

إن إحساس بلوخ العميق بعدم ملاءمة اللغة للتعبير يؤدي به فيما بعد بطريقة غير مباشرة إلى ارتكاب جريمة قتل.

ويواصل الكاتب البريطاني يتر أكرويد Peter Ackroyd مثل هذه التكتيكات والاهتمامات المثيرة في الثمانينيات حيث يقدم في روايته <<هوكسمور>> (1985)  Hawksmoor فصولا تعالج أحداث قصة من القرن الثاني عشر تتعلق بمجرم <<سلسلي>> serial kille  كبير مع فصول تعالج قصة معاصرة تتعلق بشرطي يطارد مجرما مماثلا, والغريب انه يحمل نفس اسم مجرم القرن الثامن عشر, ونجد توازيات عديدة مثيرة بين القصتين, ولكن القصتين, كما الحال  مع اسمي البطلين,  لا تتطابقان.  أما في رواية  <<مدينة الزجاج>> (1985)  City of Glass للكاتب الأمريكي بول أوصتر Paul Auster, فيتلقى البطل, الكاتب كوين, مكالمتين هاتفيتين من رجل يريد تأجير خدمات الشرطي الخاص بول أوصتر, وفي نزوة يدعي كوين أنه  بول أوصتر ويقبل بمهمة غريبة يلتقي خلال تنفيذها بكاتب اسمه بول أوصتر. وتنتهي القصة بكوين وحده في غرفة يتلقى طعامه من شخص أو أشخاص مجهولين والأيام تقصر شيئا فشيئا إلى أن يضمحل كوين ويختفي.

هناك رواية أخرى لكاتب أمريكي - <<ثلاثة فلاحين في طريقهم إلى حفل راقص>> (1985)   Three Farmers on their Way to a Dance  لرتشرد اورز Richard Powers - تقدم ثلاث قصص متشابكة, كلما توغلنا في قراءتها بدت وكأن بينها علاقة ما, ولكن فجأة تنقطع إحدى القصص. وفي النهاية نجد أن اورز أخذ القصص الثلاث من صورة فوتوغرافية - الصورة المستعملة على الغلاف الخارجي للرواية - لمصور معروف في القرن العشرين, أوست صاندر, عليها ثلاثة شبان, ربما كانوا فلاحين وربما كانوا في طريقهم إلى حفل راقص. أخيرا, تدعى رواية <<عدو>> (1987) Foe للكاتب الجنوب إفريقي جون . ماكسويل. كوتزي J.M. Coetzee  الحاصل على جائزة نوبل للآداب 2003 أنها تروي قصة <<روبنسن كروسو>> الحقيقية; فبالنسبة لهذه القصة, بعد سنوات عديدة تلتحق إمرأة, سوزن بارتن, إثر غرق سفينتها, بكروسو وخادمه فرايداي; ولما تمت نجدتهم مرض كروسو في طريق العودة إلى إنجلترا وتوفي; وبما أن فرايداي لا يستطيع الكلام لأن لسانه مبتور تبقى سوزن الوحيدة التي تستطيع إعلام العالم عن جزيرة كروسو وعن السنوات التي قضوها معا على تلك الجزيرة, وتنجح سوزن في الاستحواذ على اهتمام الكاتب الحقيقي دانيل ديفو De(foe)  Daniel - نلاحظ أن اسم الكاتب الحقيقي يحتوي على عنوان الرواية - بالقصة التي نعرف بقيتها: ثم يقصي ديفو سوزن من القصة وبذلك يقصيها من التاريخ.

إنه بإمكاننا وبدون عناء أن نوسع هذه القائمة العشوائية من الأمثلة. فمن أساسيات هذا النوع من الكتابة, الذي نسميه <<مابعدحداثي>>, أنه يزعزع ويفكك المفاهيم التقليدية حول اللغة والهوية وحتى الكتابة نفسها. وإذا أمعنا النظر في الأمثلة التي أوردتها نجد أن بارثيلمي يسخر من الطرق التقليدية المهيمنة على كيفية تقديم القصص ويخترق الحد الفاصل (الواضح آنذاك) بين الثقافة <<السامية>> والثقافة <<الشعبية>>. أما ينتشن فيرفض أن يعطينا طمأنينة <<قفل>> المعنى, نفس الطمأنينة التي يحرمنا منها كل من أكرويد وأوصتر. زد على ذلك أن هذين الأخيرين يزيدان من حدة إشكالية الهوية, خاصة في حالة كوين الذي تتبخر هويته في الهواء مع نهاية القصة. كما نجد أن هوية بلوخ في رواية هاندكه أيضا على قدر كبير من  الإشكالية لأنه يحس أن كيانه موقوف على اللغة, واللغة في حد ذاتها  تصبح مشكلة أساسية. أما رواية اورز فتجبرنا على الإقرار بأننا كنا طوال الوقت ضحية وه م, فهذه الرواية <<انعكاسية>> (تدور حول نفسها) لأنها تلفت انتباهنا إلى كيفية وجودها وإلى طبيعتها المبنية, وبالتالي تجعلنا نفكر في الكتابة بشكل عام. وأما كوتزي فهو يجعلنا نحس, من خلال إعادة كتابة رواية دانيل ديفو, <<روبنسون كرروسو>> (1719) Robinson Crusoe, أن أحد الأعمال الكلاسيكية في الأدب الإنجليزي مبني على كره النساء والتفرقة العنصرية, وبذلك يذكرنا بالاضطهاد التاريخي الذي عانت وتعاني منه المرأة; كما أن بتر لسان فرايداي, خادم كروسو الزنجي, وجعله بالحرف غير قادر على الكلام والتعبير عن نفسه يذكرنا باستعباد الغرب وقمعه للأفارقة.

وليس من باب الصدفة أن هناك نوعا من التزامن بين مابعد الحداثة ومابعد البنيوية; ولو أن هناك بعض المبالغة إن قلنا بأن مابعدالحداثة نوع من مابعد البنيوية المطبقة - أي أفكار مابعد بنيوية وضعها كت اب حيز التطبيق - إلا أن هناك حيزا مشتركا معتبرا بين اهتمامات الكتّاب مابعد الحداثيين والنقاد مابعد البنيويين. ولكن مابعد الحداثة أكثر من نمط أدبي معين; إنها ببعض الغموض أيضا اسم لنوع من النقد الأدبي, مابعد بنيوي عموما من حيث فرضياته ومسلماته. إن نظرة مابعد البنيوية للغة والهوية و<<الحقيقة>> وغيرها تأثرت كثيرا بفلسفة ديريدا التفكيكية ولكنها أقل تقنية من التفكيكية - وهي نقطة سأعود إليها بعد قليل - وتركز بالخصوص على الكتابة مابعد الحداثية بينما تهتم التفكيكية بكل أنواع الكتابة. وفي الحقيقة يمكن أن أسمي ما قلته حول النصوص الروائية التي لخصتها أعلاه نقدا مابعدحداثيا, فأنا لم أركز على الشخصيات الروائية كأفراد كما قد يفعل النقد الإنسانوي الليبرالي, ولا فككت النصوص المذكورة كما قد تفعل التفكيكية. لقد ركزت على غياب القفل, على قضية الهوية (المشكك فيها عن طريق التوازيات والاختفاءات), على إشكالية اللغة, على اصطناعية التمثيل, على تفكيك التقابلات الثنائية (كما في رواية <<عدو>>), وأخيرا على <<طبيعة التناص>> التي تتميز بها النصوص (استعارة <<ثليجة>> من الخرافة و<<عدو>> من قصة في القرن الثامن عشر) والتي لا تثير أصداء في تاريخ الأدب فحسب بل تكشف بفعالية عن النقاط العمياء في النصوص السابقة أيضا.

ورغم أن العلاقة بين التفكيكية والنقد مابعد الحداثي واضحة إلا أن هذا الأخير يرمي بشبكته أبعد; فعلى غرار <<النقد الجديد>> تميل التفكيكية إلى التركيز على <<الكلمات الموجودة على الصفحة>> كاشفة عن <<القوى المتحاربة>> التي تعمل داخل النص; والنقد مابعد الحداثي يشاطر التفكيكية ذلك - ليس على نفس القدر من التفصيل - لكنه يهتم أيضا بربط ما يكتشفه في النصوص بالواقع الاجتماعي, خصوصا بعد ظهور كتاب جان فرانسوا ليوط-ار( Lyotard Jean-François (الحالة مابعدالحديثة) (1984) The Postmodern Condition. يرى ليوطار أن <<الروايات الكبرى>> التي تدعم أسس الحضارة الغربية - الدين, الماركسية, فكرة التقدم بواسطة إعمال المبادئ العقلانية, فكرة أن سوقا حرة تماما ستعود على الجميع بالفائدة - فقدت مصداقيتها, على الأقل من الناحية النظرية. كل تلك <<الميتاروايات>> metanarratives ارتكبت خطأ الاعتقاد بأنها صالحة لكل مكان وزمان وأدت إلى اضطهاد - إن لم نقل استعباد - الغرب لجزء كبير من العالم. إن ما نحن بحاجة إليه هو <<روايات صغيرة>> - أنظمة اعتقاد متواضعة, مصغرة, لها من القوة ما يسمح لها بإنارتنا وقيادتنا ولكنها دائما على وعي بطبيعتها المؤقتة وبصلاحيتها المحلية وليس الكونية. لذلك فالنقد مابعد البنيوي - كما يتجلى مثلا عند ليندا هتشيون  Linda Hutcheon في <<شعرية مابعد الحداثي>> (1988) A Poetics of Postmodernism  - يقرأ النصوص (مابعد البنيوية في المقام الأول) لأجل مقاومتها للميتاروايات التي شخصها ليوطار ولأجل البدائل <<المحلية>> التي تتيحها. وكما سنرى فيما بعد, سنجد ممارسات أدبية-نقدية مشابهة في أنواع أخرى من النقد المعاصر, غير أن النقد مابعدالحداثي يركز أساسا على الكت اب البيض, الذكور في معظم الأحيان, الذين ابتكروا الأدب مابعدالحداثي في الستينيات والسبعينيات والثمانينيات.

 

ربما كان أجدر بي أن أشير إلى أن هناك نقادا  لا يتفقون مع هذه النظرة - الإيجابية نسبيا - للنقد مابعد الحداثي (والكتابة مابعد الحداثية); فبعض النقاد يجدون أن الكتابة مابعد الحداثية لا سياسية ومتملصة: أنها غارقة في نفسها أكثر مما يجب, تهتم كثيرا بالشكل والحيل الشكلية, ومدمنة على التورية (كما هو الحال في مطلع قصة بارثيلمي الذي استشهدت به أعلاه). ولا شك أن الكتابة مابعد الحداثية تستعمل التورية كثيرا أو أن النقد مابعدالحداثي يشاكس تلك التورية ويكشف عنها; ولكن هذه التورية مفهومة. تقول ليندا هتشيون أن الكتابة مابعدالحداثية <<تؤكد, ثم تشكك عن قصد في, مبادئ كالقيمة والنظام والمعنى والتحكم والهوية...كانت كلها مسلمات أساسية في الليبرالية البرجوازية>>.(17)  إن معظم الكت اب مابعد الحداثيين ينتمون إلى المجموعة التي استفادت أكثر تاريخيا من الليبرالية البرجوازية: أي فئة الذكور البيض المنتمين للطبقة المتوسطة: إنهم فقط يعتقدون أن هناك تورية ساخرة في قطع غصن الشجرة الذين يجلسون عليه. إذا, بإمكاننا دائما أن نقرأ الرواية مابعد الحداثية بطريقتين: يمكننا أن نعتبر الرواية مابعد الحداثية محررة لأنها تزعزع الأفكار المسبقة حول اللغة والتمثيل والذات وغيرها, فهي بحق تقوض بفعالية كل الميتاروايات وكل المعتقدات المشتقة من تلك الميتاروايات. ولكنها أيضا دائما تزعزع نفسها, وتسخر من نفسها (كما في استفسار بارثيلمي), وتكشف عن روائيتها, وتحبط كل محاولات التأويل, وتمتنع عن قصد عن الإجابة عن الأسئلة التي تطرحها, الخ... ويمكن القول أنها تزعزع حتى الزعزعة التي تقوم بها في المقام الأول, وتتركنا فارغي الأيدي من كل شيء. إنها, بلغة ديريدا, تضع نفسها <<تحت الشطب>> أو <<تحت المحو>>. بالإضافة إلى ذلك, بما أنها غالبا ما تلم ح بطريقة تناصية إلى التقاليد الأدبية, مهما كانت درجة التورية والمفارقة, فهي ما تزال بطريقة غير مباشرة تكرس النصوص والاقترابات التقليدية. إذا يمكن القول أن الكتابة مابعدالحداثية, مهما بدت تشويشية مزعزعة, لا تزال تؤكد الوضع السياسي القائم في العالم خارج النص. تقول ليندا هتشيون أنه يمكن اعتبار الكتابة مابعدالحداثية <<متأرجحة سياسيا, فيها خطابان أحدهما مساند متورط والآخر نقدي تحليلي>>.(18) إن قراءة النصوص مابعدالحداثية تتوقف, بصيغة مابعد بنيوية محترمة, على القارئ, وينطبق نفس الشيء على نظرتنا للنقد مابعد الحداثي. فبعض النقاد يرون أن هناك شبها بين النقد السياسي الذي نجده مثلا في <<التاريخانية الجديدة>> أو في <<الدراسات مابعد الاستعمارية>> - وهي أنماط من النقد سأتعرض لها فيما بعد - والنقد مابعد الحداثي; والبعض الآخر يرى أن النقد مابعدالحداثي لا سياسيي أساسا لأنه يمسك العصا من الوسط ويتعلق بوضعية <<رغم/لا بد>> بينما هناك ضرورة سياسية لأخذ مواقف راديكالية من نوع إما/وإما>>.

اقتراحات للمطالعة

يمثل كتاب كرستوفر نوريس   Christopher Norris  التفكيكية: النظرية والممارسة>> (1982) Deconstruction: Theory and Practice مقدمة جيدة وسهلة للتفكيكية; أما <<عن التفكيكية>>  (1982) On Deconstruction لجونثن كاللر Jonathan Culler فهو أكثر تفصيلا وأكثر تعقيدا أيضا. إن كتابات ديريدا مشهورة بصعوبتها ولكن القسم الذي يحمل عنوان <<التأجيل>> Différance  في القسم الأول من كتاب ديريدا <<هوامش الفلسفة>> Margins of Philosophy  يمثل مناقشة في المتناول لهذا المفهوم الأساسي عنده. وهناك نص آخر يمكن أن يكون مقدمة إلى نقد ديريدا لمركزية الكلمة هو <<البنية والعلامة والتلاعب في خطاب العلوم الإنسانية>> (1970)

         Structure, Sign, and Play in the Discourse of the Human Sciences 

والذي أعيد طبعه في <<النقد والنظرية الحديثة: قارئ>> (2000) Modern Criticism and Theory: A Reader  لديفيد لودج David Lodge  ومايكل وود Michael Wood. يجب أيضا الإطلاع على مقالين لرولان بارط هما <<موت الكاتب>> و<<من العمل إلى النص>> From Work to Text  وهما أقل تقنية ويركزان على الكتابة الأدبية; لقد نشرا المقالان أولا في <<صورة-موسيقى-نص>> (1977) Image-Music-Text وهما موجودان أيضا في <<حفيف اللغة>> (1986)The Rustle of Language, كما أعيد طبع <<موت الكاتب>> مرات عديدة آخرها في لودج ووود أعلاه. وأخيرا نذكر مقالا هاما جدا وهو <<مقاومة النظرية>> Resistance to Theory لرائد التفكيكية الأمريكية بول دومان (1919-1983) (أيضا في لودج ووود أعلاه) يقدم فيه عرضا واضحا للاعتبارات التفكيكية. هناك أيضا  نقد مبكر  للتفكيكية ورد  عليه تواليا  في <<الملاك المفكك<< (1977) Angel The Deconstructive لـ م.هـ. أبرامز M.H. Abrams  و<<الناقد كمستضيف>> The Critic as Host لجاي هيليس ميللر (كلاهما في لودج ووود أعلاه), ويبين رد ميللر الجانب المغالي في النظرية والتأويل التفكيكيين.

إن القراءات التفكيكية للنصوص ليست بالأمر السهل أبدا, غير أن قراءة ديريدا لقصة كافكا <<أمام القانون>> ليست صعبة المنال وتعطي صورة جيدة عن الممارسة التأويلية عنده. هناك أيضا مدخل سهل إلى مثل تلك النصوص في قراءة باربرا جونسون لرواية هرمن مالفيل <<بيلي باد>> التي تعرضت لها بإسهاب والموجودة في كتابها <<الاختلاف النقدي>> (1980).

وفيما يخص استراتيجيات الرواية مابعد الحديثة فهناك مسح عام, جيد وسهل القراءة هو كتاب <<الرواية مابعد الحداثية>> (1987) Postmodernist Fiction لبراين ماكهايل Brian McHale; أما ليندا هتشيون فتدرس الجوانب الموضوعاتية في الكتابة مابعد الحديثة في <<شعرية مابعد الحداثة: التاريخ والنظرية والرواية>> (1988). وتلقي برندا كاي. مارشل B.K. Marshall الضوء على النظرية مابعد الحداثية من خلال عدد من التأويلات مابعد الحداثية في <<تدريس مابعدالحداثي: الرواية والنظرية>> (1992):

                                     Teaching the Postmodern: Fiction and Theor

ويمثل مقال <<مابعد الحداثة, أو المنطق الثقافي للرأسمالية الحديثة>> (1984) Postmodernism, or the Cultural Logic of Late Capitalism  لفريدريك جايمسن تحليلا ماركسيا عميقا للثقافة المعاصرة, بما فيها الأدب والنقد مابعد الحديثين.  كما يعالج هانس  بارتنس  في  <<فكرة مابعد الحديث>> (1995)  The Idea of the Postmodern ظهور <<مابعد الحديث>> و<<مابعد الحداثي>> كمصطلحات نقدية في الأدب والفنون والهندسة المعمارية والعلوم الإنسانية. أما <<مابعدالحداثة الدولية: النظرية والممارسة الأدبية>> (1977):

                International Postmodernism: Theory and Literary Practice

(تحقيق هانس بارتنس ودوفي فوكيما Doowe Fokkema ) فيقدم مقالات عن مابعدالحداثة في عدد من الألوان الأدبية الرئيسية والفرعية, عن الاستعمالات مابعدالحداثية للتناص والاستراتيجيات المفضلة الأخرى, وعن الكتابة مابعد الحداثية في عدد كبير من الثقافات الغربية وغير الغربية. وأخيرا يمثل كتاب <<الثقافة مابعد الحداثية>> (الطبعة الثانية, 1997) Postmodernist Culture  لستيفن كونر Steven Connor مناقشة واسعة وملمة للفكر مابعد الحديث والممارسة الثقافية مابعد الحديثة.

الهوامش

1- ف. جايمسن, <<الماركسية ومابعدالحداثة>> في <<مجلة اليسار الجديد>>, عدد 176, ص41-42.

2-جـ. ديريدا, <<الاختلاف>> [1982]  في <<التاريخانية الجديدة والمادية الثقافية: قارئ>>, تحقيق كيرنان راين, لندن, آرنولد, نيويورك, منشورات جامعة أوكسفورد, 1996, ص30.

3-  نفس المصدر, ص32.

4 – جـ. ديريدا, <<عن علم النحو>> (1967), ترجمة اياتري شكرفورتي سيفاك, بلطيمور, منشورات جامعة جونز هوكينز, 1976, ص158.

5- ب. جونسون, <<الاختلاف النقدي>>, بلطيمور, منشورات جامعة جونز هوكينز, 1980, ص5.

6- جـ. هوثرن, <<الوجيز في المصطلحات الأدبية المعاصرة>>, الطبعة الثالثة, لندن, آرنولد, نيويورك, منشورات جامعة أوكسفورد, 1998, ص39.

7 - ب. جونسون أعلاه, ص80.

8-  نفس المصدر, ص86.

9-جـ. ديريدا, <<أمام القانون>> في <<كافكا والأداء النقدي المعاصر: قراءات بمناسبة مرور مائة عام>>, تحقيق أ. أودوف, بلومينتن, منشورات جامعة إنديانا, 1987, ص141.

01-جـ. هيليس ميللر, <<موسيقى ونقد ستيفنس كعلاج>>,  في <<مجلة جورجيا>>, عدد 30, ص341.

11- ر. بارط, <<س/ز>>, نيويورك, هيل ووان, 1974, ص10.

12- جـ. ديريدا, <<أمام القانون>> أعلاه, ص142.

13-  ر. بارط, <<موت الكاتب>> في <<النظرية والنقد الحديثان: << قارئ>>, تحقيق د. لودج وم. وود, الطبعة الثانية, هارلو: لونمان, نيويورك, يرسن, 2000, ص150.

14- د. بارثيلمي, <<ستون قصة>>, نيويورك, داتون, 1981, ص178.

15- د. بارثيلمي, <<ثليجة>>, نيويورك, أثينيوم, 1984, ص82.

16- . هاندكه, <<ثلاثة من لدى بتر هاندكه>>, نيويورك, آيفون, 1977, ص49.

17- ل. هتشيون, <<شعرية مابعدالحداثة: التاريخ, النظرية, الرواية>>, نيويورك ولندن, راوتلادج, 1989, ص5.

18-  نفس المصدر, ص168.


تصميم الحاسب الشامل