كارلـوس فوينـتس:
في مديـح الثقـافة الخـلاسية للمكسيك وأمريكا اللاتينية

 

حاوره: فابيو قامباو/(المجلة الأدبية الفرنسية/ العدد 416 يناير 2003
ترجمة: حكيم ميلود


الهجرات الكبيرة تصوغ مظهر

البلدان, وخلاصا  لها من الانغلاق

اكتشفنا أن لدينا ما نقول, وأنه باستطاعتنا أن نحكي كل ما لم نستطع قوله خلال ثلاثة قرون. كان هناك الكثير لإبداعه وكان هناك تراث يجب خلقه, من هذا الاكتشاف الخارق تنبع قوة وعظمة الروايات اللاتينو أمريكية, هذه الروايات التي جمعت بسرعة تحت وصف الواقعية السحرية

يعتبر كارلوس فوينتس أحد كبار كتاب أمريكا اللاتينية اليوم. ومنذ خمسين سنة لم يتوقف عن الكتابة وتقديم روايات مدهشة لقرائه الكثيرين, حيث عرف كيف  يحكي  فيها ببراعة وذكاء, الوجوه المتعددة لموطنه الأصلي: المكسيك, لتناقضاته  وآماله, لتاريخه وثقافته وسحره . بعد أسفار كثيرة,يعيش الآن بين لندن ومكسيكو, مع الإبقاء على علاقات عميقة مع فرنسا التي أمضى فيها سنوات طويلة.

يقترح علينا في كتابه الأخير <<ما اعتقده>>  ce que je crois  نوعا  من الألفبائية abecedaire  الشخصية جدا, أين يعود إلى مساره  وإلى  بعض  الموضوعات  القريبة من قلبه . يشكل الكاتب المكسيكي, وهو يناوب بين الذكريات الشخصية والتأملات السياسية, بين التعليقات الأدبية والانفعالات الحميمة, سيرة ذاتية ثقافية متفردة ورائعة,  يسلم فيها مفاتيح حياته وإبداعه, فمن صداقة إلى بونويل, ومن فولكنر إلى الحرية, ومن الأوديسة إلى الثورة, من الجنس إلى كره الأجانب xenophobie تبدو  فصول  الكتاب  مثل مداخل معجم شخصي  غنية بالمفاجآت التي تساعدنا على فهم أفضل لقناعات رجل لم  يعد  تبحره المعرفي وأناقته ودماثته بحاجة للإثبات.

** كيف ولد هذا الكتاب يا كارلوس فوينتس ? هل هو حوصلة لحياتك?

- إن الأمرلا يتعلق  بسيرة ذاتية  تقليدية, إنه بالأحرى حوار شخصي  جدا مع نفسي ومع بعض تجارب حياتي عبر أجناس أدبية متعددة, إنه كتاب اعترافات  أين مزجت الذكريات, التأمل والحكي, زد على ذلك أنني عندما بدأت التفكير في هذا الكتاب,كان نموذجي <<الدونكيشوت >> إذ تجد كل من السيرة الذاتية والاعتراف, والخيال مكانها في هذا الكتاب.قررت بعد ذلك, أن أكتب فصولا مستقلة ثم أرتبها ألفبائيا, لأنني لم أكن أريد أن أكتب كتابا له مسار خطي, على العموم, يتوقع القارئ دائما, في كتاب مذكرات, مسارا كرونولوجيا, لكن نستطيع تبني إيقاع آخر, على منوال غارسيا ماركيز في سيرته الذاتية المدهشة. إن الصيغة الألفبائية أتاحت لي الكتابة حسب مزاجي, ففي يوم ما أكتب عن بلزاك, وفي اليوم الموالي عن الغيرة, فاسحا مجالا أوسع للمخيلة.

** تستحضر على طول الكتاب عدة بلدان عشت فيها: أمريكا, سويسرا, فرنسا أو الأرجنتين, ماذا ترك هذا التيه في ذاكرتك, وفي علاقاتك مع موطنك الأصلي, المكسيك?

- إننا نعيش في عالم كوسموبوليتي, إذن نحن كوسموبوليتيون, والكت اب كانوا كذلك, وسيكونون أكثر. غير أن لي جذورا مكسيكية عميقة, ففي الفترة التي كنت أتبع أبي في ترحاله الديبلوماسي, في أمريكا وبلدان أخرى, كنت أمضي كل عطلي في المكسيك, بعد ذلك سكنت هناك لفترات طويلة, ففي فترة الخمسينيات مثلا, كانت تحركاتي محدودة جدا في تلك المرحلة, بما أنني كنت موضوعا على القائمة السوداء للولايات المتحدة الأمريكية, تلك القائمة الماكارتية, حيث كنت في صحبة جميلة مع سيمون سينيوري مثلا, وإيف مونتان, وميشال فوكو, وجراهام غرين, وإيريس مردوخ, وآخرين كثر. كان غارسيا ماركيز يشير دائما إلى التناقض في الموقف الأمريكي: فهم يمنعوننا من الدخول إلى بلادهم, في حين كانوا يسمحون لكتبنا أن تدخل, وهي كانت أكثر خطرا منا, بالنسبة إلينا, كانت هذه الوضعية مثيرة للسخرية في العمق, لكن في الولايات المتحدة دمرت النزعة الماكارثية الكثير من الناس, والمواهب, وحياة أشخاص وعائلات. ولحسن الحظ تحرك المجتمع المدني الأمريكي, مما سمح بإنهاء هذه المرحلة السوداء.

** لفرنسا حضور كبير في كتابك <<ما أعتقده>>...

- لقد أمضيت سنوات طويلة في باريس, لقد كنت في منتصف السبعينيات سفيرا لبلادي هناك, إقاماتي الأولى بدأت في الستينيات. وفي 1968 كنت مع خوليو كورتزار وأصدقاء آخرين, عند حواجز الحي اللاتيني. كانت أحداث 68 لحظة رائعة للأخوة والمتعة, لحظة كرنفال حيث تم لأول مرة نقد المجتمع الذي ما زلنا نعيش فيه حتى اليوم, أي مجتمع الاستهلاك المسيطر عليه بالمال, ولكن أيضا بالطيش والمظهرية والسطحية.

** هل كان لحماسة هذه الفترة أثر في أدبك?

- إنه لمن الصعوبة الحديث عن علاقات مباشرة بين السياسة والأدب, لأن الأمر يتعلق في الغالب بعلاقات   آنية, فإذا كانت أحداث التاريخ تترك آثارها في الكتابة, فإنها تظهر غالبا في وقت متأخر جدا. استطعت مثلا, أن أكتب عن الثورة المكسيكية, فقط,لأنه كان بيني وبينها مسافة زمنية كبيرة, مما جعلني أنظر إلى هذه الأحداث من زاوية مختلفة, الأمر نفسه بالنسبة لمجزرة 1968 في مكسيكو, في ساحة الثقافات الثلاث, لم أستطع الكلام عنها إلا بعد ثلاثين سنة, في رواية << لورا دياز >>.

** تعيش الآن, ومنذ عشر سنوات في لندن. هل تشعر بالراحة هنا?

-  لي في لندن حياة منظمة وهادئة تتيح لي أن أعمل جيدا, أنهض باكرا, وأكتب كل يوم حتى منتصف النهار, أعرف القليل من الناس هنا, وبالتالي فأنا لا أزعج  باستمرار. على العموم, أمضي الشتاء في المكسيك, لكن هناك لا أستطيع الكتابة لأن الحياة, والأصدقاء, والعائلة ودعوات العشاء, والنقاشات... تأخذ كل وقتي, لكي أكتب رواية, أحتاج إلى اله-دوء ويجب أن أعطيها كل الوقت, ولا أعيش إلا من أجلها, يلزمني إذن أن أنعزل, لكن في المكسيك, وعلى العكس من لندن, ذلك مستحيل.

** يبدو أن علاقتك ببلادك يشوبها التعلق والمسافة...

- هذا صحيح, لقد عشت نصف حياتي في المكسيك, ولكن فقط بالعيش بعيدا عن بلادي, تمكنت أن أجد المسافة الضرورية, والزاوية الصحيحة لكي أتكلم عنها. كان لي مزية الابتعاد, مما سمح لي أن أرى بشكل أوضح عيوبها, وأن أخوض, مثلا, صراعا داخل الثقافة المكسيكية ضد الشوفينية الوطنية, لقد كانت هناك فترة, بالفعل, اعتبر فيها كل ما ليس مكسيكيا سيئا, كأن ي قال أن قراءة <<بروست>> يعني <<التمومس>>, أردت إذن أن أفضح هذه النزعة.

** تتكلم في <<ما أعتقده>> عن المكسيك كما عن <<أرض غير مكتملة>>, لماذا?                                      

- يسود عند كل المسيكيين الانطباع بأن البلاد لم تشيد بشكل كامل, وهي تحيا في وضعية نزيف, مادام تشييدها لم يكتمل, وبما أن حزبا واحدا سيطر لمدة سبعين عاما, فإن البلاد وجدت نفسها في نوع من الجمود, عرقل إكمال تطورها وتحولها, إن إمكاناتها العظيمة لم تستعمل بكاملها,  نحن اليوم مازلنا في فترة انتقال ديمقراطي, حيث لاتقل العقبات والمشاكل.

** منذ عشرين سنة في <<كريستوف وبيضته>> كانت رؤيتك للمكسيك تقريبا قيامية, هل تطورت الأوضاع اليوم?

- التلوث, واللا أمن, والجريمة ما زالت أسوأ مما هي عليه في روايتي في تلك الفترة, لم أكن أريد بالتأكيد كتابة نبوءة, لكن أصبح كل ذلك, للأسف, حقيقة, بل أسوأ, لقد تخيلت بالإضافة إلى ذلك غزوا أمريكيا للبلاد, لكن ذلك لم يحصل لحسن الحظ, حتى وإن كنا لانعرف...(يضحك) هذا يعني, أنه في ميادين أخرى, لم تعد الوضعية كارثية كما كتبت عنها : فالبلاد تعيش تحولا نحو الديمقراطية, ولدينا انتخابات حرة وصحافة حرة, إنها نقطة إيجابية.

** في كتابك, تقدم غالبا, مديحا للامتزاج الثقافي, هل ي عتبر ذلك مظهرا أساسيا للمكسيك?

-  لقد كانت المكسيك دائما بلادا خلاسية, وستبقى دائما. إن 10  فقط من السكان هم من أصول بيضاء, و10  فقط من أصول هندية, والآخرون هجناء, بعد خمس وعشرين سنة لن يكون لا بيضا حقيقيين, ولا هنودا حقيقيين ستكون المكسيك خلاسية بالكامل, هذا واقع, يمكن أن نشكو منه أو نفرح له, وفي كل الأحوال, فإن الهجانة تنتمي لهوية بلادي, حيث يستبق الواقع كنوع من النبوءة مستقبل العالم كله, بما أن كل الأرض تتجه إلى الامتزاج, إن الهجرات الكبيرة تصوغ مظهر البلدان, في الوقت الذي تكون فيه خلاصا لها, لأن بلدا ينغلق على ذاته مهدد بأن يفقد هويته. تتشكل الهوية دائما في التواصل والتبادل مع الآخرين, لا في الانعزال. إن الهجانة تتجاوز اليوم حدود المكسيك, لتصبح, مثلا, حقيقة للولايات المتحدة, أين يتكلم خمسة وثلاثون مليون ساكن اللغة الاسبانية, ولوس أنجلوس تحتل المرتبة الثالثة في المدن التي تتكلم الاسبانية, بعد مكسيكو وبوينس آيرس وقبل مدريد أو برشلونة, ولكن يوجد فيها في الوقت نفسه شوارع بأكملها مسكونة من قبل كوريين ويابانيين. إن لوس أنجلوس هي بيزنطة القرن الواحد والعشرين, نموذج ملموس لهذه الثقافة الخلاسية لحوض المحيط الهادي, والذي يتطور كل يوم. خلال بعض القرون القادمة لن يكون لدينا أعراق نقية وخالصة.

** لقد خصصت للعلاقات بين العالم المكسيكي والعالم الأمريكي مجموعة قصص عنونتها <<حدود الزجاج>>..

-  لهذا الكتاب منزلة خاصة عندي, فلكي أكتبه أمضيت ستة أشهر في المدن الواقعة على الحدود بين المكسيك والولايات المتحدة, وهي إحدى أطول الحدود في العالم, وكما في جميع العوالم الحدودية, نجد فضاء مدهشا, وفي أوج التحول, تتعايش الاختلافات بين ثقافتين تتصادمان مع ولادة حقائق ثقافية جديدة, لسانية ومزاجية... على هذه الحدود نشهد انبثاق ثقافة مستحدثة يمكن أن نسميها <<مكسأمريكية>>. بالمقابل, وعلى العكس مما يمكن أن نعتقده, فإن الاختراق المكسيكي للجانب الأمريكي يبدو أكثر معاينة من الاختراق الأمريكي للمكسيك. فبلادي لم تفقد لغتها, ومطبخها, وعاداتها, وديانتها وتاريخها,و التأثير الأمريكي هو سطحي بالأحرى.

** للأسف, ينتج أحيانا عن تلاقح ثقافتين مختلفتين: التخوف واللاتسامح وكره الأجنبي. هل أنت قلق من هذا?

-  يحدث هذا فعلا, ويجب إذن أن نكون حذرين, إن نتائج العولمة غالبا ما تكون متناقضة, سواء على صعيد <<القرية الكونية>> أو على صعيد <<القرية المحلية>>, إنها تمنحنا مؤهلات رائعة في ميادين التكنولوجيا والتجارة والاتصال وحقوق الإنسان, لكن, بالمقابل, هناك المظاهر السلبية, إن عولمة بدون قانون تنتج مثلا السيطرة المطلقة للأسواق ونوعا من الداروينية الاجتماعية على مستوى العالم. وما يترتب عن ذلك, وبتناقض, هو أن السلع تكون حرة في التنقل, لكن البشر لا.على الصعيد المحلي, يمكن للعولمة أن تؤدي إلى إعادة اكتشاف الهويات والتقاليد المحلية, ولكن قد تؤدي أيضا إلى كره الأجانب والوطنية الزائدة والتطهير العرقي. يمكن للعولمة أيضا أن تجعل الإعلام والثقافة ينحرفان نحو مشهدية سطحية موجّهة فقط للتسلية.

** مع ذلك أتاحت العولمة أيضا في الميدان الثقافي اكتشاف آداب جديدة, أصبحت  اليوم مصدر ثراء للأدب العالمي, وقد أشرت أنت بنفسك إلى هذا في كتابك <<جغرافيا الرواية>>...

-  قبل خمسين سنة, لم يكن أحد يتوقع أن نيجيريا سيكون لها ثلاثة كتاب كبار مثل : شينيا أشيبا, ووول سوينكا, أو بن أوكري. في إفريقيا, في تركيا, في أمريكا الجنوبية, في زيلاندا الجديدة, في الهند, وفي كل مكان, ي ظهر لنا ازدهار الرواية غنى وتنوع الإبداع, الذي لا يمكن أن يكتفي بنموذج واحد. هذا الأدب العالمي الجديد يمثل مظهرا إيجابيا للعولمة. والبلدان التي كانت فيما مضى على أطراف الإمبراطورية, تقدم اليوم مساهمة مهمة للأدب العالمي, وهكذا  فإن أجمل الروايات المكتوبة باللغة الإنجليزية هي من إنتاج كتاب جاءوا من المستعمرات القديمة.

** هل يمكن أن نقول الكلام نفسه عن اللغة الإسبانية?

-  جزئيا فقط, لأن أمريكا اللاتينية كان لها دائما تراث أدبي رائع, فالمجدد الكبير للشعر المكتوب بالإسبانية كان شاعرا من نيكاراجوا, وهو <<روبان داريو>> وإذا كان غارسيا لوركا قد ساهم في تجديد الشعر اللاتينو أمريكي, فإن <<بابلو نيرودا>> جدد الشعر الإسباني.

 إن التبادلات بين إسبانيا وأمريكا اللاتينية كانت دائما مثمرة, لا يجب إذن الكلام عن أدب إسباني, مكسيكي, أو أرجنتيني, ولكن عن أدب مكتوب باللغة الإسبانية  فقط, ذلك الذي أسميه أدب منطقة المانش, منطقة سرفانتاس, الذي يعانقنا جميعا. إنني أجد نفسي في مكاني الطبيعي داخل المجال الأوسع للاتينية

** هل تعتبر<<سرفانتاس>> أهم كاتب بالنسبة إليك?

-  على الإطلاق, إنني أقرأ << الدون كيشوت >> كل سنة باستمرار, وفي كل مرة هي قراءة مختلفة بالنسبة إلي, وجدت في هذا الكتاب الحرية الهائلة لتعددية في الأجناس : رواية الفروسية, رواية الحب, الرواية البيزنطية, الرواية داخل الرواية..., في أحد مشاهد الرواية, يدخل <<الدون كيشوت >> إلى مطبعة - إنها المرة الأولى التي تظهر فيها مطبعة في رواية - أين كانوا يطبعون كتابا يسمى << الدون كيشوت >> هذا هو التراث الأدبي للمانش حيث يتحول الأدب إلى خيال دون أن يزعم أنه الواقع, بين سرفانتاس وستيرن وديدرو, هناك استمرارية, نجدها فيما بعد في أمريكا اللا  تينية في أعمال الروائي الوحيد الكبير اللاتينو أمريكي في القرن التاسع عشر : ماتشادو دي أسيس, وقد تعلق بهذا التراث بعد ذلك بورخس وكتاب آخرون من قارتنا.

** هل لعبت الثقافة الفرنسية دورا مهما في تكوينك?

-  نعم, ففي فترة شبابي, ان أبي ينتظر كل شهر على رصيف ميناء <<فيرا كروز>>, السفينة القادمة من <<الهافر>>, والتي كانت تحمل ما جد من الآداب الفرنسية, كان أبي يحب كثيرا الأدب الفرنسي, ومن ثم توفرت لي في بيتنا دائما قراءة الكتاب الفرنسيين, وفي سني التاسعة عشر, ركبت باخرة من فيرا كروز إلى روتردام, حاملا << الكوميديا الإنسانية >> ومعجما, ولم أفعل خلال الأسابيع الثلاثة للسفر سوى قراءة <<بلزاك >>, قرأت بعد ذلك كثيرا من الكتاب, لكن درس << بلزاك >> كان أساسيا بالنسبة إلي. لقد علمني أنه يمكن أن أكون كاتبا للواقع الاجتماعي وكاتبا للعالم الخيالي, بفضله اكتشفت أن الواقعية  والخيال يمكن أن يتعايشا بشكل جيد, هذا الدرس الذي حاولت أن لا أنساه بعد ذلك أبدا.

** ونحن نقرأ <<ما أعتقده>> نشعر أن السينما هي الأخرى كانت لها أهميتها الكبيرة في تكوينك, هل هذا صحيح?

-   بلى, فحتى ولادتي لها علاقة بالسينما, بما أن أمي عاشت مخاضاتها الأولى بينما كانت في قاعة سينما تشاهد فيلما صامتا <<الغجرية>> لـ كينغ فيدور. في سنوات الثلاثينيات كانت السينما بالنسبة إلينا هي اكتشاف وجه <<غريتا غاربو>>, تلك الصورة التي لن تنمحي أبدا. كان سحر القاعة المظلمة يتيح لنا أن نعكس أفكارنا ورغباتنا على الصور, لقد وقعت في حب السينما في هذه اللحظة بالذات, حيث كنت أذهب مع أبي مرتين في الأسبوع, وكانت أمي تقول لي دائما أنني أشبه <<ايرول فلين..... ( يضحك ).

** السينما بالنسبة إليك, هي أيضا صداقة <<بنويل>>.

-    إنه كان أحد كبار الخلا قين في فن السينما, ولكن بالنسبة إلي كان الخصوص, صديقا رائعا, كنا نلتقي, في مكسيكو, كل جمعة من الرابعة إلى السابعة, ولانتجاوزها, لأنه كانت لديه عادات راهب, فقد كان ينام مبكرا,معه تشعر أنك تحاور التاريخ الجمالي والفني للقرن العشرين, إنه ساهم في الطليعة السوريالية العظيمة ولكن كان يتكلم عن ذلك بدون ادعاء وبكثير من الدعابة. في سنة 1967, كنت في لجنة تحكيم مهرجان البندقية مع غويتيسولو, حيث شارك <<بونويل>> في المسابقة بفيلم <<جميلة النهار>>, لقد فعلت كل ما في وسعي لأجعله يحصل على الأسد الذهبي على حساب <<الصينية>> لـ<غودار >> و<<الصين قريبة>> لبيلوشيو, لقد أقنعنا أحد أعضاء اللجنة الروس, والذي لم يكن يريد في البداية منح صوته لأحد السورياليين السابقين, والذي أنتج فيلما في بيت دعارة, قلت أقنعناه بأن قلنا له إنه لايمكن لسوفياتي أبدا أن يختار فيلما يشير إلى الصين, لأنه قد يتعرض للإعتقال في <<القولاق>> بسيبيريا, بعد عودته, وهكذا قرر أن يمنح صوته لبونويل.  

** هل كتبت سيناريوهات?

-  لقد حاولت أن أكتب مع غارسيا ماركيز,لكي نتمكن من الصرف على رواياتنا, لكننا كنا مؤلفي سيناريوهات فظيعين, فقد كنا نمضي ساعات في مناقشة مجرد نعت بسيط, في الواقع كنا نقدم أدبا أكثر مما نقدم سينما, في النهاية أدركنا أنه لم يكن قدرنا أن ننقد السينما المكسيكية. قدرنا كان أن نكتب روايات.

** على ذكر الرواية, لقد كتبت : يعطي الروائيون واقعية لغوية للقسم غير المكتوب من العالم. هل هذا هو شعارك?

-  كل روائي يعرف أنه بجانب العالم الواقعي, يوجد عالم آخر ليس مكتوبا, لقد تحدثت في هذا الموضوع مرات عديدة مع إيطالو كالفينو. إن الرواية هي مثل شبح للعالم, لايراه إلا الكاتب, يقول الروائي حينئذ  ما لم ي قل بعد, وما لم ي دون بعد في قانون العالم, كل هذا يصح بشكل أكبر في أمريكا اللاتينية, حيث العالم الأدبي اللاتيني, هذا العالم الذي كان غنائيا في الأساس, قد د مر وق بر بسبب الغزو الإسباني, بعد ذلك منعت محاكم التفتيش  والقضاء الإسباني كل تصدير للكتب إلى أمريكا اللاتينية مدة ثلاثة قرون, هكذا في الوقت الذي كانت فيه الرواية تتطور في أوروبا مع سارفانتس ومدام دو لافاييت, أو فيلدينغ, كانت القراءة والكتابة ممنوعتين عندنا, بدأنا بعد الاستقلال, فقط, كتابة روايات. في البداية, وباستثناء ماشادو دي أسيس, كان كتابنا يقلدون الرومانسية والطبيعية الأوروبية, لكن, وفي يوم جميل بباريس, نحو نهاية العشرينيات, في أوج المرحلة السوريالية, أقسم ثلاثة كتاب من أمريكا اللاتينية, وهم: الكوبي أليخو كاربونتيي, والجواتيمالي ميجال أنخل أستورياس, والفنزويلي أرتور إسلار بييتري, أن لا يقل دوا الأدب الأوروبي, لأنه كان لدينا في أمريكا اللاتينية سوريالية فطرية, من هذا القرار ولدت الواقعية السحرية اللاتينو أمريكية, التي أتاحت المجال لأدب قادر على استرجاع كل التقاليد الضائعة والمطمورة لماضينا, وسرعان ما اكتشفنا أن لدينا ما نقول, وأنه باستطاعتنا أن نحكي كل ما لم نستطع قوله خلال ثلاثة قرون. كان هناك الكثير لإبداعه وكان هناك تراث يجب خلقه, من هذا الاكتشاف الخارق تنبع قوة وعظمة الروايات اللاتينو أمريكية, هذه الروايات التي جمعت بسرعة تحت وصف الواقعية السحرية. وفي الواقع, ليس هناك إلا كاتبين كبيرين ينطبق عليهما هذا الوصف : أليخو كاربونتيي, وغارسيا ماركيز, أما كورتزار وفارغاس ليوسا وأنا, فلا يمكن وضعنا تحت هذا التصنيف, في الواقع, إن الأدب الأمريكو لاتيني  منذ بدايته, قدم دليل تنوع كبير للأجناس والأساليب.

** لا شك أن اكتشاف هذه الإمكانية في قول كل شيء أحدثت فيك إحساسا سحريا تقريبا...

-  إنه كان إحساسا مثيرا, لقد وجدت أمامي أفقا مفتوحا تماما, ومليئا بالممكنات, ففي روايتي الأولى: المنطقة الأكثر إضاءة, حكيت مثلا مكسيكو المدينة الأهم في البلاد, والتي لم تظهر أبدا في رواية حتى ذلك الوقت, بعد ذلك استطعت أن أحكي ما لم يكن قد قيل بعد حول الثورة المكسيكية, أي الحدث الأكثر أهمية في قرنن-ا العشرين. فيما مض-ى كانت لنا روايات وشهادات لكتاب ساهموا بشكل مباشر في هذه الأحداث, لكن وبفضل المسافة, كنت قادرا أن أرى الثورة في ضوء نهار جديد أكثر نقدا.

** في رواية مثل : موت أرتيمو كروز, سجلت انحسار سحر الأفكار المثالية للثورة وترد يها. لماذا?

-    لقد أتاحت لنا الثورة اكتشاف الهوية المكسيكية التي ط مست وس ح قت, كما دفعت أيضا بالعالم القروي إلى واجهة المشهد الوطني, بتكسير عزلة أهالي القرى والجبال. في هذه اللحظة ولُدت السينما والأدب, والموسيقى والفن المكسيكي المعاصر, وعرفت البلاد محو الأمية والصحة والاقتصاد بشكل كبير, لكن على الصعيد السياسي, لم يتحقق المسار الديمقراطي ولا التعددية السياسية, ولم ي راجع هذا النظام إلا في 1968, لكن الشباب الذين كانوا ي طالبون بالديمقراطية لم ينالوا إلا القمع كجواب وحيد, وكان يلزم الانتظار ثلاثين عاما, قبل أن ي غادر الحزب الوحيد الحكم, وهذا ما حدث مؤخرا.

** نجد في رواياتك كل هذه الوثبات الفجائية لتاريخ المكسيك, كيف تنظر إلى علاقة الأدب بالتاريخ?

-  لمواجهة التاريخ, يحتاج الروائي دائما إلى مسافة, تضمن له وحدها زاوية رؤية أصيلة, ففي الحدث الحي, يمكن أن نكتب شهادات رائعة, أفك ر هنا مثلا في كتاب : بريمو ليفي حول معتقلات التعذيب, لكن لكتابة رواية, يلزم هذا الابتعاد. لكي يخوض الروائي في التاريخ لا بد أن يتخلص منه, إذ لا يجب أن يتموقع في التاريخ ولكن في العالم, وحينئذ تصبح المشكلة هي أن نعرف كيف نتموقع في العالم, والروائي يقوم بذلك بالتأكيد عبر الخيال واللغة.

** هذا ما قمت به في : لورا دياز, أين تعبر البطلة كل تاريخ القرن العشرين...

-  الرواية عبارة عن حوصلة للقرن العشرين, ولكن من وجهة نظر امرأة, لأنني كنت أريد الابتعاد عن ذكورية التراث المكسيكي إذ إن المرأة يمكنها أن تتقمص هذه الحوصلة بقوة ورهافة أكبر. إن روايتي : موت أرتيميو كروز, ولورا دياز, هما روايتان تسيران جنبا إلى جنب بالنسبة إلي, لأنهما تحكيان تاريخ بلادي, فالأولى هي رواية عن الثورة بينما الثانية, هي بالأحرى رواية عن علاقة المكسيك بالعالم, من جهة أخرى, في هذا الكتاب, عبر تقلبات بعض الشخصيات, أتكلم عن الواقع خارج المكسيك, عن حرب إسبانيا, وتراجيديا معتقلات التعذيب, أو عن المكارتية, إنها رواية بوليفونية (متعددة الأصوات ) من زاوية ما.  

** يعود الفضل في تعريف الرواية البوليفونية (متعددة الأصوات ) للناقد الروسي ميخائيل باختين, فهل ي عتبر مرجعا بالنسبة إليك?

-  بالتأكيد, فلقد صاغ باختين رؤية للرواية هي في العمق, شبيهة بتلك التي جاء بها سرفانتيس. إذ يتقاطع في الرواية البوليفونية الأفراد والتاريخ والسيرة الذاتية, وعلم النفس والسياسة, كل شيء يمكن أن ي درج في هذه الرواية, بفضل اللغة والخيال, إن المظهر الكرنفالي الذي كان عزيزا على باختين يجد تمثيله في هذا التنوع المتناقض للعالم الذي يجد توازنه في الرواية.

** تعود السياسة باستمرار إلى حياتك ورواياتك, فكيف يمكن للإلتزامات السياسية أن تتصالح مع العمل الأدبي?

-  برفض كل عقيدة سياسية, فالطريقة الوحيدة لإدخال السياسة في الرواية هي القبول بكل التناقضات, والأطروحات, والأطروحات المضادة, إذ لا يجب التأكيد على موقف وحيد, يجب فسح المجال للإصغاء لجميع الأصوات, إن كتّاب الواقعية الإشتراكية, الذين كانوا ملزمين بالتغني بأمجاد ستالين, كانوا يعبرون دائما عن صوت واحد, لكن هذا الموقف لم ي عط أبدا رواية سياسية حقيقية, لأن السياسة هي دائما حوار بين مواقف مختلفة, لقد حاولت في لورا دياز أن أقوم بذلك بطريقة جد خفية, من خلال نقاشات ثلاث شخصيات شاركت كلها في الحرب الأهلية الإسبانية مثلا, لكن في تشكيلات سياسية مختلفة : أحدهم فوضوي, والآخر شيوعي, والثالث جمهوري ديمقراطي. لا أريد تفضيل وجهة نظر سياسية واحدة, حتى لو اعتبرت نفسي يساريا فأنا لاأترك أبدا موقفي يصبح هو موقف الرواية, لا أريد أني فرض بطريقة دوغمائية. بالتأكيد لي مواقف سياسية, لكنني أفرّق بوضوح بين نشاطي كروائي وبين التزامي المفترض للدفاع عن هذه القضية أو تلك. عندما أكتب رواية لا أتبنى نفس الموقف وأنا أكتب لجريدة: الباييس عن السياسة الدولية, إن القيمة الأدبية تولد دائما من الانسجام مع اللغة,

 ولكن أيضا من نوع من الإيمان بقدرات الإبداع, ففي رواية ما, الخيال واللغة هما العنصران الأساسيان للإلتزام الأدبي, والدفاع عنهما هو الدفاع إذن عن الحرية.

** في : ما أعتقده  تحيل إلى (أينيس هلير) التي تعتبر الأخلاق بالنسبة إليها مسؤولية فردية, ماذا تعني لك المسؤولية الفردية?

-عند دوستويفسكي, كل العالم يلزمه أن يكون مسؤولا عن كل العالم, لكن كيف العمل? طرح السؤال مرة على الناقد (فيساريون. ج. بيلينسكي) فنصحه بأن يمد يده  إلى أقرب إنسان إليه. كانت تلك هي الطريقة الوحيدة للشعور بالمسؤولية عن العالم كله. بالنسبة إلي, الرواية هي إذن محاولة لمد اليد للآخر, هكذا أفهم مسؤوليتي الفردية


تصميم الحاسب الشامل