|
|||||
|
<<مزيدا من العتمة.. مزيدا من النور>>, هو العنوان الذي اختاره هؤلاء الفنانون, وهم يؤججون الحواس الخمس, ويوقدون المخيلة, حيث تكون مضطرا لاستخدام رهافة الحواس وهي تنداح موغلة في دوائر الاقتراب والابتعاد, وفي اضطراب الحواس المؤجج تدخلك الأمكنة رأفتها. هو المعرض الثاني للفن المركب, وربما تنبع فكرة المعرض من تحويل القول الشعري إلى نص بصري, ولعل المشاركين (نعيمة محمد, هنادي الغانم, محمد حسن, محسن غريب, أنس الشيخ, وحيدة مال الله, عبد الرسول الحجيري, علي القميش, حسين مرهون) قد توافوا على ذات الفكرة, ولكن التجليات كانت مختلفة. مطر النوم وهطول اليقظة (المشاركون) هنا تقودك الحروفية البحتة إلى الاصطدام بمكون للعمل الشامل, وهو المتمثل في تلك الصور الملتقطة للمشاركين في المعرض وهم مغمضو الأعين, لماذا كانت الإغماضة المشتركة? ما دلالتها في العمل المشترك? وكيف نرصدها من خلال العتمة? وهي هنا عتمة اختيارية, تشبه إغفاءة النوم, ولكنها مشغولة باكتشاف اليقظة التي ترصد أبعادها, وهي تتناسل من الفكرة التي تنبثق من تسمية المعرض (مزيدا من العتمة.. مزيدا من النور). في اللغة العتمة هي تلك الحالة التي يكون عليها الليل في انقضاء آخر ضوء الشفق, انه انحسار الضوء بعد انقضاء قطعة من الليل, تلك القطعة المحسوبة بالوقت الذي يمكن أن تحلب فيه الماشية قبل النوم قديما, لذة الشراب الذي يتحول إلى طعام, إنها لحظة مؤجلة الضوء, لكنها مخترقة بوعي الكائن منذ تكونت تلك المعاني المندسة في اللفظة, لكن اشتداد الظلمة لا يعني إطلاقها, أنها مخترقة من قبل النجوم في الأفق السماوي والكواكب, كما أن هبات سيد الليل القمر, تنشر أجنحة الضوء على ما يتغلف بظلمة الليل, كما ان الكائن البشري ينشر ضوءه من خلال انبجاس نيرانه المقدسة. إنها تلك الحالة من الإغماض التي تستحضر الظلمة, وهي ذاتها التي تستحضر الضوء في انطلاقة الأحلام المترفة بالضوء, بالتناقض بين السواد والبياض, معظم أحلامنا تكون بالأبيض والأسود, لكنها قليلا ما تكون بالألوان, ذلك الذي نجده سيتسيد المتناقضات في كل العمل برمته ويخترقه من الداخل, أنها جدلية التباين بين الأبيض والأسود, في مفاهيمية, الحي والميت, حتى في تشكل الخامات المستخدمة, بين المصنوع والطبيعي, المشذب والغفل, حتى تلك الأمكنة التي تمتد على مساحتها الأعمال مفعمة بالضوء والظلال التي تتشكل من خلال التحكم فيها, المادة المنيرة والساطعة في مقابل الكثيف المظلم. أن نحلم, ان نكون كما نريد ان نكون, أن نتواجد في أبعاد المكان الذي نحن أسياده, لكننا نحس ذلك التناقض الصارخ بين هندسة المكان ومكائد الفن, أننا هنا نستل خيطا من الوعي لنتفرغ لما يمكن أن ينبثق عنه ذلك المكان المهندس في خيال صارخ يثير الأسئلة. جدل الملء و الخواء (نعيمة محمد) منذ اللحظة الأولى التي تطأ قدماك على درجات السلم وأنت تصعد, يأخذك المكان إلى عوالم ملتوية, خطوط سوداء تنساب صاعدة رغم تموجها اللافت الذي يقول ولا يقول, أنها توحي بالحروفية العربية في ذات الوقت الذي تتجافى فيه عن تشكل الخط الذي يؤدي إلى نص ما, أنها تلك الجمالية المفرطة في انسيابها لتصل بك إلى حالة الصعود, هي ذاتها اللحظة التي تستحضر الهبوط المؤجل الذي ستجبر عليه فيما بعد, ولربما حركة الصعود والهبوط لها علاقة بالكائن الذي يصعد في سماوات الروح, ويهبط في عتمة الجسد, إنه الجسد في إعتامه التام عند الموت. و أنت تصعد تعانقك الصخور الصلدة التي تتدلى برشاقة السقوط من خيوط الصيد, ولعل تلك الخيوط توحي بحركة الاصطياد التي ينصبها لنا الفن في أطره التي ننشد إليها, شهب تسقط مستنفرة نحو أرضية واسعة على الدرج لكنها لا تصل, لربما أنها السقوط المؤجل لحجر الجسد, بينما تمتد الأحبال عالية في تقاطعاتها المستنفرة, التي تحاول ان تحد الفضاء الذي يعاند الفنانة, انه امتداد نحو تلك الصورة المقطعة للامتناع, والصد المشاكس للفنانة ذاتها, أي فضاء يحمل تلك التشظيات التي تحتل نافذة مخبوءة في المكان?! تجبرك الفكرة (الدرج) للدوس على تلك الصورة التي تتشبث بالعتبة الفسيحة من الدرج, وتدهمك صورة الفنانة التي تلتف الحروفيات على وجهها لتأخذ مكان الشعر المنسدل في تناقضات الأسود والأبيض. انه اختراق السواد المحيط الذي يبرز مندوبا عن الموت المؤجل في ذاكرة المكان, أليست الأرض هي المكان الذي نطأه, وندرك ان آباءنا دفنوا فيها, ألسنا ندوس رفاتهم بعد ان فقدوا فعل الإرادة, أننا ندوسهم رغما عنهم, ولكننا ندوس الصورة تعبيرا عن الموت الذي هو في ذاته تعبير عن رغبة حية, وإرادة أكيدة في تمرد الذات على الموت, وهي تدرك أنها لم تمت بعد, ولكنها تحتفظ بإرادتها, كم هي تجربة مألوفة في ذاكرة الإنسان العربي, لكنها التقاطة لذلك النائم في الثقافة, ذلك الغزير الذي ينبثق في حركة الرفض, كم هي الأعلام التي ترسم على الأرض لتدوسها الأقدام? أليست تعبيرا عن رغبة الموت بالدوس على ما سقط? فهل هي تعبير عن رفض الموت المؤجل? أنها تلك الرغبة التي تجتاح الجسد الحي, فعل الفاجعة في سوادها, مداهمة الأحمر بالخطى, حلم يتوجه نحو تجسيد تجربة الرغبة. ذلك الكرسي المعلق في فضاء الدرج, مقلوب يشير إلى الأسفل, كيف نجلس مقلوبين لننظر إلى سماء سقطت تحت أقدامنا? ونعلو أو نهبط ونحن نهب الأسئلة, أنها حالة الخروج المزدوج بين التعامل مع البعدين إلى البعد الثالث, كل ما يتمثل في المجسم المرصود على شكل مكعب يتعلق من إحدى زواياه التي تجعله يشير إلى وضع خاص لذلك المكعب, ليؤكد انه خارج مسطح الدرج في الأعلى ليخرجك من تسطح البعدين, ويملؤك اللون الأحمر القاني بهجس غريب يحتمل الفاجعة, هناك نور يترصدك في قلب الشكل, هناك انبعاث للظل وسقوط مؤجل للظلمة في حوافه, فتعيد النظر إلى ذلك التناقض القائم بين أدوات الحياة ورغبة الموت, حين تصبح أنت جزءا من العمل, ليتركك العمل تنطلق إلى فضاء جديد مع حروفية صارخة باللون الأحمر, لا تبتعد! كم هي مخاتلة هذه الكتابة التي تعتمد على خيانة الذاكرة وألفتها لذاتها, وهي تتكسر بشكل فاجع أمام تحول الأمكنة المألوفة إلى مكان يتحدى الذات ويعلي رغائبها. وتنطلق الأسئلة التي نود تأجيلها لكنها تلح, ماذا وكيف ولم? لماذا الدرج? ما الذي يولد الانطباع في الذات? وما هي طبيعة اللذة التي يخلقها التواصل مع العمل? وكيف نتغير وعيا من خلال انفتاحنا على الآخر الذي يعبر من النص إلى التشكيل البصري في الأبعاد الثلاثة? هندسة الخيال (هنا وهناك) لهنادي الغانم عمل عند الدخول الأول, تنحني قليلا, هناك أشكال هندسية تتدلى فوق رأسك, تنظر إليها, تشير لك تقدم, وهي تهيئك إلى ما سيأتي, يقودك الممر, المفروش بالورق المجعد بعناية بالغة ليعطيك الإحساس الفاره بالبياض, وتحس تحت قدميك أصواتا ما تنتقل عبر جسدك لتقول شيئا غامضا عن المشي فوق الغيوم الصلدة في البياض, النقاء الذي تدوسه يحملك على الرأفة, تدور دورة خفيفة, يدهمك المكيف المرصود في الأرض, وكأنه يخرج من العمل, هو كائن لم يحسب وجوده في حالة الحلم, لكنه ضروري, ذلك ان الأزهار الموجودة عليه, وهو يبث هواءه المبرد يحمل لك عطرها الفواح, لتشتغل عندك حاسة الشم في مقابل الموسيقى, إنه استنشاق لموسيقى التناغم بين المصنوع والحي, متعة حسية باذخة تثير فيك كمون الجنة, في أصطرع المصنوع والحي, يرميان أمامك بياضهما, لتغلفه الضلال المنسدلة من الضوء المعلق في الحجرة, وهو يندس بين تلك الانحناءات التي خلقها الورق المجعد بعناية بالغة تجعله متكررا باعتباره الثيمة الأساسية. وذلك يشدك بانشغالاته المخضرة حين تقودك الرائحة العطرية, لتتسلق عيناك المتكات وسط الزهرة البيضاء, وهي تبتعد عن السداة, عضو التكاثر هذا يحملك في إغوائه البعيد, لكنك سرعان ما تنشغل بالنظر الذي يستطيب البياض بينما يحده أفق الحجرة المألوف, لكن بوابتها المؤدية إليها مفتوحة بشكل يجبرك على الانحناء, انك في حضرة الملكوت, والأشكال المعلقة أمامك توحي بأنك في الغيم هناك, حيث ينبثق الضوء, وتمرح الأرواح وهي في البعيد, ربما تلك الأرواح وهي تسترجع ذاكرة طفولتها التي ماتت بتحولها إلى ذاكرة تستعاد لكن لحظتها لا تستعاد, ولعلها تلك الأرواح المحلقة, ربما بعد ان تموت, لتحلق روحك في البياض النوراني بين الغيمات تدخل انبجاسك الأول في حالة العلو. في الجزء الثاني من العمل هناك نصب من البياض, نصب مستطيل مكسو ببياض الورق المصنوع, وفوقه ورقة خضراء من شجرة, وفوق الورقة بيوض لطيور مألوفة وغريبة, البيوض كبيرة وصغيرة, بيضاء أو مشغولة ببقع السواد, إنها تستثير تلك العلاقة السرية بالتكاثر, انه التخلي عن الفردي في مقابل الامتداد, لعل تلك الحالة البدائية للشكل تثير فينا ذكريات غريبة عن حجر (حجرة أم حمار) التي كانت الجدات يذهبن إليها ليكسرن عليها البيض لعل الجن الغاضبين يرضون, ويتركون أولئك النسوة ينعمن بإنجاب الذكور أو لمنحنهن قابلية الإنجاب, إنها حالة مؤجلة للخلق الكامن في أفق الاحتمال, وحالة مختزنة في العمل, بشكل عفوي ربما وكامن ربما, ولعلها تثير الموت والانبعاث, القيامة بعد الموت, عالم الروح, ما علاقة ذاك البياض ببياض الكفن? والورد بالقبر? ما علاقة القبر بالظلمة ! بالموت ! ما علاقة النص المرافق بالعمل. ؛هنا أنا و هنا أنا هنا... وبعد كل هذا.. هنا بعيدة عن.. وقريبة من.. هناك كانت لي.. والآن.. لي.. ولابني.. و لك كل حاضري ومستقبلي (أم..«) و لك كل فخري واعتزازي(بو..) (أم..+بنت..) هنادي الغانم. الحلم خارج الزمن يسمي محمد حسن عمله بـ(أحلام متلألئة), وفي تجربتنا الحياتية نتعرف على الحلم, ونربطه بالنوم, والإنسان كائن نهاري, يميل إلى النوم في الليل, وهناك تفضح العتمة أوجهها المتعددة, ولكن الحلم حالة مخاتلة, تتعقب الكائن البشري ليبصر الاحتمالات القائمة في الوجود, والتي تبدو لا منطقية, ولكن الحلم ينظمها من حيث أنه يجعل ألا معقول معقولا في تلك التجاورات التي تنتاب كائنات الحلم, ولعل أجمل الأحلام هي أحلام اليقظة, ولكن الحلم هو حالة تحتفظ بنكهة الطفولة التي تجعل العالم يدور حول الذات, إنها الحالة الوحيدة المتبقية التي يمكن للذات أن تستعيد مركزيتها من خلال كونها في مكان ما هناك ترقب أو تشارك, إن شاءت في ما يحدث حولها, وهي التي تعرف كل شيء, ولكنها لا تستطيع أن تفسر, هي المراقب الموجود دائما, هي المنفعل الأكثر استنفارا في فضاء الحلم. من هنا تبدأ المسافة التي تتحدى مساحة الأبعاد الثلاثة التي يتكون منها المكان في العمل, وهناك تضاف تفاصيل دقيقة على الأرض التي تتحول إلى قبر ما, كائن نائم يتجلى في ذلك الشخص الذي يظل في الشاهد ممددا تحت المخدة المفترضة, لكنه يستطيل إلى مساحة أبعد من ذلك ليتشكل طوليا في اتجاه معاكس للرأس, ولربما كانت من تناقضات الانتقال من مساحة اللوحة إلى فضاء المكان للعمل المركب, ويدخل هنا (كرب النخلة) كمرموز مكتن-ز بحالات عدة, منها تلك العلاقة التي استطالت بين إنسان هذه الجزيرة والنخلة, والتي استدعت ان يأخذها معه في طقوس الدفن, ليتوحد معها في حالته النهائية, انه ما يعاود طرح التساؤل, أليس النوم هو الموت الخفيف (الموت الطفيف) كما يشير أمين صالح? ولهذا النائم /الميت, يقوم شاهد القبر, ذلك الشاهد الذي ينتقل من مجرد كونه حجرا على حدود القبر إلى قيامة للنائم (الميت) هي القيامة التي تنساب منها الأرواح المحلقة في فضاء تزخرف بالأبيض, هل الموت هنا هو حالة لا زمنية? كما هي حالة الحلم الذي يستطيل أو يتقلص بناء على الإحساس الخاص به, وعند توقف الإحساس هل يتوقف الزمن? ألا يفترض العمل ثنائية الروح والجسد, تلك الثنائية التي تمكن الجسد من الانفصال عن الروح, وإمكانية عودتها, أليس النوم مثال الشاهد على عودة الروح, لذلك الغائب البعيد المختبئ في أفق الغيب خارج الزمن المفاجئ (الموت). إنه البياض المداهن والمحايد, والواقف في أفق الاحتمال نحو الطهارة, نحو السحب التي تستجلب الماء, وهو أداة الطهارة, الذي هو ذاته منبع الحياة, إنها ذات الحالة التي تتكدس في أروقة النوم, أليس نوم الظالم عبادة? انه يسيطر على أفق المكان لتنتابه حمى التشكل في دفق لوني يتخذ المسطحات الواقفة على الجدران مكان ما يثير احتمالية الخيال وسيولته, يقترب من الحلم, يقترب من الموت, يقترب إلى حدود الجحود, حمامة هنا, حواجز للغيب هناك. إلا أن المدخل إلى العمل تحرسه غلالة البياض المعلق, واقف كحارس لذات النائم (الميت), من بعيد تتأجج مساحة البياض المواجهة بتلك الزرقة التي تنوس فيها الكائنات مرتادة لحركة العلو القريب, تتدلى أشكال من الأغصان في بعض الحبال لتوحي بذلك العالم الذي يمكن ان يتشكل بكل طريقة ممكنة في خيال المتلقي, سجادة النائم, هي ذاتها السجادة التي يلف بها جسد الميت, لينفتح التساؤل من جديد, عتمة النوم أم عتمة الموت? سياحة الروح في الحلم, أم مراقبة الروح للأحياء بعد الموت (حلم)? حتى المخدة يمكن ان تكون هي مرموزا للأرض التي ننام عليها نومتنا الأخيرة, أين تذهب أحلامنا وأمانينا بعد الموت? إلى أين تذهب لذائذنا? وأين تبقى تلك النيران المشتعلة للرغبات? ؛بين الليل والنهار..ظلام ونور بين الأيام والألوان.. إنسان وإحساس آهات وأفراح.. حب وأشواق و ذكريات عاصفة.. وأحلام متلألئة « محمد حسن. تجسيد اللا متجسد هل يمكننا ان نرى الحرية المعتقلة? ذلك الجدل الواسع بين ثنائية الروح والجسد? لربما كان هو ذلك التوق إلى الانعتاق من القيد الذي يشكله الجسد, انه الانطلاق إلى فضاء الروح التي تطوف بالأمكنة, هنا يتوزع العمل على أرضية المكان, تلك الخطوط المنسابة التي تقودك إلى مرموزاتها التي تواربها من خلال الإبهام الذي ينتصب في بطن البياض القائم على تلك النصب التي وضعت عليها مجموعة من الأشياء المتناقضة التي توحي بالقيد, لربما كان تعبيرا عن الضيق بمساحة المكان الثلاثي الأبعاد. انه عمل (لا جسد) لمحسن غريب, هذا العمل يعتمد على تلك العلاقات القائمة التي تجبرك على النظر إلى الأسفل, والانتقال عبر دهاليز الأبعاد الثلاثية لتكتمل عندك الدائرة, في البداية تلاحظ تلك السمكة الموضوعة في إناء الزينة, تبدأ هنا في التفكير, لماذا السمكة, هذا الكائن الصامت, الذي يمثل النقيض للطيور الصداحة التي تعيش في الأقفاص, زينة ملونة صادحة, فسمكة الزينة كائن حاول الإنسان اقتناءه, وليفتتن بجماله وضعه في تلك الأحواض التي تجعلها تطوف في عشوائية لتتحسس ذلك القيد الذي يشف عما نرغب في أن نراه, إنه تعبير صامت عن قيد المكان الضيق, المائي, في ذات الإناء الزجاجي الشفاف القامع, والقابض على لزوجة الماء (الحياة), هناك في المقابل إناء آخر موضوع فيه قفل, كيف يغرق القفل في قاع الماء, بينما تطفو السمكة في قيدها, هل القيد غارق في قيده? و في فجأة المكان ينتصب الكرسي, هذا الكائن الخرافي الذي ابتكرناه, إنه شجرتنا التي نرتاح عليها, ذلك الرفيق القديم للإنسانية منذ اللحظات الأولى للحضارة, يحمل من المدلولات ما لا نكاد نقف عليه, لكنه هنا كرسي يستحيل الجلوس عليه, معاد, طارد, بارد, معدني, هل هو قيد المكان, رمز للتملك الفاره, للقوة والجبروت الذي يتمدد في الأجساد, هو ذات الشعور الذي تستمد منه السلطة مرموزاتها, أي سلطة لنا على الجسد, هذا القفص الهائل الكبير, الصغير الضيق, هذا الفضاء الحر يستحيل سجنا لنا, نعرف أننا نعيش في هذا القفص, هذا السجن, هناك توق في الروح نحو التحليق والانتشار. هكذا هو الجسد يغطي الروح بحرارته في الصغر, تلك الكثافة التي تشعل نيران الرغبات المنبثقة عن حاجات الجسد الغض المندفع, نكبر, فيتهاوى القفص, لتشف الأرواح من خلال زجاج الجسد, وتدرك الروح انه كلما شف كلما كان قابلا للانكسار داخل الموت, ت حن الروح, لكنها تكف عن التحليق. هو الكرسي إذا, حديد صلب, في خطوط مستقيمة هندسية, تنتصب في وسطه خوازيق أربعة, وعلى الرأس قرنان, يوحيان بالهلال الذي كان علامة للخصب في بلاد الرافدين, إنه الثور الهائج الذي ينثر الخصب, والرغبات الكامنة على حنايا الجسد, هيجانه في تخليه عن أزليته في لحظة النشوة واللذة, تلك اللحظة التي تمنح الحياة لكائن آخر, انه الامتداد الذي تتناسل فيه الأرواح, الخروج من عتمة الذات إلى فضاء الأنا الأخرى. و لكن الكائن في أنانيته يخبئ الروح في عتمة الجسد, لكن الجسد هنا يتضاءل أيضا إلى حدوده القصوى برغبة الموت المؤجلة, حيث تتجلى رغبة الأرواح في السياحة بعيدا عن الجسد, بعيدا عن فاعليته التي تتمثل في يدين ترتاحان على حافة الكرسي, أو القدمين العاريتين اللتين تلامسان الأرض, تمتد أمامها سجادة مفروشة, توحي بالرفاهية الكسيرة لامتدادها القصير أمام تلك القدمين اللتين ربما انتقمت منهما الأرض لعلو ما في هذا الكائن, فراحت تتسلل إلى تكويناتهما لينتابهما تشقق الجفاف المعبر عن الموت, كما تتشقق الأرض بعد جفاف تربتها, وتميل القدمان إلى تلك العتمة اللونية التي توحي بالثقل, انه الجسد في حضوره وغيابه, انه الحياة التي تتوق إلى انطلاق الروح, انه الحلم المؤجل, أو الموت المؤجل, وهما حالتان تنطلقان من ذات الفاصلة, ثنائية الروح والجسد, هل نحن إلا تلك العلاقة بين أرواحنا وأجسادنا, منذ لحظة الميلاد إلى الموت ! ؛تعيش أعماقنا نجهل هويتها تعلم خفايانا تتلمس منا الرقي إلى درجات الكمال تعيش الوحدة والظلمة داخل أل ج س د تعيش هم الصعود إلى مقامها تحجبها القضبان عن ذلك تريد الانطلاق.. محتارة لا تعرف كيف الخلاص تطلب صحبة الطريق الطويل لكنها تبقى أسيرة العتمة القاتلة إلى ان يأذن لها ربها أنها أرواحنا « محسن غريب. الصد المخترق (الكرة الواقفة) هنا نقف أمام ذلك المثال الذي يخترق المختزل المعتاد واليومي, بنقله إلى أفق الثقافة العالية, أنها وحيدة مال الله في علمها الكرة الواقفة, هنا تظهر لنا ذات الفنان المواربة التي تقف في مركز العمل, قريبا من المرمى, أنها تلبس قفازين يبدوان كبيرين بالنسبة للمنظور, لكن حالة الكبر تلك في مرمى العدسة التي التقطت الصورة تبرز حالة الصد, وتحاول التغلب على التسطح الذي يفرضه بعدي المنظور في الصورة, من خلال حركتين متضادتين, تمثلان الامتداد الزائد والتضخم في اليدين وحركة الرجلين المنحنيتين إلى الأمام. ولعل الأنوثة تتقن لعبة الصد, إنها حالة من الصد الموارب, الذي يرفع حالة التشوق لما صد عنه, إذ أن المدافعة عن المرمى تنظر إلى الأسفل, تغطي وجهها قبعة حمراء تحجب عينيها, أنها لا تنظر بعينيها, إنها لا تصد الكرات التي اخترقت المرمى, إنها تصد كائنات أخرى غير الكرة, إنها لا تدافع عن المرمى, إذ لا يوجد حارس للمرمى يلبس حجابا, هل الحجاب هو مرموز في العمل يشير إلى تلك العتمة التي سيعبر عنها العمل بالسواد? إنها ترتدي <<البنطال>> الجينـز, لكنها تثير حالة من الاحتراس, كأنها تقول لا تقترب, لدرجة انك تذعن لهذا الصد الخفي, فلا تتخطى الحارسة ذات القبعة الحمراء, واليدين الكبيرتين اللتين توحيان بالقوة والقدرة والفعل, إن اللون الأحمر المشحون بعلامة الدم ينتهك الإشارة والمرموز إلى خطورة تجعلك في حذر شديد, إنها إشارة تصل إليك من خلال انتشارها عبر الشبكة الحمراء المرمية على أرضية العمل, ويحدث ذلك بتفاعل المتلقي مع المنظور, فتدفعه إلى ذلك الإحساس تلك العلاقة اللونية بين القبعة والشبكة, ذلك انه سينظر إلى المكان الذي تنظر إليه حارسة المرمى, ليدرك انه إنذار شديد بعدم الاقتراب. هناك شبكة ملقية على الأرض, إن دورها المعروف في لعبة كرة القدم هو صيد الكرة التي تدخل المرمى, لكنها هنا تغلف مجموعة الكرات التي اخترقت المرمى بالفعل, ليبدأ التساؤل عند المتلقي, ما فائدة الصد, ما فائدة الشبكة, ان الصد مخترق, والكرات متجمعة على أرضية المرمى, بالرغم من كون الصد مستمرا, هناك كرة واقفة على المرمى, تثير التساؤل فعلا, لماذا ظلت هذه الكرة مؤجلة, واقفة. لعل المنظور لا يكتمل ألا حين تحقق في فضاء الجدران التي تحجز العمل والتي تميز فضاءه, انه ذلك السواد الذي يتناقض في حياده مع البياض المحايد أيضا, هنا تبرز تلك الكتابة التي تتميز بأنها حادة الزوايا, يابسة الحركة, توحي بالمعاناة القائمة, ربما في الكتابة ذاتها, ربما كلمات مثل ماما وبابا, وتلك الكلمات المكتوبة على صورة ما تظهر في المرايا, أو في عمى القراءة عند الأطفال, أو بما يسمى بدسكلسيا القراءة. انه ما يميز الأطفال هنا, الخط اليابس يتناقض مع حركة الخط المنحنى الذي يتناسب مع التحفز, الحماية والصد, تثيران تساؤلين حول جدوى التمنع المرهف الذي يحيل إلى غزل الرجل والمرأة, الذي يستحضر الطفولة, إنها تلك الحالة من التجاوز الذي يمتد على إغفاءة السواد المداهم. هناك أطفال يطيرون في البياض, تلك الأرواح المحلقة التي تنقض على الأنثى في مقابل حركة الصد, هناك ثوب اسود سقط على قارعة الملعب, لعله طفل مات قبل ان يولد, لعل المغامرة قائمة في حركة الامتداد, التوالد, ولعل المرمى يذهب بعيدا في الإيحاء نحو التكاثر. هناك صورة فوتوغرافية معلقة لوحدها بالأسود والأبيض, كأنها تحاول قولا ما, أحد عشر لاعبا والفنانة في جهة, الكرة معلقة على الجدار, هنا تبرز المساحة الكبيرة المرسلة بين العمل والنص المرافق. محمود,/ وحيدة,/ حسين,/ جلال,/ عبد الله, / جعفر,/ محمد,/ على,/ حسن,/ صادق, / حسين, / أمي, أبي... متى سنلعب? لأطفالي : ؛اللعب بعد الصلاة«!!! وحيدة مال الله. تشويش المشوش في تشويش لأنس الشيخ, تتملكك اللعبة الفنية, هنا تشعر بالفخ المنصوب في قفص هلامي في دائرة الضوء, هنا حالة من الاحتواء للذات, الدخول في حالة من الموت المفترض, أليس التشويش هنا هو ذاته تشويشا للمشوش, الذي دخل موته العقلي الخاص, يبدو ان تشويش المشوش يوضحه, لكنها فكرة خادعة بذاتها, إذ ان تشويش المشوش قد يبعده في التشويش على الإدراك, فهل ما وعدتنا به العلمانية في عقلانية القرن العشرين, هو ذاته ما نشهده من تعصب للثقافة الغربية ضدنا? ألسنا نتهم بمعاداة السامية ! تلك المنابع التي هطلت علينا من أيام النازية التي كرست دراساتها الأجناس البشرية, ألسنا نحن حسب التصنيف العنصري من العرق السامي? لماذا إذا نتهم بمعاداة أنفسنا (السامية)? وهل هي فكرة تبيح للآخر في القرن العشرين لأن يمارس عنصريته السادية ضدنا? هل ما تقوم به العنصرية اليوم في كنف الدولة العبرية ينتمي لرحابة الإنتاج الحضاري للمنطقة وأطر الثقافة المتنوعة? ألسنا نعاني التشويش على الإجابة ذاتها? هنا بين يدي العمل تشعر بتلك الانطلاقة التي ربما توفرها التكنولوجيا التي تنساب مع الأصوات المتعالية حين تدخل في بعضها البعض محدثة تشويشا للسامع, فرغم امتلاكنا لأذنين, إنما وظيفة التمايز بينهما ليس لنسمع اكثر, كما تحاول بعض الأمثال ان توحيه لنا, وإنما لندرك اتجاها الأصوات, فلا يمكننا ان ندرك في ذات الوقت شخصين يتكلمان قرب كل أذن على حدة, خصوصا إذا كانا يقولان شيئين مختلفين, ذلك لوجود التشويش السمعي, الذي ينتج عنه تشويش في الإدراك. و لعل الأمر يبعد قليلا عن ذلك حين نستمع إلى التناغم الهرموني بأذنين كل سماعة تبث جزءا من اللحن يمكن ان يتداخل سمعيا مع الآخر منتجا تلك الحالة التي تنساب معها الأرواح في الهارموني الموسيقي. ولكنها تبقى بعيدة عن تلك المسألة حين تتداخل الأنغام الناتجة عن مسجلات متعددة تصدح في آن واحد بين الحسينيات في العزاء, والغناء الأوبرالي, والغناء المحلي, أليس هذا التشويش هو المعادل الموضوعي لهذه التيارات المتصادمة في المجتمع بين الداخل والخارج? ربما يكون ذلك التداخل تعبيرا عن تكرار إنتاج الأنماط الاجتماعية والسياسية, وهو ما يقوم به الوعي من استنساخ ظاهر ضمن ثقافة التكرار المتأصلة في مجتمعنا العربي الإسلامي, ويقوم المجتمع ضمن شرائحه وطبقاته وفئاته بذلك من خلال عملية الاستنساخ المتطابق للنماذج المرغوبة من خلال الهندسة الاجتماعية التي تحافظ على أنماط التخلف مدعومة بقوى اجتماعية وسياسية وأنماط اقتصادية محافظة, هل هي المسؤولة عن بقاء حالة الموت المؤجل اجتماعيا في متوالية لا نهائية? موت كامن في رغبات الاستهلاك المتكرر اللانهائي, دون الإنتاج, والتي تظهر في إعادة النموذج, لا زلنا نكرر نماذج أجدادنا وجداتنا بكل احتراز, ربما يكون ذلك ما تشير إليه الأنماط التي تظهر على شاشة التلفاز بتنوعها المتضاد, ولكن المكرورة بكثرة في ثباتها المحكوم بتلك الهندسة, بحيث يضمن بقاءها في حالة صنمية متجاورة لتضمن الموت للجميع بالتساوي. موت ما يشير إليه الإنتاج المتمثل في الفيديو, والعرض المكرور لذات الثيمات التي تظهر سريعا, مع الأصوات المزعجة التي تمثل أصوات البنادق وهي تنطلق كحرب ما غير معلنة على الإنسان فينا, إنها تبقى خارج عتبة الإدراك من خلال سرعتها, لعلها تقول أن ما يظهر على انه مألوف ومفهوم ربما هو ليس كذلك, تأمل كثيرا لتحصل قليلا, ولعلها تهيؤك من خلال ما تشير وتومئ إليه لتدخل في تلك الحيرة المتولدة حين النظر إلى المكونات التي تنبثق من استراتيجية النص المنساب على البياض الممتد عليه ظلال القفص, وهو الذي يدخل القفص في تناقضاته الصارخة الخارج والداخل. إن النظر إلى تلك الشاشات التي ينطبع فيها (أنس) ذاته على أشكال محتملة لحالة من إدراك الموروث والتعامل معه, يوحي بالمغاير أمام المنسجم, يظهر المتناقض فيما يدعي الوحدة, انه ذلك القفص الذي ربما يشير إلى فكرة التعصب, باعتبارها موتا للعقل, وينفتح على احتمال التعصب, والتعصب المضاد, أليس التعصب من الأمراض العقلية التي تميت العقل, وتذهب باتجاه إلغاء الآخر, من خلال موته? الذي إذا لم يتحقق يعني فناء الذات الضد. سيشترك الجميع في ذات المجتمع العربي في تقديس النص (بشكل مطلق), واعتباره فعلا مقدسا انتج في ماض ما, ويعتقد الجميع تقريبا بأنه سيبقى مقدسا في كل الأوقات, لذا يمكن ان يختار منه المرء ما يريد, بحيث يعود منسجما, ليصير النص من خلال التكريس نصا مقدسا مع انه ليس من المنابع المقدسة, ان الذي يضفي القداسة عليه هو أمر من خارجه, وليس أمرا كامنا فيه, الأيدولوجيا ربما, التعصب ربما, لا فرق بين تيارات الأيدولوجيا في ذلك من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار, لتنحصر المرجعية في ؛قال فلان« مع ان لفلان هذا قول مضاد لما يستشهد به بين المختصرات, وربما قول مضاد لمصلحتنا الآنية والحياتية. و التعصب قتل متعمد للذات الحية التي تبدع مفاهيمها حسب حاجات الحياة, تضع قيمها الإنسانية أمامها في تجليها المتسع أمام الوجود, أنها موت الذات المبدعة المفكرة التي تنطلق بحرية, من خلال دخولها اللعبة (القفص), تلك الذات التي من المفترض ان تبحث وتفكر, لتجد لها مكانا بين كائنات هذا الكوكب الذي بدأ يمد يديه نحو المجرات, لكنها ذات ميتة, أنها الذات واقفة أمام نزوع يجعلها تحارب ذاتها في ذات الوقت الذي تعتقد أنها تخضع المجتمع والآخر المغاير الذي تسيطر عليه من خلال عملية الإلغاء في متلازمة غريبة إلغاء الفكر والوجود معا, إنها ذوات تسير نحو إغلاق الدائرة, بالرغم من أنها في عنادها تمتد باستمرار نحو الأمام متصاعدة, نحو المستقبل. هل يمكن للنص ان يخرج من قفص الذات إلى رحابة الإنسانية المطلقة? هل يمكن لنص ان يتفلت كليا من الحالة الإنسانية المتحققة? هل الإنسانية المطلقة متحققة? هل هي لا زالت في أفق المتخيل والمحتمل? كلها أسئلة تطرح على مفهوم إماتة الآخر, على النص الواقف بالمقلوب, المترجم من لغة أجنبية, ليوحي بأنه المغاير المنفتح على أفق المستقبل. ثم تشير في التفات إلى النصف الموضوع في داخل القفص, انه قفص الحريم الذي دخل المخيلة العربية عبر بوابات الاستشراق, لم يكن الحريم معزولا عن الحياة السياسية بل كان مخترقا للحالة كلها, لماذا إذا حكمت نساء معدودات الدولة العربية الإسلامية وهي في أوج مجدها? كم هي المؤامرات والدسائس التي قادتها النساء في السياسة ضمن دائرة القفص التي تتغلب عليها المرأة مقاومة بواسطة الحيلة?! انه الوضع إذ ينقلب فيه السحر على الساحر, نعتقد أننا ندخل المرأة القفص, ولكن في الحقيقة نحن الذين نبقى في القفص. انه قفص مميت مطبق, إذ انه موت محتم على الذات التي تجعل نفسها فرجة للآخر, على الرغم من قدرتها, إلا أنها معطلة في ذلك التنازع الذي يشدها من الداخل, نزوع نحو فكرة النقاء الذي لا يمكن ان يطال, انه الركض وراء السراب, والانعتاق المؤجل للهوية من أفكار مستحيلة التحقق, أننا ما نريد ان نكون بمحض اختيارنا, وإلا سيصبح موتنا أكيدا, إذ تصادرنا أقفاصنا التي لا نستطيع لها دفعا لأننا داخل القفص ولسنا خارجه لنرى, من وضعنا في القفص? لماذا هو هوائي? لماذا نحن طرائده, ولماذا كلما مددنا اجنحتنا واعتقدنا بأنا ننساب في حرية ما, نجد القفص بالمرصاد? ؛يريدوننا... لا ابيض.. لا أسود.. ولا حتى رمادي !« انس الشيخ. المتاهة, أبواب المرايا عند عبدالرسول الحجيري (اللغز.. متعدد الأبواب !), تقابلات تدخل حد الخداع للحواس التي تنظر, الأسفل يغدو هو الأعلى, الأعلى يغدو هو الأسفل, بينما تنفتح الأبواب وتنغلق أمامنا, انقطاع الباب عن الجدران, تلك الطرق التي لا تؤدي إلا إلى الخراب, ومستنقع الماء الذي لا يسيل حتى إذا قلب رأسا على عقب, يظل هناك في الأعلى, حيث مصدر الضوء الذي يلقي بظلال الأشياء من خلال قماش التصوير, لتختبئ فوقه بقعة الضوء المنبعثة, لكن الأرض تظل تحت الفوق, تظل هناك أعشاب برية, ربما توحي بالأرض في المناطق المهجورة من الساحل الشمالي للبحرين, تلك النباتات الصحراوية التي تقاوم العطش المندس في رمال تبثها تكوينات الصحراء الكبرى التي تنقطع عندنا, يقطعها الخليج, تقطعها المياه العذبة التي كانت تقاومها ببسالة, صارت بعدها شهيدة لتلك المقاومة, ربما لذلك كانت النباتات يابسة تعبيرا عن ذلك الموت الذي يأتي من الجفاف. المستنقع, يستجلب الطفولة, المطر, الرذاذ اللذيذ الذي كنا نخرج لنتلقاه, يلفح وجوهنا بجمالية غريبة, يكون المطر حياتنا, حيث يكون الماء موتنا, الماء هذا الكائن الغريب الذي يرتبط في الثقافة بالحياة, لكنه يخترق تقاليد الموت من خلال طقوس الدفن الجنائزية التي تمارس عبر الغسل, ابتهاج الحياة, والمستنقع الآسن الذي يسيطر على سماء الوجود, ذلك المستنقع الذي لا نتوق ان يمطر أبدا. هنا تبدو الأبواب كأنها منفذ ما من تلك الحالة التي يتأملها الصبية, الهروب إلى الأمام, ذلك أنها تعطي خيارين في حالة مشتركة, الباب المفتوح المصنوع من الحديد والملون بالأحمر, يوحي بفكرة الحداثة التي تفتح على الخراب, لكن الباب التراثي الذي يتلون بالزخارف موصد, هل هي إشارة إلى استحالة الأصالة والتأصيل كما يشير اركون? هل فعلا الحديث يفتح على الموت? هل الماضي موصد أمامنا تماما? وهل تقترح علينا تلك النظرة الجماعية للمستنقع المقلوب محاولة الهروب, ألا توجد في العمل جهة رابعة وثالثة ليست مشغولة إلا بجسد المتلقي, هل هي ما تبقى لنا من حالة الموات المواربة? ؛لمسة سحرية قطفتها تلك الأنامل التي ما ان وضعت بصمات جسدتها في عوالم التصوير والكاميرات, حتى أعطتها صورة حسية لتبرهن ما كانت تختزل معالم لم تكن مرسومة ليتأملوا فيها ويشاهدوا تلك النظرة التي لم يجدوا سبيلا للوقوف أمامها بعكس ما نراه نحن المصورين..« عبد الرسول الحجيري. قفص مفتوح على الداخل ؛رائحة الفقد«, تلك الرائحة التي تعشب بعيدا عن الأسلاك, تلك الرائحة التي تنساب في الأدب البحريني المشغول بهذا الداء الذي حاولنا رصده في متواليات الكتابة, لكنه متمترس في دائرة المكان الذي يعبق بالفقد الذي شكله رحيل الكاتب والمفكر ادوارد سعيد, ذلك الرجل الذي بقي خارج قفصه محبوسا فيه, انه يكتب في ثقافة الآخر يحاول ان يعليها ويخلصها من تلك الشوائب التي انتابته لرغباته الدفينة في السيطرة على مقدرات الشعوب, وامتلاك ثرواتها التي بها يعلي ذاته, ويقود الآخر نحو الموت المتحقق, ذلك ربما ما يوحيه النص الأجنبي الذي يتدلى إلى جوار ادوارد سعيد, ويقوده السهم نحو الأسلاك الشائكة. هذا الطائر الذي بقي خارج قفصه محبوسا بأسيجة الآخر, تلك الأسيجة التي بقت تربطه بهم, تبعده عنا, عندما حاول تجاوزها, دخل إلى قفص ابدي هو الموت, هناك حيث تغني الأرواح بعيدا عن جسدها, في الكتابة تبقى تلك الأرواح في اصطفافها الجمعي, تمد أصابعها عبر الزمن والثقافات لتقول كلمتها التي كان لابد لها ان تقولها, الأسلاك الشائكة سجن, السواد قبر, ادوارد سعيد وهو ينظر بعينين ثاقبتين لقراءة المشهد الإنساني مهموم, نحن الذين بقي لنا ان ندرك حالة الفقد في أطرها التي لا تعود ولا تغادر. ؛رائحة الفقد تتفصد في صلصال هياكلنا تركت قنديلك, حروفك, وطنك تعبث به الأعداء زجاجة رؤياك منحتنا الضوء, و أنت منحت ليلا فاغرا من العتمة.« علي القميش. الفناء وجودا تجربة الفناء الصوفي, تلك التي تنتاب الأرواح, التي تشتاق إلى أن تكون متوحدة في ذاتها, لترى العالم في حبة رمل, لتشعل زجاجاتها التي تضاء برائحة الزيت المقدس من شجر الذات, لترى الذات وهي تحلق في فضائها النوراني الخاص, لتنغلق الدائرة الخارجية, وتشتعل الأشواق المؤججة بصوت الموسيقى, إنها الاندغام في الكل, والفناء المطلق, موت يشتعل برهة, حياة تستنفر الحيوات المؤجلة في عوالم لا تطال, ارتقاء الكائن وارتكاسه المستمر, الصراع الخفي بين سمو الروح ونورانيتها, أشواقها العلوية, وكثافة الجسد, ثقله الذي يشد نحو الظلمة, توحدهما في ثالث لا يشبههما أبدا, لا يستطاع الكلام عنه, قريب بحيث نعجز عن لمسه, بعيد بحيث نجده أينما نظرنا, يعجز عن الخروج برغم اتساع الملكوت لضيق الجسد, كبير إلى حدود تحتويه ذرات الجسد الصغيرة. الصوفي, هذا الكائن الذي يعيش وسطنا, لكنه ليس معنا, قريب منا لكنه بعيد في ذات الوقت, انه الكائن الروحي الذي يشف ليندثر في أفق الكون العظيم, فتبقى ثيابه التي ننظر إليها, لا جسد يحتويه, الثياب تشير إليه, تنقله الموسيقى وهي تنداح, لكنه مستوحد مستوحش, يعيش فرادته, ذوبانه اليومي, سيولته التي تتراكض في أفق الأرواح, تعاليه, كبره, صغره, لكنه ساكن في وحشته التي تمتد إلى سدرة المنتهى, تلك الوحشة التي تتطاول حزنا, لما لا يطال, كل تلك الكؤوس فارغة إلا من طينها الأرضي, أو من شموعها التي توقد حينا أو تطفأ حينا آخر, لتشير إلى صحبة غائبة, فقد مؤجل في غيابة الوعي, وانكسار الفاجعة, هو الجسد المربوط بتفاحة الخلق, التخلي المطلق عن الخلود من اجل انبعاث الأرواح الساكنة عالم الذر, لكنه غير مسؤول عن تلك الحالة, انه يتجافى تخلقه الآخر, برغم ذلك تظل تفاحة آدم تطارده بالموت, الذي يصيح لا خلاص, لا خلاص, فمعشوقه يعده بالموت الذي يرتكبه كل يوم, لكن لا خلاص, هو كائن الحزن, القريب البعيد, الذي يعيش الفقد في اشد مراراته, والقرب في أحلى حلاوته, لكنه يعرف ان لا خلاص, لا خلاص, فالموت بالمرصاد. ؛ستأخذنا صلاتك في رحيق الفصح لن نبكي على ما فات من حياتنا و سنسند الروح الشقية لاحتمال ال هتك و الولع الرحيم.« حسين مرهون. ما تبقى من الرأفة ماذا يريد الفن المركب ان ينقل لنا من المفاهيم? ماذا يريد ان يقول في خلاصة لا تستطاع, لقد شهدنا في الآونة الأخيرة من العولمة, تلك الفجاجة التي تقترحها قوى السوق التي تحول الإنسان بالتدريج لكن بإلحاح لجوج إلى سلعة, لكنها لا تحوله بكليته, فلم يعد بالإمكان مع تحرير قوة العمل التي احتاجت إعلان حرية الإنسان في اختيار قيوده ان يباع الإنسان في سوق النخاسة. لكن هناك أجزاء من الإنسان يمكن ان تباع وتشترى, انه الإنتاج كما يتمثل في قوة العمل التي تباع في سوق العمل, وذات الأمر الذي بات يطبق على لوحات دخلت قيم المجتمع باعتبارها سلعة للتفاخر, انه إعلاء لقيمة الفن التجارية وانحطاط لقيمته الاستهلاكية, وليس القيمة الإنسانية, إننا نشهد ذات التناقض الذي يظهر بين بيع لوحات بملايين الدولارات بينما مات أصحابها ولم يملكوا ما يملأ بطونهم من الطعام, كما أنها تحرق كل تلك الطاقات الهائلة الفنية المكدسة في ملصقات الإعلان والدعاية المختلفة, باعتباره نوعا من أنواع الفن الذي يفقد قيمته بمجرد أداء الغرض الذي أنجز من اجله, فهل يعود من الممكن اعتباره فنا? كما هل من الممكن اعتبار الشاعرية الطارئة على تلك الأعمال شعرية? يبدو ان الفن المركب يقف ضد قيم السوق الاستهلاكية, انه غير قابل للبيع, انه يطرح مسألة غاية في المكر والدهاء, انها المفاهيم التي لا يمكن بيعها ولا يمكن لمسها, إنها ضد السلعة, ضد الفن الذي يقيم بالدولارات, انه ما يتبقى من الكائن, الذي يعد بالاحتفاظ بإنسانيته ضد قيم المادة الطاغية. لكنه يرتكب خطيئته المؤقتة التي سرعان ما تزول بزوال تكوينه الذي وضعه فيه الفنان, انه بهذا يتمرد إلى حد اللعب الإنساني الذي يشكل خطورة على وجوده بالمراهنة على قيم تبقى خارج التداول السلعي, سرعان ما سيفكك الفنانون أعمالهم تلك, وسرعان ما ستصير إلى عدم ما, أم ترى أنها في ذات الوقت التي تتواصل فيه مع متلقيها تدخل عدمها, إذ إنها تصير جزءا من ذلك الكائن الذي دفعته إلى الأمام? بينما تفنى هي لتقوم من جديد في ذهن آخر, لمتلق آخر, هل خرجنا من المعرض كما دخلنا? أم ان هناك ما تعلق بذواتنا التي باتت مغايرة لتلك التي دخلت المعرض? هل هناك علاقة بين فعل الفن فينا وفعل التدمير? هل تدمر النماذج في فن السينما لتصنع مشهدا يقوم على أنقاض غبطته المدمرة? أسئلة القسوة تدعي الذات هنا تمكنها من فرادتها, تدعي ذلك أو لعلنا ندعي بأنها كذلك ! لكن أسئلة القسوة تنبثق من تلك التداعيات التي تخلقها المفاهيم التي تتولد في ذهن المتلقي عن المعرض ككل, هل هناك هيمنة ما تخلقها تلك العلاقات التي تقوم في ذهن المتلقي وهو ينتقل بين الأعمال المختلفة, يحملها معه حين يمر بين أروقة المكان الذي يتحرك فيه? هندسة المعرض التي توحي بتغلب الذات المبدعة للجماعة على فردانية العمل? لعلي ازعم هنا ان المعرض يعطي ويشير إلى فكرة الموت كما أدرك القارئ, والموت يتبدى هنا من خلال مفاهيمه المتولدة عن تلك العلاقات التي يمكن لمسها باعتبارها تجليات متنوعة في الفكر الإنساني عبر التجربة المنداحة داخل المعرض, هو الخيط الناظم للفكرة أو لعله يقوم في التوهم بعد التجول فيه, هل افلت المعرض كله من تلك الترابطات? أم أنها موجودة فعلا, ذلك ما ادعيه. لعل المشاهد يدرك تفاوت الأعمال في التعبير عن المفاهيمية, وتسخير آلية الفن المركب, لعله يدرك تلك السيولة في الصورة, والتجسدات التي توحي بها الأبعاد الثلاثية للمكان, يدرك تلك التناقضات التي وقعت فيها الأعمال عبر الصراعية القائمة بين البعدين والبعد الثالث الذي اختفى في بعض الجزئيات, انه الفراغ الذي يدوم في الأمكنة التي لا تستطيع التجاوز خارج المسطحات ذات البعدين. و لعل المتلقي يدرك انه داخل هذا المعرض يخرج عن استطيقا جمالية كان الإطار يحدها باعتبارها حالة كامنة في انفصالية العمل عن الوجود الطبيعي, وانكسار تلك الآليات التي يلجأ إليها في تحسس تلك المفارقات اللونية, علاقات الظل بالضوء, انحناء الخطوط, مركز الصورة, المنظور.. الخ, إلى جمالية تميل إلى تلقي العمل دفعة واحدة باعتباره مفهوما يقوم في الذهن تجاه كتلة جسدها الفنان. انه لا يتماثل مع النحت ذا الأبعاد الثلاثة, وهي ما تمكنك من الدوران خلالها حول الكتلة التي تتجسد أمامك, لكنك في الفن المركب تدرك انك داخل العمل وربما جزء منه, انه ذلك التناقض بين الداخل والخارج, انك لا تستطيع تأمل هذا العمل من الخارج, يجب ان تكون داخل فضاء التفاحة, لا ان تحيط بها من الخارج كما يقول انشتين. هل نجح المعرض? هل ندعو إلى تكرار مثل هذه الأعمال? ما هي الجدوى من مثل هذه الأعمال? هل يمكن الحفاظ عليها? كلها أسئلة القسوة التي نحاول بها جلد الذات المبدعة, ما هي تلك المعيارية التي يمكن ان نطبقها في تقييم مثل هذه المعارض? هل الجماهيرية التي تدعي قياس عدد الحضور بالنسبة لعدد أعضاء المجتمع? هل يؤثر انتشار الأمية في هذه المقايسة? هل تؤثر أمية القراءة على التفاعل مع مثل هذه الأعمال? هل يستطيع شخص واحد القيام بهذا التعداد والمقارنة? أم يتطلب الأمر عملا مؤسساتيا لتقييم مثل هذه الأمور? هل هناك ثقل نوعي مؤثر في العدد الزائر? كلها أسئلة تتطلب الإجابات التي لا ندعي امتلاكها. هل هناك إمكانية ان تخصص وزارة الاعلام في مملكة البحرين مساحة ما في أماكنها لتأبد مثل هذه الأعمال? كم من الزمن يمكن لهذه الأعمال ان تدوم? تبقى أمر مثير تجدر الإشارة إليه, وهو تقليد أرى ان انس الشيخ قد حافظ عليه في معظم الأعمال التي يقوم أو يشارك بها, أنها تلك اللوحة التي تمتد في نهاية المعرض, والتي تخصص ليكتب عليها الراغبون من الزوار تعليقاتهم, إنها حسب ما أرى جزء لا يتجزأ من العمل ذاته, هناك علاقة خفية بين هذا العمل وتلك الأرواح المحلقة التي تدخل إلى محرابه, لتترك انطباعاتها المختلفة عليه, أرى ان هناك بعض التعليقات حلقت بعيدا في فضاء العمل, أثارتني تلك الأرواح, كأني زرت المعرض من جديد وأنا اخرج منه لتنتابني حالة الدرج من جديد. هل كانت النصوص المرفقة مع الأعمال مغرضة تستهدف طرد الناقد من العمل? هل يكتفي الفن بذلك? وكيف سنهيئ لقراصنة آتين مكان السهرة من هذا البعد? هل لنا دور? هل قلنا ما يكفي? ------ ملاحظات : 1) أقيم المعرض الثاني للفن المركب بصالة جمعية الفن المعاصر من 12 إلى 24 أكتوبر 2003م. 2) الصور المعروضة للأعمال قبل استكمالها نهائيا, لذلك يمكن ان يلحظ القارئ بعض الاختلاف بين الوصف والصورة التي لا تعوض عن استكمال المشهد. |
|||||
|
|||||